____________________________________________
لاَيهمني إِن كنتَ وحشاً.........
مادُمتَ تمنحني الأمانَ الذي لم أجده بين البشر ،
والحب الذي لمْ يجرؤ أحدٌ على منحي إياه .
____________________________________________
بعد اسبوع :
فيرا:
"سيا ..!"
"سيا... سيا!"
ناديتها مرة أخرى، لكنها لم تلتفت. كانت جالسة على حافة السرير، تحدق في زوجين من الأحذية وكأنها تحاول حل لغز معقد. تنهدت، ثم اقتربت منها، ملوحة بيدي أمام وجهها.
" فيليسا فون ريشتر ،....هل سمعتِني؟ أم أنكِ قررتِ أن تذهبي إلى الجامعة بدون وعي؟"
قلتُ، محاولةً أن أخترق ذلك الحاجز الرفيع من الأفكار التي كانت تحيط بها.
رفعت سيا رأسها ببطء، نظراتها كانت غائبة قليلًا. "أنا أسمعكِ..."، همهمت، وكأنها تحاول أن تعود إلى الواقع،"أنا أفكِر"
أفكر؟" قلتُ وأنا أجلس بجانبها، ألتقط أحد الأحذية من الأرض وأتفحصه. "في الحذاء الأيمن أم الأيسر؟ لأنني أرى أنكِ تقضين وقتًا أطول في التفكير في هذا القرار أكثر مما تقضينه في التفكير في مستقبلنا!"
"مستقبلنا؟" قالت سيا، محاولةً أن تتفادى نظراتي المليئة بالسخرية.
"نعم، مستقبلنا!" قلتُ وأنا أضربها بخفة على كتفي. "أنتِ تذهبين إلى الجامعة اليوم، وأنا أعود إلى حياتي هنا. هذا تغيير كبير، ألا تعتقدين؟"
"تغيير..."، همهمت سيا مرة أخرى، مشاعر مختلطة تتصارع بداخلها. "نعم، إنه تغيير."
أمسكت بيديها، محاولةً أن أجعلها تنظر إليّ. "سيا، أنتِ تبدين وكأنكِ تستعدين لدخول ساحة معركة، وليس جامعة."
"أشعر بذلك أحيانًا"، قالت سيا بصراحة. "كل شيء يبدو مختلفًا الآن. الجامعة، الحياة الجديدة... أشعر وكأن الأرض تتزحزح تحت قدمي."
لم أرد على الفور. بدا لي أن سيا كانت تحمل عبئًا أكبر مما أدركت. "ربما الأرض تتزحزح، لكن هذا لا يعني أننا سنسقط. ربما نحتاج فقط إلى أن نتعلم كيف نتوازن."
نظرت إليّ سيا، محاولةً أن تجد بعض الطمأنينة في كلماتي. "هل تعتقدين أن كل شيء سيكون على ما يرام؟"
"بالطبع!" قلتُ بثقة، ثم أضفت بابتسامة خبيثة: "بعد كل شيء، أنتِ لستِ وحدكِ. أنا هنا، وسأكون دائمًا هنا... حتى لو اضطررت إلى إيقاظكِ من غيبوبتكِ الفكرية كل صباح."
ضحكت سيا رغم نفسها. "شكرًا على ذلك."
"على الرحب والسعة!" قلتُ وأنا أقف، أمد يدها إليها. "والآن، تعالي. اليوم هو يومكِ، ولن ندع أي شيء يفسده."
أخذت سيا يدي، ونهضت من السرير. "حسنًا، لكن لا تتفاجئي إذا قررت أن أهرب من المحاضرة الأولى وأعود إلى السرير."
"لن أسمح بذلك!" قلتُ وأنا أضحك. "أنتِ ستكونين الطالبة المثالية، وأنا أعرف ذلك."
____________________
أوريوس، هل أنت مستعد؟"
همستُ بصوت خافت، محاولةً أن أخفي التوتر الذي كان يلفّني مثل غيمة ثقيلة. كنتُ أقف أمام باب الفصل، يدي على مقبض الباب، بينما كان أخي يقف بجانبي، نظراته تتجول في الممر الفارغ الذي كنا نقف فيه.
"مستعدٌ لأي شيء." قال أوريوس بصوته الهادئ الذي كان يحمل دائمًا نبرة من الثقة. لكنني لاحظت تلك اللمعة الخفيفة من القلق في عينيه.
فتحت الباب ببطء، وصوت الصرير الخافت للباب جعلني أرتجف قليلًا. الفصل كان ممتلئًا بالطلاب الذين كانوا يتحدثون بضجيج، لكن الصمت ساد للحظة عندما دخلنا. شعرتُ بعيونهم تلتفت نحونا، وكأننا كنا غرباء في عالمهم.
"هذا هو الفصل، أليس كذلك؟" همستُ لأوريوس، محاولةً أن أبدو واثقة.
"نعم، هذا هو." قال أخي وهو يتقدم قليلًا نحو المقاعد الخلفية، حيث كان هناك مقعدان فارغان.
تبعته بخطوات سريعة، محاولةً أن أتجنب نظرات الطلاب التي كانت تتبعنا. شعرتُ بأن قلبي ينبض بسرعة، وكأنه يحاول أن يهرب من صدري.
"هل تعتقد أنهم سيتحدثون إلينا؟" سألتُ أخي بينما كنا ننزل على المقاعد.
"ربما." قال أوريوس وهو يفتح حقيبته ببطء، وكأنه يحاول أن يبدو طبيعيًا. "لكننا لسنا هنا لنتحدث إليهم. نحن هنا لنتعلم."
"نعم، نتعلم." همهمتُ، محاولةً أن أقتنع بكلماته. لكنني كنتُ أعرف أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
بدأ المعلم يدخل الفصل، وصوت ضجيج الطلاب بدأ يخفت تدريجيًا. كنتُ أحاول أن أركز على ما يقوله المعلم، لكنني كنتُ أشعر بأن التوتر كان يلفّني مثل حبل مشدود.
"أوريا، تنفسي." قال أوريوس بصوت خافت، وكأنه كان يقرأ أفكاري.
نظرتُ إليه، محاولةً أن أجد بعض الطمأنينة في نظراته. "أنا أحاول."
"أنا أعرف." قال أخي وهو يبتسم بتلك الابتسامة الخفيفة التي كانت تظهر عندما يعتقد أنني لا أنظر.
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتًا خلفي. "مرحبًا، أنا جديدة هنا ،أنتم ايضا ؟! "
التفتُ بسرعة لأجد فتاة تجلس خلفنا، ابتسامتها الواسعة تعكس حماسها على وجهها ،انظارها تتبادل بيني وبين الذي يجاورني ،
"إيلينا "قالتها ،وهي تمد يدها لتصافحني .
أنا أوريا." قلتُ وأنا أبتسم، محاولةً أن أخفي التوتر الذي كان يلفّني.
"وأنا أوريوس." قال أخي وهو يلتفت نحوها ببطء.
"أظن أننا سنكون أصدقاء."
شعرتُ بأن التوتر بدأ يختفي قليلًا، وكأن تلك الكلمات البسيطة كانت كافية لتذكيري بأننا لسنا وحدنا هنا.
"نعم، أظن ذلك." قلتُ وأنا أمسك بيدها، محاولةً أن أجد بعض الطمأنينة في تلك اللحظة.
..........................................
فيليسيا :
كانت البوابة الضخمة تنتصب أمامي كفاصل بين عالمين، بين ما كنتُ عليه وما سأكونه. لم أكن أخشى هذا المكان، لكنني لم أكن مرتاحة له أيضًا. بدا واسعًا أكثر مما ينبغي، مزدحمًا بطريقة مربكة، كأن الجميع يعرف وجهته سواي.
تشبثتُ بحقيبتي بينما كانت عيناي تتنقلان بين الأبنية المرتفعة، النوافذ العاكسة، والممرات التي تتفرع كأذرع متاهة عملاقة. لم يكن لديَّ الكثير من الوقت للوقوف، لكنني لم أتحرك.
"فقط ادخلي، خطوة تلو الأخرى."
زفرتُ ببطء، ثم أخيرًا بدأت بالسير وسط حشود الطلاب. البعض يسير بسرعة كأنه في سباق، آخرون يقفون في حلقات صغيرة يتبادلون الأحاديث، وهنالك من يجلسون على العشب، رؤوسهم مدفونة في الكتب أو في أحاديث هامسة.
أخرجتُ الخريطة التي كنتُ قد التقطتها عند المدخل، حدّقتُ فيها محاوِلةً فك طلاسمها. أين هو مبنى المحاضرات؟ ولماذا يبدو كل شيء متشابهًا؟
"تبدين تائهة."
رفعتُ رأسي بسرعة، لتقع عيناي على فتاة ذات بشرة حنطية وشعر أسود مجعد يحيط بوجهها كأنه إطار فني غير متماثل. نظرتها حملت مزيجًا من الفضول والمرح، بينما كانت تعقد ذراعيها وتنظر إليّ بتسلية خفيفة.
"حسنًا، ربما قليلًا." ابتسمتُ بتوتر، ورفعتُ الخريطة كأنها دليل إدانة.
"أول يوم لكِ؟" سألتْ بنبرة ودية.
"نعم." اعترفتُ. "وأشعر أنني في متاهة."
ضحكَتْ، ثم أشارت إلى الخريطة في يديّ. "دعيني أخمّن، تبحثين عن مبنى المحاضرات؟"
"تمامًا."
"حسنًا، لحسن حظكِ، أنا في طريقي إلى هناك." ابتسمت وهي تميل قليلًا للأمام. "تعالي معي، سيكون ذلك أسهل بكثير من محاولة قراءة تلك الخريطة العقيمة."
مدّت يدها قائلة: "أنا ماريان."
ترددتُ لثانية قبل أن أصافحها. كانت يدها دافئة، وملمسها يحمل طمأنينة غير متوقعة. "فيليسيا."
"اسم جميل." قالت قبل أن تبدأ بالمشي، فتبعتها دون تفكير.
مع كل خطوة، بدأ المكان يفقد هيبته المربكة. الحرم الجامعي لم يعد مجرد هياكل حجرية باردة، بل صار حيًا؛ أصوات ضحكات، طلاب يسرعون إلى محاضراتهم، نسيم يحمل معه رائحة القهوة من أحد المقاهي القريبة، أشخاص يجلسون تحت الأشجار يراجعون دفاترهم أو يتهامسون بأحاديث جانبية. كل شيء كان يتحرك، وأنا أخيرًا أتحرك معه.
"يبدو وكأنني انتقلتُ إلى مدينة أخرى تمامًا." علقتُ، محاوِلةً استيعاب المساحة الشاسعة التي أمامي.
"أليس كذلك؟" ضحكت ماريان. "لكن لا تقلقي، ستعتادين عليه بسرعة. اليوم الأول دائمًا مربك."
أومأتُ بصمت. لم أكن متأكدة إن كنتُ سأعتاد عليه فعلًا، لكنه بدا أقل تهديدًا الآن.
عندما وصلنا إلى مبنى المحاضرات، توقفتُ للحظة، حدّقتُ في الأبواب الواسعة المفتوحة، في الطلاب الذين يدخلون بثقة، وكأنهم ينتمون لهذا المكان. تنفستُ ببطء. لم يكن عليّ أن أشعر بهذا التوتر، لكنه كان حاضرًا على أي حال.
"حسنًا، ها قد وصلنا." قالت ماريان بابتسامتها المشجعة. "أتمنى لكِ حظًا سعيدًا، فيليسيا."
"وشكرا لك ماريان "
لوحت لي قبل أن تتابع طريقها ،بينما أخذت نفسا عميقا ثم عبرت العتبة .
"حسنا فيليسيا لقد وصلتي ، والآن..لنرى ماسيحدث"
......
"أين هو ؟ ,أين وضعته ...تبا لك سيا أكان يجب أن ...."،ماقاطع تأنيبي الهامس لنفسي كانت يدا ممتدة امام انظاري في جعبتها تحمل قلما ،رفعت رأسي ببطئ لأجد شابا أصهب بأعين زرقاء يرتدي نظارات يتخلله بعض النمش اللطيف في وجهه اضفى عليه مظهرا لطيفا.
نظرتُ إلى القلم للحظة، ثم إلى صاحبه. بدا هادئًا، كأن هذه الحركة البسيطة لا تعني شيئًا على الإطلاق، لكنه ظل ممسكًا بالقلم في انتظار أن آخذه.
مددتُ يدي أخيرًا، وأخذته منه ببطء. "شكرًا لك."
عندما أخذتُ القلم منه، لاحظتُ أن نظراته لم تعد إلى دفتره فورًا. بل على العكس، ظل يركز عليّ للحظة إضافية، كأنه يحاول استيعاب شيء ما. كان واضحًا، حتى خلف زجاج نظاراته، أن عينيه الزرقاوين معلقتان بي، أو بالأحرى... بعينيّ.
كانت عيناي، كما قيل لي مرارًا، إحدى تلك "الغرائب" الصغيرة التي تثير الفضول. واحدة بلون أزرق بارد، والأخرى بلون بني دافئ. تباين لم أملك له تفسيرًا، لكنه كان دائمًا كافيًا ليجعل الآخرين يتوقفون لحظة، كما فعل هذا الشاب الآن.
لم يسأل ..لم يعلق ،فقط نظر .
رفعتُ حاجبي مستفسرة،فانتبه لحاله وأشاح بنظره عائدا إلى دفتره،كأن الأمر لم يكن سوى زلة لحظية .
أوليتُ إهتمامي لما أمامي ،رغم ذلك وجدت نفسي أراقبه من زاوية عيني ،كان يكتب شيئا بخط صغير ومنمق ،عينه اليسرى تنخفض قليلا خلف زجاج النظارات ،واصابعه تنقر أحيانا على الورقة وكأنه يفكر في الصياغة التالية ،لم يكن يفترض أي من هاذا
أن يثير فضولي لكنه فعل .
"هذا كل شيء لهذا اليوم. لا تنسوا مراجعة ما ناقشناه، وسنواصل من هنا في المحاضرة القادمة."
كانت جملته إعلانا لنهاية المحاضرة ،حيث بدأت الهمسات تنتشر في القاعة مع تحرك الطلاب، أصوات الكراسي وهي تُسحب، والدفاتر التي تُغلق، وضجيج خفيف من الأحاديث المتفرقة يملأ الفراغ الذي خلّفه صوت الأستاذ. أخذتُ نفسًا عميقًا،ثم إنحنيت قليلا للذي يجاورني .
"أشكرك حقا ..."نطقت بكلماتي بعد أن قمت بمد القلم أمامه ،لكنه لم يأخذه طالعه للحظة وبعدها انظاره إتجهت إلي "يمكنك الاحتفاظ به "
"لا داعي حقا .." ،حقا لاداعي لدي مايكفي في المنزل ..هل أبدو كمن تحتاج ...لكنه قاطعني.
"إعتبريها هدية....الهدايا لاترد "،هدية ...حسنا ليس سيئاً حقا ،لنقل أن ...أو لا ..أتعلمون لقد سجل هاذا الفتى مكانته الخاصة بالفعل عندي .
توازيا من وقوفنا ،مد يده أمامي "جيان ..جيان أدلر"
إلتقطت يده الممدودة أمامي وصافحته "فيليسيا.."
لم يتفاعل بل أمال رأسه قليلا نحو اليمين كنت يحاول إستيضاح فكرة غير واضحة بعد ،...هل الألقاب مهمة حقا،....لأنه قبل أن أنطق يكون لقب عائلتي قد تحدث عني بالفعل .
"فيليسيا فون ريشتر ".
إجابته كانت إماءة خفيفة برأسه بعد أعاد يده إلى جيبه .
"سررت بمعرفتك فيليسيا.."،هاذا مانطق به قبل أن يغادر .
وأغادر أنا أيضا .
.......................
أحسست بزخات مطر خفيفة تتساقط،فرفعت رأسي قليلا،لم يكن المطر غزيرًا، بل مجرد لمسات باردة تنزلق على بشرتي بخفة. أغمضت عيني للحظة، أستشعر برودة القطرات المتناثرة، قبل أن أتنهد ببطء.
تغلغلت رائحة الأرض الرطبة في أنفي، ممتزجة بنسيم خريفي خفيف. كان الهواء ساكنًا إلا من همسات المطر الأولى، كأن المدينة بأكملها توقفت للحظة، تراقب بداية هذا الانهمار البطيء.
مددت يدي قليلًا للأمام، راقبت كيف تجمعت بعض القطرات في راحتي، ثم انزلقت على طول أصابعي، تاركة أثرًا باردًا كخيط رفيع من الماء. ابتلعت ريقي، ثم حرّكت أصابعي ببطء، وكأنني أختبر ملمس المطر ذاته، قبل أن أخفض يدي وأتابع طريقي، بينما تساقطت زخات أخرى،وكأنها تحاول إبطائي، أو ربما دعوتي للبقاء قليلًا.
راقبت الشارع أمامي للحظات؛ الناس أسرعوا خطواتهم، البعض رفع ياقات معاطفهم، وآخرون مدّوا أيديهم مثلما فعلت، كأنهم يتحسسون هذا التغيير المفاجئ.
"كم هو مفاجئ ..." فكرتُ ...، لم تكن هناك أي علامات واضحة هاذا الصباح تنذر بسقوط المطر ،لكن يبدو أن الطقس مثل الحياة ،لا يتبع دائماً التوقعات .
.........................................
"فيرا ....،أحقا لا تحتاجين توصيلة ".
"لا شكرا لكِ حقا ...سأتدبر أمري "،كان هذا جوابها بعد أن عرضت عليها صديقتها إيصالها إلى المنزل بسبب الجو الماطر. راقبت السيارة وهي تبتعد ببطء، تاركة وراءها ضوء المصابيح المتراقص على الإسفلت الرطب.
كان المطر يتساقط بغزارة، يطرق سقف محطة الترام بإيقاع ثابت، بينما تراجعت فيرا قليلًا تحت المظلة الحديدية، تحاول حماية نفسها من البرد والرطوبة. أصابعها الباردة أمسكت بحواف معطفها، لكن ذلك لم يكن كافيًا لمنع تسرب البرد إلى أطرافها.
"لم يكن علي رفض التوصيلة..." فكرت في نفسها بامتعاض، تراقب قطرات المطر وهي تتجمع في برك صغيرة على الأرض.
هبت موجة ريح قوية جعلتها تتراجع خطوة، فشدّت معطفها حول جسدها أكثر، ثم تحركت يدها بتردد نحو مقبض المظلة التي كانت تحملها. فتحتها بحركة سلسة، متجاهلة قطرات المطر التي تناثرت عليها في تلك اللحظة،ثم نظرت للأمام، مستعدة للمغادرة.
ولكن حين همّت بالتحرك، لمحت حركة بجانبها ......
تجمدت اصابعها للحظة حول المظلة وتعلق نظرها بهيئته ..
وقف هناك، رجل ، ينفضُ عن كتفيه بقايا المطر ،بينما شعره الاشقر يلتصق بجبينه ،لم يكن ينظر إليها لكنها واثقة من شيئٍ واحد،...أنه هو ...
ترددت للحظة ،ثم فتحت حقيبتها وأخرجت منديلا صغيرا مطوي من القماش ، خطواتها نحوه جعلته ينتبه لها ويرفع رأسه ، مدت المنديل نحوه دون أن تتحدث. لم يكن فعلًا مدروسًا، بل جاء بشكل طبيعي، كما لو أن وجوده المبلل بجانبها كان أمرًا يستدعي تصرفًا كهذا.
رفع حاجبيه قليلًا، كأنه لم يكن يتوقع ذلك، ثم أخذ المنديل بصمت. مرر أصابعه عليه للحظة قبل أن يبدأ في تجفيف شعره، وحينها لم تستطع إلا أن تلاحظ كم كانت ملامحه هادئة رغم الجو العاصف من حولهما.
"ربما المطر ليس سيئاً كما يبدو .."
توقف للحظة، وكأن الكلمات أخذت وقتًا أطول لتصله، ثم أجاب بصوت خافت:
"ربما."
لم يكن في رده تردد أو لامبالاة، بل شيء آخر، شيء يشبه الموافقة دون اعتراف صريح. رفع يده ليمررها على شعره مجددًا، ثم ابتسم لنفسه بخفوت، وكأنه أدرك متأخرًا كم هو مبتل رغم كون المنديل في يده ،نظرة خاطفة منها جعلته يلاحظ ذلك، فضحك بخفة، لا صوتية تمامًا لكنها حقيقية.
رفعت فيرا المظلة قليلًا، استعدادًا للمغادرة، ثم خطت خطوة إلى الخروج من تحت المأوى .
عندما ابتعدت بما يكفي، سمعت صوته خلفها، بالكاد مسموعًا وسط صوت المطر:
"أظنكِ على حق."
لم تحدد إن كان يقصد المطر أم شيئاً آخر ..
______________________
نهاية الفصل ...
اريد سؤالكم "هل تؤمنون بالصدفِ حقا؟! "