في قبضة قرصان
كانت قبضته قاسية كالفولاذ، تثبتني أرضاً، وعيناه العنبريتان تحملان وهجاً لم أستطع فك شفرته.
"ثمن يستحق الدفع."
ترددت كلماته في أذنيّ، تلك الكلمات التي حكمت عليّ بمصير جديد، وأنا التي ظننت أنني قد إستطعت الهرب.
لم يكن الأمر مجرد استعباد آخر؛ كانت نظراته الثاقبة، والطريقة التي وازن بها جسدي وكأنني قطعة أثرية، تُشعرني بأنني أصبحت ملكيةً خاصة، وبأن هروبي هذا لم يكن إلا خطوةً نحو سجنٍ آخر أكثر تعقيدًا.
أمر رجاله بلكنة واثقة لا تقبل الجدل:
"خذوه إلى السفينة. ضعوه في الحجز حتى أفرغ منهم."
لم يعطني فرصة لأحتج، أو أقاوم أكثر مما فعلت كتم فمي ثم سحبني من خصري و ألقاني عند رجاله الذين فور ما إن لمستهم قامو بلفي عدة مرات بالحبل .
شعرت بأذرع قوية تسحبني بعيداً عن سوق البؤس ذاك ، وعن ذلك الضخم الذي أوقف أنفاسي.
اقتادوني عبر الميناء الصاخب، وعيناي لم تتوقفا عن مسح المكان في إنتظار أي فرصة أو زلة لهم .
كانت هناك، راسية كوحش بحري أسود، تتربع على الماء بمهابة رغم كوني قد رأيت من السفن أعداد نسيت حتى أرقامها..إلا أنني لم أرها في أي سفينة من قبل:
اللؤلؤة السوداء.
لقد سمعت عن هذه السفينة ، قراصنة إمتلكو محيطا كاملا بإسمهم ، قيل أنهم مثاليون و بارعون في عملهم بشكل متقن لا يناسب القراصنة الهماجيين المعهوديين ...
و هذا هو السبب الذي جعل الناس يطلقون هذا الإسم علي ، اللؤلؤ الأسود ، كرمز للكنز الأعظم أو الحظ السعيدة أو المعجزة ...
كانت أشرعتها داكنة، وهيكلها الضخم يوحي بقوةٍ لم تقهر.
و كأنها دمج لثلاث سفن في واحد أو كقصر أسود متربع فوق الماء...
كان اسمها يتردد على شفاه البحارة واللصوص كهمسة احترام وخوف.
هي السفينة التي ابتلعت كل الشائعات عن الثراء والمخاطر.
قيل إن مامرت به من حروب يفوق عدد ألواحها الخشبية...
اعتقد أو الأصح أنا فعلا في ورطة كبيرة حقا...
صعدنها ثم قاموا برمي في حجرة مظلمة تحت سطح السفينة، لا تختلف كثيرًا عن زنزانة العبيد، لكنها كانت فارغة وأكثر نظافة بقليل.
قيودي لم تُفك، تركت وحيدة فقط ...
يبدو أنني لم أعتد على الوحدة بعد ، كم أكره أن أكون في هذا الوضع ...
كلما خلوة مع نفسي ، تتراقص أفكار الإنتحار في عقلي ..
لكنني لن أتوقف هنا... سأصبر ...
و بدأ كتسجيل في مخيلتي..
صورة دماء أبي والغرنيقي الذي سحبه إلى الأعماق.
الألم كان مزدوجًا:
ألم الجسد من الجلد والقيود، وألم الروح على الحرية الضائعة والكرامة المكسورة.
ولكن وسط هذا الظلام، و حتى و لو على أشد بقاع الأرض تحصينا لن أتوقف حتى أستعيد حريتي و كرامتي ثانية ...
فكيف لي أن أعيش بسعادة وأنا أسيرة؟
ربما كانت السعادة في البقاء على قيد الحياة عند الكثير من الناس و من بينهم أنتم طبعا .
لكنني لست مثلكم...
لن أعتبر المنزل منزلي إلى إذا نمت مطمأنة بين الألواح المتمايلة في أحضان سمائي الزرقاء ...
و بسمائي الزرقاء لا أقصد الشمس و الغيوم...
بل البحار و المحيطات...
تكمن مناجاتي الوحيدة ، في رؤية تلك المياه مجددًا، حتى لو كان من قفص.
لكن لنكن واقعيين قليلا ، لو خرجت سيتم القبض علي من تجار الرقيق و لو بقيت سيتم استعبادي و لو نجوت من كلاهما و هذا غير واجز ، فكيف سأعيش ؟...
نحن على متن جزيرة تجارية وسط المحيط ، الخروج منها بقارب صغير جنون..
و أنا لا أكسب شيئا غير ما فوقي من ثياب و وقلادة و سوار الذين حتى لو بعتهم جميعا لن يكفي ثمنهم لمجداف واحد..
تنهدت و جلست أفترش الأرض ، فلمحت قشة صلبة ...
حسنا.. لقد حالفني الحظ أخيرا ..
مرت الساعات، ربما إنتصف النهار أول حل المساء ، لم أعد أميز...
الطعام كان يُقدم لي عبر فتحة صغيرة:
خبز يابس وماء.
لم أكن أرى أحدًا، فقط أسمع أصوات الطاقم في الأعلى، خطواتهم الثقيلة، ضحكاتهم الخشنة، وصرخات أوامره ..
فقط سحقا لصوته الذي يتردد بين جدران الزنزانة يفزعني في كل مرة ...
فلتخرس !!!
أخيرًا، انفتح باب الحجرة بصرير عالٍ.
و قفت مسقطة السلاسل...
كفت القشة بالغرض لفتح الأقفال و نزعهم..
وقف ذلك القرصان عند العتبة، يملأ الإطار بظله، شعره الأسود الغرابي الفاحم يتناثر على جبينه، وعيناه العنبريتان تلمعان بوهج غامض في نور الفانوس الخافت.
لم أركز سابقا في وجهه..
لكنه وسيم..أعترف بهذا ...
لم أتحرك، بقيت جالسة على الأرض، أتأمل وجهه .
لنقل أستغل الفرصة..
أنا فتاة في النهاية ..
"إذن... اللؤلؤ اسود .. الفتى الذي لقب بإسم سفينتي..."
قال بصوته المسيطر، وهو يدخل ببطء، خطواته هادئة كهدوء ما قبل العاصفة.
فقط أتمنى لو يخسر حنجرته من قام بمنحي هذا اللقب...
توقفت عن أفكاري أركز معه ، لم تكن هناك أي ابتسامة على وجهه هذه المرة...
هل أعتبر هذا شيئا جيدا أو سيئا ؟!
"لقد سببت لنا الكثير من المتاعب في السوق لكن .. لنقل أن الأمر يستحق.."
نظر إلي مطولا ثم إلى السلاسل و إقترب مني حتى لم يعد يفصل بيننا الكثير..
" هل تظن أنك بهذه حيلة تستطيع النجاة من قبضتي؟"
لم أجب.
فقط رفعت حاجبي الأيسر و نظرت إليه مباشرة، نظرة حادة رغم اتساع عينيّ، فقط كم من الغرور يمتلك هذا الملعون ؟!
إبتعد قليلا ، ثم جلس القرفصاء أمامي ، تنحيت و عدت جالسة ...
"أخبرني باسمك."
لم أتردد.
" أرثر ."
كان اسمًا اخترته لنفسي منذ بدأت التنكر، اسمًا لي ...
إسما لي أبي...
" ..آرثر.. اسم جميل.. من الجيد مقابلتك معك إيثان قبطان هذه السفينة.."
همهمت كرد ثم قلت..
" مالذي تريده مني.. ماذا سوف تفعل ببحار.."
نظر بهدوء ثم إستفهام
" هاه.. يا فتى ألست قرصانا.. حيل كهذه لا تناسب البحارة يا ولد .."
" بحار و أفتخر .. "
نظر إيثان إلي من رأسي إلى يديّ المحمرتين إثر السلاسل الخانقة ، مرورا بجسدي النحيل ...
لو لم أكن متنكرة لصفعته على التحرش بي !!!
لمعة خفية عبرت عينيه للحظة، لم أستطع تحديد ماهيتها.
بدأت شكًا؟
حسنا لا ألومه الجميع نظر إلي هكذا ، هيئتي لا تناسب ما أنا قادرة على فعله..
أتمنى أن يكون هو العكس..
لا أريد معرفة جبروت هذا الضخم..
"حسناً يا آرثر ."
قال ببرود.
"لديك موأهلات لا تستحقها سفن التجارة... و هنا لدي مكان لكل من يعرف كيف ينجو في هذا البحر. و ما أقوله الآن هو أمر لا خيار ، منذ أنك فوق سفينتي فأنت من طاقمي يجب أن ترد المعروف يا فتى... لكن تذكر..."
اقترب أكثر، ورفع يديه يمسك بكلا من مرفقي يلصقني للحائط بقوة..
إحتدت عيناه في شكل مرعب..
"الطاعة أولاً وأخيرًا. وأي محاولة هروب أخرى ستكون عواقبها أسوأ بكثير مما رأيت في الميناء."
لم أظهر شيئا على وجهي رغم أنني خائفة..
" ... فهمت ... لا أحب أن أكون مديونا لأحد.."
أطلق سراحي بهدوء ، حركاته كانت قوية و مؤلمة حقا...
كان يهتز بهدوء ليفزعني فجأة بضحكه بصوت عال..
... إنه حقا مجنون..
توقف فجأة عن ظحك محافظا على إبتسامته المستمتعة..
"لا تنفك تفاجئني يا آرثر.. لكنك ستكون تحت مراقبتي المباشرة حتى تثبت ولائك لي و لي طاقمي..."
قالها وعيناه تثبتانني.
وضعت يدي على جانبي تحديدا قلبي..
" لك كلمتي"
"جيد جدا .. الآن، اتبعني. حان وقت العمل."
خرج من تلك الحجرة بينما أتبعه بصمت ، تاركة خلفي بقايا أفكاري الإنتحارية بعيدا ، الآن ينتظرني عالم جديد من الخطر والغموض يفتح أبوابه أمامي..
هل سأستطيع النجاة حقا ؟؟ ..
يتبع
رأيكم في هذا الفصل؟
أرائكم تهموني 🌷 🦋
آسيا البجاوي