كابُوسٌ فِي اليقَظَةِ

كابُوسٌ فِي اليقَظَةِ

32 0

شهقت فجأة أتصلب في مكاني وسط الشارع ليدين امتدت تمسك بذراعي من ورائي و مازاد من فزعي أكثر هو علمي بهويتها من صوتها...

" صباح الخير أ..."

" إلارا إبتعدي عني !!"

أزلت يديها عن ذراعي أبتعد عنها و أنا أتمسك بنفسي أخاف أن تخدلني و تكشف لها وجعي..

لكنها تمسكت بذراعي مرة أخرى مصرة..

" قولي ما أردتِ، أبعديني عنك شبرا أعود ذرعا ، إضربيني إصفعيني لن أبتعد .."

" إلارا إبتعدي سيرانا أحدهم الآن نتحدث لاحقا في المكتبة أرجوكِ إبتعد..."

" ليروننا لا يهمني لن أبتعد!!"

قالت و هي تشدني أكثر من ذراعي وسط الشارع أحاول أن أسارع خطواتي لعلي أسبقها و تتركني و لكن هيهات...

تلحقني من ورائي و أنا إستطعت أن ألمح نظرتها المنكسرة و كأنها تقول لي إرحميني..

إلا تلك النظرات..

عينيها اللتان أخدتا لونهما من شجر الزيتون لقتامة خضرتها و رموشها الكثيفة بشعرها الأشقر..

تنظر إلي بعينين إغرورقتا بدموعها تكبحهما داخلها و تلحقني و تفصح عن كل ما يملأ صدرها...

" حبيبتي أرجوكِ لا تفعلي هذا بنفسكِ و إذا لم تُقّدري نفسك لا تفعلي هذا بي!

لا أحد يتبعك و لا أحد يراك لن يحدث لي شيء بكوني صديقتك أنتِ يحق لك ككلنا أن تعيشي و تحبي...

لا يا نفسي إكبحي نفسك لا تنفجري لا تتفاعلي أرجوك لا تجرحيها أرجوك...

أغلقت جفناي أقضم وجنتي داخليا أحاول كتم صوتي داخلي الذي يشق صدري يحاول إحداث صداه و أشيح بعيناي قدر المستطاع عنها ...

...لا أحد يمنعكِ أنت تمنعين نفسكِ فقط! تستمرين بجلد ذاتك و لا تسمحين لأحد بدخول دائرتك من أجل أن لا يتضرروا و أنت أكثر من تضرر هنا ، تحق لك السعادة يحق لك الأمان يحق لك الحب يحق لك الدفئ هذه أبسط الحقوق التي لا يحق لأي أحد إنتزاعهم منكِ، هم تركوك و لم تتصادف طرقكم منذ سنوات و أنت تستمرين بخوفك منهم و هم تخلو عنك وأنا أحببتك و يحق لي المشي مع صديقتي يدًا ليد نتجول في شوارع هذه المدينة و لن أتخلى عنكِ مهما حد..."

" إبتعدي عني أنا لا أريد أن أعيش ذلك الكابوس مرة أخرى !!"

سحقا...

لم أستطع كبح نفسي أكثر من هذا و أخرجت ما يثقل صدري دفعة واحدة ..

أكبح دموعي من الهطول و شفتاي ترتجف و أنا أنظر إليها بعينيّ المحمرتان بعد أن إستدرت إليها ..

أرخت يديها عن ذراعي تنظر إلي بنظرات منطفئة و كأنها إستوعبت الآن ما أنا أفكر به عن كلامها ...

" أنا لم أقصد أن..."

" إلارا نلتقي في المكتبة."

أغلقت الجدال بإبتعادي عنها تاركة لها متصلبة في مكانها و أنا أضع يدي على فمي أكبح شهقاتي من الخروج...

قلبي ينزف..

أنا لم أقصد هذا و لم أرد حدوث هذا ...

أنا فقط أردت حمايتها من محيطي و لكنها عنيدة و مصرة على صداقتي..

لم أعلم لهذه اللحظة لما؟ لما تريد صداقتي و الدخول إلى منطقتي لهذا الحد لدرجة أنني لو حاوطتها بجدران صخرية تأتي و تقصفها و تدخل معانقة لي..

هي أجمل و أفضل و أحلى شخص حصلت على ثقته و محبته أحمد الرب على كونها في حياتي و لكن لا أعلم هل ستحمده هي لكوني في حياتها..

