لقاء

لقاء

20 0

إيما، عزيزتي إيما، يجب أن أخبرك بما لا أستطيع كتمانه أكثر من ذلك..."

كانت نسمات المساء الباردة تهب برفق بين الأشجار، وكانت إيما واقفة هناك، قلبها ينبض بشدة وهي تنظر إلى الرجل الذي عرفته طوال حياتها، لكن صوته الآن كان مختلفًا-كان أكثر دفئًا، أكثر اضطرابًا

"لقد كنتُ أحمق، إيما. حاولت أن أقنع نفسي بأنني مجرد صديق، مجرد ناصح لكِ، لكن الحقيقة..." ،توقف للحظة، وكأنه يحاول أن يجد الكلمات الصحيحة، "الحقيقة هي أنني أحبكِ. لقد كنت أحبكِ دائمًا."

كانت إيما صامتة. للحظة، شعرت أن العالم بأسره قد توقف. هل كانت تتخيل؟ هل يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟

اقترب منها خطوة، صوته منخفض لكن مليء بالمشاعر المكبوتة.

"إذا أحبكِ، فهذا لا يعني شيئًا إلا إذا كنتِ تبادلينني نفس الشعور. أنتِ، إيما، كنتِ دائمًا أعزّ ما أملك على هذه الأرض، وأغلى ما في حياتي. ولكن، هل أجرؤ على الأمل؟ هل يمكنني أن أصدق أنكِ ستقبلين بي؟"

لم تستطع إيما إبعاد عينيها عنه. لقد اعتقدت دائمًا أنها لا تحتاج إلى الحب، أنها ستكون سعيدة بمفردها. لكن الآن؟ الآن، وهي تنظر إلى الرجل الذي كان دائمًا هناك-ينصحها، يوبخها، لكنه أيضًا يحبها بصدق-أدركت الحقيقة التي كانت أمامها طوال الوقت.

"أوه، يا سيدي نايتلي..." ،قالت، والدموع في عينيها، "لم أكن أعرف... لم أكن أعرف أنني..."

لكنها لم تكن بحاجة إلى إنهاء جملتها، لأنه فهم كل شيء في نظرتها المرتجفة، في احمرار وجنتيها، في الطريقة التي لم تستطع فيها إبعاد عينيها عنه.

إبتسم أخيرًا، تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تملأها بالدفء، وقال بصوت أكثر هدوءًا، لكن بثقة:

"إيما، هل ستقبلين بي؟"

لم تحتج سوى لحظة واحدة لتقولها، لكن تلك اللحظة كانت مليئة بكل شيء-بكل الذكريات، بكل الجدالات، بكل اللحظات التي لم تفهم فيها لماذا كانت سعادتها تعتمد على وجوده.

"نعم."

___

صراخ... نعم، إنه صراخ أمي يناديني!

""أيتها الضيفة... انزلي وشرفينا! البيت بيتك!"

"أنا قادمة..." صرختُ في المقابل، لكن هل جربتم يومًا أن تكونوا غارقين في عالم آخر، عالم يخصكم وحدكم، ثم فجأة يُمزَّق ذلك العالم، فتسقطون بقوة إلى الواقع؟ إنه شعور مزعج... مزعج بحق. والأشد إزعاجًا أن صوت أمي يخترق الجدران، يعلو من طابقين أسفل، يتردد صداه في أرجاء القصر، وكأنه لا يترك لي مهربًا.

قصر؟ نعم، إنه قصر، وليس مجرد بيت. ورثناه، لكنه لم يكن يومًا ملكًا لنا حقًا. تصميمه، زخارفه، جدرانه العالية... كل شيء فيه يوحي بأنه ينتمي لعالم آخر، عالم لا يشبهنا.

"آه... أمي، هذا مؤلم! كفى!"

"خذي هذه الأطباق وساعديني في تجهيز المائدة بالخارج، الجو جميل اليوم."

"لكن، أمي... أين روز؟"

لم تأتِ الإجابة، لكن ما جاءني كان صفعة... لا، بل صفعتين أسفل رأسي،الاولى لانني ضيفتها،والثانية فضولي ، وهكذا وجدت نفسي واقفة أمام الطاولة في الخارج، أرتب الأطباق بصمت.

لكن عيناي كانتا مشدودتين إلى القصر المقابل... نسخة طبق الأصل عن قصرنا، لكنه يعكسه كمرآة مقلوبة. قصرنا أبيض ناصع، أما ذاك... فهو أسود حالك، كأن الظلام التصق بجدرانه.

أن تكون واجهة قصر سوداء؟ هذا وحده غريب، لكن ما هو أغرب أننا نشترك معه في حديقة واحدة، وفي مدخل باب ضخم، كأنه ابتُكر ليبتلع كل من يعبره.

ذلك القصر صامت، بلا حياة.....

وضعتُ الكأس الأخير على الطاولة، ثم تنفستُ بعمق، محاوِلةً طرد الإحساس الثقيل الذي خلّفه تأملي للقصر الأسود. لا أعرف لمَ يزعجني وجوده إلى هذا الحد، لكنه يمنحني شعورًا غريبًا... كأن عيونه مفتوحة نحونا، تراقبنا في صمت.

"فيليسيا....لا تحدقي هناك كثيرًا،" جاءني صوت أمي، جافًا كعادته.

"لا أحد يسكن ذلك القصر، ولا أريدك أن تثيري الأحاديث الفارغة."

التفتُّ نحوها، لكن لم أجد في وجهها أي تعبير. فقط البرود المعتاد، ذلك البرود الذي يُشعرني أنني طفلة غير مرئية.

"لكن أمي، إنه نسخة عن قصرنا تمامًا، هذا وحده كافٍ ليكون غريبًا، لا تعتقدين؟"

أشاحت بوجهها، وكأنها لا ترى أي غرابة فيما أقول.

"الغريب هو فضولك الزائد."

قبل أن أجيب، انفتح باب القصر فجأة، وخرج أبي بخطوات ثابتة.كان يدخن سيجارا في يده اليمنى ،ويسراه تحمل جريدة ،سار بخطوات هادئة ووقار، واتخذ جلسته على كرسيه يترأس الطاولة وبعدها التوأم خاصتنا"أوريوس وأوريا" اتخذا جلستهما بهدوء ،مقابلان لمجلسي وبجانبي والدتي،متقاربة من والدي ،كأنها لوحة عائلية مثالية .

"أوريوس ..أوريا "

صوت والدي الذي نطق بهدوء ،يتخذ شكل هدوء ماقبل العاصفة...

أجاب التوأم معا "نعم ...نعمْ ،أبي .. "

"كما تعلمون ،ستحضرون الى مدرسة جديدة هاذا العام ،أريدكما ان تكونا مستعدينْ "

أوريا بعيون متسعة "ماذا لو لم نتمكن من التكيف ؟

ألقى والدي نظرة حادة نحوها، قبل أن ينفث دخان سيجاره ببطء، وكأنه يمنحها فرصة للتراجع عن سؤالها. لكن أوريا لم تخفض عينيها، ظلت تحدق فيه بترقب، بينما كان أوريوس أكثر هدوءًا، ينظر إليه بتركيز كأنه يحاول قراءة أفكاره.

خفض والدي الجريدة قليلًا، وقال بصوت محايد:

"التكيف ليس خيارًا، إنه ضرورة."

بادلته أوريا نظرة متوترة، لكن أوريوس وضع يده بهدوء على يدها، كأنه يخبرها أن لا تناقش الأمر أكثر. ومع ذلك، لم تستطع أوريا كبح فضولها، فسألت بصوت منخفض:

"لماذا الآن؟ لقد اعتدنا على مدرسينا الخاصين، لم يكن هناك داعٍ لتغيير كل شيء."

أدار والدي عينيه نحوها، نظرة جعلت والدتي تمسك بكأسها بتوتر، لكنها لم تتدخل. تنهد أبي وأطفأ سيجاره في المنفضة الفضية أمامه، ثم قال ببطء:

"هناك أمور لا يجب عليكما معرفتها الآن. ستذهبان إلى المدرسة الجديدة، وستتعلمان كيف تتأقلمان... كما يفعل الجميع."

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطع أوريوس الهدوء بسؤاله المفاجئ:

"إذن، لماذا كل هذه الجدية؟ مجرد مدرسة جديدة، وليس تغييرًا جذريًا."

أدار والدي بصره نحو الصحيفة مجددًا، وكأنه يعتبر الحديث قد انتهى، ثم قال:

"هناك أسباب كثيرة، بعضها لا يخصكما. ما يهمني هو أن تلتزما بالدراسة وألا تشتتا نفسيكما بأمور لا تعنيكما."

ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن تتنهد والدتي أخيرًا، وتقول بصوت هادئ، كأنها تحاول تخفيف التوتر :

"ستكون تجربة جديدة، وربما ممتعة أيضًا."

لكن لاأحد منا كان متأكدا من ذلك

"أبي ...أمي ..." ،ناديتُ بهما لجذبهماَ..

"دراستي ....سأستئْنفها.."

"همم ...هاذا جيد "،همهَم لي أبي يوافقني

"مالجديد"،نطقَت بها أمي،...

آه تحدثي....شهيق زفير

"حضوريا ..." نعم ،هاذا جيد

هدوءْ...هدوءْ ....الجميعُ توقف عن مايفعلهْ ونظر الي،أُمي ،أوريوس وأوريا حتى والدي وضع الكأس خاصته وجريدته جانبا...ونظر إلي..

حسناً.. على الأقل حاولت

"حسناً،لك..ذلك"

"ماذا...؟!"لست انا من نطقها ،بل كانت والدتي

نعم السؤال هو "ماذا ؟!"هل حقا والدي وافق ...

نظرت اليه ،وإتسعت إبتسامتي تدريجيا تظهر إمتناني لموافقته ،رُغم أن أبي شخصٌ هادئ وحاد الطباع ،إلا أنه لم يكن ليرفض لي طلبا يوما ،حتى أنني أنا بنفسي من قررت في مامضى أن أكمل دراستي في البيت ولم احصل على اعتراض لذلك، رغم رغبة أمي الملحة في الرجوع عن قراره ..

"شكرا " ،نبست بها بإِمتنان،شكراً حقا .

"حسناً،الجامعة ستصبح أكثر تشويقا بوجودك هناك "،غمغم أوريوس بسخرية،في حين نظرت إليهْ أوريا بشيئ من الانزعاج .

"هههه،... لاتتدخلْ فيما لايعنيك أوريوس، ركز مع إنتقالك فقط "،أردفتُ بإنزعاج ،....فكاهة آخر زمان ..

"إعتقدُ أنكِ ستتفوقين عليهم جميعا ...."

نعم هذه أختي أنا ،داعمتي الاولى

"أهناك مجالٌ للشك عزيزتي ....شكراً لكِ"

" لا..لاأظُنُ ذلكَ"

نطقت أمي بعد ان طال صمتها،"لكن ...الجامعة ،هل فكرتي جيدا ...إنها.."

"نعم...نعمْ،أمي لقد إتخذت قراري بالفعل "

تنهدَتْ بيأْسٍ مني ....

"ألم تتأخرا روز وفيرا...؟" تساؤل أوريوس من مكانه ناظرا حوله

مهلا....هل قال.....

"فيرا؟" التفتُ إليهم بإستفهامٍ،حاجبي معقودان.

اوريا تنهدت بنبرة يائسة وأسندت رأسها على الطاولة بدرامية مبالغ فيها : "برب السماوات، ألم يكن بإمكانك أن تصمت يا أخي...؟"

"ماذا؟" ،سأل أوريوس ببساطة

رفعت أوريا رأسها بسرعة ،وعيناها توقدان شررا : "لقد كانت مفاجأة...!"

نظرت إليهم بحدة ،مطبقة شفتي قبل أن أقول بنبرة حازمة : "حسنًا، توقفوا... هل ستعود حقًا؟ ومن منحكم الحق في إخفاء أمر كهذا عني؟!"

أوريوس وأوريا بِنظراتٍ مرتبكة ،بعدها أصابعهما توجهت نحو أمي بإتهام

هتفت أمي بصدمة :"أيها العاقون ..."

إنخفضت الجريدة قليلا كاشفة عن نظرة والدي المتفحصة ،قبل أن يهز رأسة بخفة ويطلق ضحكة هادئة و قصيرة .

"همم.."،همهم وهو يعيد الجريدة إلى مكانها ،وكأنه غير معني بالموقف ،لكنني لم أفوت ابتسامته التي ارتسمت على شفتيه .

أمي شهقتْ بصدمة،واضعة يدها على صدرها وكأَنها تعرضت للخيانة :"حتى انتَ تضحك ؟! ،هؤُلاءِ العاقون يلقون باللوم عليَ،وأنتَ تكتفي بالمشاهدة !؟"

رفع والدي كتفيه بلامبالاة ،ثم قال بصوت هادئ يحمل نبرةً ساخرة :"لا أستطيعُ إنكار أن المشهدَ ممتع "

أوريا وضعت يدها على خصرها بتحدِ : "لكنكَ أخفيتِ الامر بالفعل ياأُمي "

"كان من المفترض ان تكون مفاجأة !"،ردت أمي ،ووجهها يعْكسُ خليطا من الإحراج والإنزعاج .

أخذتُ نفسها عميقاً،ثم زفرتُ ببطء ،محاولة إستيعاب الموقف ،إلتفتُّ إلى أمي وقلت بجدية :إذن !,متى ستصل فيرا بالضبط ؟"

أمي رفعت ذقنها وأردفت بنبرة متعالية زائفة "لن أُخبركِ بعد أن شككتِ في نوايايَ الطيبة "

"أمي ..ياإلاهي،الرحمة "

والدي،الذي كان يستمعُ بصمت،حرك كوب قهوته بيده ،وقال "ستصل،...بعد قليل "

إستدارتْ إليه أمي بصدمة "حقا ! هكذا ببساطة؟! "

"لماذا لا ،لقد إِكتشفتْ الأمر بالفعل "،وإستقام مغادراً مجلسه حاملاً جريدته بعد أن انهى كوب قهوته،وكأن القضية إنتهت بالنسبة له .

شعرت بتسارع دقات قلبي .......فيرا ؟، رفيقة دربي ،

...ستعود أخيرا .

_________________________________

📍الإثنين، 15 سبتمبر 1930...

_داخل القطار مساءاً _

جلست فيرا بجانب النافذة ،تتأمل المشاهد المتغيرة خلف الزجاج ،كان القطار يشق طريقه عبر الريف الفرنسي ،فيما أضواء المحطات من بعيد تومض للحظات وتختفي ،حملت كوب القهوة بين يديها ،تحاول الاستمتاع بالهدوء،لكن إحساسٌ غريب بدأ يتسلل إليها ......

شعرت بشيئ.......لا بشخص

لم تكن هذه مجرد اوهام السفر .منذ مغادرتها باريس لم تستطع طرد هاذا الشعور بأنَ هناك عينين تراقبان ،

في كل مرة ترفع رأسها تلمح كيانا في المقاعد البعيدة رجل من هيئته يبدوا طويلاً،يلتخف معطفا داكنا ويعتمر قبعة تخفي جزءاً من وجهه.....تجاهلت

الأمر ،وفتحت كتاباً بعد أن أخرجَتهُ من حقيبتها الموضوعة جانبها،القطار يهتز بلطف والضجيج الخافت للعجلات على السكك يخلق إيقاعا منتظماً ،گأنه يرافق أفكارها المتداخلة .

_محطة ستراسبورغ _

عندما توقف القطار، عمّ الهرج والمرج للحظات. نزل بعض الركاب، وصعد آخرون. استغلّت الفرصة لتنظر حولها، علّها تتأكد من أن كل هذا مجرد وهم.

لكنها رأته واقفًا عند رصيف المحطة، معطفه الداكن يلتف حوله، وقبعته تغطي ملامحه جزئيًا. كان يُدخن سيجارة،. لم تتحرك، لم تجرؤ حتى على إظهار أنها لاحظته. لكنه كان هناك... بعد إنهائه سيجارته عاد إلى مكانه ...كما كان طوال الطريق .

_محطة ميونيخ ،منتصف الليل _

عندما توقف القطار مجددًا، هذه المرة جلس بعيدًا، لكنه ضمن مجال رؤيتها. لا كلام، لا حركة مريبة... فقط وجوده الذي بات يخنقها أكثر من أي كلمات قد يقولها.

ماذا يريد؟ هل هو مجرد مسافر غريب؟

التقت نظراتهما للحظة، فشعرت برعشة تسري في أطرافها. لم تكن نظرة تهديد، لكنها لم تكن عابرة أيضًا.

_محطة سالزبورغ، قبل الفجر_

مع اقتراب القطار من فيينا، حاولت تهدئة أفكارها. ربما كانت تبالغ في الشكوك، ربما هو مجرد مسافر غريب الأطوار... لكن عقلها كان يرفض التصديق.

عندما نظرت إلى الجهة الأخرى من العربة، صُدمت. المقعد الذي كان يجلس عليه الرجل... فارغ.

اختفى؟ متى؟ وكيف؟!

تحركت بسرعة، تنظر بين المقاعد، لكنه لم يكن هناك. شعرت بقشعريرة تزحف على جسدها. هل نزل في محطة سالزبورغ؟

_فيينا - الصباح الباكر_

عندما نزلت أخيرًا في محطة فيينا الغربية، كان الهواء باردًا رغم شروق الشمس. سحبت حقيبتها ونظرت حولها. لا أثر للرجل... لكن الشعور لم يختفِ.

إلتفت يمنةً ويسرى ،هي تبحث عن ......هاهي ذي روز ،وضعت حقيبتها أرضا تزامنا مع إحتضان روز لها بقوة ،روز لم تكن مجرد إمرأة عابرة كانت في مثابة والدتها الراحلة ،كانت مثل العوض بالنسبة لها ..

"فيرا،عزيزتي ...أهلاً بعودتكِ "،روز نطقت بكلماتها

بعد أن فكت العناق بينهما .

"أهلاً... كلمة لم أدرك كم كنت أحتاجها حتى سمعتها منكِ الآن."،بإمتنان وإبتسامة خفيفة ردة فيرا.

________________________________

"ألا تزالين غاضبةً ياجميلة زمانك "

أنا أتبعها منذ حوينْ،ولا زالت تتجاهلني ،وتتحرك هنا وهناك ،احقا هاذا سبب مقنع لتغضب لدرجة تجعلنيِ غير مرئيةٍ في نظرها،إستندتُ على حلق بابِ غرفتها ،بينما يقابلُني ظهرها تجلسُ قبالة مرآتها تتزين من إنعكاس المرآة،تراقِبُ ملامحها بعناية ترسُم

خطاً دقيقاً فوق جفنيها ،والدتي رُغم تقدمها في السن إلا أنها لاتزال تحافظ على جمالها ،جميلةٌ بأعينٍ زرقاء .

"لماذا لم تُخبِريني؟ أكان لزامًا عليكِ أن تتخذي هذا القرار بمفردكِ دون استشارتي؟"

وأخيراً الرحمة ،على الأقل أوقفت صمتها العقابي صوبي .

"كنتُ بحاجةٍ إلى إتخاذ القرار بنفسي ،...ربما لتحرر من قيودِ مضتْ دونَ محاولةِ الهرب"

،هاذا ماأردفتْ به شفاهي ردا على تساؤلها ،وربما كان جواباً لذاتي ايضاً .

توازيا مع مغادرتي الطابق بأكمله وصولًا إلى الأسفل، وقفتُ في المنتصف حين سمعتُ صوت مفاتيح، وبعدها فُتح الباب. وما قابلني كانت روز تقوم بإدخال حقيبة جلدية، ثم تبعتها صاحِبَتُها بينما تضحك بصوت مرتفع. هيئتي جذبت اهتمام الإثنتين وأوقفتهما عن فعلهما. ها هي ذي طويلة الجيد، بأعينها الزمردية التي تتلألأ كأنها تعكس الضوء من كل زاوية، شعرها الأسود ينسدل على كتفيها برقة، وملامح وجهها التي تحمل دفئًا وسكينة، رغم المرح الذي يعكسه ضحكها. توقفتا أمامي، وكان الصمت بيننا لحظة، ثم قالت فيرا بنبرة متسائلة:

"أهناك مشكلة ؟"

"لو كانَ للجمالِ صوتٌ ،لغنى بكِ"

"أتتغزلينَ بجمالي، يا إبنة فون ريشتر ؟"

كان ردها بنبرة مرحة تحمل بعضاً من الجدية المزيفة .

"أتتغزلين بجمالي يا ابنة فون ريشتر؟،... يبدو أنني سأحتاج إلى دروس في كيفية إخفاء إعجابي!"

ضحكةٌ خافتة تسللت من بين شفاهي بينما ردي كان يحمل بعض السخرية مما جعل الاخرى،تقلبُ عيناها .

"أهلاً بكِ يا عزيزتي فيرا، لطالما كانت أيامنا أفضل بوجودك بيننا "

صوتُ والدتي صدح من ورائي ،بينما تقترب منها بخطواتٍ هادئةٍ،وتطبعُ قبلةً على خدها :"كيف حالُكِ ،وكيف كانتْ رحلتُكِ"

"بخير ،..أنا بأفضل حالٍ خالتي "،ردت بإبتسامة ممتنة .

"أمي ...فيرا تحتاجُ الى الراحة"

قاطعتهما عن لحظتهما بجذبي لذراع فيرا ،صعودا نحو غرفتي.

"أكان عليكِ جذبي بهذه الطريقة المتوحشة "

نطقت بنبرة تتخللها السخرية .

وكزتُ ذراعها ردا على سخريتها مني بعد أن توارينا عن الانظار،...... أقامتْ بوصفي بالمتوحشة...

إفعل الخير ...تلق الشر ...

"سيا،...سحقا لكِ ،هذا مؤلم "

"رُبما كان عليكِ شكري بدلا من السخرية أوليس؟"

قلبتْ عيناها للمرةِ الثانية ....

الرحمة منها ومن تصرفاتها ...

"على أية حال،...سيا يوجد جديد كثير لأخبركِ به "

قالت بنبرة حماسيةٍ ،.....أهذا مبشرٌ حقاً..؟؟ ،لا أظن

.

.....

.....

.....

.

صمت.......صمت.......صمت......

لکِن، ..

"فيرا،...أفقدتِ آخر ذرة عقلٍ لديكِ ،أجُنِنتي كي

تعجبي بشخص ربما أراد خطفكِ أو قتلكِ ربما؟

أعصابي تلُفت .....رب السماوات الرحمة !!...

" لم يكُن ليفعلها سِيا "قالت ذلك بنبرة واثقة ثم أضافت بإبتسامة خفيفة ،"أظن أن كُتبكِ أنتِ من أثرت على عقلكِ..."

"كتبـي؟! هل تمزحين الآن؟ فيرا، رأيتهِ للحظات فقط! لا تعرفين حتى اسمه، لا تعرفين شيئًا عنه!"

"وأنتِ لا تعرفين شيئًا عنه أيضًا، ومع ذلك قررتِ أنه خطر." التي كانت جالسة على طرف الأريكة ردّت بسلاسة، تميل برأسها قليلًا كأنها تستمتع بإغاظتي.

"أتعلمين؟ هناك شيء غريب بشأنه..."

أنا لم أتمالك نفسي،....وكان فكري لا يتوقف.

"غريب؟ نعم، غريب! رجل يقف في القطار، يحدق بكِ كما لو أنه يعرفكِ، ثم يختفي فجأة؟ هذا لا يبدو طبيعيًا، فيرا!"

لكن فيرا ابتسمت برقة، وكأنها تود أن تشرح شيئًا لا أستطيع أن أراه.

"كان هناك شيء فيه... شعرت بشيء غريب"

قالت ذلك بنبرة هادئة، وكان وجهها يعكس نوعًا من الهدوء الذي لم أفهمه.

لم أستطع أن أوقف نفسي""ماذا يعني شعور غريب؟ لا يمكن أن تكوني جادة!"

لكن فيرا لم تبدُ متأثرة. كانت تنظر في مكان ما بعيدًا، وكأنها تفكر في شيء آخر.

"نظراته... لا أعرف. كان هناك شيء مختلف"،قالت

ذلك بتردد، ثم أكملت بابتسامة صغيرة""كأنني أريد

أن أعرفه "

كنت أراقبها، وقلبي بدأ يشعر بثقل،"فيرا، هل أنتِ متأكدة؟ ماذا لو كان هناك شيء غير عادي حوله؟ شيء قد لا يكون في صالحكِ؟"

لكنها كانت لا تزال هادئة. ابتسمت كما لو أن هذا الموقف لا يعنيها.

"أحيانًا، بعض الأشخاص لا يتركون أثرًا وراءهم، سيا.

"وهذا هو بالضبط ما يقلقني !"،قلتها سريعًا، لكنني لم أتمكن من إخفاء توتري البسيط.

لكنها نظرت إليّ نظرة هادئة وقالت،"أو ربما يكون مثيرًا للاهتمام."

كنت أحاول أن أظل هادئة، لكن داخلي يفرض نفسه,

"فيرا، أنا فقط لا أريدك أن تتورطي في شيء لا تعرفينَ عنه شيئًا!"

لكنها ابتسمت برقة، وكأنني كنت أبالغ في القلق...

.

.

.

هل أبالِغ حقا....

.

.

.

.

"أحقًا أبالغ في قلقي؟"

خرجتُ بعد أن تركت فيرا لترتاح. كنتُ بحاجة إلى بعض الهواء، إلى مساحة أوسع من جدران القصرِ الذي بدأ يبدو ضيقًا أكثر مما ينبغي. لم أكن متأكدة مما أبحث عنه في الخارج، لكنني احتجت إلى الابتعاد قليلًا، حتى لو لم يكن هناك وجهة محددة في ذهني.

الشارع كان هادئًا. أصوات الخطوات المتفرقة على الأرصفة الرطبة تلاشت مع همهمة الريح الباردة، والمصابيح العالية ألقت ظلالًا طويلة على الطريق المبلل.

توقفتُ عند ناصيةِ مبنى حجريٍ قديم، رفعتُ يدي لأحكم لفَّ وشاحي حول عنقي، ثم تركتُ أنظاري تتجول بلا تركيز.

عند مدخل مقهى شبه فارغ، وقف رجلٌ يدخن ببطء، كأن العالم من حوله غير موجود.

لم يكن وجوده لافتًا، لكنه بطريقةٍ ما بدا وكأنه النُقطة الأكثر ثباتًا وسط المشهد، بينما كل شيء آخر يتحرك بصمت في الخلفية. كان الدخان يتصاعد من سيجارته ببطء، يتمايل تحت وهج المصابيح الخافتة، وكأن الهواء نفسه يتردد في تبديده.

لم يلحظني، أو هكذا بدا الأمر. ومع ذلك، وجدتُ نفسي أتابعه للحظة أطول مما ينبغي، دون سبب واضح، فقط إدراك عابر لشخص غريب في زاوية الطريق.

لماذا أشعر بأنه لا ينتمي إلى هنا؟

أو ربما العكس تمامًا، كأنه جزء من هذا المكان، جزء قديم، ثابت، لا يتغير.

هبةُ ريحٍ جعلتني أَرتجفُ قليلًا، فرفعتُ يدي مرة أخرى لتعديل وشاحي. وفي تلك اللحظة، رفع هو رأسه.

عينايِ التقت بخاصتِه.

لا أعرف كم استغرقت تلك اللحظة، لكنها لم تكن عابرة تمامًا. لم تكن طويلة، لكنها كانت أثقل مما ينبغي. لم يكن في نظرته تحدٍ، لم يكن فيها دعوةٌ، لم يكن فيها شيءٌ واضح يمكنني تفسيره، ومع ذلك شعرتُ بشيء غريب، شيء جعلني أشعر وكأن الهواء أصبح أكثر برودة حولي.

ثم، ببساطة، أدار رأسه قليلًا، نفث الدخان للمرة الأخيرة، أسقط السيجارة تحت حذائه، وأطفأها بحركة هادئة.

ظللتُ واقفة، وكأنني أنتظر شيئًا آخر، شيئًا لم يحدث. ثم أدرتُ ظهري ومضيت.

كأن شيئًا لم يكن.

.

.

.

.

.

.

_____________________________

2703كلمة. هل تكفي لتقديم البداية؟ ربما. لكن الطول لا يحدد الوزن، تمامًا كما أن الكلمات لا تكشف دائمًا الحقيقة. السؤال الأهم: هل كانت كافية لإثارة الشكوك؟

_هل يمكن أن نثق حقًا بما نراه لأول مرة؟ أم أن الانطباعات الأولى مجرد انعكاس لما نريد رؤيته؟

.

.

_أكان مجرد لقاء؟ أم أنه البداية لما لا يمكن إيقافه؟

تقولون إنها صدفة... أليس كذلك؟

لكن هل تؤمنون حقًا بالصدف؟

لا بأس،...... استمروا في القراءة..

.

.

.

قريبًا، ستدركون أن بعض الأبواب، حين تُفتح، لا تُغلق أبدًا.

أترى تلك النجمة هناك؟ ⭐

إنها ليست مجرد زرٍّ، بل لمسةٌ سحريةٌ ترسمُ على وجهي ابتسامة! إن كنتَ قد استمتعت، فاضغطها، ودعني أشعرُ بوجودك هنا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوكسيمورا

المؤلف Nythera.01
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة