البـُزوغ الإستِهـلالِـي.

البـُزوغ الإستِهـلالِـي.

37 0

مَعبد الرّاعي إيرنست الأوّل، العاصمة.

قَرع كعبها الكرزي الأرضية مسببًا صدًى وصل لكلّ زاوية.

جسدها تحرّك وسط دجنة اللّيل وبمرافقة نور البدر الكامل وجدت طريقها لآخر الرواق. توقّفت للحظة ثم سحبت من إحدى الأدراج الّتي أمامها شمعة جديدة، وبيدها الحرّة أخرجت من معطفها قدّاحة فخمة أزاحت عنها الغطاء وأشعلت بها الشمعة.

بعد أن ثبّتتها على المنصّة لحظت أن هنالك شمعة أخرى تحترق بهدوء لم يمرّ على وضعها كثيرٌ من الوقت، ربما ربع ساعة بالأكثر. استغربت، الوقت متأخّر بالفعل وشارف على السّاعة الواحدة فجرًا ولما لم ترَ أحدًا يخرج؟

أعادت بصرها إلى اللوحة الزجاجية الّتي تزيّن صدر المَعبد، حيث مرسوم فيها رجل وهو الرّاعي إيرنست الأوّل، أمام نارٍ متقدة ويفتح ذراعيه معانقًا إيّها غير عابئ بما سيسبب له ذلك من حروق. الأسطورة تقول أنّ احتضانه للنار كانت الوسيلة الوحيدة لكي يعفو الملك في ذاك الزمن عن أرواح النّاس التائبة.

أغمضت عينيها مطأطئة رأسها قليلًا ويداها اشتبكتا فوق صدرها بقوّة، وشاحها الأبيض الّذي تغطّي به شعرها سقط على كتفيها.

كانت تشعر أنّ الكون حولها يدور، يتغيّر، ينتهي ويُدمَّر، بينما هي تقف وحيدة معزولةً تحتضن نفسها وعقلها يصرخ بأنّ كلّ شيء سينقضي قريبًا.

دمعة فريدة سقطت على وجنتها، دمعة ساخنة تحاول أن تواسي صاحبتها. ولو أنّ الدموع تُصلح المُنهار وتجبر المنكسِر، لكنّها للأسف لا تفعل، لذلك سارعت يد سولَاي الباردة لتمسحها باعثة لجسدها رعشة مؤلمة.

"فلتغفر لي يا إلهي كلّ خطيئة، وأيّدني بقدراتك لأخدم إيماني. أصلِّي لك وحدك يا إلهي فأعنّي." همساتها خرجت من بين شفتيها مرتعشة كأنها صوت روحها المتوسّلة لرحيق الرّحمة والتأييد.

نظرة أخيرة للشمعة، تحترق وتذبل دون صوتٍ عالمةً أنّ نهايتها محتومة، لكن ستبقى حيّة في ذاكرة الظلام. حدّقت بها طويلًا، «حان وقت التضحية، وإن كان في الظلام.» صوتها الداخلي هذه المرة كان راسخًا. «سوف أحترق في النهاية أيضًا مثله، لكنني سأختار النار الّتي ستلتهمني.»

التفتت للبوّابة تطرق بكعبها مجددًا نحو الخارج وشعرها الأشقر يضطرب خلفها، بصرها كان يجول بخفّة على العشب وزهر البنفسج مُغطى بطبقة من النّدى يعكس وجه القمر.

«لا يجب البقاء طويلًا، الإيمان يتطلب أفعالًا أكثر من كلمات.» لامست الفكرة جدار عقلها.

قبل أن تركب السيارة رمقت للمرة الأخيرة المعبد المحاط بالحديقة، وتخيّلت أن هذا المكان الّذي يغرق في السكون ما هو إلّا جنة مقدّسة حيث تستكين الأنفس.

وفي نفس اللّحظة، كان زوجٌ من الأعين الجليديّة يلحقانها باهتمام وحرصٍ كبيرين، مع تساؤل يتعاظم في كلّ خطوة تخطوها مبتعدةً عن المعبد.

𓈒⠀𓂃⠀⠀˖⠀𓇬⠀˖⠀⠀𓂃⠀𓈒

اللّيل ازداد برودة وعقارب الساعة تتجه للثانية، تملّكها شعور بضغط الوقت لتكمل مهمّتها. واصلت القيادة داخل حيّ فاخر بعد ذلك وعقلها خالٍ من أي أفكار.

توقفت أمام قصرٍ تخرج من نوافذه أضواء متلألئة وتظهر من خلالهم أجساد متراقصة ثملة. نزلت واتجهت لصندوق العربة تُخرج منه فستانًا ليلكيًا حالكًا، تفحّصته، "ليس سيئًا." تمتمت لنفسها.

خلعت المعطف الطويل بحركة واحدة كما لو أنها تنتزع قناعًا وترتدي عوضه آخر، الثوب الليلكي احتضن جسدها كأنّه خُلق لها. كان طويلًا، لكن ليس بما فيه الكفاية ليخفي أسرارها في حين أن خيوط الذهب تفضح نيتها الحقيقية. انتعلت حذاءً جديدًا أسود حادٍ ثم أغلقت الصندوق حاملةً أخيرًا حقيبة يدٍ صغيرة وأخذت طريقها نحو البوابة الرئيسيّة أين كان الحرّاس يراقبونها تمشي نحو باب القصر بحذرٍ، لم يتوقعوا وصول أحد الضيوف في هذا الوقت.

