مَتحف إيوس الدّولي للفنون.
كانت الشمس تسبح في السماء مشرقة دون رحمة، تُلقي بظلالٍ طويلة على الأرضيّات الرخاميّة، كأن نورها يريد التسلل لأرواح الزوّار.
من خلف الجدار الزجاجي للطابق الثّاني حدّقت سولاي في الشارع المزدحم. عُلقت من خلفها اللوحات ووضعت المجسّمات الفنية العصرية المثيرة للجدل. النّاس من خلفها في حركة دائمة يتحدثون عن اللوحات ويعبّرون عن انطباعاتهم، وبالقرب منها تواجد صفّ من الأطفال يقودهم أمين المتحف وقد ارتفع صوته بحماس مفرط: "إنّ المكان أقرب لمعجزة حديثة من متحف عاديٍ يا أطفال بكلّ تلك اللوحات النادرة الّتي تتواجد هنا، لذا يُعتبر كنزًا لا يُقدر بثمن."
تفاجأت سولاي باصطدام أحد الأولاد بها أثناء تأملها، نظرت له بسرعة وقالت بحزم: "حذارِ." أعادتها هذه الحادثة الصغيرة للواقع لذا قررت مبارحة مكانها. تحرّكت بخطوات ثابتة تعبر بين حشود النّاس وهم يتوقفون بين كلّ حين وآخر لالتقاط الصور وأصواتهم تداخلت مع الموسيقى الكلاسيكية الصادرة من مكبرات الصوت تخلق جوًّا آسرًا ومربكًا في آن واحد.
في تلك اللحظة سيطرت فكرة صغيرة على عقلها بثقل جعلتها تُبطئ تحرّك ما حولها وكأن الزمن توقف، «كلّ هؤلاء ستبتلعهم النيران.»
ساورها القلق، ذاك الشبح الّذي لا ينفكّ عنها، وأخذها للتساؤل بصمت إن كان ما تقوم به يستحق العناء فعلًا. ذاك الخوف من الفشل لم يكن يتركها أبدًا، بل يتبعها كظلّها.
ألقت نظرة خاطفة، أثناء مشيها، لنفس الفتى الّذي رأته سابقًا وهو يشير لتمثال معدني، «من أجلك أيّها الصغير، ومن هم بعمرك.»
حاولت زرع الإيمان بقلبها مجددًا وهي تتجه نحو مكتبها، تناشد بصمت أن تكون الثمرة طيبة في النهاية.
صعدت درجات قليلة وُجدت في إحدى الممرّات الرئيسية لتدخل غرفة واسعة يتوسّطها مكتب كبير وفي أركانها انتشرت باقات ورودٍ كثيرة مع بطاقاتها الخاصة دائمًا ما تُذكِّرها بالواجهة المزيفة الّتي تقدّمها.
ما مرّت ثوانٍ إلَّا وقد دخل وراءها أحد المشرفين: "سيدتي، هذه قائمة اللوحات الّتي سيجلبونها في المساء وصورهم."
اقترب منها مادًا ملفًا متوسط الثخن، "حسنًا." أخذته منه وتجهّزت لتجلس على كرسيها، "اسمع—" التفت لها بينما كان هامًا بالخروج، "ذكّر الطاقم الأمني لتفتيش الصناديق الّتي ستدخل في المساء جيّدًا، وعدم ترك فرصة لأي خلل أمني. آخر مرة في متحفٍ في كابلو قاموا بإدخال جمعٍ مسلّح ولن يحدث شيء كذلك هنا!" صوتها خرج حادًا ومهددًا، شابكت أصابعها فوق الطاولة وهي تراه ينسحب بعدما أومأ لها.
أغمضت عيناها وأعادت ظهرها للخلف مستندةً على الكرسي، يبدو كلّ شيء مشوشًا ورأسها ثقيل لتحمله على كتفيها، حتّى أنّها تشعر وكأن مساميرًا صدئة تُغرز فيه من كل صوبٍ وبتأنٍ مؤلم.
فتحت الدرج الجانبي تأخذ منه علبة مهدئاتٍ وتبتلع منه حبتين. «ليتني لم أشرب قهوةً بعد انهائي المهمة.» تذكّرت المهمة.
تلك الأصوات والموسيقى الّتي أحاطاتها في ذاك المكان أثارت إشمئزازها مجددًا. «ربما كنت أستطيع قطع يديه أوّلًا، لم يكن سيحتاجهما أين ذهب على أيّ حال. ولو كان سيفعل لقطعتهما أيضًا ليصعب عليه الأمر هناك أكثر.» ابتسمت باستهزاء.
قلبت غلاف الملف تتفحّص اللوحات وتختار منها ما سيُعرض. لحظات وإذ برقم غريب يظهر على شاشة هاتفها، مطّت شفتيها وهي تفتح الخطّ لتأتيها الكلمات بسرعة من الطرف الآخر "قادمة لك." ارتفع حاجب سولَاي ما أن سمعت صوت صديقتها، "هل عُدت للوطن؟" سألتها مباشرة بعدما ارتفعت زوايا فاهها بطمأنينة، "أجل، تذكرت المعرض الخيري الّذي سيقام في الغد وأردت أن أحضره بالطبع."
همهت سولَاي ضاحكة، "اسمك لم يُذكر في قائمة المدعوين عزيزتي."
شهقةُ صدمة تسببت في ألم لأذن سولَاي تلاهَا كلمات سبابٍ متتالية، "هو بغض النظر عن حقيقة أنني سأكون حاضرة سواء ذُكر اسمي أم لا في القائمة، ماذا تعنين بأنك لم تدعنِي؟ وجود اسمي أعلى تلك القائمة الغبية شرف."
استمرّت سولاي بالضحك مطوّلًا حتى أن رئتيها لم تعودا تتسعان للهواء لذلك وقفت قرب النافذة المفتوحة تنظر للحديقة الخلفية للمتحف تمسح على وجهها، "إسمك هو الأوّل في القائمة جازي."
صمت مطوّل من المدعوة جازي جاء بعده قهقهة خجلٍ متكلفة، "علمتُ ذلك من البداية."
"متى تصلين لهنا؟" استفهمت سولاي بعدما امتد السكوت بينهما قليلًا. "أنا في المطار أنتظر حقائبي، بعدها مدة نصف ساعة تقريبًا... لما؟"
لم تجب لفترة تحاول أن تكوّن جملة تفسّر فيها ما يدور داخل عقلها طوال الأسبوعين الماضيين، تكلّمت في النهاية عندما ملّت جازي من الصمت وكادت تغلق المكالمة، "لا أدري، الأمور تسري بشكل جيد." توقفت للحظة تنظر لأصابعها ثم أكملت، "ربما بشكل جيّد جدًا. ذلك يبدو خاطئا بطريقة ما."
تغلّف صوت جازي بالجدية، واستطاعت سُولاي أن تتخيلها قد استقامت في وقفتها وأن تعابير وجهها قد بردت. "ماذا تعنين؟"
ما تعرفه سولاي جيّدًا هو أنّ جازي تكره بشدّة مثل هذه التوقعات والمشاعر. "الإنتخابات، كلّ شيء يسير على ما يرام حدّ الآن، لكن..."
قُطع كلامها، "سيكون كلّ شيء على ما يرام يا حمقاء! ظننت أنّ هناك من غير رأيه في آخر لحظة، كما تعلمين." ضحكت جازي من الجهة الأخرى لكن سولاي استمرت على صمتها تعضّ على شفتها السّفلى تناظر الأفق حيث سرب من الطيور يشقّ طريقه ويلوّث نقاء صورة السماء. الإنتخابات، التفكير في الكلمة نفسها يجلب صداعًا. «يجب التحضير للحملات وبدأ المشاريع الخيرية خلاف الخطابات الّتي ستُكتب...» تذكّرت ما عليها فعله.
"عودِي بسرعة، لدينا ما نحتفل بهه على أي حال ويجب علينا مناقشة أمره." أغلقت الخطّ بعدما ودّعتها وجلست ممدة عضلاتها لتنهي عملها.
𓈒⠀𓂃⠀⠀˖⠀𓇬⠀˖⠀⠀𓂃⠀𓈒
فوق الطاولات المغطات بالأقمشة البيضاء في الممرّات الدّاخلية للمتحف كانت تلال من الصناديق والحقائب مكدسة بعناية.
الأضواء كانت قويّة وساطعة مثلما لو أنّها تكشف عن كلّ مخفي ومع صدى خطوات الرّجال المرتدين لزي موحّد أسود كان التواجد في مثل هذا المكان مجلبًا للتوتر والعصبية. كلّ شيء مهما كان صغره كان يخضع لمراقبة وتدقيق ويجعلون الجميع يشعر أنّ هناك ما اقترفوه ولو بالخطأ نظرًا للملامح الجدية وغير الودودية الّتي تحيط بهم.
"لا مجال للخطأ" كانت تلك العبارة تتردد في أذهان الطاقم الأمني، بصوت مديرة المعرض سولَاي وهي تعيدها على آذانهم كلّ صباح قبل بدئهم العمل إلى جانب طنين آلات التفتيش المزعجة وأزيز فتح وغلق الحقائب.
كان أحد الحرّاس يفتح إحدى الصناديق التي تحتوي فقط على مستلزمات الطعام المعتادة ببطئ ممل كما لو أنّه يتعمّد ذلك، وأخذ يدقّق حتّى في كيفية تسكيره وتغليفه واستمرّ في البحث فيه كما لو أنّه متأكد أنه سيجد مسدسًا مدسوسًا في الأسفل لكن كلّ ما لقيه هو بعض أدوات المطبخ وورق تغليف أبيض سميك بأسفل العلبة مطوي بشكل منظم وأنيق.
رفع بصره للنادل المسؤول عن الصندوق، كان في بداية عشريناته ربما والتوتر بادٍ على محيّاه حتى أنّ يداه ارتعشتا بانزعاج وقلق. التفت الحارس لأحد زملائه متمتمًا:"هذا الصندوق أثقل من اللازم." نظر له صديقه ومن ثم إلى النّادل الّذي زادت عصبيته جراء ما سمعه. "مرّر."
"أهذه أوّل مرّة لك في الوظيفة؟" طلب الحارس اجابة وقد كان صوته غير صبورٍ، في حين أن النّادل كان مدهوشًا أو بالأحرى مرتعبًا لذا تكلّم بارتجافٍ وضحكة متوترة لم تنبع من القلب بل أخرجها فقط لتقليل حدة الموقف، "أوه، أجل... أجل إنها مرّتي الأولى."
ابتسامت الحارس الودودة كانت مشوبة بالحذر، كما لو أنّه لم يكن واثقًا تمامًا من كلامه. «مجرّد مبتدئ على أي حال.»، فكّر بذلك ثم أشار للنادل بإيماءة تسمح له بمواصلة الدخول للمطبخ.
عندما أوشكت إجراءات التفتيش على الإنقضاء، تدخّل المشرف الفنيّ يستعلم إن كان هناك ما يثير الشبهات وما إذا كانت العملية قد سارت بسلاسة.
"أجل، تمّ تفتيش كل من وما أتى. كل شيء على ما يرام." أكد المُراقِب تمام الإجراءات ما جلب الرّاحة للمشرف.
صعد المشرف بعدما أخبرهم ليبدؤوا التجهيز للإغلاق بعد ساعة.
𓈒⠀𓂃⠀⠀˖⠀𓇬⠀˖⠀⠀𓂃⠀𓈒
طبقة من الثلوج غطّت الأسطح والشوارع وجوانب مدخل المتحف حيث السيّارات تتابعت ينزل من كلّ واحدة عدة شخصيات مهمّة وذوي مناصب معروفة.
يدخلون بتأنٍ بعد أن يأخذ الصحفيون وقتهم في التقاط صور الحضور، وبعدها في القاعة الّتي تسبق المعرض، حيث الإضاءة الدافئة تنعكس على الرخام الأبيض، ينتشر الجميع ليحملوا كؤوس النبيذ ويتذوّقوها مبدين حماسةً مكتومة لرؤية ما سيقدّم الليلة.
استقام ظهر سولاي قرب المنصّة أين ستصعد بعد قليل، الوجوه الّتي أرادت رؤيتها بالفعل أصبحت هنا وتأكدت أن المزاد سيفتح بالفعل عندما تدقّ السّاعة العاشرة كما هو مخطط.
مغلّفة في فستانها الذّهبي اللّامع عديم الحمّالات ومع قليل من مواد التجميل ذات الطابع الوردي الملائم لملامحها الشقراء صعدت برشاقة تقرع بملعقة صغيرة على كأس الشمبانيا الّذي تحمله تسحب انتباه الضيوف نحوها.
"مساء الخير، سيداتي وسادتي، وأهلًا بكم جميعًا في هذا الحدث الفني المميّز.
نرحّب بكم مجددًا في هذا المكان الّذي يعكس جواهر الإبداع أين تمتزج الألوان بالأرواح وتصاغ كلمات لا تحتويها أي لغة. متحف إيوس الدّولي ليس مجرّد متحف يعرض لوحات وتماثيل، بل هو مساحة لتبادل الآراء، التحرّر من القيود اليومية الباردة والتعبير عن أذواقنا وتوحيد رؤانا المختلفة عبر الجمال.
هذا المعرض الّذي يقام تحت عنوان [الّظلال والنّور] يجمع نخبة أعمال الفنّانين المحليين والعالميين. هذه الأعمال لن تكون فقط متعة بصرية لكم وبوابة نحو التعرّف على هويّة هذا العصر الجديد وطريقًا للاندماج مع التطوّر الحاصل حولنا بل وأيضًا عبر المزاد الّذي سيقام في وقته المحدد سنستيطع توحيد جهودنا ودعم مستقبل الأجيال اللّاحقة عبر تمويل المدارس الخاصة الجديدة.
اسمحوا لي أوّلا أن أتوجّه بالشكر الجزيل إلى من جعلوا إقامة هذا الحدث ممكنة، من الفنّانين الّذين وهبونا أنفسهم إلى فريق التنظيم المتميّز الّذي ساهم كثيرًا في نجاح هذه الأمسية. كما أخص بالشكر شركاءنا وداعمينا المؤمنين بقوة الفن وما هو قادر على فعله لبناء مستقبل واعد لنا جميعًا.
أخيرًا، أذكّر نفسي وإياكم أن كل لوحة، كلّ تمثال وكلّ تفصيل ينطوي على خفايا عظيمة تنادي لتحليلها والغوص في أسرارها. لذا، دعونا نستمتع بهذه الرحلة معًا.
أعلن الآن افتتاح المعرض رسميًا وأدعو جميعكم للتجول واستكشاف المعروضات. شكرًا لكم ونتمنى لكم أمسية مفعمة بالسّحر."
غشى على المكان رنين التصفيق الحار مختلط مع ضوضاء الكاميرات بينما ابتسامة فاتنة شقّت وجه سولاي وهي تنزل المنصة تتجه إلى الباب الضخم الأبيض المزخرف تفتحه لتسمح بدخول الضيوف إلى رواق الفنون الأخّاذة.
كلّ ما تلتقطه أذناها هو كلمات وجمل متقطّعة، 'هذه اللوحة رمز للكمال.'، 'إنها تفتقر للأصالة وشديدة البساطة' وآخر يجيب، 'ربما البساطة هي ما تجعلها إستثنائية.'
عيناها رقصتا على أنغام الموسيقى الفرنسيّة ترسل إيماءات صغيرة ورقيقة للحضور الّذين يواصلون الوفود ويحيونها.
على حين، اقترب منها رجل مُهيبٌ أشيب تتأبّط ذراعه امرأة سمراء ذات جمال حادٍ ووقفا أمامها بوجوه سعيدة، "المعارض الممتازات تُعرف من بدايتها، وكانت البداية ممتازة كالعادة، آنسة سولاي." ملامح سولاي اقترنت بالامتنان للكلمات الّتي وجهتها لها المرأة وأجابتها بصوت خفيض مماثل، "المعرض يتشرّف بحضوركما مرة آخرى، سيدة وسيد مالادور."
استدارت السيّدة تبرز عنقها العاجي لترمق محيطها بعينين متشوقتين بينما زوجها حادث سولاي بنبرة عميقة، "ما هي نظرتك لمعرض اليوم وما يُقدّمه، آنستي؟"
سحبت نفسًا عميقًا وكأنها تمنح لحظات لأفكارها كي تُستجمع، ارتخى وجهها للحظة ثمّ بدأت حديثها بتروٍ ولباقة وكلّ كلمة تخرج من فاهها المتورّد مختارة بدقة وعناية، "معرض اليوم موضوعه النور والظلام كما أوضحته سابقًا في الخطاب الافتتاحي، ومن وجهة نظري الشخصية فهو موضوع متشعّب ومستقبل للجدل حقيقةً، فالتعاريف المتداولة عن النور كرمز للإيمان والأمل والحياة عن الظلام كوجه للموت والدمار واليأس والحزن أصبحت في يومنا هذا قابلة للتشكيك."
عينا الرّجل اتسعتا قليلًا تعكسان دهشة خفيفة لما سمعه لكن دون أن يُظهر على نفسه أي انفعال واضح. شفتاه ظلّتا مشدودتان لثوانٍ قبل أن يسترسل في اساؤل: "كيف أن يكون تعريف النور والظلام قابلًا للتشكيك؟ ففي نور الشمس صباحا بثٌ للأمل في النفوس وهمس خافت لوجود الرّب بينما الظلام هو اللّيل أين الجميع يهرب منه بالنوم."
ارتفعت زوايا فمها بضحكة خافتة أخفتها بكف يدها الخجول لم ترد عبرها كسر الصمت الّذي أحاطها بالثنائي وأرخت أصابعها عن كأس مشروبها قبل أن تنطق بعينين متألقتين بحماسٍ طفيفٍ كنجمتين تلمعان وسط سماء صافيةٍ، "ربما هو كذلك يا سيّدي، لكن ألا توافقني حينما أخبرك أن الظلام هو ملاذ لكلّ من يريد الهرب من الآلام الّتي تبثها الحياة وهو نفسه الّذي يخفي تحت ظلاله مشاعر الحب الرقيقة والحميمية من حرقة الشمس،" ارتفعت عيناها بتأن إلى إحدى اللوحات الزيتية قربها حيث بها رجل يخفي عن عينيه النور المتسرب من النافذة وأشارت له بيدها الحرّة آخذة خطوة خفيفة للجانب، "وحتّى نور الفجر الّذي أخبرتني عنه يعتبره البعض عبءًا متجددًا يسلبهم الرّاحة ويرمي بهم وسط عراكات النّهار ويشي بعيوبهم وخفاياهم."
أعادت بصرها للسيد مالادور ولزوجته الّتي تابعت حديثهما بهدوء وتركيز، "الرموز لا تكون ثابتة ولا مطلقة دائما يا سيدي، فهي تختلف باختلاف الثقافات والمعتقدات والتجارب الشخصية. وفي النهاية النّور والظلام عنصران متكاملان لا وجود لأحدهما دون الآخر."
عندما شعرت السيدة مالادور بسكون زوجها تدخّلت رامية بكأس الشامبانيا خاصتها على طبق النّادل الّذي مرّ بجانبها، "يمكننا جميعا الهرب للظلام لكن لا نقدر على العيش فيه، وفي الأخير سنحتاج النور ليقودنا خارجه وإلّا سنفقد أي خصال إنسانية بالمواصلة والتقدم وتحدّي العارقيل. في نظري هما مفهومان متشابكان ومتغييران حسب السياق ولكن أوافقك تمامًا في خلاصتك أن وجود أحدهما يعتمد على وجود الآخر عزيزتي."
لاحظت سولاي تجمهر البعض في ركن ما ما دعاها للتساؤل ما الأمر الّذي جذب الكثيرين للوحة بعينها. ابتسمت بتشوّش تومئ للسيدة مالادور تاركة إيها خلفها وهي تدفع نفسها بخطوات فضولية متقدة وشيء غريبًا وإحساسًا غامضًا يجذبها دون وعي. مع كلّ خطوة تتقدمها كانت الأصوات تزداد تداخلًا ما زاد من حدّة رغبتها في استطلاع ما أثر اهتمام هذا الحشد.
وقفت أمام جميعهم تمعن النّظر في اللوحة أمامها مباشرة بنظرة تنطوي على الانذهال والظلمة.
"لقد تمّ رسم هذه اللوحة ببعض التغييرات البسيطة بالفعل! يد الجنرال هولوفيرنس تمتدّ في محاولة مستميتة لإيقاف يد جوديث الّتي تغرس الخنجر في عنقه وجميعا نعلم أن ملامحها في اللوحة الأصلية يشوبها بعض الشك والتوتر لكن هنا عيناها ثابتتان وواثقتان لا تخفيان خلفهما أي مشاعر مناقضة."
حوّلت سولاي وجهها إلى الرّجل الّذي أخذ على عاتقه تأويل الرّسمة بقوّة وتمسّك، كارل بوينسا.
رأته يدخل منذ البداية وكانت على شفتيه ابتسامته المتعالية المعتادة كونه واحد من أشهر مقتني الفنون، لكن هذه المرة كانت ابتسامته أكثر التواءً. والآن وجوده في هذا الرّكن بالتحديد وتركيزه مع هذه اللوحة خاصة ضاعف الاضطراب داخل سولاي وعلمت أن هناك لعبة تُحاك حولها.
كيف ولماذا، لا تعلم. لكن هذه اللوحة لم تكن ضمن القطع الّتي من المفترض أن تُعرض الليلة أو في أي وقت لاحق.
"—والتركيز على جوديث بالطبع حيث أضاف الرسّام ظلالًا ذهبية واضحة حولها وكأنه يريد منّا أن نرى سموّها وما منحتها إيها رغبتها بالقضاء على المُستعمر والمستبدّ لحماية بلدها وشعبها. لكن إنني بالفعل أتساءل ما رمزية الشمس الّتي وسمت صدر هولوفيرنس الضعيف؟"
تلك الجملة تلاها نظرة وجّهها كارل لسولاي الّتي غرقت تعابيرها في القتمة المحيطة بها ورصد انخفاض كتفيها وهي تعيد قراءة الملاحظة الموضوعة تحت اللوحة مرارًا وتكرارًا كأنّها لا تستطيع الاستيعاب: «حين سقط رأسه، سقطت آخر أوراقها في لعبة لم تكن تحكمها.»
اندفع كارل نحوها برفق ووضع كفّ يده الباردة على عاتقها كأنّه الرذاذ، يأسرها في عناق جانبي غير مشدود، "لم أتوقع أقل من هذا منك آنستي، كالعادة تبهريننا." اتسع محجراه بحيوية وهو يناوب بصره بين اللوحة ووجه سولاي الّذي طغى عليه السكون واستطاع أن يلمس الرعشة الباردة الّتي جرت في جسدها وعيناها غائبتان ما جعله يتأكد أن مهمّته تمّت بغرس الشكوك. "أرغب مع ذلك في معرفة السرّ وراء هذه اللوحة."
من هو الّذي يجرؤ على التسلل والتحدّي والتدخّل بجرأة؟
𓆩⚝𓆪