بين الشّك واليقين تعلّقت روح سولاي، وهي مفارقة كبيرة يواجهها الجميع؛ بينما تُنشِأ صراعات في الأنفس فإنها أيضا تقود إلى حقيقة أغلبنا يتجاهلها.
الشّك بذرة، زرعها أبسط من قطف وردة، لكن تداعياته تؤلم بقدر الألم الّذي تبثه الأشواك من وجع. إذا كان الشكّ مطلقًا، فهو ثقب أسود داخل العقل، يبتلع كل شيء ويضعك عاريًا من كل إيمان، كورقة مرتجفة وسط الفراغ. ورقة لا تدري أين ستأخذها الرياح، لكنها موقنة بشيء واحد؛ أنّها ستصبح جزءًا من ذاك الفراغ ذاته.
بينما احتك ثوب نوم سولاي الحريري بأغطية السرير، اقترب عقلها من الانفجار.
مرّ يومان منذ انقضاء الحدث الخيري واكتشافها لوجود لوحة مهرّبة، ما جعلها تراجع جميع شرائط التسجيل لعشرات المرات طوال الوقت الماضي علّها تجد ما يدلّها على الفاعل.
كانت مئات الأسئلة تدور داخل رأسها دون أن تتوقف لتجيب على إحداها، كما لو أنّها تركب حصانًا دون سراج أو تدريب، يصهل عاليًا ليصمّ آذانها وهو يهرع داخل غابة غير معروفة، بينما سولاي فوقه مغمضة العينين تنتظر الفرج.
كانت تراه ضعفًا في نفسها، لم يكن من المحتمل أن تحصل أي غلطة في المعرض، لا طبق تنقصه قطعة مملحات ولا نوتة تزيد أو تنقص من السيمفونية، فما الأمر معها؟ كيف لأحد أن يستطيع اختراق حصنها المعروف بالمناعة وكيف لها الآن أن تكون متأكدة من أنّها ستكون جديرة بالمهام التي ستوكل إليها بعد الآن؟
ارتفعت لحلقها كتلة ضخمة من المشاعر أضاقت على رئتيها ورغم محاولاتها لم تستطع فكّ الانقباض الذي سيطر عليها.
الخيانة كانت أكبر مخاوفها، ما هي بصدد فعله يتطلّب إيمانًا تامًا وثقة بمن هم حولها. ما تقوم به لم يكن يقف عليها فقط بل لكلّ شخص من حولها دورٌ يلعبه كبيدق أو فيل أو فارس أو قلعة، ويجب عليها أن تستفيد من كلّ حركة ولا يمكنها أن تتخلّص من أي قطعة دون أن تتأكّد أنّه أنفد كلّ ما يستيطع أن يقدمه على الرقعة.
لذا الخيانة كانت مثلما لو أنّ العدو استغلّ نقطة ضعفٍ لم تكن هي على دراية بها، وهو الأمر الّذي يدعوها لحافة الجنون فعلى خلاف البقيّة، سولاي لم تكن تنظر لتوقعات النّاس بشأنها وإنّما لما هي تتوقعه من نفسها. وعدم إحاطتها بكلّ الزّوايا هو بعيد تمامًا عمّا تتوقعه.
لا، وإنما الأزمة الأساسية أنّ عدوّها غارق في الظلام، لا ترى خطواته القادمة في تقاسيم وجهه ولا تعرف كيف سيحرك قطعه ولا حتّى تعرف أين هو من تقدّمه في المباراة.
ولا شيء أخطر من ألّا تعرف عدوّك.
استدارت على جانبها تقابل باب الشرفة الفرنسي، القمر بدر كامل يعوم في الفضاء ودون أن ترى بعينيها كيف كلّ شيء يتماسك في هذا الكون وبثقتها في الإله تتمنّى في داخلها أن يتماسك كلّ شيء حولها حتى تكتشف ما يمكنها فعله.
𓈒⠀𓂃⠀⠀˖⠀𓇬⠀˖⠀⠀𓂃⠀𓈒
مسّدت سولاي على صدغها وهي تعبر بوابة المتحف، لقد وصل الخبر للجميع بحلول الآن وهم ينتظرون ظهورها بالتأكيد.
ضغطت على زرّ المصعد ليُفتح هلى مصرعيه، "سأكون في مكتبي الخاص." أخبرت مساعدتها الّتي وقفت بجانبها واكتفأت يإيماءة بسيطة ترى مديرتها تركب المصعد ويغلق.
دفعت بأصابعها على مفاتيح مشكّلةً تركيبة من الأرقام «20070122» وما هي إلّا ثوانٍ حتى تحرّك المصعد.
أغمضت جفنيها على عينيها الخضراوتين وزمّت شفتيها بينما اتكأ ظهرها على الفولاذ، مرّ بعض الزمن حتى وصلت.
الطابق الرابع تحت الأرض.
مشت في الممرّ الفارغ ودفعت الباب الّذي في نهايته ليظهر خلفه تجمّع كبير للناس في غرفة أقلّ ما يقال عنها ضخمة. الإضاءة لم تكن قوية مثلما هي في الطوابق العلبا بل أخف، الكلّ في حركة دائمة، ومن يجلسون إلى الحواسيب كما لو أنهم مغمورون في عوالم أخرى لا يلحظون ما يدور حولهم.
بخطوات رزينة بكعبها الأحمر شقّت من بينهم وهم يفسحون لها المجال حتّى انتهى بها الأمر أمام باب كبير زجاجي معتّم.
أخذت نفسًا طويلًا وتركته يتسلل من فمها ببطئ ثم مدّت يدها تلامس برودته وتدفعه بهدوء ليكون أول ما تراه هو تجمّع إحدى عشر شخصًا حول المائدة الدائرية، التزموا الصمت ما أن لمحوا ظلّها يطل عليهم.
بحثت بعينيها عن وجه محدد لترى جازي تنظر لها باطمئنان، «سيكون الأمر على ما يرام.» ذاك ما عنته النظرة.
صوته البارد أتى مناديًا اسمها، "سولَاي." نبرته الحادة وهو يضغط على كلّ حرف أرسلت لجسدها رعشة لكنّها تماسكت مخفية إياها.
كان مقابلها بالضبط ويشير لها بيديه لتجلس على كرسيها الّذي بجانبه. تحرّكت بخفة تضع حقيبتها على الطاولة وتنزع معطفها بتراخٍ حتى أخذت مكانها واستقرت عيناها على وجه رايس الّذي بادلها النظرات الجامدة قبل أن توجهها لبقية الوجوه.
"كيف أمكنك السماح لحدوث شيء كهذا، لا أستطيع أن أستوعب." كان ذلك أوّل ما وجهه أحدهم إليها بعدما استمرّ الصمت لفترة طويلة وغير مريحة.
واجهها باتهام قاضٍ، واجهها واتهمها بالفشل وهذا كفيل بجعلها تقلب الطاولة عليه وقبض روحه إِلّا أنّها تروّت قبل الإقدام على شيء. شيءٍ غير واعٍ ومن المحتمل أنّه سيفسد فستانها الكريمي.
ابتلعت مقدارًا جيدًا من الهواء لداخل رئتيها ونفثته ببطئ ثم رفعت عينيها لرايس الّذي كان يحملق بوجهها في نفس الوقت، متجاهلة ما قيل لها قبل حين "التسرّب كان متوقعًا لكن نسبة نجاحه كانت شبه منعدمة وليست مستحيلة. لقد خفّضت من دفاعاتي للأسف في لحظة ما، ما سهّل على أحدهم التسلّل وتنفيذ خطته وسأجد من هو في وقت قصير."
ارتفعت حدّة الموقف عندما نطق رجل آخر بكلمات سباب متتالية، وعينا رايس لم تبثّا سوى توترٍ تصاعد ليملأ كل شبر من الغرفة الواسعة.
عمود سولاي الفقري كاد يصبح عصاة حديدية من شدّة استقامته. ابتلعت ريقها عدة مرّات وهي على حافة الاختناق فلم تعد أنفاسها تكفيها لتبقى على وعيها.
"قريبًا على ما آمل." خرجت الكلمات من بين شفتيه بثقل مثلما هي نظراته لها.
جاء صوت جازي مقاطعًا الأجواء، "ماذا عن الحملة الانتخابية؟"
استدارت سُولاي موجّهة بصرها لجميع الجالسين، "تواصلت مع إعلامي ومدير القناة الوطنية الأولى آليكس ماركوفيش حول بثّ حلقة خاصة من برنامجهم تتحدّث عن أهم الشخصيات الوطنية الحالية؛ التركيز سيكون على مرّشحنا بالطبع. تلك هي الخطوة الأولى في الحملة."
لم تزد مدة الاجتماع عن ساعتين انتهتا بشجار بين اثنين من الأعضاء القدامى.
خرج الجميع من القاعة وبينما كانت سولاي تتجهّز للاستقامة والمغادرة أوقفتها يد رايس الّتي امسكت عضدها بصمت، عيناه كانتا على جازي الّتي تسمّرت مكانها وأشار لها بالخروج وإغلاق الباب ففعلت.
"اجلسي..." سحب الكرسّي مجددًا لها.
تشوّش عقل سولاي للحظة ولم تشعر بنفسها إلّا وقد كانت على الكرسيّ بالفعل وهو يسحب آخر أمامها من أجله.
ابتعدت ركبتاه عن بعضهما واستند بكوعيه عليهما ناظرًا بهدوء لعينيها العشبيتين دون أن ينبس ببنت شفة تنهي حلقة الغرابة الّتي تدور حولهما إلّا بعد أن انقضت بضع دقائق بطيئة لم تفعل فيهما سولاي أمرًا سوى التحديق بكعبها واللعب باحدى خصلات شعرها.
"ما الذي يحدث معك مؤخرًا." نبرته استنزفت كلّ ما فيها من تماسك متبقٍ، لم يكن ما قاله سؤالًا وإنّما كان داريًا أن هناك خطب ما.
حقيقة أنّه رأى ما كانت تحاول اخفاءه مزعجة لدرجة أنّ رغبة ملحّة في صفع وجهها قد داهمتها، لكنّها تغلّبت عليها وحمحمت قبل أن تنطق بصوت متوازن "لا أستطيع أن أنام جيّدًا؛ لذلك قلّ تركيزي و-"
ابتلعت سولاي باقي كلماتها إذ قاطعها الآخر بحزم "لا تجعلي ذلك يؤثر على المنظّمة."
أغلقت عينيها. ذلك كان جارحًا بالطبع.
"آسفة، سأحاول."
"لا تحاولِي، ليس هناك خيار آخر سولَاي. ما نحن عليه لا يتحمّل غلطة واحدة." اخترقت عباراته صدرها بقوّة تاركةً خلفها أثرًا غائرًا. "غلطة واحدة وسيُدمّر كلّ ما بنيناه وجاهد السّابقون في تجهيزه، ولا أريد حصول هذا سولاي، وإن عنى ذلك إقالتك من منصبك."
"أعلم." نطقت بصعوبة ممتصّة التهديد.
ابتعد عنها قليلًا وشعرت أن الحرارة الّتي احتلّتها كانت صادرةً من قربه لها.
خرجت بخطوات سريعة تتجه نحو المصعد وما أن صعدت له ووجهته للطابق الثّالث وأغلق الباب خرجت شهقتان دون إذن من دواخلها لم تعلم أنّهما كانتا محبوستان من الأساس.
أمسكت بالقضيب الحديدي لتقاوم ميولها بترك جسدها يسقط ويعانق المعدن البارد، رغم إغراء الفكرة إلّا أنّها لم ترحّب بفكرة ترك ذاتها للانهيار.
وصلت أخيرًا لمكتبها بطريقة ما ولم تتذكّر كيف فعلت، قابلها أحد العمّال في الدّاخل لذا بلمح البصر أعادت ملامحها غير المبالية.
"لقد وصلتك رسالة آنستي، إنّها على الطاولة." أشار إلى طبقٍ ذهبيٍ وُضع عليه ظرفٌ أبيض، "وأشعلت المدفأة من أجلك."
"شكرًا." أومأت له وتركته يخرج.
رمت جسدها على الأريكة تقبض بيدها الباردة على صدرها بينما توجه بصرها للسقف وخلف عينيها كتلة تدفعهما لذرف الدّموع عنوة، "كلّا... كلّا سولاي كلّا..."
شهقة أخرى غادرتها وأصابعها بدأت بالارتعاش وكذلك صوتها، "ليس هناك ما يستدعي ردة فعل كهذه."
رفعت جسدها وبثقل وكعب مرتعش تحرّكت تأخذ الظّرف وتقدّمت من المدفأة تشعر بأنفاس اللّهب الحارّة تلفح جلدها بلطافة. أمالت رأسها لفوق تقابل النافذة، وترى السحب كيف تسبح في السماء، تسعى لاحتواء الدّموع.
أعادت بصرها للظرف، ليس هناك عنوان للمُرسِل... من سيرسل لي رسالة دون وضع اسمه؟ لم يكن سؤالًا غير متوقع.
أصابعها قطعت الظرف على مهلٍ تستمتع بالصوت الّذي يصدر منه. جذبت الرسالة، كانت بطاقة صغيرة باللون الكريمي، مطوية وأطرافها مزخرفة بالذّهبي.
فتحتها وقرأت.
عيناها اَظلمتا وتقاسيم وجهها ارتخت بفجأة وعضلاتها اشتدّت. مقلتاها بتوتر عاودت قراءة نفس السطر كثيرًا، كثيرًا لدرجة أن الحروف بدت غير حقيقيّة لبرهة وتداخلت داخل عقلها حتى لم تعد مفهومة. يداها رجعتا تهتزّان مثل خيوط عنكبوت أمام رياح عاتية، تتأرجحان بلا قوة، غير سامحتين لها بأن تتشبّث بأي شيء.
ببطئٍ يدها هَوَت قرب النّيران، حدّقت سولاي بتلك الألسنة وتنامى ميلها لخاطرة إغراق جسدها بينها. للحظة ما شعرت أن تلك النّيران تشتعل في صدرها ومعدتها وتتصاعد لحلقها حارقة كلّ ما تمرّ عليه وتلتف حول قلبها عاصرة إيّاه بيدين غير رحيمتين.
رغبة بالغثيان كذلك اجتاحتها وعدم تصديق لما يدور.
يدها دون شعور تركت البطاقة تسقط.
رأتها تتراقص مع الهواء وخلال قليل من الثوانِي كانت وسط النّار تشتعل.
لم يمر الكثير حتى بقوّة استدارت وخطت للهاتف تتصل على رقم ما ولم يزد الأمر عن رنّة حتّى رُفعت السمّاعة وقابلتها أنفاسّ متوازنة وهادئة.
"سيّد آليكس...؟" رغم ارتجاف دواخلها لّا أن صوتها كان هادرًا وأعلى من الطبيعي.
صمتّ تواصل لبعض الوقت، قهقهة رجولية قصيرة غريبة ثمّ همسٌ اخترق أذنيها مثل ابرٍ صغيرة حادة، "لم يعد موجودًا."
ليس صوت آليكس، بتاتًا ليس هو. اتى صوتها الدّاخلي صادمًا ومربَكًا.
"ماذا تريد؟" نبرتها لم تخسر ولو مقدارًا من البرود إلّا أنّه لمح في أنفاسها اضطرابًا دلّه على ما تعايشه هي في الجانب الآخر من الخطّ.
ابتسامته توسّعت وهو يمرّر لسانه على أسنانه العلوية بتلاعب يهمس مجددًا "ستعلمين... ستعلمين."
اشتدّت قبضتها على الهاتف تُحس أنّها على بعد شعرة من كسره، ما زالت على تلك الحال حتى علمت أنه أغلق الخطّ بالفعل.
أبعدته عن أذنها تنظر للشاشة السوداء بعصبية، تمسك نفسها بصعوبة، إلّا أنّها قذفته بالحائط ليسقط على الأرض كشظايا متناثرة على السجادة المخملية.
يدياها تداخلتا بين شعرها الأشقر اللّامع تسحبانه بعنف وشراسة تبثّ الألم في فروة رأسها وعيناها اتسعتا عن قبلٍ واتمأة بجسدها على الحائط وأخذت لحظات حتى بدأت تطرق رأسها عليه بخفة بدايةً، غير أن بعد كلّ مرة تزداد وتيرتها وقوّة الضربات حتى بدأت رؤيتها تتشوّش وما حولها يختفي ويعود بضبابيّة لذا توقفت مغمضة عينيها.
تلك البطاقة وقعت على الأرض ولكنّ النيران لم تلتهم مع ذلك السطر الوحيد الّذي كُتب بخط منمق ومزيّن.
« بيدقك بيدنا.»
𓈒⠀𓂃⠀⠀˖⠀𓇬⠀˖⠀⠀𓂃⠀𓈒
تُضاء القاعة بثريّات ذهبية تدلّت من السقف العالي، تتلألأ قطع الكريستال عليها بانعماس الشموع الّتي أخذت ألهبتها تتداخل بين كل شيء كما لو أنّها شاهدة على الأسرار والأحاديث الّتي تُنسج في الهواء وتتراقص مع ألحان البيانو وبين همسات الكمان السّاحرة الممتزجة بضحكات رجال الأعمال المتعالية.
تحرّك النُدُل بين الجموع بصمت يحملون أطباق النّبيذ المعتّق، أيدي النساء المرصّعة بالخواتم البرّاقة عبثت بحواف الكؤوس بينما أحاديثهن لم تخلو من القهقهات المصطنعة والنظرات الخاطفة للرجال ذوي البدلات المهندمة.
الستائر الحمراء أعطت طابعًا مسرحيًا عميقًا يهمس بصوت صاخب في أذن كل المتواجدين «الجميع يلعب دورًا في مسرحية الحياة.»
فُتح الباب وعبرت من خلاله امرأة متشحة بسواد الغسق، أكمامها وياقة فستانها الطويلة عملت كدروع صامتةٍ تعزلها عن الرصاصات التّي ترشقها بها الأعين الملتفتة إليها وهي كأنّها لا تلاحظ تأثيرها.
كانت لامعة وبرّاقة بمشيتها وحضورها، شعرها مرفوع في تسريحة بسيطة وبعض الخصلات الشقراء أحاطت وجهها بقُبل رقيقة.
كلّما خطت خطوة بقي وجودها في رائحة الكرز المنبعثة منها.
عيناها جالتا على المكان بتؤدة تفكّر إمّا أن تتجه لأحد معارفها أو أن تحضر لنفسها مشروبًا يساعدها للتجهّز لهذه الليلة الطويلة. سرعان ما قررت أن تتجه إلى البار.
هناك، في تلك الزاوية المكشوفة من القاعة، جسد ضخم أسند ظهره إلى رخام البار بخمول متعمّد ويده تحرّك كأس النّبيذ بكسلٍ قبل أن يرفعه لشفتيه، ببطئ وكأنّ الوقت يستثنيه من قوانينه، لكنّه ليس مرتاحًا تمامًا. لم يأت للاستمتاع في هذا الحفل، بل أنى ليبدأ لعبته.
بصره الكسول تبعها وهي تقترب بكعبٍ واثق ووركٍ يتمايل بأنوثة وعلى وجهها ابتسامة عمليّة وهي تطلب من السّاقي أن يناولها أحد أنواع المشروبات.
رنّت لحظة التقاء رجل كأسه الزّجاجي بالرخام وكانت تلك هي نفسها لحظة التقاء عينيها العشبيّتين بخاصته الداكنة.
نظرتها كانت خفيفة، لم تتفحّصه مثل باقي النساء اللّاتي قابلهن منذ بداية الحفل. كان يعلم أنّ بها من التّفرّد شيئًا، ولم يكن جمالها فقط الفريد.
مال فمه بتكلّف وهو يشير للساقي أن يعيد ملأ قدحه ثمّ قال بصوت هادئ ونغمة غريبة:
"أحيانًا يتساءل المرء ما الذي قد يجذب الشّمس إلى مكان أرضي كهذا."
لم تتوقع أنها يخاطبها أحد بهذه الطريقة، كانت معتادة على المجاملات وابداء الإعجاب وحتّى التملّق إلا أنه لا أحد قدر على استفزازها كتلك الكلمات الغامضة. نظرت إليه وملامحه كانت مؤلوفة بشكل مزعج لكنها لم تستحضر متى وأين رأتها قبلًا لذا رفعت حاجبًا بينما تميل رأسها للجانب قليلًا: "أحيانًا، تحبّ الشمس أن تقترب وتشاهد احتراق البشر في الضوء الخاطئ."
تبعته بعينيها تريد أن تقيس تأثير كلماتها غير المترددة عليه.
ابتسم، تلك الابتسامة الّتي لم تصل إلى عينيه، لكنّها تُظهر إعجابًا -إن لم يكن استمتاعًا- بسرعة بديهتها.
أحنى رأسه قليلًا تجاهها، "لكنّ بعض البشر يحترقون بطريقة مختلفة، بصبر وببطئ، وربما ليس تحت ضوء خاطئ."
حدّقت فيه، لا تعلم من هو اسمًا، لكنّها تعلم نوعه من الرّجال؛ الرّجال الذين يتكلمون بثقة، الّذين يستمتعون بطرح التحديات الفكرية أكثر من أي شيء آخر. النوع الخطر والّذي يقدر على سحبك نحو شباك مشوّكة ويجعلون الألم كلدغات لطيفة.
كلماته السلسة تتالت وهو يدفع بكأس نبيذه برفق إليها: "لنجعل الشّمس تتذوّق شيئًا جديدًا الليلة."
بصرها انتقل من الكأس الّذي مدّه إليها، والسائل الذي يلمع به، إليه مجددًا. شعور لم تستطع وضع يدها عليه تسللّ إليها، ليس شعورًا مريحًا بل متحديًا أكثر. تعلم جيدًا أنه ليس شعورًا يُستحسن بها أن تختبره، خصوصًا مع كلّ ما تمرّ به مؤخرًا.
ابتسم لها وهو يتأكئ بمرفقه على الرّخام، "زافير."
لم تكن متيقنة ممّا عليها فعله، ليست مستعدة لخوض أي مواجهات ذهنية مع أيٍّ كان ولكنّها تحبّذ تواجد شيء يصرف عقلها عمّا يدور بداخله.
"سُولاي." أجابته ناطقة اسمها بمتعة ملتوية.
نظر لها بعمقٍ ساحبًا أنفاسها حتى ما عاد الأكسجين يدخل لرئتيها ولم تلحظ ذلك إلّا عندما همس بصوت مسموع وقد اختفت معه كلّ الأصوات الّتي تملأ القاعة، ونبرته لم تختلف كثيرًا عن لحن البيانو الّذي يعزف مقطوعة خياليّة، "لا يمكن أن يكون اسمك سوى كذلك، شمس."
ثمّ تلاشى كلّ شيء بينهما وحول جسديهما والصّمت تواصل يلفّ روحيهما حتى الاختناق لكنه لم يكن اختناقًا للموت بل يليه نفس للحياة.
كانت تلك أولى خطوات سولاي، نحو لعبة لم تكتشف كيفية لعبها بعد.
𓆩⚝𓆪