14 0

توقفت سيارة فارهة بلونٍ أخضر قرمزي أمام بوابة قصرٍ مهيب، وما إن انزلقت عجلاتها عن الطريق حتى تسابق الحراس إلى فتح الباب الخلفي بانضباطٍ يشوبه التوتر، فيما كانت العيون تحدّق من النوافذ والشرفات بفضولٍ مشوب بالخوف نحو تلك السيدة التي خرجت... "فيرا بوروفا". أتكون كما تصفها المجلات والجرائد؟ كما ترسمها صفحات التواصل الاجتماعي؟ ذلك الاسم الذي تتردد أصداؤه في كل مجلس، وتهمس به الشفاه بوجل...؟ خطت أولى خطواتها، فلامس كعبها الأبيض الأرض بخفةٍ متعالية، تبعته قدمها الأخرى، ثم ترجلت بكامل هيبتها، تمسك حبلاً أنيقًا التفّ حول عنق فهدٍ مهيب خرج يرافقها كظلها... مجرد حيوان أليف، على ما يبدو، لكنها لا ترتاح إلا بوجوده جانبها. "توقّفن عن التحديق، ولتعد كلّ منكنّ إلى موضعها... لا مجال للخطأ." رنّ صوت امرأة أخذ منها الزمن نصيبًا وافراً، وبدت وكأنها رئيسة الخدم. سارع الجميع إلى تنفيذ الأمر، فرّ بعضهم نحو المطبخ، وتوجهت ثلاث خادمات صوب الباب، يصطففن بنظامٍ خجول، ينظرن إلى الأرض، ولا يجرؤن على رفع أعينهنّ إلا لمحة خاطفة تجاه السيدة القادمة. سارت فيرا بخطى ثابتة إلى الداخل، يسبقها الفهد كظلٍّ حيّ، يثير الخوف في القلوب، لكن لا خيار سوى التحمّل. توقفت عند مدخل القصر، فسارعت إحدى الخادمات لنزع معطفها، غير أن فيرا نظرت إليها ببرودٍ آمِر، وتحدثت بصوت هادئٍ كالسُّم، نابض بالهيمنة: "خذي عزيزي بايلي في نزهة حول القصر... لا تخافي منه. لكن إن بدر منه تصرّف أرعن وحاول عضّك، فاستسلمي لقدرك، ودعيه يأكلك دون أن تزعجيه." تجمّدت الخادمة في مكانها، تتململ أطرافها المرتجفة، وعيناها تتوسلان النجاة. عندها نزعت فيرا نظاراتها السوداء، ورفعت حاجبًا ببطءٍ قاتل، قبل أن تقول بصوتٍ انخفض حدته لكن تصاعد تهديده: "عزيزتي... لا تجعليني أُجبرك." تحرّكت الخادمة أخيرًا وهي على وشك البكاء، تسحب بايلي بخوفٍ لا يُخفى، بينما تقدمت فيرا بخطوة أخرى وسألت الخادمة الثالثة التي كانت تتبعها بخطى حذرة: "أين أصحاب المكان؟" وقبل أن تنبس الخادمة ببنت شفة، انحدر رجل أربعيني من الدرج على اليمين. توقفت فيرا في موضعها، رمقته بنظرة ممتعضة، وضمّت ذراعيها إلى صدرها وقالت: "أهكذا تستقبلني في أول زيارة لي لكم؟" ضحك الرجل ـ إيمر ـ بخفة، ثم تقدم منها ليعانقها، فبادلته العناق مجاملةً، وهو يقول معتذرًا، ينظر إليها كمن يتأمل تمثالًا من جليد: "اعذريني، عزيزتي... تأخّري كان بلا قصد." أومأت له بصمت، ثم تقدما نحو الصالة حيث جلسا، فجاءهما خادم يحمل قهوتين وكأسي ماء، فسألته بنبرة لم تخلُ من الفتور: "أين الجميع؟" نظر حوله، ثم تنهد وأجاب: "خرجوا... لكنهم سيعودون قريبًا." "خرجوا جميعًا؟ دفعةً واحدة؟" لم يجب، فتحدثت فيرا بلهجة صارمة: "هذه قلة احترام لن أقبل بها. خذ هذا العقد... وادهنه بالزبدة للغداء." نهضت بعصبية، فنهض معها، محاولًا تهدئتها، لكنها رفعت يدها تمنعه من لمسها، وقالت: "بصفتك زميلي في العمل، يُفترض بك احترام وجودي... بعيدًا عن كوني فيرا بوروفا. أم تُراك نسيت من أكون؟" وقبل أن تغادر، انفتح الباب ذو المدخلين بعنفٍ، ودخل الجميع يلهثون، كمن أدرك متأخرًا أنه يركض خلف فرصةٍ تُوشك على الزوال. توقفت فيرا في مكانها، تنظر إليهم بصمتٍ ثقيل، تنتظر اعتذارًا أو على الأقل تنحيًا يتيح لها الخروج. لكن إيمر أشار بيده وقال: "دعوني أعرّفكم بالسيدة فيرا بوروفا." تقدّمت امرأة في الخمسين ـ أو لعلّها في الأربعين ـ وقالت: "نعرفها... لا داعي للتعريف." نظرت إليهم فيرا ببرود، وقالت دون أن تخفي ازدراءها: "من يعرفني، يعلم أني لا أقبل التأخير عن المواعيد... ولا قلة الاحترام." همّت لونا بالكلام، شابة في الثلاثين من عمرها، وقالت بتوتر: "نعتذر عن هذا التأخير... لقد نسينا أن—" "أن تنسوا؟!" صاحت فيرا، فقاطعها إيمر هامسًا: "ألا ترين أنك تبالغين؟" ضحكت بسخرية خفيفة، ثم قالت وهي تنظر له: "ما رأيك أن أُبالغ أكثر وأخفض النسبة إلى ٣٪ بدل ١٠؟" ثم التفتت إلى الجميع وقالت بصوتٍ مسموع: "الخدم لا ينصاعون لي، أحدهم تأخر، والباقي... نسوا؟ ما هذا التهاون؟" ثم نظرت إلى خادمة تقف بعيدًا على يمينها، وقالت: "أحضري معطفي، وبايلي." ساد الصمت حتى اقترب رجل مسن، أصلع، ذو شارب أبيض طويل، يتكئ على عكاز، وقال بهدوء: "سيدة بوروفا... لنتحدث في الخارج." رافقها خارج القاعة، نحو طاولة مستديرة مظلّلة، تحمي الجالسين من شمس الظهيرة. في الداخل، قالت روزا، والدة إيمر، وهي تتنهد: "صعبة التعامل... جداً." أومأ ابنها بأسى، بينما جلس الجميع في الصالة، يترقّبون ما سيؤول إليه هذا اللقاء. إما التوقيع، أو ضياع الصفقة التي كانت ستنقلهم من عالم الملايين إلى عرش المليارات... في ستة أشهر فقط. "آنستي..." قال جوزيف، محاولًا تلطيف الأجواء. "سيدة بوروفا." قاطعته بنبرة جامدة. ابتسم بتوتر وقال: "سيدة بوروفا، أرجو أن تعذري هذه العائلة على تقصيرها. أعتذر بالنيابة عنهم جميعًا." ابتسمت بجانبية، وفي أعماقها سخرت: "يصف عائلته بالحمقى من أجل المال؟ خسيس أرعن... لم يتغيّر قط." ثم مالت نحوه وقالت بابتسامة خفيفة: "هذا ما أردت سماعه. من الجيّد وجود رجل حكيم مثلك يعرف متى يتصرف بحكمة." نهض الاثنان، وعادا إلى الصالة، حيث جلس الجميع بترقّب. أمسكت فيرا بالعقد، رمقته للحظة، ثم رمته على الطاولة. صُدم الحضور. أخرجت من حقيبتها عقدًا جديدًا وقالت: "ستشاركون بنسبة ٤٪ فقط. الشراكة محدودة لشهرين. لا صلاحيات توقيع، لا صفقات، لا أرباح، لا جوائز دون موافقتي." "لكن... سيدة بوروفا، هذا ليس ما اتفقنا عليه!" اعترض جيوفاني، شابٌ حاول السيطرة على غضبه. أجابته بثقة متغطرسة: "أعلم... أنا لا أربح شيئًا من هذا، أردت مساعدتكم. تعلمون أن بوروفا لا تقبل بأي أحد، لكنها قبلت بكم. فإما أن توقعوا... أو أذهب." نظرت إلى ساعتها البنية الرفيعة، ثم استعدت للقيام، لكن جوزيف، المسن، قال بنبرةٍ مهزومة: "حسنًا... سنوقّع." حدّق الجميع به بذهول، لم ينبس أحد بكلمة. جلست فيرا، أخرجت قلمًا ذهبيًا منقوشًا باسمها بأحرف ألماسية، وقّعت ثلاث نسخ، ثم ناولتهم إياها، وقالت وهي تُعيد القلم إلى حقيبتها: "في المرة القادمة، اجعلوا استقبالكم لي يليق بي. لا أريد تكرار هذا التقصير ثانية." غادرت بخطى هادئة وابتسامة مريبة، تمسك بـبايلي. وحين استقرت في المقعد الخلفي وتحركت السيارة وبدأت تبتعد عن هذا القصر المشؤوم التي رأت فيه أقل ما يقال عنه جحيم ، همست وهي تحدّق من نافذة السيارة: "رائحة القصر لم تتغيّر..." "أنتِ تبلين بلاءً حسنًا، سيدتي... لم يتبقَّ الكثير." قالها سائقها ـ وحارسها الشخصي ـ المعروف بلقب "الشيطان"... لكن اسمه الحقيقي كان ماريو. كانت واثقة، بل موقنة، أنهم لم يعرفوها. وكيف لهم ذلك؟ لقد كانت في التاسعة عندما وطأت هذا القصر أول مرة، وفي الثانية عشرة حين هربت، وها هي الآن في السادسة والعشرين. سنين طويلة، ولو لم تكن ترقبهم من بعيد كل ذلك الوقت، لما عرفت أحدًا منهم. كلّ شيء يسير كما يجب. ابتسمت في المرآة، فيما السيارة قد ابتعدت عن القصر المشؤوم... قصر حقير، لكنها... أحقر منه. أما أولئك، الذين تركتهم وراءها، فعجزوا حتى عن التعبير. يكفي أنها جاءت، وأهدتهم وقتها، ومنحتهم فرصة، حتى وإن كانت مجرّد توقيع على عقد كل ما كلمة كتبت فيه حقيرة حد النذالة من هي هذه المتكبرة التي تسمّي نفسها فيرا بوروفا؟ ولِمَ فقط وجودها يُخيف الجميع ويشلّ ألسنتهم؟ من أين تستمدّ هذه السلطة الجارفة... وهذه الهيبة المخيفة؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مورتافيا

المؤلف _duaruby_
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة