إبن خالتي !..
" ماذا !؟.."
الصدمة...
آريان... الحقير الوضيع المستفز الذي يلحقني منذ ثلاثة أيام و الذي قصصت لها عنه هو .. إبن خالتها !...
لا أصدق...
جحوظ عيناي و أنا أرمقهما و لا أستطيع إستيعاب قرابتهما و ملامح الغير مبالاة تسود وجه آريان...
قلت و أنا أتأكد مما سمعته أوجه كلامي نحو إلارا !..
" آريان !... إبن خالتكِ !"
لحظة...
إذا كان آريان إبن خالتها إذن السيدة فيرا .... خالتها !؟
هل هذا كله صدفة !؟ ..
" نعم ... إبن خالتي ، من أين تعرفينه !؟ "
من أسخف موقف مر علي على الإطلاق...
فرت ضحكة خافتة مني غير مستوعبة لما أسمعه أخلل يدي في خصلات شعري لأزفر زفيرا طويلا أضع يدي على خصري لأجيبها
" هل تتذكرين ذلك الحقير الذي تسبب في طردي من عملي و لحقني إلى منزلي ؟.."
" أسفي عليكِ هل أصبحت حقيرا بعد أن ساعدتك ؟.."
" لم أطلب منك المساعدة أنت من أتيت !.."
لو تعلم منذ متى و أنت حقير بالنسبة لي...
تأففت أبتعد خطوات عنه أريح نفسي و ناظراي قليلا من نظراته المستفزة تلك لأنقلهما إلى إلارا بتردد...
فكها يكاد يسقط أرضا ترمشنا عدة مرات بغير تصديق لمناقرتنا و ما أفصحت عليه قبل لحظات..
الحقير الذي قصصت لها عنه... هو إبن خالتها !!
يال القدر ...
مهلا...
بما أن آريان إبن خالة إلارا إذن... لا مجال للشك بعد الآن أليس كذلك؟..
من المستحيل أن يكون عضوا منهم بعد هذه الحقيقة و هذا ما يؤكد كلام إلارا أنني أصبحت... أنسب كل رجل لهم!..
شعرت براحة و بهواء يتخلل في جوفي من لحظة إدراكي تلك رغم أن الكثير من التساؤلات و الإستغرابات لازالت تسبح في عقلي و لوهلة شعرت بشيء يذكرني بالمحيط الذي أنا به لأتأمله فأجد حشد من الطلاب و المدرسين يتجولون و يخرجون من كلياتهم في أرجاء الجامعة...
رؤيتي لذلك المنظر جعل مقلتياي تسقطان على إلارا لأجد ملامح الدهشة لازالت تطبع وجهها ، أبعدتهما عنها أتفحص بهما الأرجاء و وجوه من يحيطنا و لكنني لم أجد شيئا مشبوها به و كان كل شيء بخير..
رغم هذا علي إتخاذ حذري..
دون وعي مني سقطت عيناي على آريان لأجده يرمقني ملاحظا حركاتي و فحصي للأرجاء محافظا على ملامحه الحادة تلك...
هو يراقب كل حركة تصدر مني... و كأنه مصر على دخول جوفي و معرفة ما يثقل صدري و لكن هيهات...
سيهرب مني كالقطة الخائفة بعد علمه بمن أكون و من يلحقني، لا أظن هذا مع كل هذه العضلات و لكن... على كل حال...
قاطع وساوسي صوت إلارا و هي تتحقق مما سمعته و على وجهها إبتسامة خفيفة لا أعرف مصدرها..
" يعني الرجل الذي ... تسبب في طردك و لحقك إلى منزلكِ... و ضربته في خصره ... هو إبن خالتي آريان... ما هذا الهراء الذي أسمعه ؟.."
أخذت خصلتي أنزلها خلف أذني خجلا مما قالته و أنا لا أتشجع على إبصار وجهه لأنني أخشى إذا رأيته و وجدت عليها طيف إبتسامته المستفزة تلك أن أغرس قبضتي على وجهه...
الأنظار تحيطني و علي أن أبتعد من هنا في أسرع وقت ممكن !..
إقتربت من إلارا أنبس بصوت خافت بغية عدم وصوله إلى مسامع ذلك المستفز...
" إلارا سأشرح لك كل شيء و لكن ليس هنا... لنلتقي في مكاننا المعتاد.."
أومأت لي متفهمة موقفي أتجاوزها متجهة نحو المكتبة تاركة إياها معه..
القدر يلعب بي هذه الفترة ، خيوطي بين أصابعه يرمي بي في كل موقف يشد أنفاسي..
لم يترك لي فرصة التنفس أو استيعاب حدث إلا و قد أوقعني في حدث آخر يحبس تفكيري و إدراكي...
أولا سُكب عليه العصير و قام عديم الضمير ذاك بفضح بوينا و ألقيت بنفسي في النار حمايةً لها مما أدى إلى فقدان عملي...
ثانيا يتتبعني إلى منزلي و هذه إحدى تساؤلاتي التي إلى الآن لا أعلم غايته من التجسس و تنصت علي ، هل كان مجرد فضول قاده إلي أم...
الخيار الذي ببالي وارد أكثر حسب حقارته ...
ثالثا يغمى على إمرأة أمامي و إذ بي ألتقي به في المستشفى و الصدمة أن تلك المرأة هي أمه ...
رابعا ألتقي به و هو يدلف إلى مكتب مدير جامعتي و يعرض علي أسخف عرض عمل سمعته في حياتي...
أضحك على نفسي عندما أتذكره... عرضين في نفس اليوم !.. الأول كان سيرفعني إلى أعلى القمم و يحقق لي أحلامي و يضع قوة كبيرة خلفي و أكون من أشهر المحاميين في البلدة ... عيبه الوحيد أنه في ... تعبت حتى من ذكر إسمها..
و الثاني أن أكون ممرضة لامرأة مريضة أعمل في منزل أكبر وضيع على وجه الأرض و الذي رآني في إنكساراتي و أضعف حالاتي و وضعياتي و أكره نظراته تلك التي يريد بها معرفة منبع نوباتي...
و كأن القدر يصر على تذكيري بأنني مهما حاولت الهروب من الماضي ستضل يداي مقيدة بسلاسله ما لم أكسرها...
و لأكسرها عليَّ مواجهته... علي مواجهة من تسبب في سواد حياتي و ضياع عمري و أحلامي ... علي أن أنتقم منه..
و لكنني لا أشعر نفسي بأنني مستعدة لهذا... لست مستعدة لرؤية وجوههم القذرة تلك و تذكر ما مريت به من مشاهد و صرخات ...
أشعر بالضيق بمجرد تذكرها فكيف إذا كان بمواجهتهم... أختنق..
إلعب يا قدر إلعب... لنرى إلي أين سيؤدي بنا لعبك هذا !...
✿❖── إلارا ──❖✿
" خالتكِ تكلمت الأمس بفضلها ! "
أنارت الشمس على وجهي بإتساع عيناي و أنا أرمقه غير مستوعبة ما يتفوه به و إبتسامتي التي رُسمت على وجهي من شدة فرحي بالخبر الذي سمعته بعدما إختفى طيف أميليا من أمامنا ، إستدرت إليه لأراه بملامح جادة يضع يديه في جيبي بنطاله و يتبع بنظراته خطواتها و ظهرها مبتعدة عنا ...
هل خالتي... تكلمت حقا ؟..
بعد التكتم و الإكتئاب الذي عاشته منذ بداية العام الآن تتكلم بفضل ... أميليا!؟..
" كيف !؟.. هل أمكَ تكلمت بعد أشهر من التكتم بفضل ... أميليا !؟ "
" خالتكِ و ليست أمي ! "
قال بأكثر نبرة باردة و جادة يملكها يذكرني بعلاقته معها...
لحظة... منذ متى تعرفت أميليا على خالتي؟..
هذا سؤال لا يُسأَل له بل لأميليا ...
السؤال الذي أملكه له هو...
" كيف ذلك ؟.."
" لا أعلم "
صفعها في وجهي..
لا بأس... لأتوقع أنا..
أطلقت زفيرًا مبتسما و أنا أنزع و أعيد خاتمي في إصبعي لأتكلم بكلمات و كأن قلبي من ينطق بها...
" للحظة نسيت أنني أتكلم عن أميليا... كلماتها عميقة و تمس الروح تجعلكَ تعيد النظر في مشكلتكَ من جهة أخرى تفك لك كل تشابكاتكَ ، و كأنها تدخل في جوف من يقابلها و تغوص داخله لتعلم ما ينزف له قلبه و تنتقي كلماتها و نبرتها الهادئة لتنبس بكلمات تكون كالضماضات على جرحك ... لا أعلم ما تأثير الكلمات التي ألقتها على خالتي و لكن ما أعلمه أنها تستطيع أن تعيد الروح لها مثلما أعادت لها صوتها "
تجيد علاج الجميع إلا نفسها!..
تمسح دموع الجميع و توقف نزيف القلوب إلا قلبها ! يقال أن الإنسان جاهل عندما بتعلق الأمر بنفسه و أميليا خير مثال...
فر نفس ضحكة من شفاهي و أنا أسترجع كلامها داخل رأسي بطيف أميليا عندما أشكي لها همي و ما يضيق صدري لتنتزعه مثل الشعرة من العجين بكلماتها الذهبية تلك..
أعلم جيدا منبع تلك الكلمات لأضيف بنبرة هادئة من منبع قلبي موضحة بحدة خفيفة ..
" إنها قارئة كتب... لا تستهن بها !.."
هذه هي أميليا ..
نقلت ناظراي إليه لأجده يستمع إلى كلماتي بتركيز ناظريه لا يزالان مثبتان على طيف خطى أميليا...
هناك شيء ما حيرني... عادة ما السيد آريان لا يفضل النقاشات و المواضيع السطحية و كان يغادرها دون سابق إنذار و لكن هذه المرة ... إستمع إلى كلامنا أنا و أميليا إلى الأخير حتى أنه تفاعل معها عندما نعتته بالحقير ، و كأنه كان ينتظر شيئا ما ...
هناك أفكار وردية بدأت تجول برأسي بشأنهما و لكن عندما أتذكر أميليا و علاقتها مع جنسهم تتلاشى كل تلك الأفكار من رأسي...
و لكن أليست تؤمن بالمعجزات... لنؤمن نحن أيضا و نرى ما سيحدث!...
" و لكن صديقتكِ ليست بخير !.."
ألجمني بكلامه مقوسة حاجباي مستغربة مما قطع به صوت أفكاري و لكن ما شد إنتباهي أكثر هو كلمة... صديقتكِ!
لقد وعدت أميليا أنني لن أفصح عن علاقتنا السرية مهما حدث و لأي من كان لأتجنب إقحامها في المشاكل و هذا ما جعلني أنبس نافية ..
" هي ليست صديقتي .. أدرس معها فحسب ! "
" بينما أنتِ طالبة هندسة و هي محامية... إكذبي على نفسكِ و لا تكذبي علي.."
جحظت عيناي أرمقه بغير تصديق لمعرفته بمعلومة كهذه عنها ...
أعلم أن أميليا كتومة و لا تفصح عن معلوماتها الشخصية أبدا لأي أحد كان خاصة ... رجل !!
من أين له بمعلومة كهذه إذًا !؟..
و لكنني تيقنت بعد إجابته هاته أن الكذب لن ينفع معه و أنه يعلم الكثير عنها حتى أنه يعلم أشياء لا أعلمها عنها كقوله الآن أنها ليست بخير !..
" ما الذي جعلكَ تظن أنها ليست بخير ؟.."
" نوباتها و ضيقها نفسها كل مرة... "
لحظة لحظة... من أين ... ما... ما الذي يقوله!؟..
كسا وجهي جحوظ مفاجئ و كأن الدم أنسحب منه مما قاله أتراجع خطوة إلى الوراء أرمش بعيناي ...
لا يعقل أن يكون الذي ببالي صحيح أليس كذلك !؟...
أرجوا ذلك..
سألته متلعثمة و جوفي يترجاه أن لا يقول الكلمات التي داخل عقلي ...
" كـ... كيف كانت نوباتها ؟!.."
أطلق تنهيدة و هو يخلل يده بين خصلاته البندقية يرجعها إلى الوراء و نظراته لا تفارق المسار الذي خطت عليه أميليا لينبس بنبرة هادئة ...
" تمسك بأذنيها و تتجعد جفونها من شدة قبضها لهما تتفوه بكلمات غير مفهومة و كأنها ترى شيئا لا تريد أن... "
" آريان هل لمستها !؟"
أدار وجهه فجأة يرمقني عاقدا حاجبيه و جبهته منصدم من سؤالي المباشر ذاك و دون رسميات به كوني إعتدت على مناداته بالسيد..
أضفت إلى كلامي بإضطراب أشرح له بتحريك يداي...
" حتى لو كانت لمسة فقط أو مسكة يد لا أعلم ... أجبني هل لمستها؟.."
أبعد ناظريه عني يدير بيده ساعته و كأنه يحاول التذكر حتى نبس دون أن يعيد مقلتيه علي...
" كنا قد تعاركنا يومها..."
" بعدها ؟..."
" سحبتها و تلامس ظهرها مع صدري !.."
تجمدت في مكاني مما قاله و عيناي حدقتا في اللاشيء، عقلي يحاول استيعاب الكارثة لكنه يفشل، وكأن الزمن توقف فجأة...
لا و يقولها بكل بساطة؟.. هل أنا حقا أتحدث مع السيد آريان؟..
أحاول أن أتخيل ما شعرت و ما عاشته أميليا في تلك اللحظة و أنا أعلم حساسيتها من هذا الموضوع أضع يدي فوق فمي في صدمة مما جعل جبهة آريان تتجعد مستغربة من حالتي...
" يا إلاهي !.."
إضطراب أصابني و أنا تائهة لا أعلم كيف أتصرف و ماذا أفعل و لم أجد نفسي إلا وهي تشق طريقها نحو المكتبة بخطوات متسارعة و لكن قبل ذلك إستدرت أرمق السيد آريان أطلبه..
" إنتظرني هنا و سأعود قريبا لا تغادر... هناك شيء أريد أن أخبرك به أتمنى أن أجدك هنا عندما آتي !..."
تابعت السير في طريقي بنفس وتيرة السرعة أبتغي ملاقاتها و الإطمئنان عليها ، و لكن سرعة خطواتي إنخفضت فجأة بجحوظ عيناي لما خطر لبالي فجأة ...
قبل أربعة أيام أخبرتني أميليا أنها إستطاعت دفع فاتورة الكهرباء و الغاز و لكنها لم تستطع بعد دفع فاتورة الماء...
و بما أنها خسرت عملها إذا لم تستطع دفعها إلى الآن أليس كذلك ؟...
إذا كان الأمر كذلك ... فهذه معضلة !...
هذا يعني أنها لن تستطيع تجاوز نوبتها بسهولة أو أنها... إستعملت طريقة أخرى..
أرجوا أن لا يكون ما ببالي صحيحا !...
أرجوا أن لا يكون ما ببالي صحيحا !...
أرجوا أن لا يكون ما ببالي صحيحا !..
ظللت أرددها و أنا أجري بكل ما أوتيت من قوة أرمي جانبا أنوثتي و استحيائي نحو المكتبة و نبضات قلبي مضطربة بفعل لحظة الإدراك التي توصلت إليها...
المشكلة أنني لا أضمن أن أميليا لن تُقْبل على حركة كهذه... فنفسها لا تهمها و روحها التي بداخلها هي اللا شيء بالنسبة لها... لا يهمها إن كانت تتألم أو تجوع أو تفرح أو تحزن...
ماضيها سيطر عليها تماما و أدخل الرعب في قلبها حتى أصبحت لا تفرق بين الماضي و الحاضر و تظن أن نفس سيناريو طفولتها سيعاد قريبا...
أميليا تعيش بالماضي أكثر من عيشها في الحاضر... أو ربما هي ميتة في الحاضر !..
أصبحت جسد... بلا روح..
أنا لن أقوى على إعادتها للحياة بمفردي فأنا صديقتها منذ خمس سنوات و لم أستطع تغيير فكرة واحدة عندها...
و كأن أفكارها مطبوعة على عقلها... و هم من طبعوها...
وصلت إلى باب المكتبة القديمة ألتقط أنفاسي من شدة جري أحاول أن أستعيد ذاتي لكي لا أثير ريبتها و قلقها...
دخلت المكتبة أمر بين صفوف الكتب متجهة إلى ركن المجالس أتجول بعيناي بحثا عنها حتى سقطتا عليها و هي جالسة على أحد الكراس الدائرية تقابلني بظهرها و هي تسند رأسها على يدها منغمسة في إحدى الكتب لدرجة أنها لم تلمحني و لم تشعر بمجيئي...
أعرف أميليا لدرجة أنني أعلم أنها ستكذب علي إذا سألتها عما ببالي و تقول أن ما فكرت به خاطئا لكي لا أقلق عليها لذلك ... سأتأكد من الأمر بنفسي !..
سأفزعها و لكن لا بأس ... آسفة مما سأقوم به يا أميليا ...
إقتربت من ظهرها دون أن أشعرها بوجودي آخذ نفسا عميقا و في لحظة خاطفة كشفت عن ظهرها أتفحصه في لحظات لتقف صارخة تبتعد عني ترمقني بغير إستيعاب من فعلتي...
لقد فَعَلَتْهَا... كان ما ببالي صحيحا...تبًا!..
" إلارا ما الذي تفعلينه أفزعتني!.."
إفزعي تستحقين !..
قلت بنبرة و نظرات مهزوزة كادت أن تسقط ما تحمله من مخازن دموع جوفها أرفع سبابتي في وجهها و بيننا ما يقارب مترين...
" ظهركِ... لقد أحرقته أليس كذلك ؟.."
إرتخت ملامحها المشددة و الفزعة و أقبض على شفتاي محاولة كبت دموعي داخلي و أنا أسمع صوتها الداخلي من ملامحها الذي يقول سحقا لقد إكتشفت الأمر ...
نعم لقد إكتشفته... و لا أعلم كيف طاوعكِ قلبكِ لتفعلي شيئا كهذا لنفسكِ...
و لكنها فجأة ألصقت ملامح مستنكرة و مزيفة على وجهها تنوي بها تكذيبي مجيبة...
" لا أبدًا أنا..."
" لا تكذبي علي !"
صرخت عليها قاطعة كلامها أرمقها بحدة مما جعلها تطبق على شفتيها مرتخية الملامح لأهز إصبعي أضيف لكلامي بنبرة مرتجفة..
" لقد رأيته يا أميليا... أنتِ أحرقته أليس كذلك ؟..."
توارت بعينيها عني تتنهد لا تريد إبصار مقلتاي المهتزتان اللتان تلحان عليها على إجابتي...
إلحاحي عليها على إجابتي رغم أنني أسأل سؤال أعرف إجابته لا أنوي بهذا سوى شيء واحد ... و هو ما سأحصل عليه ..
" أجيبي!.."
" نعم !! "
صرخت بتلك الكلمة و هي تنسخ ملامحي على وجهها بنظراتها المهزوزة بطريقة جعلت قلبي ينقبض من شدة حدتها تقترب مني بخطوتين تضع يدها على صدرها تضيف لكلمتها تلك و أنا أشعر بالغصة التي تكونت على جعبتها تجعل من نبرتها نبرة مخنوقة...
" نعم يا إلارا... أنا أحرقت ظهري و أنا لست نادمة على ذلك!... كانت الطريقة الوحيدة... الطريقة الوحيدة لأوقف به إرتجافي و أكتم به الأصوات التي تتعالى برأسي... الطريقة الوحيدة لأغلق بها دفتر الذكريات الأسود الذي فتحه عقلي اللعين لي... نعم لم أجد الماء ففتحت ظهري أقابله للنار ليلفحه و يوقف طنين أذني.. كدت أجن يا إلارا أسمع أصواتهم و أرى وجوههم القذرة يذكروني بأيامي الملطخة بالدماء تلك.. نعم تألمت و توجعت بتلك النار و لكن ليس كوجع نزيف قلبي الذي أحدثته تلك النوبة ، فلو كان جسدي كله سيحترق لأوقف تلك النوبة لأحرقته و أنا لست نادمة على فعلتي و سأحرق ظهري و لو أعيد هذا الأمر لألف مرة هل إرتحت !؟..."
" بل أنتِ هل إرتحتِ!؟.."
قلتها بنبرة هادئة مما جعل من ملامحها ترتخي و ترمقني بتعب و قد فهمت غايتي من ضغطي عليها بسؤالي مما جعل عينيها اللتان هاج بحرها بهما تتشكل عليهما طبقة زجاجية مما جعلتهما تبرقان ...
غايتي كانت أن أجعلها ... تفرغ الألم الذي يتربع بداخلها و يضيق مجرى تنفسها ...
إقتربت إليها بخطوات سلسة أقف مقابلة لها لأضيف بنفس النبرة أرسم على وجهي إبتسامة حنينة متألمة ...
" ضغطت عليكِ قصدًا لتنفضي الغبار الذي يتربع على قلبك و يضايقه... أنا.."
" إلارا هل يمكنكِ ضمي قليلا !؟.."
فر مني نفس إبتسامتي أسحبها من يدها و أرميها في حضني أضع رأسها على كتفي و أضمها من عنقها أجتنب المساس بظهرها المحروق لتضُمني بقوة من ظهري و أشعر بدموعها التي تبلل كتفي...
بكاءها الصامت...
بكاءها الذي يخلوا من أي شهقة أو صوت حتى أنفاسها لا يُسمع بها أي أثر للبكاء مجرد دموع... و كأنه صنبور ماء مفتوح..
هذا بكاءها منذ أن تعرفت عليها.. بكاءها الخالي من الشهقات منذ خمسة سنوات أو أكثر قبل أن أتعرف عليها... و أظنه الأصعب!..
حتى عندما قصت لي عن ماضيها... لم تشهق !..
و كأن أنفاسها قد ماتت ... لدرجة أنها لم تعد تستطيع إخراج نفس حزين و بكَّاء من رئتيها كباقي الناس الطبيعيين و كأنها لا تعتبر نفسها منهم..
تستمر بالكتم و تكتم و تكتم و أنا خائفة جدا من اليوم الذي تنفجر بها...
أعلم أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أم آجلا و لكنه سيكون .. قاسي جدا ...
شعرت بقبضتها ترتخي من ظهري لتفصل عناقها عني شيئا فشيئا و تمسح بكم قميصها دموعها التي حمرت لها عينيها...
إبتسمت لها لأسحبها من يدها أقودها نحو إحدى الكراسي لترتاح قليلا من الضيق الذي تعيشه آمرها ..
" إجلسي... لدي مرهم للحروق في حقيبتي سأحضره و آتي..."
إتجهت نحو المحفظة لأخرج منها المرهم و أمسح خفية منها دموعي التي تجمعت في محجراي التي لا أريد أن تراني أو تشعر بهم..
بينما كنت أقوم بذلك خطرت ببالي لحظة إدراك لذلك الأمس عندما إلتقينا في هذه المكتبة - التي نعتبر بها الكتاب أو الرواية الناطقة - لم تسند ظهرها على المقعد رغم أنها وضعيتها المعتادة و تركت شعرها منسدل على ظهرها لتخفي أي شيء قد يظهر منه رغم أنها معتادة على رفعه بمشبك شعر أو تجدله على شكل ضفيرة...
شعرت أنها ليست بخير و أن شكلها في ذلك اليوم ليس معتادا أو طبيعيا و لكنني لم أهتم و يا ليتني إهتميت لأنها... كانت تتألم!..
رغم أنها كانت تضحك و تبتسم لي و لم تشد ملامحها أو تشعرني ولو بمقدار ذرة أنها تتألم ...
هي تجيد إخفاء مشاعرها الحقيقية و كأنها تخرجت من كلية المسرح... اليوم تعلمت شيئا مهما..
ليس كل من يضحك سعيد !..
إتجهت نحوها أحمل المرهم في يدي و قد تأكدت من أن الكاميرات مغطاة بالكتب التي كنت قد غطيتها منذ أن أصبحنا نلتقي بها أنا و أميليا لإخفاء صداقتنا ...
في الأصل هذه المكتبة لا يتم مراقبتها كثيرا كونها مكتبة قديمة و لا يقبل إليها الطلاب بتاتا...
جلست وراءها لآخذ الطرف السفلي من قميصها و أرفعه أكشف بهذا ظهرها و كان...سيئا جدًا... سيء أكثر مما توقعته و مما رأيته في تلك اللحظة...
جلد متقرح شديد الاحمرار من الأطراف أما في المنتصف مسامات بارزة حمراء تميل للسواد و فقاعتين مملوءتين بسائل شفاف ..
أنا لا أفهم... كيف إستطاعت فعل هذا ألا تتألم؟..
وضعت بعضا من المرهم في يدي و إبتديت بالاطراف أدلكها بشكل سلس لألاحظ شدها لقبضتها فأتأكد بتشدد ملامحي..
" هل آلمتكِ؟.."
" لا بأس !"
لا بأس...
يعني تتألم و لكنها لا تهتم !..
هذه الفتاة ستجلطني من عدم مبالاتها بمشاعرها و أحاسيسها و كم أتمنى أن أضغط على حرقها بكل ما أوتيت من قوة لأعلمها كيف تهتم بألمها...
و لكنها في نفس الوقت صديقتي و ألمها هو ألمي و كم أتألم لمظهر ظهرها الآن فما بالك بها و هي تشعره...
لا تسمح لأحد بأن يشفق عليها و لا تشفق على نفسها..
علي أن ألهيها بالكلام كي لا تركز على ألمها حين دهني للمرهم عليه لذلك سألتها سؤال أبتغي به معاتبتها فيما بعد...
" أميليا.."
همهمت لي لأكمل و أنا قد بدأت أنتقل قليلا إلى الوسط بخفة كي لا أؤلمها..
" هذه النوبات لم تكن تحدث معكِ من قبل أليس كذلك؟.. كنتِ تخبرينني أنه يضيق صدركِ و ينقطع تنفسكِ و ترتجفين و لكن نوبة بها لقطات ماضي... هذا جديد أليس كذلك؟.."
" بلى ... إنها المرة الأولى... و الأوجع!.."
أميليا...
أتمنى أن تكون الأخيرة أيضا... و لكن لا يمكن... لا يمكن أن تكون الأخيرة ما دامت تصر على عدم علاجها أو زيارتها لأي طبيب...
أعلم أن عنادها أكبر مني و منها و من فلاديفوستوك و من روسيا كلها و لكن لأحاول... ليس لدي ما أخسره..
" ألا تلاحظين أن مرضكِ يتطور يوما بعد يوم !؟... في البداية كان توتر فقط ثم أصبحتِ ترتجفين ثم تختنقين و الآن نوبات تغزوا عقلكِ ، أميليا مرضك بدأ يصبح شيئا آخر و كأنه وسواس قهري أو إنفصام ... أميليا أرجوكِ أتوسل إليكِ لنذهب إلى عيادة نفسية لنزر طبيبا قومي بجلسات نفسية لا يهم المهم هو أن تتعالجي أنتِ حقا.."
" يا ترى... لو سمحت لهم أن يأخذوني إلى مستشفى الأمراض العقلية يومها... كيف كانت ستكون حياتي؟.. هل ستكون أفضل من هذه أم نفسها أم أسوء !؟... ربما ما كانت ستُسفَكُ الدماء..."
أنا ماذا أقول وهي ماذا تقول!...
إشتد غضبي من محاولتها الهرب من الموضوع أطلق نفسا أنفس به عن غيضي...
و لكنها جعلتني أفكر... لو أنها سمحت لهم أن يأخذوها إلى المصحة العقلية و لم تهرب ربما وقتها ... ماكانت سنلتقي مع أولائك المجرمين و ما كانت تلك الدماء ستسفك..
و لكنها كانت ستذهب ظلمًا !..
لم تكن مريضة وقتها و رغم أنها أخبرتهم أنها بخير و أنها لم تفعل تلك الفعلة لنفسها و لكنهم... لم يصدقوها !..
تبًا لها كيف تجيد الخروج من الموضوع و الهروب من كلامي ؟.. و لكنني لن أسمح لها...
" لا أعلم ... و لكن ما أعلمه أنكِ تحتاجين إلى العلاج حاليا يا أميليا... ما حدث حدث هذا قدر لذلك لنركز قليلا على الحاضر ، أنتِ..."
" حسنا.."
قالت و هي تقطع كلامي ليتوقف يدي عن دهن ظهرها أطرف بعيناي غير مصدقة ...
مستحيل أن تكون قد قبلت بهذه السرعة أليس كذلك!؟..
لا مستحيل كان وهما هي لم تقل حسنا أو قالته لموضوع آخر ، إبتغيت التأكد و لكنها قاطعتني مجددا تتهد و تخرج نفسا عميقا و كأنه الهواء الملوث الذي كان بداخلها لتضيف لكلمتها...
" حسنا... سأجد عملا في أسرع وقت و عندما أجمع المال سأتوجه إلى العيادة و أدخل في جلسات نفسية أعالج بها روحي..."
أنا... أنا لا أصدق !...
هذه ليست أميليا ... أميليا عادة حتى لو إستمريت في إقناعها أربعة و عشرون ساعة لن تقتنع حتى و لو دفعت لها ذهبا !..
تركت ظهرها أقف أمامها أضع يدي على رأسها و وجنتيها أتفحصها..
" لا توجد حرارة... هل الحرق أثر بكِ يا أميليا أم ضربكِ أحد على رأسكِ و أنا لا أعلم ... هل أنتِ بخير يا أميليا !؟.."
أمسكت يداي تنزلهما عن وجهها و هي تتوارى بعينيها عني..
هي تريد قول شيء و لكنها مترددة... أعلم حركاتها هاته... إذا هناك سبب جعلها تقبل العلاج بهذه السرعة..
" أريد أن أكون قوية و أتخلص من نقطة ضعفي إلى اليوم الذي أواجههم به!.."
ماذا !؟..
لا هذه الفتاة لن تجلطني فحسب بل ستسبب لي نوبة قلبية !...
نكزتها من كتفها بملامح منزعجة من كلامها أرمقها بحدة و أرفع سبابتي في وجهها محذرة لها ...
" كم مرة أخبرتكِ أن تبعدي تلك الأفكار عن رأسِك !؟.. أنتِ لن تذهبي إليهم و لن تختلطي بهم و لن تري وجوههم مرة أخرى!
أميليا حاولي قدر المستطاع أن لا يلتقي طريقكِ بهم..."
" و هل تريدينني أن أبقى بهذه الحالة أموت يومًا بعد يوم من تعبي لملاحقتهم لي و خوفي من إيجادهم لي و إيذائي بكِ و بكل من عرفتهم!؟... إلارا أنا تعبت إختنقت لم أعد أستطيع التحمل وصل معي الأمر إلى حد لا يطاق و أنا أنتظرهم أن يهجموا ... بما أنهم لن يهجموا فليحتفظوا بأسلوب الدفاع لأنفسهم لأنني أنا من سأهجم هذه المرة و إذا كانت ستسفك دماء في آخر المطاف لتكن دمائي و لأغسل بها دماء أحبتي و الأبرياء التي سفوكها!.."
لا يا أميليا... إلا دماءك !..
أنا خائفة... خائفة من الأيام القادمة إذا كانت ستطبق أفكار عقلها ... أخاف عليها مما ستواجهه وقتها ، هي مصرة على هذا الموضوع و لا تنوي المناقشة به أكثر...
أميليا مصرة على إقامة القيامة!..
هي لن تتوقف ... و لو ضربت بألف سهم وراء ظهرها هي لن تتوقف إلى آخر قطرة من
دمها و ستمضي بهذا الطريق الأسود و عينيها مغمضتين لا يهمها ما ستفقده و لا يهمها شيء الشيء الوحيد الذي يهمها هو ... الإنتقام!..
و لكنها غير موقنة مع من تلعب... و علي تذكيرها..
" أميليا هل أنتِ مدركة مع من تلعبين!؟.. أعلم و أوقن كم تتألمين و لكنكِ تندفعين إليهم بدافع الغضب... أنتِ تلعبين مع خارجين عن القانون هل أنتِ .."
" هم خارجون عن القانون و أنا داخلته... سأضم الشرطة و الدولة و القانون إلى صفي ثم سأهجم عليهم بهذه القوة، لم أصبح محاميةً عبثا..."
قالتها لتتنهد بعدها و هي تلعب بأصابعها و تطرطقهم حسرة..
آلمتني جملتها الأخيرة كثيرا و أنا أوقن أن ألمها بها أكبر..
أميليا لم ترد يوما أن تصبح محاميةً و لكنها كانت مضطرة لهذا من أجل خطتها... دائما ما كانت تريد أن تصبح طبيبة نفسية و تعالج الأرواح و هذا الحلم بقي حسرة في قلبها و أنا أرى ملامحها هاته كلما كانت تقرأ كتب علم النفس...
كانت تريد أن تصبح طبيبة نفسية أصبحت تحتاج إلى طبيبة نفسية..
يال فظاعة الحياة..
لم أجد ما أقول بعد كلامها ذاك فهي قد كرست حياتها من أجل تنظيف تلك الدماء المنهمرة التي تشعر و كأنها دين على رقبتها ...
عدت لأجلس وراءها لأكمل ما تركته ناقصا لأدهن ظهرها و قد وصلت إلى تلك الفقاعات لأضع المرهم عليها بخفة خشية فرقعتها و إيلامها...
تذكرت شيئا...
" أميليا ... منذ متى تعرفت على خالتي فيرا !؟.."
أخدت نفسا تعدل من جلستها و كأنها تتجهز لقول شيء مهم...
" تعرفت عليها البارحة... كان قد أغمي عليها أمامي في البقالة ..."
" ماذا !؟..."
جحظت عيناي بعد كلامها و أنا أرمقها بغير تصديق...
هل خالتي...أغمي عليها!؟..
" لا تقلقي هي بخير الآن.."
لا أظن أنها قد طمأنتني كثيرا بعد كلمتها هاته و لن أطمئن حتى أراها بعيناي..
و لكن ما أريد معرفته الآن هو مقصد آريان من قوله أن خالتي تكلمت بفضل أميليا... ما الذي فعلته و لم نستطع نحن فعله منذ بداية السنة..
" حسنا ما الذي حدث بعدها!؟.."
" رافقتها إلى المستشفى بعدها إستيقظت و كانت بخير و تركتها مع إبنها.."
" لا تقولي له في وجهه أمك لأنه سيغضب كثيرا !.."
قلتها بعدما غطيت ظهرها بقميصها بعد أن أنهيت عملي، سحبت كرسيا لأجلس أمامها فأرى ملامح الإستغراب في وجهها من كلماتي المشفرة تلك..
" هو إبنها بالتبني !.."
إتسعت عينيها ترفع حواجبها بغير استيعاب من هذه المعلومة لتتوارى بمقلتيها عني تفكر و كأنها تربط كل الخيوط ببعضها...
لما بدت لي و كأنها بالغت في ردة فعلها و كأنها... تعلم شيء لا أعلمه؟..
لتعيد تصويب مقلتيها إلي تستفسر..
" إذا لما هو مصر إلى هذه الدرجة على أن أعمل ببيته و أكون ممرضة لامرأة لا يناديها بأمي حتى رغم أنه قالها عندما تكلم معي أكثر من مرة !؟.."
" هو يحب خالتي و له فضل كبير عليها ولكن... هو لا يناديها بأمي و لا أعلم لما رغم أنه كان ينادي لزوج عمتي و آيلا قبل وفاتهما بأبي و أختي، أظن أن الأمر متعلق بماضيه... لحظة لحظة... ما الذي قلته !؟.."
هل قالت أن السيد آريان طلب منها أن تعمل في بيته!؟... و ممرضة لخالتي أيضا!..
أتذكر أنه يعلم أنها محامية لما قد يطلبها أن تكون ممرضة لخالتي بينما يستطيع أن يحضر ألف ممرضة متعلمة لها؟..
أتذكر أنه قد أحضر ممرضات من قبل و لكنهن لم ينفعن أو يفرجن عنها شيئا...
مهلا ...
هو قال أنها تكلمت بفضلها... إذا هو يأمل منها أكثر و يريد أن تخرج خالتي من إكتئابها ذاك..
إذا هو لا يريد أن تكون ممرضة ... بل يريد أن تكون ...
قاطع حبل أفكاري إخراجها نفَسُ ضحكة ساخرة و متألمة و هي لازالت تلعب بأصابعها...
هذه الحركة تقوم بها عندما تريد أن تسخر من نفسها و مما تعيشه و لكن في جوفها ألم مما تقوله..
" هل تعلمين اليوم قد قدم لي عرضين للعمل !.. أولهما قدمته لي السيدة فيكتوريا نفسها !.."
ماذا!؟...
إتسعت عيناي مندهشة أرفع حاجباي لتومأ لي تؤكد لي ما سمعته...
السيدة فيكتوريا نفسها قدمت عرض عمل لأميليا!؟..
يال الروعة...
" عرضت علي أن أكون محامية لشركتها.."
" قولي لي أنكِ قبلتِ!؟.."
قلت و أنا أأمل أن تجيبني بما أريد أن أسمع لأن الفرصة التي قدمت لها لن تعوض أبدا و لكنها إبتسمت إبتسامتها المتألمة تلك التي ترمي بها كل آمالي و قد علمت منها أنها ... لم تقبل!..
" قبلت في البداية و لو تعلمين كم فرحت و أنا أرى المستقبل المنير الذي ينتظرني و لكن ذلك النور إنطفأ بكلمة واحدة... و هي مقر تلك الشركة... إنها موسكو يا إلارا.."
لم أعد أستطيع أن أصف ملامحي أكثر لأنها تلعب بهم بين أصابعها بكلماتها...
موسكو...
كابوس أميليا... مدينة بداية كل شيء سيء بها و مدينة الدم بالنسبة لها...
أنا أفهمها و لو كنت في مكانها لما قبلت حتى و لو أعطي لي حقيبة من الذهب!..
ضميت يدها في كفاي أحاول مواساتها بعدما مسحت بسرعة الدمعة الصامتة التي خانتها و سقطت على وجنتها دون إحساس منها...
" و العرض الثاني هو العرض الذي عرضه علي إبن خالتكِ ... أحسست وقتها و كأن الحياة تؤكد لي أنني سأبقى في نفس النقطة مهما تقدمت و سأعمل أعمالا مذلة كالعادة من منظفة إلى موزعة شاي على العمال ثم غاسلة أواني و الآن... ممرضة !.."
" دعيني أعدل لكِ وجهة نظركِ!.."
عدلت جلستي و أنا أبتسم لها و في وجهها علامة الإستغراب من كلامي...
" الحياة لم تعطِكِ مهنتكِ... و لكنها أعطتكِ حلمك!.."
" ماذا تقصدين !؟..."
" ذلك الولد و كأن لديه مشكلة إذا قال كلاما مفهومًا... هو لا يريد منكِ أن تكونِي ممرضة بل يريد منكِ أن تكونِي طبيبة نفسية لخالتي !.."
رأيت في وجهها الدهشة من كلامي و سعادة صغيرة إستطعت أن ألمحها من لمعان عينيها....
هذا ما أريده.. سعادتها !..
أضفت إلى كلامي و أنا أطمع في إبتسامة تزين وجهها بعدما تورمت وجنتيها من دموعها المنهمرة عليها..
" هو قد أخبرني أنها تكلمت بفضلكِ و نحن نطمع في أكثر من هذا يا أميليا ... هي إكتأبت و لم تنطق منذ حادث سير الذي توفي بها إبنتها و زوجها .."
و لكنها سرعان ما تلاشت بتقوس حاجبيها مستغربة و منصدمة، ألم تكن تعلم هذه المعلومة!؟..
" هل توفيت إبنتها و زوجها في نفس اليوم؟.."
" نعم .. كان حادث مرور في بداية العام و كانت خالتي بذلك الحادث ، وقتها آيلا توفيت في موقع الحادث أما السيد ديمتري بقي لنصف يوم في العناية المركزة ثم توفي أما خالتي بقيت في العناية المركزة ليومين و عاشت و لكنها و كأنها عادت... جسد بلا روح... أما آريان فلم يكن بالحادث بل كان في الشركة.."
ظني كان في محله... هي لا تعلم بهذه القصة من ملامحها المنقبضة تلك...
سادت دقائق صمت بيننا و كأنه لحَّقِ تلك الأرواح الراحلة في كلامي لتقطع ذلك الصمت نبرتها الهادئة...
" و لكنني لست طبيبة نفسية يا إلارا.."
" لا تفعلي يا أميليا... أنت من كثر ما تقرئين كتب علم نفس لو تتوجهين الآن إلى كلية ذلك العلم و تعرضي عليهم ما تعرفينه سيعطونك شهادة دون دراسة و يجعلونك أستاذة هناك !.."
" لا أريد أن أعمل في منزل به رجل مثل آريان يا إلارا.."
" لا تقلقي لن تلتقي طرقكم كثيرا هو في فترة عملكِ يعمل في شركة عطوره و عندما يعود ستكونين قد أنهيت عملك.."
" شركة عطوره !؟.."
فتحت فكي و أنا أكاد لا أستوعب أنها لا تعرف آريان من قبل ..
" لا تقولي أنكِ لا تعلمين شركة فلاديميرسكايا للعطور !.."
" بلى أعرفها.."
" هي شركته ... ورثها من أبيه !"
" ماذا!؟ "
كاد فكها يسقط أرضا من شدة إندهاشها من هذه المعلومة...
لا أعلم لما رأيت تجاذب غريب بينهما ... كل طرف منهم يهتم و يندهش لمعلومات الآخر و كل واحد منهم يقوده فضول للآخر...
و لكن ما أعلمه هو أن أميليا فضولية كثيرا إتجاه كل شيء و إتجاه كل معلومة ، لا تستطيع أن تجلس مقابلة لشيء معرفتها به ناقصة..
دائما ما تحب أن تنظر إلى الأشخاص بظاهرهم و مكنونهم ، لا تحكم على إنسان من النظرة الأولى أبدا حتى تراهم كليا بما يبدونه و بما يخفونه...
ربما هذا فضولها فقط الذي جعلها تسأل و تنصدم لأي شيء تعرفه عنه ، ربما قد رأت نفسها أنها حكمت عليه من اللقاءات الأولى و أنها لم تعطه فرصة ليعبر عما بجوفه..
و كأنها ستعطيه...
لأعرفها عليه أكثر...
" هو قد تخرج من قبل رجل أعمال و الآن هو يدرس في هذه الجامعة التخصص الثاني أدب إنجليزي... و عندما توفي السيد ديمتري ورث منه الشركة و هو يسيرها الآن "
أشاحت عينيها عني و هي لا تكاد تستوعب ما أقوله و تحاول أن تجمع كل النقاط و تربطهم في مكان واحد و لكن دون جدوى...
دائما ما أشعر أن آريان يخفي الكثير من الأشياء وراء صمته المعتاد ، الخمس سنوات التي عاشها قبل أن تتبناه خالتي لا أظن أنها مجرد خمس سنوات فحسب...
أشعر و كأنها شيء أكبر بكثير...
" هل تحبين خالتك إلى هذه الدرجة يا إلارا؟.. لم أعتدكِ تتعلقين بشخص هكذا و لم تحدثيني عنها من قبل.. أشعر و كأن لكِ فضل عليها..."
فرت إبتسامة مني و أنا أتذكر كل الأيام الجميلة التي قضيتها معها و كيف تستمر في محاولة سحبي من المستنقع الذي أسقطوني به...
من يراني عن ماضي أميليا و كيف أتكلم عنها يقول و كأن ماضي أنا ملون بكل الألوان الباردة...
أنا فقط أحاول أن أنسى ماضي بالتركيز على أميليا لأنني عندما أرى طفولتها و ما عاشته أرى أن ما مضى علي أهون مما مرت به..
" كما تعلمين... أنا فتاة إستيقظت في الصباح عندما كان عمرها خمسة عشر تبحث عن والديها في أرجاء منزلها... و لكنها لم تجدهم !.. لم تجد سوى أخيها ذو العام من عمره نائم في سريره ..."
أمسكت يدي تقبض عليها لأرى ملامح الإستياء في وجهها تفتح شفتيها لتقاطعني و لكنني سبقتها بذلك قائلة...
" لا تقاطعيني !.."
أعادت إطباق شفتيها لآخد نفسا عميقا أحاول تحرير الغصة التي تحجرت في حنجرتي أضيف...
" أجد ظرفا بجانبه فأفتحه... و إذ بهما إنفصلا و تركانني أنا و أخي في المنزل لوحدنا يريد كل واحد منهم أن يعيش بعيد عن الآخر و عن أي شيء يتعلق بالآخر و كنا نحن ضحايا قرارهم !.."
دمعة ساخنة تنزل على وجنتي تحرق لي محجراي و تغسل رموشي لتظهر إبتسامة متألمة في وجهي و كفا أميليا لا تفارقان يدي و تضغط عليها تواسيني بحركتها هذه...
" هل تعلمين ما المؤلم بكل هذا !؟.. أنني وجدت بضع أوراق نقدية على المنضدة مكتوب على الرسالة أن أتدبر أمري بهم و أنه سيرسل لي كل شهر نفس المبلغ !.. يظنون أن المال هو كل شيء !.. لا يعلمون أننا لازلنا نحتاج إلى الإهتمام و الحب كوننا أبنائهم ، لم تهتم تلك الحقيرة عن إبنها الذي لازال يحتاج إلى حليبها.. تركته لي و أنا في عمر الدراسة حتى أنني فكرت في تركها في إحدى المرات ، كم بكيت معه و كم حاولت أن أملأ له نقص الأم في حياته و كم تعاملت مع نوباته إلا أنني أحببته... أحببته لأنه كان الشخص الوحيد الذي يفهمني و يسمعني الوحيد الذي كان يؤنس لي وحشتي و يملأ ذلك المنزل بصوته الصغير ذاك الذي كان يمتلأ بصوت شجاراتهم ، الناس ترى أن بكاء الرضاع مصدر إزعاج و لكن بكاؤه كان ما يحيي تلك الجدران الميتة ... و بعد عامين من تلك الحال عندما إتصلت بها و أخبرتها أنه مصاب بالتوحد ماذا قالت لي ؟.. بسببكِ!"
لا أعلم لما تذكرت هذا و لما أبكي إلى هذه الدرجة الآن ..
و لكنني شعرت براحة بعد أن تكلمت رغم أن هذا الأمر قد قصيته عليها.. شعرت و كأن تراكم السنين جعلني أحتاج إلى الإفصاح عن ألم قلبي مرة أخرى...
لأن ألم العائلة...ألم لا يشفى..
مسحت ما تراكم من الدموع على رموشي أقضم وجنتي داخليا و أنا أتذكر الموضوع الأساسي و الذي لا تعلم عنه أميليا...
" خالتي لم تعلم عن خروج أمي من المنزل إلا بعد سنتين كونها ليست على وفاق معها و كوني إستطعت إخفاء الأمر عليها إلا أن جاء ذلك اليوم الذي علمت به... وقتها أصرت على أن أنتقل للعيش معها بل أجبرتنا إلا أن تيمور كونه مصاب بالتوحد لن يستطيع تغيير منزله و الدخول إلى منزل به شخصيات لم يعتد عليها.. حينها تفهمت الأمر و لكن منذ ذلك اليوم لم يمر يوما إلا وهي قد جاءت إلى منزلنا رغم إرهاقها و تعبها من العمل كونها مالكة حضانة أطفال... تأتي و تطمئن علينا و ترى ما ينقصنا حتى مع مرور الوقت إستطاع تيمور أن يعتاد عليها و يلعبان معا طوال الوقت حتى أنها إستطاعت تهديته في إحدى نوباته ، و خالتي إستطاعت أن تعوض لي حنان الأم الذي إفتقدته في تلك الفترة ... أنتِ أخبرتني هل أحب خالتي إلى تلك الدرجة أليس كذلك ؟.. نعم أحبها لأن خالتي هي فضل كل الدنيا علي ، هي أمي و أختي و صديقتي و كل شيء في حياتي هي أكثر شخص طيب في العالم هي المرأة التي لا مثيل لها، هي عوض الدنيا لي ! .."
أنهيت كلامي لأرى الإبتسامة الواسعة التي على وجهي و وجهها و هي ترى سعادتي لمجرد كلامي عنها...
إشتقت إلى روح خالتي كثيرا!..
سرعان ما نزعت يدي عن كفيها لأقلب الأمر و أن أمسك بيديها أتوسلها..
" أميليا ... خالتي لم تعد تأتي إلى منزلي بعد ذلك الحادث و حتى عندما زرتها لم تقبل رؤيتي ، أرجوكِ إذا كنتِ أنتِ الأمل الوحيد في عودة روح خالتي فكوني أملها و أملي ... إقبلي عرض عمل السيد آريان من أجلي أنا و تيمور و أحلامك و من أجل خاطري يا أميليا!..."
تأففت بعدما أدرت الأمر عليها تبعد ناظريها عني و كادت تنزع يديها عن يداي لولا أنني شديتهما لتوقع مقلتيها علي مرة أخرى مستغربة من حركتي لتتصلب عينيها على عيناي اللتان أخدتا دور القطة في التوسل ...
أطلقت ضحكة خافتة من حركتي تلك لتخفي إبتسامتها بيدها و أنا آخد نفس الضحكة على شفتاي أقول ...
" أرجوكِ ... أتوسل إليكِ..."
" حسنا... سأفكر في الأمر !.."
كدت أقفز من شدة الفرح رغم أنها قالت جوابا مشكوكا..
و لكنني أعلم أميليا... لن تردني أبدا بعد أن علمت أن الأمر حساس بالنسبة لي ، رغم أنني أعلم أنها ستبقى طوال الليل و هي تفكر في الأمر و لكن النتيجة واضحة..
مهلا...
لقد نسيت السيد آريان!..
أخبرته أن ينتظرني و أنا لي نصف ساعة مع أميليا جالسة هنا !..
عندما يتعلق الأمر عن دردشتي مع صديقتي المفضلة أو كتابي المفضل فأنا أنسى العالم كله..
وقفت سريعا على رجلاي مع حيرة أميليا من إستقامتي بتلك الطريقة لتسألني بنظراتها..
إذا كذبت عليها مرة لن يحدث شيء أليس كذلك ؟..
" لقد تأخرت على تيمور يا أميليا.. نلتقي غدا لتخبريني عن قرارك ... مع السلامة "
" إنتبهي على نفسكِ.."
ردتها لي...
توقفت بعدما ظهرت إبتسامة خفيفة على وجهي لأكمل طريقي نحو الخارج...
أخبرت أميليا عن آريان... و الآن دور آريان لأخبره قليلا عن أميليا...
في الحقيقة هو شيء قليل عن أميليا و لكنه كثير بالنسبة لها... ستذبحني و لن تتكلم معي طول حياتها إذا علمت أنني أخبرته عن شيء حساس كهذا له..
و لكنني مجبرة !.. علي أن أضمن سلامتها في عملها لذلك سأخبره... و ليحدث ما يحدث..
و لكن هناك شيء محتارة عليه كثيرا... السيد آريان ما هدفه من جعل أميليا تعتقد أنه شخص وضيع و منحرف!؟.. و ما غايته من تلك الحركة التي قام بها معها رغم أنه شخص محترم ؟..
أكثر شيء جعلني لا أستوعب كون آريان هو نفسه الذي تتبع أميليا هو هذا...أعلم أن السيد آريان عندما يغتاض يبحث عن متحرش و منحرف فينقض عليه و يفرغ عليه كل جله فكيف هذا اذا كان منهم !؟..
إذا كان هذان الشخصان نفسهما آريان!؟.. فأيهما الأصلي!؟..
لقد شوش لي تفكيري كثيرا ، لأتجه مباشرة لمنزلي لأنني لا أظن أنني سأجده هـ ...
لا أصدق...
هل إنتظر كل هذا الوقت بكلمة مني فقط !؟..
آريان معروف أنه قليل الصبر فماذا عن صبره الآن و هو قد إنتظر لأنني أخبرته أنني سأعلمه بشيء يخص أميليا !..
إقتربت إليه و أنا أرمقه بدهشة ليلمحني و هو يقفل هاتفه الذي كان منغمسا به ليقف يقترب مني يضم ذراعيه لبعضهما يبرر بنبرته الحادة تلك...
" كان لي إجتماع هنا لو لم يكن لذهبت منذ أول دقيقة!"
حسنا... فهمت و لكن لما القسوة!؟..
نسيت للحظة أنه عضو في مجلس المساهمين هنا...
وقفت بجانبه أضم ذراعاي أنا الأخرى لصدري أرتب كلماتي لأسردها له..
لحسن الحظ أننا الآن في الجهة الغربية و المخرج من الجهة الجنوبية.. لن تلتقي أميليا بنا حين خروجها و لن تكشتف خطتي...
" لقد أخبرتني أميليا أنكَ عرضت عليها العمل كممرضة لخالتي... لقد أقنعتها و أنا متأكدة أنها ستخبرني غدا أنها قبلت.."
" لم يكن هنالك داعٍ فقد فات الأوان و استعملت طريقتي !..."
طريقته؟..
عن أي طريقة يتحدث !؟ ...
و لكن أي كانت فهي لا تبشر بالخير من ملامحه المستفزة المرسومة على وجهه الآن..
ما الذي يخطط له و على ماذا ينوي؟..
" عن أي طريقة تتحدث !؟.."
" لا شأن لكِ !"
صبر... صبر..
حقا إذا وقعا هذا الإثنان في بعضهما فهذا أفضل شيء لأن كل واحد منهما أعند من الآخر و كل واحد منهما مستفز أكثر من الآخر...
تأففت منه لأتوارى بمقلتاي عنه و أنا أحاول أن أجد أي طرف خيط يقودني لمقصده في عقلي..
و لكن ما وجدته هو السبب الذي جعلني أطلبه في أن ينتظر...
كنت أريد أن أخبره بهذا لأنني وجدت أن طرقهما تلتقيان كثيرا و الآن ... لأنها ستعمل عنده...
أخدت نفسا عميقا و أنا أتجهز لأخبره بسر... صديقتي !..
أنا آسفة...
" بما أنها ستعمل في منزلكَ عاجلا أم آجلا إذا سأخبرك بالشيء الذي جعلتك تنتظر من أجله .."
" تكلمي!.."
إحمد ربك أنك إبن خالتي و إلا كنت قد صفعتك صفعة تلف وجهك لأسلوبك المستفز هذا ..
أعلم أنني أتكابر الآن لأنني لن أتشجع لهذا أبدا لملامحه المتشددة تلك وأتذكر أنني كنت أخافه منذ صغري ، فقط أميليا من ستستطيع مواجهته لإعتيادها على هذه الملامح المرعبة..
أخدت نفسا عميقا أنبس...
" أميليا مصابة بـ... هيتاروفوبيا - رهاب الجنس الآخر-..."
وجه ناظريه في صدمة و إنقباض حاجبيه يرمقني بغير استيعاب لأطلق تنهيدة طويلة متأسفة ...
نعم ... مع الأسف !..
هذا ما شخصها به طبيبها النفسي عندما زارته لأول مرة و آخرها..
هيتاروفوبيا... المرض الذي يزامن أميليا منذ عمر الخامس عشر ، المرض الذي بنِيَّ بجدار الخذلان و الخوف و الدماء ، الذي منعها من أن تخطوا أي خطوة للأمام و هو يقيدها بالماضي، الذي يذكرها بكل صغيرة و كبيرة عاشتها الذي جعلها وحيدة طول عمرها و الذي يكبر كل يوم في جوفها متحولا إلى وحوش نفسية أكبر من مجرد رهاب الجنس الآخر...
هي تظن أنه حماية لها و لكنه في الحقيقة... مدمرها!..
مددت مقلتاي إليه لأجد أن ملامحه لا زالت تحتفظ بالصدمة و قد تيقنت أنه يربط الأحداث من نوبتها بعد لمسه لها و سؤالي الصادم له بملامحي الخائفة...
أضفت لحديثي و أنا أدخل خاتمي في إصبعي و أخرجها قاطعة للروضة التي برأسه..
" أنا أخبرتك بهذا لتجتنب الإقتراب منها و البقاء في دائرة واحدة معها، ألم تقل أنك عندما لمستها ضاق نفسها و صارت تتوتر و ترتجف؟... تلك أعراض المرض! تتوتر من كل إقتراب من جنسكم و ترتجف و تضطرب من كل لمسة منكم!.. حتى أنها تشمئز منكم و لا تستطيع البقاء معكم في محيط واحد و لو بيدها لأنشأت عصابة تقتل بها جنسكم، المانع الحقيقي الذي يجعلها لا تريد العمل في بيتك هو... أنتَ!.هي لا تستطيع العمل في منزل به رجل يا سيد آريان... !"
ليس بوسعها...
لدى أميليا فكرة موشومة على عقلها و هي أن الرجال كذابين محتالين عباد لشهواتهم يستصغرون قوة النساء ليظهروا قيمتهم و قوتهم...
تعتقد أن الجنس الذكري هم شياطين الأرض على هيئة بشر رغم أنها تعلم أن هذه فكرة عقيمة و لكنني لا ألومها...
لا ألومها في تفكيرها هذا على حسب ما عاشته و تلقته منهم...
" لماذا !؟"
قاطعني سؤاله و أنا أرمقه أفكر بما سأقوله له ، لا أريد أن أفصح عن شيء آخر له لذلك قلت بحدة..
" صدمة طفولة... لن أخبرك عن شيء آخر !"
" إتبعيني!.."
قاطع تفكيري أمره بنبرة حادة و هو يقبض على يده حتى إبيضت يتجه نحو المخرج ..
ما الذي يقصده بكلامه!؟.. إلى أين أتبعه!؟..
" إلى أين!؟"
" تسألين كثيرًا!.."
أعلم... هذا طبيعي و لكنك لست طبيعي لذلك لن تفهمني !..
تابعته لأجده يتجه نحو المخرج يخرج الهاتف من جيبه و هو يجري مكالمة..
إلى أين ينوي أخدي؟.. ما الذي يريده مني و ما ردتُ فعله هذه!؟..
خرجنا من باب الجامعة لأجده يصعد إلى سيارته السوداء الفخمة تلك لأتوقف في مكاني و أنا لا أعلم ما يريده؟..
هل أصعد !؟..
جلس على مقعد القيادة بعد أن أغلق هاتفه ليرمقني من سيارته بنظرات تطلق الشرر لأتوجه دون وعي مني من خوفي أجلس بالمقعد الخلفي..
ليتني أستطيع أن أُصعِدَ تيمور في سيارة كهذه لأحقق له حلمه كونه يحب هاته السيارات..
أشعر و كأنني أسيئ له بركوبي بإحدى سيارات أحلامه من دونه..
إرتعبت فجأة من إنطلاقته تلك مسرعا و كأنه يسابق الزمن...
ما باله أنا لا أفهم شيئا و لا يمكنني إستيعاب شيئا من تصرفاته!..
لنرى ما سيحدث... ليكن خيرا !..
♧بعض الأسرار تفضح لتجد من يهتم و يكتبها قصة♧
Amilia_mimi