ماذا لو لم يكن العشقُ مجرّدَ شعورٍ نبيل، بل تجاوزَ الحدودَ حتى تحوَّل إلى هوسٍ مَرَضي؟ مرضٌ خفيٌّ لا يُصيب القلبَ فقط، بل يغزو العقلَ أولًا\. ينهارُ المنطق، وتختلطُ الحقائقُ بالخيال\. في لحظةٍ نادرة، يتفقُ العقلُ والقلبُ، لا على حبٍّ نقيّ، بل على جنونٍ يتغلغلُ في الوعي، حتى يُصبح صاحبهُ سجينًا له\. الهوسُ لا يبدأ بانفجارٍ عاطفي، بل بتفصيلةٍ صغيرة: نظرة، كلمة، أو حتى وهمٌ منتصفَ الليل\. ومع كلِّ مرحلة، من العشق إلى الهيام إلى الجنون، يفقد الإنسانُ جزءًا من ذاته\. ليس كلُّ مَن أحبَّ مهووسًا، لكنْ كلُّ مهووسٍ كان يومًا عاشقًا\. نطقَ بها الرجلُ الثلاثيني بصوتٍ منخفض، وكأنّه يبوحُ بسرٍّ دفين\. ثم استدارَ ببطء نحو المدرّج الكبير، وعيناهُ تثبتان على فتاةٍ في الصفِّ الأول، كأنّه يتفحّصُ ملامحَها للمرةِ الأخيرة\.\.\. أو يحفرُها في ذاكرته\. ثم قال بسخريةٍ باردة تُشبه الجليد: "أيُّ سؤال؟" سادَ الصمتُ\.\.\. لم يجرؤ أحدٌ على الرد\. ابتسم على طرفِ شفتيه، ابتسامةً لم تكن حيّة، بل تخصُّ رجلاً أنهكته الحياة، أو أرهقه الحبُّ\. جمع أوراقَه بهدوء، وغادر القاعة، تاركًا وراءه سحابةً من الغموض، والريبة، وحكايةً لم تنتهِ\.\.\. بل بدأت توًّا\. \-\-\- في المقاعد الأمامية، رمشت فتاةٌ ناظرةً إلى الباب، وهمست: "هل أنا وحدي من شعرت بهذا؟" نظرت إلى صديقتها التي كانت تحدق في المكان نفسه، وفي عينيها بريقٌ غريب، وابتسامةٌ غامضة ترتسم على شفتيها\. مالت برأسها وهي تعبث بخصلات شعرها، ثم قالت: "أجل\.\.\. الهوسُ سهلٌ أن ينالَ منكِ ومن عقلكِ، لدرجةٍ يصوّر لكِ سيناريوهاتٍ خيالية، منها القذر، ومنها الغريب، ومنها المَرَضي\. الهوسُ أداةُ تدمير\.\.\. لا إعمار\." ثم اتسعت ابتسامتها، وارتخت نظرتها بشكلٍ مرعب، وأضافت: "لكن\.\.\. يروقني الهوسُ كثيرًا\." كان جميع الطلاب قد خرجوا، ولم يبقَ في القاعة سواهما\. نظرت إليها صديقتها بقلق، رمشت بخوفٍ طفيف، ثم تمتمت بتلعثم: "م\.\.\. ماذا تقولين؟ أنا لا أفهم شيئًا\! كنتُ فقط أقصد أنّ الأستاذ جنكوك غريب، لكنكِ\.\.\. أغرب منه\! أنا راحلة\!" حملت حقيبتها بسرعة وغضب، واتجهت نحو الباب\. ضحكت الأخرى خلفها، وهي تركض قائلة: "أليكس\! انتظري، كنت أمزح\! لماذا خفتِ؟" وضعت يدها على كتفها وهزّتها برفق، تضحك: "لا تغضبي، هاه؟" ابتسمت أليكس بخفة: "حسنًا، لستُ غاضبة\.\.\. بشرط: اعزميني على برغر\!" توقفت الأخرى، وابتعدت مازحة: "إذًا، اغضبي\!" ضحكت أليكس، ومشت خلفها بسرعة: "إيلا\! انتظريني، لا أريد شيئًا\.\.\. فقط أوصليني بسيارتك\." ابتسمت إيلا، التي كانت تسيرُ أمامها، وقالت: "حسنًا\.\.\. اصعدي\." \-\-\- بعد خروجهما من الحرم الجامعي، جلست كلٌّ منهما في مقعدها\. وضعت إيلا يديها على المقود، وبقيت ساكنة\. نظرت إليها أليكس باستغراب، وقطّبت حاجبيها: "لماذا ننتظر؟" همست إيلا بهدوء: "اصمتي\.\.\." لمعت عيناها واتسعت ابتسامتها عندما لمحت الخارج من بوابة الجامعة: الدكتور جيون جنكوك، أستاذ علم النفس\. تابعته بنظراتها، بكل تفصيل: من خروجه من مكتبه، إلى حين وصوله لسيارته\. كل حركة، كل همسة، كل جزء منه\.\.\. ملابسه، عنقه، تدفّق الدم في أوردته، تفاحة آدم، شفتيه، عيناه، شامته\.\.\. وحتى طريقة تنفّسه\. حفظت إيلا كلَّ شيء\. تنهدت\.\.\. ثم ضغطت على دواسة البنزين، وانطلقت بالسيارة\. لكن عقلها لم يكن على الطريق\.\.\. بل معه\. وفجأة، دوّى صراخُ أليكس: "يا غبيّة\!\! منزلي فات\!\! توقفي\!" ضغطت إيلا على المكابح بقوة، مما تسبب باحتكاك الإطارات بالأرض، وأصدر صوتًا عاليًا ودخانًا\. توقفت أمام منزلها\. "هيا، انزلي\.\.\. أعتذر، لم أكن منتبهة\." تنهدت أليكس بعد أن ضربتها بمزاح: "سأدعو عليكِ إن فعلتِها ثانية\!" ثم نزلت وهي تضحك\. ابتسمت وهي تنظر إلى صديقتها، متأكدةً أنها دخلت المنزل، ثم لوّحت لها وانطلقت بسيارتها، مُكمّلةً طريقها نحو منزلها\. كانت تقود وهي تستمع إلى أغنيتها المفضلة Snowman\. وعندما جاءت إشارة المرور، توقفت، لكنها لاحظت انعكاس سيارة في المرآة اليمنى\. كانت سيارة أخرى تشبه سيارة "جونغكوك"\. ارتفع صوت قلبها، وتسارع نَفَسُها، وبدأ عقلها يتسابق بالأفكار\. سمعت أصوات الجميع يَـتَذمَّرون منها لتفيق من شرودها، فقد تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر، وهي لا تزال تسد الطريق\. انطلقت بسرعة نحو منزلها\. وعندما وضعت مفتاحها في الباب، بدا صوته عاليًا، وعند دخولها، قابلت مربيتها بابتسامة، ردّتها لها المربية لتنبس بود: "آنسة إيلا، السيّد والسيّدة جاسبر سافرا صباح اليوم، وأخبراني أن أُعلِمَكِ\." نَبَسَت الأخرى وهي تصعد الدرج: "حسنًا، عمّتي جيسيكا\." ثم دخلت غرفتها، ورمَتْ حقيبتها على السرير بإهمال، واقتربت من تلك اللوحة الكبيرة المعلّقة على الحائط، والتي يعلوها غطاء خمريّ اللون\. سحبت الغطاء ليظهر ما تحته\.\.\. شيء مرعب، بل تعدّى مرحلة الهوس\! صورٌ لـ"جيون جونغكوك" في كل حالاته\.\.\. مع عائلته، مع أصدقائه، في عمله، وهو يتحدث من داخل منزله، في أوقات خروجه ودخوله، الماركات التي يرتديها، كل تفصيلة تخصّه\. جلست أمام ذلك المكتب، تنظر إلى تلك "اللوحة الفنية"، التي ينقصها هوسها في مكانٍ آخر\.\.\. \-\-\- وصل "جيون جونغكوك" إلى منزله، ركن سيارته في المرآب، وكان يسير وسط حديقة المنزل حين شعر أن هناك أحدًا خلفه\. استدار بسرعة\.\.\. لا أحد\. تنهد وأكمل طريقه، لكن قبل دخوله، ناداه أحد الحراس: "سيدي، سيدي\!" وقف جونغكوك، عاقدًا حاجبيه، ناطقًا بنبرة منخفضة تدل على هدوئه ورجولته: "تفضل\." أخرج الحارس ظرفًا من جيبه وقدّمه له: "تفضل سيدي، أوصل ساعي البريد هذا الآن\." التقط جونغكوك الظرف منه وسأله بهدوء: "ألم يقل مِمّن هو؟" هزّ الحارس رأسه نفيًا، فأشار له جونغكوك: "اذهب لترتاح قليلاً\." أومأ الحارس ومضى\. أخذ جونغكوك الظرف، وتقدّم نحو المقعد الموجود في الحديقة، ثم أخرج من جيبه علبة سجائره، أخرج منها سيجارة، وضعها في فمه وأشعلها، ثم ثبّتها بين شفتيه وبدأ بفتح الظرف\. \> "مرحبًا، أعلم أنني تأخرت هذا الأسبوع في الإرسال، لكنك تعلم أن لكل شخص أشغاله، أليس كذلك؟ لكن انسَ هذا\.\.\. موضوع المحاضرة اليوم راق لي كثيرًا، ولدي وجهة نظر: إن الهوس أعلى مراتب الحب، لكنه ليس نقيًّا، بل هو أبهى صُوَر الحبّ النقيّ\.\.\. التمسّك، الإلحاح\.\.\. فكّر في الأمر هكذا\." \- عزيزك المجهول\. ابتسم جونغكوك بهدوء، نافخًا آخر أنفاس سيجارته، متمتمًا: "كم انتظرت رسالتكِ، أيتها المجهولة\.\.\. لكنني سأعلم من أنتِ قريبًا\." ثم نهض وتقدّم نحو الباب، وعند دخوله المنزل، وجد والدته تنتظره\. ابتسم لها، واحتضنها ناطقًا بنبرة حنونة يملؤها الدفء: "لماذا ما زلتِ مستيقظة، حبيبتي؟" أجابت الأم، وهي تمسح على خدّه برفق: "كنت قلقة عليك\." أمسك بيدها وقبّلها: "لا تقلقي\.\.\. هيا اصعدي للنوم، لدي بعض العمل، ثم سأنام\." ابتسمت الأم، ثم صعدت إلى غرفتها\. دخل جونغكوك مكتبه الواقع في الطابق الثاني، ووضع ذلك الظرف مع باقي الأظرف \- وكان هذا هو الظرف الخامس\. جلس بعدها على مكتبه، مسندًا ظهره إليه، ناظرًا أمامه بتركيز\.\.\. \-\-\- نعود إلى "إيلا"، التي غفَت في مكانها، لتتّضح الصورة\.\.\. هي، النائمة، تتأمّل ما جمعته عنه\.\.\. وهو، في الجهة الأخرى\.\.\. يتأمّلها\. يتأمّلها\.\.\.؟ كيف\!؟ هل لديكم أيّ فكرة عمّا يحدث؟ هل تظن أن الفتاة إذا هامت بالذكر حتى الهوس، تُعَدّ مخطئة؟ \-\-\- أراكم في البارت القادم\. أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه\.
Ella