أنا أخاف... أخاف من العبور من نفس الطريق الذي سقطت في نهايته ، أخاف من خوضه مرة أخرى و أجد منتهى الطريق لم يتغير ، أخاف من الأمل فأخذل ...

السؤال الذي يتكرر برأسي كل مرة...

لما منعتني الحياة من عيشها!؟..

أطلقت زفيرًا طويلًا أبتلع التراكمات و الضغوطات التي في حلقي ألقيها في معدتي لعلها تستطيع أن تهضمه قليلًا عني...

أشعر و كأنني ذبلتُ...

لا أقوى على فعل أي شيء و لا أريد فعل أي شيء ...

أريد أن أنام فحسب... نومًا طويلًا أبديًا ..

إنه شهر تشرين ... هواء و نسمات الخريف تبشرنا بقدوم الشتاء و طرقه على الأبواب..

و توصينا بتوديع أشعة الشمس الدافئة التي ستختفي بين الغيوم التي ستنزل ثقلها علينا..

كنت أحبه في الماضي و لكنه أصبح مجرد مصدر عذاب لي..

و أنا لم أجني بعد المال الكافي لإصلاح مدفأة منزلي..

إذا استمر الوضع هكذا فالشتاء لن ينقضي إلا و هو آخد روحي من برده ...

خاصة و هذه المدينة مدينة ثلجية...

علي أن أجدَ حلًا...

إرحميني قليلا يا روسيا !..

هزيت رأسي أطرد ذلك الهم من رأسي قليلاً لأركز على إمتحاني الذي ينتظرني في جامعتي ..

عبرت بوابة الجامعة متجهة إلى قاعة الإختبار بعد أن هدأت روحي و أنفاسي بعض الشيء ، رغم زيادة ثقل الضيق الذي داخلي..

دخلت القاعة و وجدت الأستاذ على وشك توزيع الأوراق..

لو تأخرت أكثر قليلا لمُنعتُ من إجتيازه.. لأن هذا الشيء الوحيد الذي ينقصني ليكتمل سوء اليوم ...

⟡𓂃❀𓂃⟡ ✧ ⟡𓂃❀𓂃⟡

الراحة...

أول شعور شعرت به بعد خروجي من قاعة الإمتحان آخدة نفسًا عميقا من هواء اليوم الصافي...

أنا سعيدة جدًا...

إبتسامة إرتسمت على وجهي لشعوري بأن جهدي و سهري و تعبي لم يذهب سدًا ..

الشعور بالرضا بعد نتيجة تعبك و سهرك تعطي راحة نفسية عميقة و الإبتهاج...

لم يكن الإمتحان بتلك السهولة و لكن... لا بأس به ، أفضل من بعض الإختبارات التي و كأن الدكتور تحالف مع الشياطين لكتابته...

و كأنه أقسم على رسوبنا...

و لكن سرعان ما تلاشت إبتسامتي لتذكري لـإلارا...

كيف حالها يا ترى؟..

هل هي غاضبة و منكسرة مني؟..

مجرد التفكير بهذا يؤلمني!..

إتجهت نحو مكتبة الجامعة القديمة عازمة لقائها كونها مكان نائي لا يُقبل إليه الطلاب كثيرا...

قاموا بافتتاح مكتبة جديدة في الجامعة مما جعل هذه المكتبة نائية و قليلة الإقبال عليها سوى لأصحاب ذوق الكتب القديمة لكُّتابِ العصر القديم...

أنا و إلارا نتشابه في كثير من الأشياء ككونا نعشق الكتب و القهوة ، الحياة الهادئة و البساطة في المظهر ..

الموسيقى الكلاسيكية و زيارة متاحف الرسم و نتشابه أيضا للأسف في ... أوضاعنا

دخلت المكتبة بهدوء و لحسن حظي كانت فارغة ...

عيناي تبحثان عنها في أرجائها حتى وقعتا عليها و هي تقابلني بظهرها تطل على النافذة...

أخدت نفسا عميقا أسوق خطواتي إليها حتى سقطت مقلتيها علي و لاحظت عليهما طبقة زجاجية ...

نظرات منكسرة و خامدة تنظر إلي بحسرة...

هل.. أذيتها إلى هذا الحد ؟..

تقدمتْ نحوي بخطوات ثقيلة و نظراتنا تكشف لكل واحدة منا كم الآلام و الأوجاع التي تحملها الأخرى...

فالعيون مرآة الروح، تعكس ما لا تستطيع الكلمات قوله..

وقفنا أمام بعضنا حتى شهقت فجأة لسحبها لي من كتفي فأجد نفسي داخل حضنها تضمني إليها بكل قوتها ..

" أنا آسفة جدًا ، أعتذر لتذكيركِ .."

قاطعتها و أنا أهشهش لها و بادلتها العناق بشكل أقوى..

كيف تعتذرين لي و أنتِ كنتِ إعتذار الدنيا لي!؟..

فصلنا عناقنا تدريجيا ثم قدت بخطواتي نحو إحدى الطاولات بجانب النافذة وهي تتبعني...

فنجانين من القهوة... كالعادة..

إذا كانت تنتظرني..

أطلقت زفيرا ثقيلا أعانق بكفاي قدح القهوة ليدفئني بسخونته و رائحته التي تعبث بإعداداتي و تشعرني بإسترخاء و هدوء ...

قاطعت خلوتي مع مشروبي كلماتها التي جعلتني أنقل حدقتاي إليها...

" أنا لم أقصد أن أذكركِ بماضيك الأسود ذاك بفعلتي و لكن... أنا أتألم بألمكِ يا رفيقتي ، أنا أتألم بمجرد رؤية ما تمرين به و ما بالكِ بأنت التي تعيشينه؟ أنا أريدك أن تعيشي حياة طبيعية مثلنا أريد أن نكون صديقات طبيعيات نمشي معا في أرجاء الجامعة نلقي السلام على بعضنا في الصباح نتفق على إمضاء يوم كامل مع بعض آت لمنزلك و تأتين لمنزلي نجرب أكل المطاعم لا أن نلتقي خفية عن أنظار الناس في هذه المكتبة المظلمة و كأننا نهرب من جريمة إقترفناها..."

هي ... محقة !..

هل تؤذيها صداقتي إلى هذا الحد؟..

كنت قد أخبرتها... كنت قد أخبرتها أن صداقتي ستؤذيها ، أن من يدخل دائرتي لا يجلب لنفسه سوى المتاعب و المشاكل..

دائرتي غير نظيفة... مثل دخولك إلى منطقة محضورة بها حيوانات مفترسة...

ليس لك فيها سوى خيارين.. إما أن تهرب أو أن تترك نفسك للحيوانات لتصبح عشاؤها...

و لكن إلارا مصرة على البقاء فيها و الإختباء رغم علمها أنها مهددة بالموت... و رغم معرفتها أن لتلك الحيوانات حاسة شم قوية..

عنيدة...

أخدت يدها أضعها بين كفي أنظر إليها و أنا آخد نفسا عميقا إستعدادًا لإخراج أنا الأخرى ما بجعبتي و لكبت دموعي داخلي أردف..

"و هل ترينني سعيدة للحالة التي أنا بها يا إلارا ؟هل ترينني مبتهجة و راضية للقدر الذي أنا به ؟..أنا أيضا غير راضية للحياة التي أعيشها، أنا أيضًا أريد أن أكون حرة طليقة في حياتي أتحكم بها بإرادتي أخطئ و أحب و أغامر و أنجح و أقع و لكنني لا أستطيع ، ما بيدي حيلة... أكره كوني محكومة علي بالوحدة مدى الحياة و الفقر و الشقاء و التعاسة ، أكره كوني لا أستطيع التصرف بإرادتي و عدم قدرتي في إستضافتك في منزلي أو منزلكِ و عدم إستطاعتي في البقاء معك لوقت أطول من ساعة و مرة في ثلاثة أيام خشية أخذهم لكِ مني ، هم يلاحقونني يا إلارا و في أي لحظة أستطيع أن أرى نفسي بينهم و في عالمهم القذر ذاك و لكن لا أريد أن أراك هناك معي يا إلارا ... أخاف فقدانكِ يا إلارا إفهميني... أنا لو كان بيدي و لو لم يمنعني الوعد الذي قطعته لكنت قد قطعت أنفاسي منذ سنوات..."

قطع صوتي بالضيق الذي بداخلي أكبتُ شهقاتي و دموعي داخلي لتربت إلارا على كتفي ..

أنا أعيش على وعد...

أعيش من أجل وعد قطعته لأحدهم قبل سنوات فقط ليس من أجل أي شيء آخر...

بهذا القدر هي حياتي ، مجرد وعد...

أشعر بتلك الطبقة الزجاجية التي تكونت في عيناي أحاول إعادتها داخلي و إلارا تترجاني و تحاول إقناعي...

" و لكن قد مضى وقت طويل منذ ظهورهم آخر مرة ، هم نسوكِ يا روحي إفصلي أسلاكك عنهم إنسيهم و عيشي حياتكِ لن يحدث لأحبائكِ شيء..."

"هذا نفسه الكلام الذي قلته لنفسي قبل ست سنوات.."

ما قلته جعلها تطبق على شفتيها من صدمة ما تفوهت به...

لم تتوقع أن أصدها بذلك الموضوع...

كلما أذكره أفقد السيطرة على دموعي و لا أستطيع التحكم بها مثلما يحدث الآن و هي تمطر فوق وجنتاي...

لم أستطع كبحها أكثر من ذلك.. هزمتني ...

إذا لم أستطع التحكم باعصابي و دموعي... فماذا بقي بين يداي؟..

1

" كنت قد قلت أنهم قد نسونني و ما عاد لهم أي عمل معي ... و بعدها ماذا حدث؟

الباقي تعرفينه ...في الأخير ظهر أنني أنا من نسيتهم و ليس هم ، هم قد أقسموا على تحويل حياتي إلى جحيم و قد فعلوا ... أنا سئمت يا إلارا كرهت لقد بلغت أقصى طاقتي لم يعد بوسعي التحمل أتروكني و عيشوا حياتكم على الأقل لأعش وحدتي في أمان..."

قلتها و دموعي تهطل و شفتاي ترتجفان من الألم ، كأنها صخور فوق صدري تخنقني وتمنعي من إخراج أنفاسي، كأنها حمولة حكم علي حملها إلى مماتي..

و لكنها ثقيلة جدا...

ثقيلة جدًا علي ذنب كبير قلب ينزف و ضميري يدير السكين ليتقطع و ينزف أكثر...

ألا يكفي كل هذا؟!..

"أنا و أنت ماذا إتفقنا في بداية علاقتنا !؟ ألم أشترط عليكِ أن نبقى بعيدين عن الأنظار و قبلتِ؟..."

" أنا ..."

" أنت من أردتِ ...أصريتي على صداقتي دفعتكِ جرحتك ِ آلمتكِ أدرت سكينا على قلبكِ و لكن مع كل ما قمت به عنادكِ تفوق علي و غلبني ، وقتها ضغطت ِ علي حتى أخرجت كل الحمل الذي كنت قد كتمته داخلي و كشفت لكِ عن طفولتي و صدماتي و خذلاني و مرضي و حياتي بأكملها بعدها وعدتني أنكِ ستلتزمين بالوعد و تبقي بعيدة عني تحت أنظار الناس و وفيت إلى هذه اللحظة فما الذي حدث الآن !؟ ما الذي جعلكِ تخالفين وعدنا و تظهري للعلن ممسكة يدي و أنتِ تعلمين أنكِ بفعلتكِ هذه أنتِ تلعبين بالنار! هل أنت تريدين الموت إلى هذه الدرجة تعالي لأقتلك أنا فهذا أهونْ!.."

تظنون أنني جرحتها بكلماتي هذه أليس كذلك؟..

خسئتم...

فهي مجنونة إلى درجة أنها تمسك معدتها الآن من الضحك لآخر الجمل التي قلتها...

1

تضحك و تضحك و كأنني كنت أقص عليها نكتة...

حقا هي مختلة...

و ضحكتها الغريبة تلك جعلت من إبتسامتي تظهر أضع راحة يدي فوق شفتاي أكبح بها ضحكتي و آثار دموعي لازالت على وجنتاي ...

لو مر علينا شخص قبل عشر ثوان ثم الآن لهرب مسرعا ظنًا منه أننا ملبوستانِ...

نظرت إليها بعينين متعجبتان من حالتها تلك و هي تضع يدها على معدتها تأخذ أنفاسًا تحاول إيقاف ضحكتها...

إستطاعت التوقف عن الضحك تمسح عينيها بيديها للدموع التي علقت بها...

لا أعلم إن كانت دموع حزنها الأول أم ضحكها الآن...

نظرت إلي و هي تقول بنبرة ساخرة مني ترفع و تنزل عينيها من رأسي لأخمص قدماي

" معك حق يجب عليك أن تقتليني فأنا صندوقك الأسود الذي يحمل كل أسرارك و أنا لا مشكلة عندي... "

" أنتِ مجنونة رسمياً "

و ستجنني معك...

إستقامت من جلستها تتقدم نحوي بابتسامة مطَمئنة تمسك بكلتا يداي...

" حسنا ... أنا لن أجعلكِ تعيشين ذلك الرعب مرة أخرى ، سنستمر بلقائنا في المكتبة في خلوتنا بعيدا عن الأنظار خير من إفتراقنا للأبد... سأفعل ما يجعلك مرتاحة و سعيدة إذا كان إبتعادنا يشعركِ بالإطمئنان فلكِ هذا .."

ألارا...

يشعرني بالإطمئنان و لكن لا يشعرني بالسعادة...

أنا أيضا لا أريد إبتعادنا و لكنني مجبرة... ما بيدي حيلة...

لو كان بيدي لما قضيت لحظة في الجامعة و أنا لا أمسك يدكِ و أضحك بها معكِ...

لاحظت إحكامها على يدي و قضمها لشفتيها و هي تبعد ناظريها عني...

هي تخفي عني شيئا و تريد قوله و لكنها مترددة..

" قولي..."

" إلى متى؟.. إلى متى سيستمر الوضع هكذا !؟ ..."

" إلى أن تنقطع أنفاسي أو تنقطع أنفاسهم!!.."

هذا هو الحل الوحيد...

يجب على أحدنا أن يموت ليعيش الآخر...

هذا هو القانون الذي تسير به حربنا..

الخيار الأول وارد... خاصة و الشتاء قادم و جسدي ضعيف جدًا هذه الفترة لسوء تغديتي!..

أما الخيار الثاني فهو معجزة... أن يفنى ذلك العدد الكبير من الحيوانات المتوحشة في عدة أيام شبه مستحيل و لكنني... أؤمن بالمعجزات!..

أمسكت بيديها بحنية أرسم إبتسامة مزيفة على وجهي أنقل نظراتي بينها و بين يديها

" لنبقى بعيدين أكثر قليلا هذه الفترة خارجا من أجل بعضنا، أنتِ لديك أخاكِ يحتاجك فلا تعرضي نفسك للخطر من أجله على الأقل، و أنا لا أريد أن أعيش ذلك الكابوس مرة أخرى لذا لنلتقي دائماً هنا يا إلارا في مثل هذا الوقت"

أومأت بابتسامة مطمئنة على وجهها فبادلتها بطيف واحدة و هي تبتعد عني تجلس على إحدى المقاعد تأخذ كتابا و تقرأه...

هي تتغاضى عني ...

تريد أن تكتم أفكارها و أسئلتها و دموعها داخلها...

هي وحيدة مثلي لهذا وجدت راحتها معي... ترى أنني أفهمها و أفهم مشاعرها عندما تفضفض لي...

و كان هذا كافيا بالنسبة لها لتراني رفيقة دربها...

و الآن أنا أطلب منها أن تبتعد عني و تتركني بينما هي تحتاجني أن أقف بجانبها...

هي تتمنى يوما أن تمسك بيدي و تتجول بي داخل الجامعة و خارجها تخبر الجميع أنني أفضل صديقة لها ...

بينما الآن لا يعلم بهذا سوى جدران و كتب هذه المكتبة...

إقتربت من تلك الطاولة التي تجلس بها ألتقط كوب قهوتي و أتحسسه فأجد أنه قد برد...

بارد كداخلي حاليًا...

" ماهو الكتاب الذي تقرأينه ؟.."

"رواية عن المافيا و القتل و سباقات غير قانونية و شيء كهذا !.. أريد أن أسألكِ سؤالاً ... "

همهمت لها و أنا منشغلة بإفراغ كأس قهوتي في كوب بلاستيكي و غلقه بغلافه أضعه في حقيبتي و أنا أنتظر القنبلة...

تلك النبرة المائلة عندما تستعملها في كلامها فهي لا تبشر بالخير...

إما أنها ستسألني أغبى سؤال على وجه الأرض أم أنها ستصدمني بطريقة تفكيرها خاصة و هي ... قارئة روايات !!

" أولائك ... "

فهمت من تقصد ...

علقت حبل حقيبتي على كتفي و أنا أنتظر منها أن تكمل كلامها...

ما مشكلتها؟..

" ما بكِ اليوم أستمر في سحب الكلام من فمك ؟.. قولي ما عندكِ!"

أنظروا أنظروا للحركات...

أغلقت الكتاب تضعه فوق الطاولة تسند ظهرها على الكرسي تدير إحدى خصلاتها الشقراء على سبابتها و هي تنظر إلي ... بخجل...

إنتظروا هذه ليست ألارا ، فأنا لم أرى منذ تعرفي عليها ذرة خجل في وجهها...

حتى أنني كنت أتساءل هل يا ترى هي تعلم معنى كلمة خجل!؟..

نظرت إليها بنظرة إستغراب من حركاتها تلك حتى أضافت...

" أولائك ...هل يوجد بينهم رجال مافيا وسيمين !؟"

إحفظ عقلي يا ربي...

رمقتها بعيناي أرفع حواجبي و أنا أنظر لها بغير إستيعاب مما قالته؟..

أنفاسي قد قطعت من الصدمة...

هل فقدت عقلها؟.. هذا إذا كانت تملكه أصلا !!..

ما هذه المعايير التي تتمناها؟ ما نوع الخيال الذي تمتلكه؟..

كنت أظن أن المشكلة بعقلها فقط و إذ بقلبها أيضا ميؤوس منه...

" لا تنظري إلي بتلك الطريقة ... أنظري تخيلي أن يكون طويلا منتفخ بعضلات ساعديه و بطنه ، ذراعه اليمنى رمادية من الوشوم و شعره الأسود المنسدل على جبينه و عينيه الحادتين و ماله و سياقته المجنونة مثله بسيارته الرياضية المذهلة تلك بملامحها الحادة ... أن يكون مهووسا بكِ و بجمالكِ باردًا في كلامه مشتعلا في غيرته يذوب من كلمة واحدة منكِ و يعدك أن يحارب العالم كله من أجلك... ماذا سأريد أكثر من هذا يا... "

شهقَت و إنقطع صوتها فجأة لرمي لإحدى وسادات الأريكة التي بجانبي لوجهها...

لعل عقلها يشتغل مرة أخرى أو تتأدب قليلاً..

ما هذه المعايير التي أثارت إشمئزازي لدرجة أنني أكاد أستفرغ كل ما بداخل معدتي رغم كونها فارغة...

كدت أستفرغ أحشائي...

الفتاة تعيش بأحلام اليقظة بتمنيها لأشخاص هكذا و أخشى أن تبقى عازبة طوال حياتها لعدم ايجادها لفتى أحلامها الغريب ذاك!..

" هذه البضاعة غير متوفرة عندي... المتوفر عندي هو الذي سيحاربكِ أنتِ و العالم من أجل أوراق نقدية فقط !! و توقفي عن قراءة تلك الروايات السخيفة التي لا أصل لها في الواقع الذي نعيشه ! "

1

" لم أتزوج بعد في الواقع لذا دعيني أتزوج في الخيال على الأقل !!"

فقدت الأمل منكِ ...

و لكن... لا بأس إذا كان هذا سيجعلكِ... سعيدة..

هي من الأشخاص الذين يتهربون من الواقع بالعيش في الخيال ...

الذين فقدوا أملهم من حياتهم و واقعهم فيبحثون عن عوالم أخرى تنسيهم مآسي قدرهم و حياتهم..

ليتني أستطيع فعل هذا و لكن... لدي منظور خاص و سلبي جدا حول الروايات...

منظور مؤلم نزع المتعة مني في واقعي و في خيالي..

إبتسمت لها بطيف إبتسامة أودعها بها بينما كنت متجهة نحو الباب للخروج من المكتبة...

لكنها إستوقفتني بكلماتها التي أحدثت لي فرحة و راحة غريبة لعلمي بأن هناك من لازال يفكر بي و بمصلحتي...

بأن الحياة لم تسلب مني بعد كل شيء...

" إعتني بنفسك...كوني بخير."

♧ الصديق الحقيقي هو من يكون بجانبك عندما يرحل الجميع ♧

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة