الهَوَس||3

الهَوَس||3

17 0

تَعلَمون أنّ الكُتّاب أيضًا مهووسون\. لا تسألني كيف، لكنّهم يتقيؤون كتاباتهم، تلك الأحرف التي تدور في رؤوسهم، تلك الضوضاء العالية، بقايا قذارات هذا العالم الذي يحاولون التعايش معه\. مهووسون بأن تخرج كتابتهم بأبهى شكل لقرّائهم\. مهووسون بالقلم والورق، مهووسون بالخوف من النقد السام، مهووسون كأبطال هذه الرواية\.\.\. فلنبدأ\. في تلك اللحظات، كان "جنكوك" قد غفا دون أي أحلام، دون حتى إدراك\. أما "إيلا"، فلم تكن قادرة على نيل قسط من الراحة، كانت تصارع أحلامها\. ما زالت نائمة على ذلك المقعد أمام اللوحة، وجهها شاحب، وجبينها يتصبّب عرقًا، أنفاسها غير منتظمة، تسبح في عالم الأحلام المختلط بذكرياتها\. فلاش باك كانت إيلا في الحادية عشرة من عمرها، تجلس في تلك الغرفة مع والديها حين بدأ والدها الحديث قائلاً: "إيلا، أنا ووالدتكِ قرّرنا أن نُدخلكِ مدرسة داخلية للفتيات، لتتعلّمي كيفيّة التعامل مع الآخرين\." نظرت إيلا إلى أمّها بذهول، فقابلتها الأمّ بنظرة جافة، خالية من أي حنان، وأردفت: "أجل، أوافق والدكِ\. في كلّ حفل نحضره، تحرجيننا بأسلوبكِ الهمجي\." نطقت إيلا أخيرًا، محاولة الدفاع عن نفسها: "أنا لست همجية\! وأنتم تقصدون ذلك الحفل بالتحديد\.\.\. الرجل الذي ضربته، أقسم أنه حاول التحرش بي\. لماذا لا تصدّقونني؟" أجاب والدها بهدوء: "حتى وإن فعل، هل تعلمين من هو؟ إنه رئيس أكبر الشركات في كوريا\." حدّقت بوالدها، ودموعها تنحدر ببطء على وجنتيها، وشعرها الرطب ملتصق بوجهها، وهمست بصوت مختنق: "لكن أبي\.\.\. أنا خائفة\." ردّت الأم بنبرة قاسية، وهي تنهض وتسحبها من يدها نحو غرفتها: "لستِ طفلة\." وحين وصلا، وقفت الأم على باب غرفتها وقالت ببرود: "اجمعي أغراضكِ\. السيارة ستأتي لاصطحابكِ ليلاً، حتى لا يراكِ أحد\." أغلقت الباب بقوّة خلفها\. ظلّت إيلا تحدّق في الباب بعينين لا تتوقفان عن النزيف، لم يكن نزيف العينين فقط\.\.\. بل القلب أيضًا\. نهضت ببطء، أمسكت حقيبتها وبدأت تضع فيها أغراضها بعجز، عيناها الرماديتان تحولتا إلى حمرةٍ دامية\. سارت نحو الحمّام، أغلقت الباب خلفها، وجلست أسفل المرشّ بملابسها، فتحت الماء ووضعت يدها على فمها، وتركَت لدموعها الانهمار\. اختلطت الدموع بمياه الاستحمام، وارتفعت شهقاتها المكبوتة، احتضنت جسدها المرتجف، وكأنها تحاول حماية نفسها\.\.\. من أهلها، أولئك الذين كان يُفترض أن يكونوا حصنًا، لا عدوًا\. وحين أنهكها البكاء، أغلقت الماء، وغيّرت ملابسها، ثم خرجت لترتمي على السرير، منكمشة على نفسها، تخفي وجهها في الوسادة، لكن دموعها لم تُخف\. غفت على ألمها، لتستيقظ على صوت أمّها: "إيلا، هيا\. السيارة وصلت\." نزلت إيلا وهي تجرّ حقيبتها، بل تجرّ خلفها ذكريات الألم كلّها، وهي تظنّ أنّ المدرسة ستكون خلاصًا\.\.\. لم تكن تعلم أنها ستدخل جحيمًا آخر\. وصلت السيارة إلى مبنى المدرسة\. كان صرحًا ضخمًا، أبواب حديدية وأسوار عالية وحديقة ممتدة\. سارت السيارة حتى توقّفت أمام المبنى الرئيسي، قلعة مغطاة بأغصان العنب الذابلة، وجدرانها قاتمة\. التقت بمديرة المدرسة "بياتريس"، التي ابتسمت ابتسامة بدت لإيلا غير مريحة\. قالت المديرة بهدوء: "أنرتِ مدرستنا يا إيلا\. تعالي لأريكِ غرفتكِ، وأُطلعكِ على قوانين المدرسة\." ردّت إيلا بصوت مرتجف: "حسنًا\." سارت المديرة وخلفها إيلا، كانت تتحدث كثيرًا، وإيلا تصغي بعينيها أكثر من أذنيها، ترصد كلّ التفاصيل\. توقفت المديرة عند باب وقالت: "هذه هي غرفتكِ\." انحنت إيلا احترامًا، لكن المديرة نظرت إليها بازدراء وضغطت بعصاها على ظهرها: "الانحناءة يجب أن تكون بزاوية تسعين درجة\. مفهوم؟" قالت إيلا بهدوء: "مفهوم\." دخلت إيلا الغرفة، فوجدت فتاة أخرى تقترب منها مبتسمة، ومدّت يدها قائلة: "أنا ألكسندرا مارتين، يمكنكِ مناداتي بألكس\." ابتسمت إيلا بخجل، وبادلتها المصافحة: "أنا إيلا جاسبر\.\.\. فقط إيلا\." مرت الأيام، وبدأت العلاقة بينهما تتوطد، كانت إيلا تحاول التأقلم، في النهار تسمع وتطيع، وفي الليل تبكي حتى تغفو\. لكن تلك لم تكن مشكلتها الوحيدة\.\.\. في أحد الأيام، دخلت قاعة الغداء، حملت صينيتها وهمّت بالجلوس بجوار ألكس\. لكن فتاة أخرى سحبت الكرسي من تحتها، فسقطت إيلا، وانسكب الطعام عليها\. التفتت لترى الفاعلة: "نانو"، المتنمرة التي لم يتجرأ أحد على مواجهتها منذ وصول إيلا\. نهضت إيلا والغضب يشتعل في عينيها، أمسكت نانو من شعرها وقالت بحقد: "ابتعدي عن طريقي، يمكنني قتلكِ بسهولة\." صرخت نانو، تتصنّع البكاء، حتى حضرت "بياتريس"\. "ماذا يحدث هنا؟ إيلا، ابتعدي عنها\!" تقدمت المديرة بحزم: "أنتما الاثنتان محرومتان من الغداء والعشاء اليوم\. إلى غرفكما فورًا\. غدًا ستقومان بتنظيف القاعة\. مفهوم؟" انحنتا صامتتين، وغادرتا\. وفي صباح اليوم التالي، وأثناء التنظيف، اقتربت نانو من إيلا بنية الاعتداء عليها\. ركضت إيلا خوفًا، حتى وصلتا إلى الطابق الأخير\. سقطت إيلا على الدرج، أمسكت بها نانو من قدمها وسحبتها، جسدها يتلقى الضربات مع كل درجة\. صرخت إيلا، ثم ركلت نانو لتسقط بدورها\. نهضت إيلا وركضت إلى الأعلى، نانو تلاحقها، حتى تعاركتا عند الحافة، حاولت نانو دفع إيلا، لكنها تجنبتها، فسقطت نانو من الأعلى، جثة هامدة في بركة دم\. خرجت الطالبات من الغرف، وصرخن لرؤية المشهد\. جلست إيلا على الأرض، ضامّة قدميها، يداها على أذنيها، تهمس لنفسها، تصرخ: "لم أفعلهاااا\!" ابتعدت "جيسيكا" عنها، وقالت بهدوء: "إيلا، اهدئي\.\.\. أنتِ في منزلكِ\." قدّمت لها كأس ماء: "تفضّلي\." أخذت إيلا الكأس، وارتشفت: "شكرًا\.\.\. كم الساعة؟" أجابت جيسيكا: "بقي ساعتان على أول محاضرة\." همهمت إيلا، ثم خرجت جيسيكا، ودخلت إيلا المرحاض، تنظر لانعكاسها في المرآة وهي تُصفّف شعرها\.\.\. وتذكّرت ما جرى بعد ذلك اليوم\. بعد التحقيق، أُثبت أنها لم تدفع نانو، فعادت لمنزل أهلها، وبدأت رحلة العلاج مع طبيبتها النفسية "ريفانا"\. كانت تذهب إليها باستمرار، وتحسنت حالتها\. أنهت الثانوية، وكان هذا أول يوم لها في الجامعة، عام 2020\. كانت تسير مع ألكس التي تقفز أمامها بحماس، تبتسم إيلا لها، وفجأة، تعلّقت ساعة ألكس بزرّ قميص إيلا، فانفتح، فصرخت بعصبية: "اللعنة\! ألكس، ماذا سأفعل؟\!" لم تجد أمامها سوى باب مكتب، فتحته ودخلت، لتُفاجأ برجل ثلاثيني، طويل، بعضلات بارزة، شعره فحمي، جلس أمامها\. لم تعلم ما صدمها فيه، مظهره أم حضوره\. قالت بتلعثم: "آسفة\.\.\. لم أعلم أن المكتب مشغول\." اقترب منها وقال بنبرة هادئة: "أأنتِ من الدفعة الجديدة؟" أجابت بخفوت: "نعم\." سألها بحدّة: "ولِمَ دخلتِ مكتبي دون إذن؟" قالت بإحراج: "أزرار قميصي فُتحت\.\.\. والممر ممتلئ بالطلاب\." لاحظت نظرته نحو صدرها، حاولت ألا تنظر إلى عينيه، اقترب منها أكثر، تراجعت ظنًا أنه\.\.\. لكنه قال بنبرة غريبة: "أريد فتح الباب\.\.\. ابتعدي فقط\." تنحّت بسرعة، فخرج وأغلق الباب خلفه\. ابتسمت إيلا، وجهها متورّد، تحاول استجماع أنفاسها\. مرّ عام على تلك الحادثة، وكلّ يوم كانت تحكي عنها لريفانا\. وفي إحدى الجلسات، قالت الطبيبة بهدوء: "إيلا، أخشى أنكِ مهووسة بجنكوك\. حاولي التخفيف من مراقبته قليلًا\." ردّت إيلا بتوتر، تحاول التهرّب: "لا شيء\.\.\. فقط اهتمام طبيعي، إنه أستاذي، لهذا ألاحظ بعض التفاصيل\." قالت ريفانا بحدة: "بعض؟ أنتِ تعرفين تاريخه منذ الولادة يا إيلا\." غضبت إيلا ونهضت: "لا أريد إكمال الجلسة\. سأعود لاحقًا\." نهاية الفلاش باك "إيلاااا\!" كان صوت ألكس التي اقتحمت الغرفة، ولحسن الحظ، كانت إيلا قد انتهت من الاستعداد لتوّها\. ابتسمت إيلا: "جاهزة\!" ذهبتا معًا إلى الجامعة، دخلت ألكس، وتوجهت إيلا لركن السيارة\. وأثناء خروجها، اصطدمت بجسد ضخم، فقدت توازنها، كادت تسقط، لكنه أمسك بها من خصرها، فوضعت يدها حول عنقه تلقائيًا، اختلّ توازنهما وسقطا معًا، ظهرها مستند إلى إحدى السيارات، وهو فوقها، وعيناهما متقابلتان\. قال بنبرة هامسة: "انتبهي\.\.\. قطّتي\."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الهَوَس||obsession

المؤلف Ella
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة