الهوس هو مرض نفسي يُعرف بين أطباء علم النفس بـ"الهوس العاطفي" أو "الهوس تجاه شخص آخر"، حيث يصبح الشخص مهووسًا بشخص معين، ويشغل تفكيره بشكل مستمر ومتكرر، وقد تؤثر هذه الحالة على سلوكياته وعلاقاته الاجتماعية\. عادةً ما يصاحب هذا الهوس مشاعر قوية مثل الحب المفرط، التعلق الزائد، والخوف من فقدان ذلك الشخص، مما قد يؤدي إلى تصرفات غير منطقية أو مفرطة\. هيا نبدأ\. تتّضحُ الصورةُ أخيرًا أمامَ مكتب "جنكوك"، لتظهرَ على الشاشة مجموعةٌ من كاميراتِ المراقبة، موزعةٌ بين غرفة "إيلا"، ومنزلها، وسيارتها، وهاتفها، بل وحتى مداخل ومخارج الحيّ الذي تسكن فيه\. لقد تجاوز الأمرُ حدودَ الهوس من الطرفين\. أسندَ ظهره إلى المقعد، وأغمضَ عينيه للحظة، مسترجعًا ما حدث منذ بداية اليوم\. بعد انتهائه من الشرح، استدارَ نحو "إيلا"، ليلفتَ انتباهه نظراتها؛ كانت شاردةً، متيقظةً على نحوٍ مريب، وكأنها تدرك أكثر ممّا يجب\. نظرَ إليها بنظرةٍ غريبة، نظرةٍ مشبعةٍ برغبةٍ عميقة، رغبةٍ بالاحتفاظ بها بأيّ ثمن\.\.\. كانت نظرةً مريضة، أقرب للهوس منها للحب\. يتذكّر\.\.\. عندما خرجت من قاعة المحاضرة، واتجه هو نحو مكتبه، لم تمضِ لحظات حتى دُفع الباب فجأة، ودخل أحدهم قائلًا بنبرةٍ مستاءة: \- "لِمَ لمْ تخرج؟ لقد كنتُ في الخارج أنتظرك منذ انتهت محاضرتكَ\!" رفع "جنكوك" نظره نحو من اقتحم عليه خلوته، متنهدًا بتذمّر: \- "آخخ، تايهيونغ\! قلتُ لكَ مرارًا وتكرارًا\.\.\. اطرق الباب أولًا\!" ضحك "تايهيونغ" بصوتٍ عالٍ وهو يغادر المكتب تاركًا الباب مفتوحًا: \- "جنكوك، هيا\! أنا جائع، أسرع\!" تنهدَ "جنكوك" مجددًا وهو ينهض، يلحق بصديقه\. لكن قبل أن يبتعد، لفتت انتباهه سيارة "إيلا" ما زالت واقفةً أمام الجامعة\. ثبتت عيناه عليها للحظات\.\.\. إلى أن رأى "أليكس" تفتح الباب وتجلس بجانبها\. في هذه الأثناء، صرخ "تايهيونغ" من داخل السيارة: \- "جنكوك، هيــــا\!" ركبَ "جنكوك" بجانبه، وتحركت السيارة\. خلفهم، تحركت سيارة "إيلا" في الاتجاه المعاكس، متجهة إلى منزل صديقتها\. في الطريق، أسندَ "جنكوك" رأسه إلى النافذة، يحدّق بصمت في الشارع، بينما كان "تايهيونغ" يحدّق فيه، ثم سأله بنبرةٍ ساخرة: \- "هل ما زلتَ مهتمًا بتلك الفتاة؟" همهم "جنكوك" دون أن يلتفت: \- "أجل\." علّق "تايهيونغ" بلهجةٍ شبه جادة: \- "جنكوك\.\.\. أنت على وشك أن تصبح مهووسًا\. ما بك؟" تنهدَ "جنكوك" عميقًا، مجيبًا: \- "لا أعلم\.\.\. مجرد اهتمام طبيعي، لا تُكبر الأمر\." ضحك "تايهيونغ" ساخرًا، رافعًا حاجبه: \- "جنكوك، نحن أصدقاء منذ الروضة، وأعرفك عندما تكذب\. هذا ليس اهتمامًا عاديًّا\.\.\. أنت تعرف كل شيء عنها، مواعيدها، أصدقاؤها، حتى تراقب هاتفها\! ماذا تريد أكثر من ذلك؟" نظر إليه "جنكوك" بنظرةٍ غاضبة، وكأنّه يحاول إقناع نفسه بأنه ليس مهووسًا: \- "تايهيونغ، اصمُت\." سكت "تايهيونغ" احترامًا لصمت صديقه، حتى وصلا إلى المطعم\. دخلا وجلسا لتناول الطعام\. \*\* عاد "جنكوك" من شروده، يحرك رأسه وكأنّه يطرد أفكاره بعيدًا، وتمتم بصوتٍ خافت: \- "أنا لستُ مهووسًا\.\.\. بالتأكيد، لستُ كذلك\." أغلق شاشات الكاميرات بعد أن تأكّد أن "إيلا" قد غفت، ثم رفعَ سماعة الهاتف\. جاءه صوتٌ أنثويّ، لكنه بدا شابة: \- "سيدي، لقد وصلت، وهي الآن نائمة في غرفتها\. لم يزرها أحد حتى اللحظة\." أجابها باقتضاب: \- "حسنًا، سيدة جيسيكا\." ثم أغلق الخط، ونهض متوجهًا نحو غرفته\. دخلها وأغلق الباب خلفه، متجهًا مباشرةً نحو الحمام\. فتح الماء، ودخل تحت المرشّ بملابسه، تاركًا الماء ينسكب فوقه بغزارة، بينما كان يعيد رأسه إلى الخلف، وشعره يلتصق بجبينه\.\.\. يغرق في صمتٍ ثقيل، يختلط فيه الماء والندم ليعود إلى ذكرياته مجددًا\.\.\. إلى ذلك العمر حين كان لا يزال في عمر الزهور\. كان يبلغ عشر سنوات، ذلك العمر الحائر بين براءة الطفولة وبدايات المراهقة\. عمرٌ منسيّ، تمامًا كما كان هو منسيًا\. لم يحظَ بالحنان الذي كان يحتاجه\. فقد انفصل والداه حين كان في التاسعة، وانتقل بعدها للعيش مع والده، الذي كان قاسيًا، حاضرًا بالجسد فقط\.\.\. وغائبًا كأب\. \-\-\- "فلاش باك" كان "جنكوك" يجلس على طاولة العشاء، منتظرًا قدوم والده، كما يفعل كل ليلة\. دخلت الخادمة، وانحنت باحترام: "سيدي الصغير، تناول طعامك\. والدك سيتأخّر\." أجابها بابتسامة هادئة تخفي الكثير: "لا، سأنتظره\. اذهبي أنتِ للنوم، وسأتولى تنظيف الطاولة بعد أن أنتهي\." همست له مبتسمة وغادرت\. ساعات مرّت، وغفا "جنكوك" على الطاولة\.\.\. حتى استيقظ على صوت باب يُفتح\. ركض نحو والده فرحًا، لكن الأخير، وهو في حالة سكر، صرخ فيه: "أخخ\.\.\. ابتعد من أمامي\! لست متفرغًا لمسرحيات الأطفال هذه\! أنت رجل، تصرّف كالرّجال\! لا تكن عاطفيًّا مثل أمك الغبية\!" كانت تلك الكلمات كحجارة ثقيلة تهشّم زجاج قلبه الصغير\. جرحٌ لم يُنسَ\. وَقَفَ مكانه بهدوء، لم يقم بأيّ ردّة فعل، عيناه فقط تسير مع والده الصاعد إلى غرفته\. أنفاسه ثقيلة، يكاد أن يسمعها المارّ من أمام المنزل، وصوت قلبه يتردّد في أُذُنه، الأشياء تدور من حوله\. سحب قدَمه، يسير بثِقلِ العالم على كتفيه، كل تنهيدة تخرج من قلبه لا من رئتَيه\. كان يسحب أقدامه حتى خذلته في منتصف الطريق، سقط على التراب، نظر إلى يده وهو يرمش ببطء، وما إن مرّ قليلٌ من الوقت، حتى زَرَفَتْ عيناهُ دمعًا كالبحار\. كلُّ دمعةٍ تنزل كانت كقطعةِ زجاجٍ من قلبه المكسور\. ارتفعت شهقاته مع زيادةِ وتيرة بكائه، وبعد أن نَفِدَتْ دموعه، رفع يده المرتجفة، ماسحًا دموعه، نابسًا بصوتٍ مبحوحٍ يكاد لا يُسمَع: "وبحقِّ هذه الدموع\.\.\. وبحقِّ قلبي، لن أسمح لدمعي بالسقوط مجددًا\." \-\-\- سبع سنوات مرّت\. بلغ "جنكوك" السابعة عشرة\. كان عائدًا من المدرسة مع صديقه "تايهونغ"، ودخلا المنزل سويًّا، ليصرخ "تايهونغ" وهو يخلع حذاءه: "آنسة "إيڤا"\! أنا جائع\! هل يوجد طعام؟" خرجت "إيڤا" من المطبخ مبتسمة: "وماذا يرغب سيدي في تناوله؟" ضحك "تايهونغ": "شطيرة تونة تكفي\!" نظرت "إيڤا" نحو "جنكوك" بحنوّ، وقالت: "وماذا عنك يا "جنكوك"؟" لكنّه تجهّم فجأة، وقال بجمود: "اسمي السيد جنكوك\. لا تتجاوزي حدودك\. أنتِ خادمة فقط\." صُدمت "إيڤا"، وانحنت بخضوع: "أعتذر، سيدي\." غادرت، ودموعها تنساب بصمت\. منذ تلك الليلة القديمة تغيّر "جنكوك"، أصبح يشبه والده\.\.\. بنبرته وحدّته\. قال "تايهونغ" بحدّة: "ما الذي فعلته؟ لماذا تلك القسوة؟" ردّ ببرود: "قلت الحقيقة\. أنا رجل، ويجب أن يُحترم الرجال\." أجابه "تايهونغ" بأسى: "أنت تغيّرت\.\.\. لم تعد "جنكوك" الذي أعرفه\. أصبحت طفلًا بعقل رجل غاضب\. هذا ليس رجولة\." صرخ "جنكوك": "اخرج من منزلي\!" لكن "تايهونغ" أمسكه من ياقته وصرخ: "أنا أخوك وصديقك\.\.\. أقول هذا لأجلك\! استيقظ\!" دفعه "جنكوك"، ثم لكَمه بقوّة، فسقط "تايهونغ" أرضًا وشفته تنزف\. صرخ "جنكوك": "قلت لك، اخرج من منزلي فورًا\!" نهض "تايهونغ" وخرج غاضبًا دون أن ينظر خلفه\. صعد "جنكوك" إلى غرفته، وأغلق الباب بعنف\. بدأ بتحطيم كل ما حوله، يرمي ويكسر ويصرخ\.\.\. إلى أن جاءه صوت متردد من خلف الباب: "سيدي\.\.\.؟" صرخ غاضبًا: "ماذا؟" قال الرجل بهدوء: "والدك\.\.\. سقطت طائرته أثناء عودته من طوكيو\. لقد توفي\." فتح الباب، فرأى مساعد والده يقف شاحبًا\. تجمّدت تعابيره، نظرَ للواقف أمامه بهدوء، ثم نَبَسَ ببرود: "حسنًا، استعدّوا لمراسم الجنازة\." أخذ الآخر منه الأوامر ورحل، عاد "جنكوك" إلى داخل غرفته، جلس أمام مرآته ينظر إلى نفسه، ينظر إلى عينيه التي لم تذرفا دمعة، وضع يده التي كادت أن تُشلّ من شدّة رجفانها على قلبه، لا يشعر بشيء، لا يشعر بالحزن\.\.\. هل تجمّدت مشاعره؟ هل مات ذلك الطفل على ذلك الطريق، ذلك اليوم؟ قَطعَ سلسلة أفكاره لسانه، الذي نطق بكلّ قهره وثقل السنين: "والدي مات منذ سبعِ سنوات\.\.\. لكن جنازته اليوم\." \-\-\- بعد عام من وفاة والده، عاد للعيش مع والدته\. شيئًا فشيئًا، بدأت شخصيته تعود إلى طبيعتها\.\.\. لكن برودته وظلال الغضب لم تفارقه بالكامل\. تحسّنت علاقته بـ"تايهونغ"، بل أصبحت أقوى\. مرّت السنوات، حتى جاءت سنة 2020\. في أحد أيام الجامعة، كان "جنكوك" جالسًا على مكتبه في قسم الإدارة، حين دخل "تايهونغ" فجأة، دون استئذان، قائلاً بحماس: "الدفعة الجديدة وصلت\! هيا لنستقبلهم مع العميدة والمدير\!" أومأ "جنكوك": "حسنًا، اذهب أولًا، وسألحق بك فورًا\." خرج "تايهونغ"، وبعد نحو ربع ساعة، دخلت فتاة مسرعة إلى المكتب، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنتبه لمن فيه\. استدارت، وتجمدت في مكانها حين رأت "جنكوك"\. نطقت بتوتر: "آسفة\.\.\. لم أكن أعلم أن هناك أحدًا هنا\." نهض من مكانه ونظر إليها بهدوء: "أأنتِ من الدفعة الجديدة؟" أجابت بصوت خافت: "نعم\.\.\." سألها بحدة: "ولماذا دخلتِ مكتبي دون إذن؟" أجابت بإحراج: "أزرار قميصي فُتحت\.\.\. ولم أجد مكانًا لأرتّبها سوى هنا\. الممر ممتلئ بالطلاب\." نظر إلى قميصها، ليلاحظ بداية صدرها الظاهر من تحت القماش المفتوح\. اقترب منها بهدوء، فتراجعت حتى التصقت بالباب\. مدّ يده بهدوء، وأغمضت عينيها بتوتر\. قال بنبرة غريبة: "أريد فتح الباب، ابتعدي فقط\." تنحّت بسرعة، وخرج من المكتب، وأغلق الباب خلفه\. وبعد خروجه، انفجر ضاحكًا\.\.\. خرجت منه قهقهة لم يسمعها منذ زمن\. جاء صوت "تايهونغ" من خلفه: "ما الذي يضحكك؟" التفت إليه، مازحًا: "أخفتني\! هيا نذهب للمدير\." \-\-\- نهاية الفلاش باك خرج "جنكوك" من تحت المرش، وارتدى ملابس مريحة: بنطال رمادي واسع، وقميص قطني أبيض بأكمام طويلة\. تمدد على سريره، مدّ يده إلى الطاولة المجاورة، وأمسك علبة صغيرة، فتحها، وتناول منها حبّة واحدة من دواء: "لورازيبام 2 ملغ" \- مهدئ قوي ومنوّم\. ثم أغمض عينيه، واستسلم لنومٍ ثقيل\.\.\. خالٍ من الدموع، خالٍ من الأحلام\. \. \. \. \. \. \. ‼️تحذير أستعمال أي نوع أدويه مذكوره لخطورتها اخلي مسؤوليتي بعد هذا التحذير ما رأيكم؟
Ella