استيقظت "فيرا" على صوت نبضات قلبها المزعج، الآتي من الجهاز بجانبها. تأوّهت وهي تحاول النهوض، كل إنشٍ في جسدها يؤلمها، كأنها كانت في حربٍ دامت ليلة كاملة. اقترب منها "ماريو" بسرعة حين لاحظ تحرّكها، وقال بقلق: "سيّدتي... هل أنتِ بخير؟" لم تُجبه، لكنه ساعدها على الجلوس، وكان شعرها قد أصبح مبعثرًا. "اخرج." نطقت بها همسًا وخفوتًا، إلا أن قُربه منها جعله يسمعها، لذا انصاع وخرج. وما إن أغلِق الباب، حتى نهضت بسرعة رغم تأوهاتها المستمرّة، نتيجة آلامٍ في جسدها لم تعرف سببها. توجّهت إلى الحمّام، وبدأت تتقيأ... لم تكن مريضة، فما السبب إذًا؟ شربت ماءً من الصنبور، تنظّف فمها، ثم سمعت صوت هاتفها يرنّ. اتجهت إليه، ورأت اسم طبيبتها النفسية "موريا". زفرت بانزعاج، ثم ردّت دون أن تنطق بشيء، لكن الأخرى قالت: "أخبرني ماريو أن أُلغِيَ موعد الزيارة لأنك متعبة، لكن تعلمين شيئًا؟ أنا لن أستسلم، وسكوتك هذا لن يدوم معي." ابتسمت "فيرا" بجانبية... تشفق عليها. ثم أغلقت الخط، ونظرت إلى الساعة... كان منتصف النهار، وهي لم تبدأ بعد بتنفيذ أولى خطوات خطتها. أعمال الشركة التي لا تنتهي، تلاحقها كماضٍ أسود. أعادت التفكير فيما تريد فعله، كانت تفكر فيه منذ زمن، وقد عزمت على تنفيذه، لكنها فقط تتراجع إن كان سيُحدث أعراضًا جانبية. ثم اتصلت بـ "ماريو" الذي كان واقفًا عند الباب، وحالما رأى اسمها دخل مباشرة، فقالت له: "ذلك الرجل... نائب أبي، ما كان اسمه؟" "السيد دييغو؟" "نعم، هذا... لقد وقّعت على وثيقة لكي يأخذ مكاني لفترة مؤقتة – غير محددة – ليرأس جميع أعمال الشركة، وأنا سآخذ استراحة لأهتم بعائلة كوستا وأُزيح رينزو من الساحة. فقد طال هذا كثيرًا، وصبري انتهى. لذا أخبر دييغو بهذا، ودعه يوقّع. أما أنا، فسأعود إلى قصري." أراد أن يخبرها بشيء، لكنه كان مترددًا بشدة. ومع ذلك، قال بتلعثم: "ولكن... الـ.. الطبيبة قادمة." زفرت بانزعاج، ثم قالت بنبرة آمرة: "ماريو، أنا لن أضيّع وقتي معها. وأساسًا... أذهب إليها حين أشتاق. وأساسًا، ما دخلك أنت؟" شعرت أنها بدأت تتمادى معه، وهي التي تُقدّس الرسميات في علاقاتها، لذا أنهت الحديث بقسوة. وهو لم يُبدِ أي مشكلة، ما دامت لم تكسر أنفه أو فكه، فكل شيء بخير... خرج بعدما وضع مفاتيح السيارة فوق السرير، وهي ارتدت نفس فستان البارحة وخرجت من الغرفة بسرعة. كان "ماريو" قد وقّع أوراق خروجها سابقًا لأنه يعرف أنها، بمجرد استيقاظها، ستغادر. والجمل مثل: "انتبهي لنفسك" أو "هذا ليس لصالح صحتك" لن تنفع معها، سواء قالها الطبيب أو "ماريو" نفسه. حين خرجت من المشفى، وجدت الصحافة بانتظارها، وسيارتها كذلك. ركبت بسرعة، وحالما بدأت تقود، رأت سيارة طبيبتها تتوقّف. أنزلت الزجاج الأمامي، وابتسمت لها باستفزاز، ثم لوّحت. أما الأخرى، فبقيت تنظر بصدمة، حتى إنها ابتسمت لها ببلاهة ولوّحت أيضًا، ولم تعِ نفسها إلا بعد ابتعاد سيارة "فيرا" القرمزية. خرجت من سيارتها ولحقت بها جريًا وهي تناديها، لكن "فيرا" لم تسمعها. بينما "فيرا" كانت في الطريق تقود السيارة، تذكّرت ضعفها ليلة أمس، وكيف استطاع "رينزو" هزيمتها دون عناء. ضربت جبهتها بقبضتها بندم. "فيرا..." همست لنفسها باسمها، كأنها تُذكّر نفسها بمن تكون، وكيف أصبحت ما هي عليه الآن؟ للحظة، خطر على بالها الذهاب للمقبرة لزيارة أمها، لكن لن تذهب هكذا بملابس كتلك، احترامًا لوالدتها. وصلت إلى القصر أخيرًا، وصعدت إلى الأعلى حيث غرفتها، وأول ما قامت به هو حمّام بارد يوقظها ويعيد لها الطاقة، كي لا تضعف كما حدث البارحة... ولم تُطِل كثيرًا، ثم خرجت وتوجّهت إلى خزانتها العملاقة. ليست من النوع الذي يتحيّر، وأول ما تراه تأخذه. وهذا ما حدث. ارتدت طقم ملابس نسائي من التويد على الطراز الآسيوي، يتكوّن من جاكيت قصير وبنطلون واسع الساقين. الجاكيت بلون بيج فاتح مع أزرار ذهبية، وله أكمام طويلة بأطراف بيضاء. البنطلون بنفس لون الجاكيت. وختمت الإطلالة بحذاء أبيض ذو كعب متوسط الطول، وحقيبة بيضاء كذلك، وحلقات من الألماس رقيقة بشكل أنثوي. أما شعرها، فتركته منسدلًا، ثم خرجت من الغرفة لتلتقي بـ "مارغريت" في الأسفل، وقالت: "لا تنتظراني للعشاء، سأتناوله في الخارج." هزّت الأخرى رأسها، ثم تراجعت، بينما "فيرا" تقدّمت للخروج. وبدل السيارة القرمزية، قررت أخذ سيارة رولز رويس بيضاء من طراز كولينان، لتتناسب مع مظهرها الخارجي. كانت تتوجّه إلى قصر "كوستيلو"، القصر الذي كادت تتعفّن فيه، لولا صاحب يد العقرب... القصر الذي قررت الانتقام من كل أفراده. ذلك العجوز "إدواردو" لا يزال أعزبًا، لم يتزوّج إطلاقًا. والدته ووالده ماتا، كما أن أخته انتحرت بسبب عنف زوجها، وأخوه الأكبر قتله هو، وغطّى على الجريمة لشدة قذارته. وبقي في القصر المشؤوم: "إدواردو" وهو من اشتراها من والدها، "آيمر"، الشخص الذي بنت معه علاقة صداقة كطريق لتدخل العائلة، "روزا" والدته، "ميرا" أخته الصغرى، "جيوفاني" و"باليريا"، وابنتهما "آيدا" وخطيبها "ماركوس"، "إيفا" و"ديفا" التوأم اليتيم... وفقط! القصر الممتلئ بات فارغًا، وهذا بسبب انتقام القدر لـ"فيرا". هي تعرف كل هذا لأنها تراقبهم دائمًا من بعيد، وقد درست كل تحركاتهم، وكل ما يحبونه، حساسياتهم، أحبّاؤهم... كل شيء. وصلت إلى القصر، فدخل الحارس لإعلام أصحاب المكان بمن أتى، وقد خرجوا جميعًا لاستقبالها. تقدّم "آيمر" نحوها، وأراد أن يعانقها، لكنها تركت يديه معلّقتين في الهواء، وتقدّمت نحو كبيرهم "إدواردو"، وقالت بابتسامة ونبرة أنثوية مغرية: "سيّد إدواردو، رجاءً اعذرني على قدومي المفاجئ لكم... هل سببت لكم إزعاجًا؟" الجميع ينظرون إلى بعضهم، وخصوصًا النساء، لأنهم فهموا ما تحاول فعله... العجوز لم يكن صبورًا، ووضع يده خلف ظهرها وقال هو كذلك بفرح: "لا لا... لا مشكلة أبدًا، ادخلي." وقد دخلت أولًا، ثم لحقوا بها، وجلسوا جميعًا في الصالة. ما زاد غرابة وتوتر الأجواء هو جلوسها بين "إدواردو" و"آيمر"، والأسوأ؟ أنها كانت تضع يدها على فخذ "آيمر" بكل أريحية أمامهم، و"آيمر" لم يقل شيئًا، بل كان مستمتعًا. قالت: "اعذروني جميعًا مرة أخرى... لقد كان الأمر طارئًا، لذا أتيت بسرعة." تكلّمت "روزا" وهي تضم ذراعيها لصدرها: "أخبرينا، ما هذا الموضوع المهم؟" ضحكت قليلًا بخفّة، وقالت: "لا دخل لكِ فيه... لقد أتيت لأتكلّم مع السيّد إدواردو." ثم نظرت إليه، وسحبت يدها من على "آيمر"، لتضعها على فخذ "إدواردو"، فقال: "بالتأكيد، سيّدة موروفا... لنذهب إلى مكتبي في الأعلى." "ماذا؟ لا... بالطبع لا!" نطقت "باليريا" بعدم تصديق وبعض الغضب. فنظرت إليها "فيرا"، ثم سحبت يدها وقالت: "لا بأس، سيّد إدواردو... سأعود لاحقًا." ثم وقفت، فوقف "آيمر" بسرعة وأمسك بذراعها قائلًا: "لا مشكلة... أساسًا عمي متفرّغ الآن." ثم نظر إلى "باليريا" بجحوظ، وهي أنزلت رأسها، ليقف "إدواردو" العجوز، وأمسك يدها، وأزال يد الآخر من ذراعها، ثم قال وهو يسير نحو الدرج: "تعالي معي." مشَت معه متقزّزة من لمساته ومن رائحته الكريهة... تعرفه جيدًا، وتعرف أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتعطيهم الأمان. إذا سيطرت على الكبير، سيطرت على الجميع. أدخلها آخر غرفة في الممر، وحين دخلت، كأن روحها خرجت... لم يغيّرها. نظرت في الزاوية إلى اليمين، لترى نفسها قبل 14 سنة، مطروحة أرضًا، تبكي بصمت وأنين، لأنها إن أصدرت صوتًا، سيُكمِلُون ما بدأوه، وليس بعيدًا أن يكسروا يدها... أو فمها. "سيّدة موروفا؟" تكلّم "إدواردو" وهو يجلس، لتستفيق من شرودها، ثم تظاهرت بالابتسام، واقتربت منه لتجلس أمامه، وتقول مبتسمة: "نادِني باسمي." رغم استغرابه، لكن شهوته الفيّاضة كانت أقوى من أن يطرح أي استفسار. ابتسم لها، فقالت: "بصراحة، سيّد إدوارد... ضحكت بخفة... أنا لا أحتاجك في شيء، أردت فقط رؤيتك." سكت من صدمته، لكنه ظلّ مبتسمًا، ولم يتحرك. فوقفت، وقالت: "آسفة..." ثم توجّهت إلى الباب، لكن قبل أن تخرج، نهض وهو يستند على عصاه، وأمسك يدها، ثم رفع نظره إليها: "لا تعتذري." ابتسمت براحة أظهرتها له، ثم قالت: "لا... عليّ الذهاب." "إذًا، لنلتقِ في وقت لاحق." فكّرت قليلًا، ثم قالت: "لنلتقِ في فندقك." "متى؟" "في أي وقت تريد، سيّد إدوارد." ثم لمست كتفه، ليشعر الآخر أن قلبه يذوب، فقال: "إدواردو... بدون سيّد."
_duaruby_