الليل لم يكن رمزًا للهدوء قط، كلّ خطوة تخطوها في طريقها كان له إيقاع يصرخ بأنّ نهايةً جديدة تقترب.

ببطئ وابتسامة متلاعبة مدّت بطاقة الدعوة من حقيبتها وعيناها الخضراوتان لا تكسران الترابط البصري الّذي أحدثته مع الحارس الأخير الّذي يحول بينها وبين قاعة الحفل، وهو كأنّه وقع تحت تعويذة من نوعٍ مُسكر، ما أن لمح البطاقة دون أن يتثبّت إن كانت أصليّة أم لا سمح بمرورها.

وصلت القاعة، والأعين الّتي لم تكن مخمورة توجّهت نحوها. في المعبد كانت ترى تمايل لهيب الشمعة كراقصة ضئيلة أمّا الآن ترى أجساد الراقصات تتمايل تحت أضواء القصر، لكن هذه المرة لم يكن النور بريئا. ولكنّ عيناها كانتا تبحثان وسط الجموع عن رجلٍ أشيبٍ ذو بطن منتفخة وجدته يجلس بين ثلاث فتيات على الأريكة، وجهه محمرّ وابتسامة لاهثة تعلو ملامحه بينما يداه تعبثان هنا وهناك باستمتاع مقيتٍ وكأنّه يملك العالم... العالم الّذي سيُسلب منه.

هدأت أنفاس سُولاي وانفرجت زوايا شفتيها بارتياح ولطف وعيناها تلألأتَا برضًا في الوقت الّتي بدأت تمضي فيه نحوه.

جلست بينه وبين إحدى الفتيات وابتسامتها كانت كوشاح مخملّي يغطي خنجرها المسموم. تضع يدها على صدره تمرّر أصابعها فوق مكان قلبه بليونة بينما فمها تحرّك هامسًا بشيء ما كترنيمة صلاةٍ جعل من عيني العجوز تغيبان أكثر عن الوعي.

استقامت سُولاي تضحك له وتسحبه من يده ليتبعها دون هوادة من القاعة إلى السلّم وأخيرًا دخلت به إلى أوّل غرفة واجهتها حين صعدت، فهي مثله لم تعد تتحمل أكثر.

دفعته للحائط ما أن أغلقت الباب وانقضت عليه تُميل رأسها وتجعل أنفاسها الحارّة تضرب عنقه في حين أن يدها اليمنى لعبت بالمسدس لبضع ثوانٍ قبل أن يستقرّ موجَّها نحو وريد عنقه الّذي بدأ يخفق بكلّ وضوح.

"ظننتَ أنّك ستنجو؟" تناسب صوتها كوشوشة ناعمة، كنسيم دافئ إلاّ أنّها تحمل في طيّاتها خطرًا مغريًا ووعيدًا بالألم. "لكن الطّرق الّتي نسلكها تكون قصيرة في بعض الأحيان، وربما أقصر لبعض النّاس بالتحديد."

"لماذا؟ من أنتِ؟" ذاك كلّ ما استطاع إخراجه بصوت يكاد لا يُسمع بعدما غرزت المسدس أكثر في عنقه مسببةً جرحًا صغيرًا وارتعاش هائلًا لروح العجوز الخائفة. حدقتاه اتسعتا بشكل مفرطٍ وعرق بارد لمع على جبينه وصدغيه بينما اتسعت فتحتا أنفه في محاولة غير مجدية لالتقاط كمية كافية من الهواء.

ارتفع حاجبها باستهزاء، وجسدها ارتخى قليلًا تحدّق في وجهه الّذي أصبح يقابل وجهها دون أن ترمش تخلق له شعورًا مضاعفًا بالتوتّر، "أإجابة هذا السؤال هو آخر ما تريد أن تسمعه؟"

كان هذا الرجل شوكة صغيرة في جسد النّظام، شوكة لن يُسمح لها أن تفسد النقاء الّذي يُسعى إليه. لا مجال للخطأ، ضغطة واحد على الزناد.

النّار الذي احتضنها الرّاعي الأوّل لن تكون أقسى من هذه اللحظة لكنّها ضرورية. النار تطهِّر كل شيء.

لم يجب. صوت تجهيز المسدس بثّ في نفس العجوز الرّعب واهتزت مقلتاه وحاول أخذ نفسٍ عميق. في اللحظة التالية كان ساقطًا على الأرض وسط دمائه الّتي تناثرت والثقب في صدغه يتسع.

جثت قرب جسده الثخين، "لأنّك يا عزيزي حاولت أن تتخطانا وبعقلك الصغير ظننت أنّك تستطيع، فخلاف أنك استهنت بنا كثيرًا لقد صدّقت أمرًا باستسلام شديد دون أن تشك ولو للحظة. وهذا العالم يتطلّب الشكّ، لذلك لن يحتاجك أبدًا. وأمّا عن سؤالك الثّاني..."

اقتربت من أذنه تتلو كلماتها في صمت، "أنَا سولَاي، كاهنة الشّمس. ومصير أمثالك الّذين يفسدون الأمور علينا هو الجحيم."

تركته يسبح في بركة حمراء قانية، وشمعة المعبد ما تزال تحترق.

𓆩⚝𓆪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نيران عدن

المؤلف Nezi Akrout
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة