( 2 ) سوق العبيد و ثمن الحرية

( 2 ) سوق العبيد و ثمن الحرية

16 0

سوق العبيد وثمن الحرية

لم يكن ضوء شموع الصغيرة كافيا في ذلك المستودع الضخم إلا أنه منع القليل من القتامةٍ خانقة.

اختلطت أنفاس العبيد المحبوسين بروائح التراب و العرق ، كن لازلنا قد وصلنا لليابسة و تم وضعنا هنا بعد أن باعنا القراصنة الليلة بالسر ...

صحيح أن تجارة العبيد قانونية في كل البلدان لكن شرائهم من القراصنة غير قانونيا أبدا و لو تم امساكهم لأعدموا جميعا...

كان المستودع هادئا إلا من بعض الأصوات كالنواح و الأنين ، فكل من حاول المقاومة كان ثمنه الجلد و للأسف لم أكن في حالة أتصرف فيها بذكاء بل أنني قمت بقتل تاجر الرقيق الذي حاول ربطي ، قاومت كثيرا و بالقوة تم إخضاعي تاركين ندوب الجلد الأسواط تملئ ظهري و للحظة كادوا أن يكشفو حقيقة كوني فتاة لو لم يعمي الغضب أبصارهم فجلدوني بثيابي...

ثقلت همومي كلها تضغط على صدري كحجر رحى.

أنا حبيبة والدها و صغيرة الطاقم و رفيقة مارينا قد خسرت كل شيء...

و لم يعد لي معنى للحياة لو لم أعد أبي بالنجاة في لحظاته الأخيرة ...

منذ أن كنتو جُمانة إبنة أرثر الملاح، أصبحت رقم 5059 ...

مجرد سلعة...

أيدٍ مقيدة، العيون التي لطالما تغزل بها أبي لجمال لونها الفريد بين الذهبي و الأزرق أصبحت داكنه خالية من بريق الحياة ، و شعري الذي رغم تنكري خليت له السبيل سابقا لينسدل بحرية على الأقل بعد أن كان يتجاوز خصري أصبح الأن متعرجا يكاد يصل إلى رقبتي لازال كثيفا و جميلا لكنني أحسست أن حريتي الصغيرة في إطلاق أنوثتي عبر شعري قد قطعت مع قصه...

تعذبت نفسيا كثيرا لكني حرصت على إخفائي هذا و الصمود ...

لكن الأخرين لم يستطيعو...

كانت الصرخات مكتومة كانت تملأ الأجواء كلما مر أحد التجار، يفحصنا كالمواشي.

"إذا سألني أحد عن ماهو أكثر ما أكرهه في حياتي فهو انعدام الحرية."

ترددت كلماتي التي حدثت عنها صديقي توماس ، في أذني كصدى بعيد، تزيد من غليان داخلي.

لم أكن لأستسلم.

لم تكن هذه النهاية التي رسمها لي والدي و إراداتي ، ولا تلك التي زرعها في روحي حب البحار.

لم أمت مع أبي و لم أخسره بل أن روحه لا زالت بداخلي تدفعني للأمام ، ووصيته كانت واضحة:

"أبقي سركِ محكمًا ، و عيشي بسعادة ."

و للحفاظ على السر، يجب أن أبقى على قيد الحياة.

كانت عينيّ الزرقاوان، المزينتان بالخطوط الذهبية، ترصدان كل حركة، كل شق في الجدار، كل نقطة ضعف في نظامهم الأمني الهزيل.

لم أكن أخطط للهروب من أجل الحرية المطلقة فحسب، بل من أجل كرامتي التي داسوها، ومن أجل الوعد الذي قطعته له بأنني لن أكون مجرد فألٍ سيء، بل "لؤلؤة سوداء" لا تنكسر.

في الفجر، حين خفت الحراسة وتثاقلت الأجفان، جاءت فرصتي.

حبلٌ مهترئ يتدلى من سقف عالٍ، وممر ضيق يؤدي إلى فناء خلفي.

بحركة سريعة واثقة، تسلقت الحبل بخفة لم يتوقعها أحد و الشكر لمن شاهدني منهم و لم ينادي الحراس فقد كنا كلنا نرغب بالعيش ..

تجاوزت حاجزًا خشبيًا، وتسللت كظل في الظلام.

عصى الخشب الشائكة على يديّ، لم تكن أشد إيلاما من الخدوش التي أحدثها السيف، و كيف لي أن أتذمر الآن فقد كانت مرشدي الوحيد.

توقفت أمام باب الخروج كنت سأركض لكنني لم أستطيع..

تراجعت و ضربت قفل الزنزانة و قيود الأخرين ..

هرب الجميع بعد أن خنقوني بعناقهم و شكرهم...

سعيدة لأجلهم أرجو ألا يتمكنو من إمساكي أحد...

وصلت إلى سوقٍ الرئيسي ، كان قد بدأ يصحو على أصوات التجار، وحركة الباعة المتجولين.

لم يكن أمامي خيار سوى الاندماج والاختفاء.

غطيت قيودي تحتى ثيابي الواسعة و سحبت صرة صغيرة من الداخل أخفيت بها قلادتي ذكرى من أبي و سواري أخر ما تبقى من رائحة أمي..

للأسف لم يطل الأمر حتى ركضت مجدادا ، بعد صرخات المطاردين ، إلى أزقة متشعبة لا أعرفها.

تارة أتعثر بسبب السلاسل التي أعاقت حركتي ، وتارة أقفز فوق العربات، أستغل كل ماهو من حولي لتظليل أكبر عدد ، أمسكت الحجارة و قنصتهم بها بينما أركز على ما يبيعو التجار لقراءة الخرائط ذهنيا بحثًا عن مخرج او التعرف على المكان أو البلد الذي أنا به.

مررت بجماعات متجمعة، وسمعت همسات عن عبد أطلق سراح العبيد يهرب من تجار الرقيق.

ألسناتهم أطول من أعمارهم حقا..

تجاهلتهم و واصلت الهرب حتى إنتهت سبواي إلى حافة الميناء، لم يعد هناك مكان للهروب سوى البحر، المحيط الذي ابتلع روحي.

فجأة، توقفت، ليس لأنني فقدت قوتي، بل لأن قوة أخرى أوقفتني.

في زحمة المطاردة، وبين الفوضى، اصطدمت بكتلة صلبة كالصخر.

رفعت رأسي، وعينيّ الزرقاوان التقيتا بعينين عنبريتين كالذهب المذاب، حادتين مرعبتين ، جسد ضخم، طول فارع غرقت بهم بحجم الصغير ، وملابس أعهدها أكثر من غيرها و من السهل التعرف على مهنة من يلبسها...

قرصان !! .

لم يكن وجهه يبشر بخير ، ركلته فتنحى عني و عندما حاولت القفز من فوقه إلتقط قدمي من السلسلة اللعينة و أنزلني بقوة يطرحني أرضا مقيدا يدي، لففت قدمي على عنقه و حاولت لويها و لكنها كانت كاللعنة كأنني أحاول زحزحة صخرة ؟!!! .

لم يكن يبحث في سوق العبيد، لمحني و تبيعنا إلى هنا لن أظن أنه سيقدر على إمساكي ؟!

بسبب التجار الأوغاد و ثرثرتهم الفاضحة اللعنة عليهم!!!

لم أستطيع التحرك ثبت يدي بقوة أعلى رأسي و وضع يده الأخرى على بطني ضاغطا علي يكاد يخنقني!!!

توقفت بعد فترة و أرتخت قدمي ، تحولت ملامحه من هدوء و برود إلى نظرة خبيثة زادتني رعبا..

" ..فتى جيد .."

تقدم المطاردين و طالبوه بأنني لهم.

كانت عيناه تقيمان الموقف بسرعة مذهلة.

حفزني قدومهم فأعدت المحاولة في التحرر من قبضته، التي كانت أشبه بقبضة الموت، ألف لعنة عليك بحق السماء لما يبدو كأن له مشكلة شخصية معي أتركني لحالي؟!!! .

"هذا الصبي..."

قال بصوته العميق فجأة ، ذاك الذي يحمل بحة رجولية قاتلة مسيطرة، موجهًا كلامه لأحد رجاله الذين قدمو بعد رؤية وضعنا وسط الناس سبب لي الإحراج...

و دون أن يرفع عينيه عني ، بصوت أمر لا يقبل النقاش..

"لا تدعوه يهرب. "

صرخ تاجر الرقيق البدين ذاك بعدم رضى بأن يدفع ثمنه ، و طرح مبلغا مبالغا به ...

ربما لأنني أجهدتهم قليلا...

توقعت أن يتركني لكنه فاجئ الجميع بأمره و من بينهم أنا..

" إنه ثمن يستحق الدفع."

وفي تلك اللحظة، التي كانت فيها الحرية قاب قوسين أو أدنى، وجدت نفسي أسيرة من جديد، لكن هذه المرة، في قبضة من بدا وكأنه هدوء ما قبل العاصفة.

ابتسامة مرعبة و بغيضة بالنسبة لي ارتسمت على شفاه، كشفت عن أنياب ،

مالذي سأفعله الآن ؟؟ كيف سوف أهرب منه ؟؟؟!!!

يتبع

ما رأيكم في هذا الفصل؟

شكرا على القراءة 🌷 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

the Black Pearl / اللؤلؤة السوداء

المؤلف آسيا البجاوي
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة