عندما ابتلع البحر روحي
نزلت دمعة متمردة تتخذ مسارها على خدي ، طأطأت رأسي أستند بالجدار المغبر بينما أتمتم بصعوبة...
" ...كيف...كيف....آلاّ الأمر... لهذا..؟.."
قبل 4 أيام ..
ذلك اليوم بدى فيه الجو معتدلا و البحر هادئ للجاهلين من الناس..
لكنه بدى في عيون النوارس هدوءا ما قبل العاصفة...
و كنت أعلم بإقتراب هذا الخطر المحدق..
لم يكن للبحر صوت واحد ، و لم يكن مجرد زمجرة رياح أو هدير امواج تتكسر على الصخر ، بالنسبة لي ، كان البحر سيمفونية مطربة ..
لحناً لا يدركه إلاّ من ولد بين أحضانه ، و عاش وسط غموضه...
كان أبي ملاحًّا لسفينة تجارية تعرف ب" مارينا "...
ماهراً و معترفا به يحفظ الخرائط شبرا شبرا و كأنه من حددها و رسمها و لقب على هذا ب " عين مارينا " ..
كان مثلي الأعلى و سبب حبي لهذه المياه الزرقاء ، زرع بي علمه و مهاراته و صقلني كنوع من الفخر و التنمية لفطرتي ، و انتهى هذا بتشبثي به عند كل رحلة و رفضي لتركه و مع تزايد سفرنا جعله هذا يغلق باب منزلنا الذي لم يشأ بيعه بعد موتي والدتي و جعل من السفينة منزلي الجديد و من المحيط عالمي ...
تطور حبي و شغفي في التعلم حتى إستنزفت أبي بالكامل...
فلم يعد لديه ما يعطيني إياه من حيل ، حتى أنني تفوقت عليه في عدة أمور ...
كنت مختلفة نوعا ما...
بعيدا عن الفتيات و النساء الاتي إتخذنا من الميناء و السواحل محطة إنتظار قلقة يترقبون بها عودة أولادهم و أزواجهم و أبائهم ..
كنت أنا أمر بالمخاطر و الصعاب يدا بيد مع أبي الذي لم يفشل في حمايتي يوما ...
بئر الشغف الذي إحتوها جسدي جعلت تتنقل بين كل من رأته يستحق الإستماع و يستحق جمع النصح منه من حكماء و كبار البحارة المتقاعدين الذين رأو من الأهوال الحياة و حكمها الشيء الكثير..
حتى توسعت نظرتي لأتقن أمورا صعبت على والدي و قد لعب جسمي الصغير دورا في هذا خلافا عن الرجال الضخام كنت نحيفة بما يكفي لأتحمل ضغط تحركاتي ..
حتى أتى عيد ميلادي السابعة عشر حينما كنت أعرض له حيلة خطيرة تتمثل في التجول بين الأشرعة و الألواح لأعلى عصا في السفينة أتجاوز بها حوض المراقب حتى اختفت الأصوات واقفة بقدميا فوق عصا عريضة تابعة للشراع الرئيسي ، كان مشهدا خاطفا للأنفاس رؤية زرقة المحيط الممتدة إلى ملا نهاية ..
عدت بقفزات ممتتالية معتمدة على الحبال إلى الأسفل ثم وقفة في حركة عرض ، صفق لي الجميع بحرارة و قوة تملكني منها الخجل ، إلتفت يومها من أجل رؤية نظرة الفخر المعتادة من أبي ...
لكنني رأيت بدلا منها نظرة مليئة بالقلق و الخوف ...
حينها و رغم ارتباكي من نظرته تلك إلا أنني ضحكت ظنا أنها بسبب الحركة الخطيرة التي قمت بها..
....لكنها لم تكن كذلك...
بعدها و كل ما حاولت أن أتحدث معه أمام أحد بخصوص أي موضوع، كان يمنعني و يسحبني لأكلمه في إنفراد و منعني من الإختلاط كثيرا بالتجار و ممن يتواجدون حول الميناء ، شعرت بالضيق و كأن حريتي إنعدمت و جعل مني أكبح شخصيتي و إرادتي ، لكن حبي له جعلني لا أسئله ، أعلم يقينا أن والدي لا يحب الشر لي بال على العكس..
لاحظ ذبولي مع مرور فترة غير يسيرة من ذلك التغيير الجذري ، ففسر لي الأمر كما جعلني هذا أسعد لعدم غضبي عليه..
كثرت الأحاديث حول فتاة مارينا الوحيدة ، في الواقع لم يصلني شيء من هذا لكن والدي قد تم تحذره من قبل الكثير قبل فترة من فرضه لذلك التغيير الصارم ..
بعيدا عن مواهبي و رغم كوني أبي ليس من هذا النوع لكن الناس كذلك..
لطالما كانت المرأة في الحظيظ في وسط مجتمعي الذكوري ..
خاصة إذا كانت في البحر..
لا تمتلك لقبا غير فال شؤم في السفن ، و محل أطماع كريهة..
فلم يجد أبي حلا لحمايتي غير إيقافي ...
في سياق الحديث قال أبي شيئا جعل فكرة تلمع في رأسينا...
" أفتخر بأن لدي أروع إبنة في العالم ، لكن .. لو لم تكوني فتاة لا كنت تركك على راحتك.."
للأسف أو لنقل لحسن الحظ أشترك مع أبي في صفة الجنون و الأفكار الجهنمية فعلى ما يبدو هو أمر وراثي..
و هكذا فور للوعي الثامنة عشر تنكرت كفتى و تم إخفائي بمساعدة الطاقم الذين هم بمثابة عائلة ثانية لي..
و في الواقع لم يكن التصرف كالرجال صعبا على فتاة رأت منهم و عاشت بينهم الشيء الكثير و تم تصحيح الشائعات عن كونها خاطئة فعرفت بالفتى المعجزة أو باللؤلؤ الأسود ، حيث كان رمزا للحظ ، الكنوز و سلام فلطالما استبشر به كل رواد البحر منذ القدم..
لقد كنت سعيدة حقا ...
حتى أتى يوم الحادثة...
حدث أن مررنا بعاصفة في عرض المحيط خسرنا فيها تسعة عشر رجلا و خمسة مصابين من أصل أربعين...
كانت مواجهة شرسة فقد مرت علينا عاصفة لم يسبق لها مثيل ...
ليلة ضبابية بلغت فيها الأمواج في الطول ما يعادل ضعفي السفينة خسرنا على إثرها بضعة حمولات و مؤن خلافا عن الأضرار الجسيمة في هيكلها ...
طلع الفجر و غادرنا أدراجنا لأقرب شاطئ ، " المغرب " ..
عكفنا فيها لعدّة شهور بعنا ما تبقى لنا من ما حملنا من أقمشة و مواشي عبر الصحراء مكان لم نعهده و لم نتخيل لجوؤنا للذهاب إليه...
لم يتفاعل أحد كثيرا في تلك الفترة بسبب حزننا لما أصاب رفاقنا و سفينتنا رغم أنها كانت المرة الأولى لنا في سفر خارج الحدود الزرقاء ...
حاول أبي إخراجي من حالة البؤس التي أصابتني رغم أنه يماثلني في شعوري لكنه بقي يحديثني عن المغرب ، و عن تجارتها الواسعة بسبب اطلالتها على البحر و المحيط معا ، سأكون كاذبة إن قلت أن هذا لم يثر إعجابي و إندهاشي..
و أثناء تجوالنا في الأسواق شاهدت العبيد لأول مرة عن قرب..
خلافا عن عمال الحمل و نقل البضائع في الميناء ، الذين كنت أعتقد أنهم من أكثر من يعانون في حياتهم و أعمالهم و لكنني كنت مخطئة ..
جلد
ضرب
شتائم و لعنات على أطفال
تورم و كدمات ملئت أجسادهم
أشفقت على حالهم كثيرا ...
إذا سألني أحد عن ماهو أكثر ما أكرهه في حياة و أفضل الموت عليه فهو خسارتي لحريتي ..
تقلد إبن القائد المدلل سفينتنا بعد إصابة سيدنا بضربة جعلته ينسى التفكير في تجربة الإبحار ثانية و كم حزنا لفراقه..
تجدد الطاقم و تداخل بين ما تبقى من أسرتي وجوه طفيلية و ضيوف غير مرغوبين ..
لم نحتك بهم كثيرا بل لم نتجاوز الجملة أو الجملتين في أحاديثنا القصيرة النادرة طوال اليوم ، حتى أنني كنت أجهل أسماء بعض منهم..
تغير كذلك شكل مارينا الخاريجي ، حتى اسمها كذلك..
أصبحت " ستيلا " ..
حينها شعرنا و كأن مارينا قد حملت أحبائنا و ذهبت بعيدا بلا عودة..
للأبد..
لم أتئلقم مع أحد و لم يكن الكثير ممن بقي يعلمون بسري ، معضمهم غادر بعد أن لم يستطيعو أن يوصلو على هذا الحال...
كان البحارة الجدد حمقى مزعجين ، و كان أغباهم قائدنا الجديد الذي لم نعترف به أبدا كقائد ..
فحينما تولى القيادة لم يتعب عقله الجاهل في التفكير بالبحث عن بحارة متمرسين أو على الأقل بعض المرتزقى ، بل جلب لنا أوغاد أولى رحلاتهم معنا ، بلا خبرة و لا معرفة و هذا قد تسبب في تعطلنا في كثير من رحلاتنا أدى إلى تشويه سمعتنا فمنذ أن كنا طاقما مثاليا نزلنا إلى الحظيظ بسببهم ،..
و لو لا تدخلنا في الوقت المناسب دائما لنتهينا بين أحضان المياه...
حتى مرت علينا ذات ليلة ، عاصفة هوجاء قاتلة أدت بنا إلى تظليل طريقنا
والأسوء
وقعنا بين أيدي القراصنة ...
قتلو ما تبقى من رفاقنا القدمى و بعضا من البحارة الجدد ، ووقع والدي إثر هذا العراك المحتد في الماء ، حاولت الركض إليه لكن اللعناء واصلو مهاجمتي دفعة واحدة ...
سقطت دموعي الحارة و أنا أصرخ ...
أبي من كان غواصا و سبحا ماهرا..
غاص في لحظة الى الأعماق ، ليس بسبب البحر و لا العاصفة...
بل الغرانيق...
رأيتهم بذيولهم و أرجلهم و وجههم القبيحة و الدميمة ..
لم يرهم أحد بخلافي ، لكنني واثقة ، فمإن غاص أبي..
حتى تلونت الأمواج باللون الأحمر القاني...
بدمه...
و أخر ما رأيته هو إبتسامته لي...
صرخت يأس أدخلتني في ثورة جعلت من دفاعي عن نفسي يخور و يقع ...
لقد كانت القشة التي كسرت ظهر البعير..
لا تلوموني ...
فقد فقدت كل أسبابي للرغبة بالعيش...
تم نهب السفينة و أخذ معضم من تبقى حيا و من بينهم أنا كعبيد ..
و الأن أؤلئك الذين أشفقت عليهم يوما..
أصبحت منهم...
لقد سلب مني كل شيء ...
حتى حريتي...
يتبع
ما هو رأيكم في الفصل الأول 🌹
أرائكم تهموني 🌷 🦋
آسيا البجاوي