ضياع

ضياع

12 0

كان الطريق ساكنًا... لا يُسمع فيه غير خفقات القلب المتحفّز ونبض العزلة، وهي تنظر عبر النافذة دونما حركة، بينما كان هو يؤدي مهمته في القيادة بهدوءٍ اعتاده منها. أما الصمت، فقد أصبح جزءًا أصيلًا من ملامحها، كما هو من عاداتهما. رنة هاتف الحارس قطعت سكون الأجواء، فارتدّت نظرات "فيرا" نحوه، وهو يتحدث عبر السماعات بنبرة حازمة: "تعمّق في البحث أكثر... وتفقّد الأرشيف... افعل أي شيء، ولا تتصل بي قبل أن تجد شيئًا عنه." كان المتحدث "ماريو"، يخاطب حارسًا آخر قد اتصل به لتوّه، ومن كلماته فهمت الزعيمة مقصده دون عناء. "ما الجديد؟" سألت ببرود، بنبرة ثابتة ووجه عابس. كانت تعرف الجواب، لكنّها كانت تستنكره. ردّ عليها الآخر، وكأنه يُكره نفسه على الكلام: "لا جديد... لم يجدوا شيئًا. حتى كل سجلاته ومعلوماته لدى الشرطة... محذوفة. لا وجود لهذا الشخص... لا أثر له." تقلّبت عيناها بنفاد صبرٍ مكتوم، ثم ردّت بثبات، رغم علو نبرتها: "أنا لا يهمني هذا يا ماريو... أمرتُك بشيء، وعليك تنفيذه، ولو كلّفك ذلك روحك." أغمض ماريو عينيه، يخشى من غضبها... ليس حين تصرخ أو تحطّم أو تقتل، بل حين تغضب وتبقى هادئة، متماسكة... فذلك هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. "أعتذر عن التقصير، سيدتي." قالها بخفوت، يحاول تخفيف حدّة الجو، لكنها لم تهدأ، بل أدارت وجهها، وشدّت قبضتها على نفسها. نظرت إلى يدها المضمومة، ثم اشتدّ فكّها، وارتسمت على ملامحها تلك الذكرى... ذكرى ما جرى منذ أربع عشرة سنة. تلك الليلة الماطرة، المظلمة، التي غيّرت مجرى حياتها بالكامل. كادت أن تبقى عبدة، مجرد جارية تُستخدم لامتصاص الغضب، لعبة جنسية تُحمَل ثم تُجهض، تُحمَل ثم تُجهض ثم تموت، أو يُستأصل رحمها. ليلة واحدة، غامر فيها أحدهم وخرج من تحت جناح سيّده ليحررها من عذابها... لم تستطع أن ترى وجهه، لكنها رأت يده التي كانت تُمسك يدها، ووشم العقرب المرسوم عليها. هذا ما بقي في ذاكرتها، وهذا ما اعتمدت عليه في البحث عنه. كان يمسك يدها، وكانت قريبة منه، ومع ذلك بدت ملامحه ضبابية، مشوشة... بعيدة كل البعد. "سيدتي... لقد وصلنا." قال ماريو، وقد التفت إليها لينتشلها من شرودها. رفعت رأسها ونظرت حولها لتجد باب الشركة، لكنها قالت: "لا... إلى القصر." فنفّذ ما أمرت. اتجه بها نحو القصر الفاخر، ذلك البناء الباذخ الذي يضم مسبحًا، واسطبلًا، ونافورة عتيقة، صمّمته بأفخم التصاميم. كل إنش فيه يصرخ بالترف، وكل قطعة فيه باهظة الثمن. ولكن... هل اشترت راحتها؟ بالطبع لا. راحتها الحقيقية ستأتي حين تأخذ بثأرها. بعد وفاة والدتها بالتبني، تلك المرأة التي احتضنتها فيرا في سن الثانية عشرة، وأنقذتها من التشرد، وساعدتها لتصبح ما هي عليه... تلك المرأة التي كانت أفضل من أمها البيولوجية، التي رمَتها بين يدي عجوز بيدوفيلي لا يعرف في الحياة سوى الجنس. لم تكن أمها متزوجة به، لكن والدها أخذ المال، وسلّمها لذلك القصر، ثم رحل. صار القصر فارغًا جدًّا... دخلت بخطى متثاقلة، كجندي مصاب يأبى السقوط... لكنها بدأت للتو. صعدت مسرعة نحو غرفتها، أغلقت الباب بقوة، ثم جلست على الأرض كأنها تسمح لنفسها أخيرًا بالانهيار، تحتضن ركبتيها. مرت الذكريات السيئة كلّها دفعة واحدة، كطوفان. تنهدت، ثم رفعت رأسها. كانت تحسّ بفراغ داخلي عميق... أنها لا تزال طفلة. لكن تلك الذكريات لا تغادر عقلها، وكأنها تنبت من داخله كلّما حاولت النسيان. كلّ مرةٍ يهمس لها عقلها: "لا تستسلمي... فيرا موروفا لن تتوقف قبل الانتقام." أخذت نفسًا عميقًا مرة... ثم مرتين... ثم أبعدت ساقيها، كانت ترتدي فستانًا قصيرًا، أبعدته عن فخذيها لتنظر إلى ندبة تحيط بفخذها... من يكون الفاعل؟ نهضت ببطء، وتوجهت إلى الشرفة، تتأمّل ممتلكاتها وأراضيها بعينين تغليان بالشوق والفراغ، تمتمت: "ولكن... أين سيكون الآن؟..." لم تُكمل لحظة التأمل تلك، إذ قاطعها طرق مزعج على الباب. عبست، توجهت لفتح الباب وخرجت، لتجد ماريو ينتظرها، وقفت أمامه تحدّق فيه بحدة، تضم ذراعيها لصدرها، تنتظر ما سيقول. "لقد أفرغتِ جدولك هذا اليوم، لأننا... نملك قذرًا آخر." رفعت حاجبها، وقد بدا عليها الانتباه حين فكّت ذراعيها وقالت: "كيف عرفتم هذا؟" "لقد توصّل الرجال لهذا قبل... دقيقتين وخمس ثوانٍ." هزّت رأسها، ثم عادت إلى غرفتها لتبدّل ملابسها، ففستانها القصير لا يناسب ما تنوي فعله. أخذت ربطة شعر، ورغم أن شعرها الأسود كان قصيرًا، إلا أنها قررت منذ شهر أن تتركه يطول، وقد فعل. صففته على هيئة ذيل حصان، ثم دخلت غرفة تبديل الملابس... غرفة واسعة لا تحوي سوى أفخم القطع وأغلاها. اتجهت مباشرة إلى خزانة الأحذية، لكنها لم تختر كعبًا هذه المرة، بل توجهت إلى حذاء رياضي أسود، تخبّئ فيه مسدس X Lock Tactical. وضعته خلف ظهرها، وخرجت مسرعة يتبعها "روميو". توجّها معًا نحو مصنع مهجور في غرب ألمانيا... مهجور من كل ما هو قانوني. في الطريق الطويلة، بقيت فيرا صامتة كعادتها... صمتها بات علامة مميزة حتى اعتاد عليها الجميع. نادرًا ما يُسمع صوتها إلا في المؤتمرات أو الحفلات الرسمية. أما ماريو، فبسبب قربه منها، يسمع صوتها أكثر من الآخرين... وكذلك طبيبتها النفسية، صديقة والدتها بالتبني الراحلة. لسانها قليل، ويدها فاعلة... وهذا ما يجعلها تحصل على ما تريد، متى أرادت، وبالطريقة التي تشاء. وصلوا أخيرًا، خرجت بسرعة، وجهّزت مسدسها، ودخلت لتجد اثنين من الحراس يقفون إلى جوار رجل، وجهه شاحب، يتصبب عرقًا، لا يعرف من هؤلاء، ولا لماذا يُمسك به، يسأل كالأبله، عيناه تتوسلان. اقتربت فيرا، وسأل ماريو الحارسين: "هل استقبلتما ضيفنا كما ينبغي؟" أومأ الحارسان وهما يبتسمان، بانتصار ممزوج بسخرية. اقتربت فيرا أكثر، وقالت ببرود، بنبرة ساخرة لعوبة: "هل تعلم ما هو جزاء المتحرشين؟" بقي الرجل يحدّق فيها، وقد بدأ يتعرق أكثر، بلع ريقه، همّ أن يسأل، لكنها أمسكت عنقه، وبدأت تخنقه. القواعد معروفة، الحارسان خرجا، أما ماريو فابتعد فقط. "لنعرف معًا..." قالتها، ثم ابتعدت قليلًا. اقترب ماريو، وبدأ يفك حزام الرجل المتحرش، الذي كان مقيّدًا لا يستطيع فعل شيء سوى الصراخ، والتوسّل، والرجاء. نزع سرواله وملابسه الداخلية، فبان كل شيء... تقدّمت فيرا، تلبس قفازات طبية بيضاء، وأمسكت به. ابتعد ماريو مرة أخرى. التقطت مسدسها، ووضعته على عضوه النابض. تجمّد الرجل، كاد يختنق من الذعر، ابتلع لسانه، وشُلّت حركته تمامًا. قالت بهدوء قاتل: "العذاب مراحل... لهب، جحيم، ثم فيرا موروفا... اشكر ربك أنك لم تصل للمرحلة الأخيرة." ثم أطلقت رصاصة بداخله، كادت تخرق روحه من شدّة الألم. صرخ صرخة تهز الجدران، لكن فيرا كانت مستمتعة. ماريو، وقد تقزز من المشهد، تحسس رجولته ليتأكد أنها لا تزال في مكانها، فقط ليطمئن. "سندعه يتألم حتى الموت؟" سأل من بعيد. استدارت إليه، وقالت: "بل سنتركه ميتًا حتى يتعفن ويتحلل." ثم استدارت ثانية نحو الجثة، وصوّبت نحو ساقيه، ثم ذراعيه، ثم صدره، فبطنه، ثم مجددًا على موضع رجولته. اقترب منها ماريو، قلقًا، أمسك ذراعها قائلًا: "يكفي... لقد مات." التفتت نحوه بحدة، ثم نظرت إلى يده التي تلمسها، ثم إليه، قبل أن تصرخ: "هل لمستني؟" خفض رأسه، نادمًا، وهزّه بالنفي. لكنها صرخت مجددًا: "هل فعلت يا ماريو؟!" هزّ رأسه نفيًا مرة أخرى. قالت بهدوءٍ قاتل: "انظر في عينيّ." لم يفعل. كرّرتها بصراخ: "انظر في عينيّ!" رفع بصره أخيرًا بتردد، لكنها صرخت: "كيف تجرأت؟!" أخفض رأسه سريعًا، خائفًا من أن تخونه ضحكة غبية. ابتعد، بينما هي نظرت إلى الجثة باحتقار، تمتمت: "ضعيف..." ثم استدارت لتخرج، تزيل القفازات. ماريو لم يخرج فورًا، بل التقط القفازات من الأرض، ومسدسها، ثم خرج. كانت الحارستان قد غادرتا مسبقًا، فانتظرته وحدها في السيارة، تفكّر في أول خطوة ستتخذها بعد هذا العقد مع عائلة "فيكشن". حين ركب ماريو وأدار المحرك، سألته فيرا: "ما جدول بقية اليوم... والغد؟" كان يعرف مواعيدها عن ظهر قلب، فأجاب بسرعة: "الليلة... حفلة تكريم لكِ بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على تأسيس الشركة. وغدًا، موعد مع الطبيبة النفسية التي تولت ملفك بعد وفاة والدتك، مع الساعة العاشرة صباحًا، وينتهي... في أي وقت ترغبين. الساعة الثانية: غداء عمل. والسادسة: اجتماع عن بُعد." تنهدت بعمق، ثم أدارت وجهها نحو النافذة. الشركة ليست ملكها في الأصل، بل كانت لوالدها بالتبني، تسلّمتها قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين حافظت على المركز الأول. باتت نسخة طبق الأصل منه... باردة، رسمية، لا تعرف التراجع أو الانحدار، ومن يفكر بالخروج من تحت جناحيها، يسقط مباشرة في جحيمها... إنها صارمة جدًا. طبيبتها النفسية، رغم كل المحاولات، تفشل دائمًا في مساعدتها... ومع ذلك، تواصل الذهاب إليها، تنفيذًا لوصية والدتها... وثانيًا، لأنها تشتاق إلى ذلك المكان... المكان الذي تفرغ فيه شوقها لأمها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مورتافيا

المؤلف _duaruby_
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة