تَهدِيدات فِي الظِلال

تَهدِيدات فِي الظِلال

17 0

زفرتُ بغضب غير مصدقة هذا الرجل، هل يهددني الآن؟ من يظن نفسه ليجرؤ على تهديد قاضية في المحكمة العليا؟ ضحكتُ بغضب، وأقتربتُ منه قائلة: "أسمع يا سيد، لا أظن أن تهديد قاضية هو أمر جيد لك. لما؟ لأنك سينتهي بك الأمر خلف القضبان." قلتُ وأنا أفرض نفسي عليه. نظر إليَّ وكانت واجهته هادئة، لكن خلف هذه الواجهة كان الجو يغلي تحت السطح كما لو أرادَ خنقي لكنه أمتنع. ابتسم بتكلف. "سنرى من سيكون المتضرر من عدم استماعه للآخر." قال بنبرة واثقة هادئة جعلتني غاضبة. كيف له أن يتحلى بكل هذه الثقة؟ تركني ورحل، تاركًا كلماته تجعل الجو مُعلقًا بالتوتر والخطر. شعرتُ بأن ثقتي ستهدم لوهلةٍ. كانت أصوات خطواته ترن في أذني حتى اختفت. هاجمتني أفكاري كإعصار بعد رحيله. كلماته كانت كفيلة بزرع قلق لم أكن مستعدة للاعتراف به. من يكون هذا الرجل ليقف أمامي بكل هذه الثقة؟ هل هو مجرد مغرور آخر يظن أنه فوق القانون؟ أم أن هناك ما هو أعمق؟ عدتُ إلى مكتبي، لكن لم أستطع التركيز. الأوراق أمامي بدت مجرد فوضى من الكلمات، وعقلي ظل يعيد المشهد، يحلل كلماته، تعابيره، نبرة صوته. رن هاتفي فجأة، جعلني أرتجف للحظة قبل أن أتنهد والتقطه. "القاضية، لدينا مشكلة." صوت زميلي في النيابة كان جادًا على غير العادة. عقدتُ حاجبي، شعور غير مريح بدأ يزحف إلى صدري. "ما الأمر؟" "تقرير وصلنا للتو... يبدو أن هناك أدلة جديدة ظهرت بخصوص القضية التي تحققين فيها. والأمر لا يبدو جيدًا." شعرتُ بقلبي يسقط للحظة. "أي نوع من الأدلة؟" تردد قبل أن يجيب: "الأدلة تشير إلى... فساد داخل المحكمة." ساد الصمت للحظات، وكأنني فقدت القدرة على استيعاب كلماته. فساد؟ داخل المحكمة؟ كيف؟ ومن؟ لكن الأسوأ لم يأتِ بعد، لأن صوته انخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد وهو يقول: "والأدلة... تلمّح إليكِ." تجمدتُ مكاني، لم أستطع الرد لثوانٍ طويلة. كان صوت نبضات قلبي يطغى على كل شيء، وكأن العالم كله تقلص إلى تلك الكلمات الأخيرة. الأدلة تلمّح إليّ؟ شددتُ قبضتي على الهاتف، محاولاتي للسيطرة على ارتجاف يدي باءت بالفشل. "هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون صحيحًا." سمعتُ تنهيدة زميلي من الجهة الأخرى، وكأنه كان يتوقع ردّي هذا. "أعرف... لكن التقرير بين يدي، وهناك وثائق وتسجيلات. القاضية، الأمر خطير." بلعتُ ريقي بصعوبة. لو كانت هذه محاولة لتشويه سمعتي، فمن يقف خلفها؟ وهل لهذا الرجل المريب علاقة بالأمر؟ نهضتُ من مقعدي بعزم جديد. لا يمكنني الجلوس وانتظار أن يُدمر أحدهم سمعتي ومستقبلي. "أين أنتَ الآن؟ أريد رؤية التقرير بنفسي." "في مكتبي، لكن كوني حذرة... لا تثقي بأحد." أغلقتُ الهاتف، وأدركتُ حينها أنني دخلتُ في لعبة خطيرة، لعبة قد تجعلني الضحية التالية إن لم أكن مستعدة. ذلك الرجل.. أنا متأكدة أن هذا من فعله، لكن عليَّ إيجاد الدليل الذي يثبت كلامي بشكل كافٍ. راجعتُ الملفات التي أرسلها زميلي لي، كانت عبارة عن وثائق مزورة بشكل احترافي، كدتُ أن أخدع من شدة مثاليتها. فكيف سيصدقني الآخرون؟ عليّ أن أثبت براءتي بأسرع وقت ممكن قبل أن تنتشر هذه الملفات وأقع في ورطة. كانت الملفات عبارة عن وثائق تتهمني في مصداقيتي كقاضية، شهادات ضدي تُقدم أني قبلت رشوة لأتلاعب بحكم ما ومعاملات مالية مشبوهة. كان ذلك الرجل يتلاعب بي بشكل واضح، رسالة مبطنة تحمل تهديدًا خفيًا. لكنه كان جليًا بالنسبة لي. لم أكن قطُّ ذلك النوع من القضاة.. الذين يفتقدون إلى حس الأمانة وأقبل الرشوات، كان يحاول تشويه سمعتي إن لم أخرج أخاه بالبراءة. عليّ أن أحبط هذه التهم الموجهة لي قبل جلسة الاستماع الثانية وإلَّا سأكون في ورطة كبيرة. كان علي البدء أولًا في دحض التهمة الأولى: -المعاملات المالية المشبوهة- كان عليّ إيجاد بعض الخبراء التقنيين لدحض هذه المعاملة المزورة. كانت تلك المعاملات تتهمني رقم حساب مصرفي مسجل في عملية مشبوهة، وكان ذلك رقم الحساب المصرفي الخاص بي. وجدت خبيرًا تقنيًا ليحلل هذه الوثائق ويتأكد من صحتها. أخبرني أن الأمر سيستغرق أسبوعًا لتحليل المعاملات المسجلة في الوثيقة. انتهيت الآن من أمر المعاملات، الآن مع أمر الرشوات لأتلاعب بحكم. كانت التهمة الموجهة لي بقبول الرشوة في قضية اتهام تلفيق تهمة مخدرات بشخص بريء. عندما حكمت في تلك القضية تبين لي أنها كانت محاولة من أحد أعداء المتهم في تلفيق تهمة المخدرات به. في تلك الوثائق يُحكى أنني قبلت رشوة من المتهم لأعطيه حكم البراءة. بدأت بجمع الدلائل الخاصة بتلك القضية الخاصة بأنه بريء. -أولًا:- كان أول دليل أحضرته أن المُدعي قال إن المُدعى عليه - أليكسندر مورغان- كان يستلم حزمة مخدرات في الساعة ١٢:٢٤ منتصف ليلة الأحد في الثاني عشر من يونيو، لكن في ذلك الوقت أثبت المُدعى عليه أليكسندر أنه كان في المستشفى بسبب إصابة في ساقه. ذهبت إلى المستشفى التي ذكر فيها أليكسندر حجة غيابه: مستشفى نيويورك الجامعي NYU Langone Health. طلبت من موظفة الاستقبال أن تعطيني سجل حالات دخول المرضى لشهر يونيو، حصلت عليه بسهولة كوني جزءًا من السلطة القضائية الحكومية. تفقدت يوم الثاني عشر، بالفعل كان صحيحًا تم تسجيل أليكسندر في المستشفى بإصابة في الساق. أخذت نسخة من السجل لإثبات براءتي. انتهيت لليوم، كنت سأكمل غدًا لإثبات براءتي في اليوم التالي. خرجتُ من المستشفى وأنا حاملة النسخة في حقيبتي متوجهة إلى المرآب نحو سيارتي، بينما كنت أسير لمحت نفس الرجل الذي قابلني بعد جلسة الاستماع الأولى. كان يحدق بي من الرصيف الذي يفصلني بينه وبين الشارع العام. كنت أتظاهر بعدم رؤيتي له، لكن نظراته من ذلك البعد شعرت بها وكأنها أشعة ليزر تحرقني. توجهت إلى سيارتي وقدتُ إلى المنزل. وصلت إلى المنزل ودخلت، ولحسن حظي أن أكسل لم يمزق الأريكة. خلعتُ كعبي أمام عتبة الباب ورميتُ سترتي حالما دخلتُ إلى غرفتي. غيرت ملابسي واستلقيتُ على سريري ظنًّا مني أن كل شيء انتهى لليوم، حتى أفتح عيني التي أغمضتها توًا على صوت رنين هاتفي. استقبلني صوت رجولي هادئ.. كنت أعرف هذا الصوت، نفس ذلك الرجل وصوته يمر عبر الهاتف إلى أذني. "إيرينا.. أنستي المجتهدة، أحبُ نارك.. بدأت العمل لتبرئة نفسك من اليوم.. لكني أخشى ألا تنجحي. ما رأيك في تنفيذ مطالبي بهدوء بعيدًا عن المشاكل؟" قال، بكل ثقته المعتادة المستفزة. وأجبتُ: "ما هي مطالبك؟" أجاب وصوته يتردد عبر الهاتف: "أوه.. مطالبي بسيطة حتى إني لا أريد الكثير من الأشياء، برِئي أخي من التهم الموجهة إليه وسأتركك وشأنك." قال، وكان في طيات صوته تهديد. "أُحلم!" أجبتُ بحدة. "حسنًا، لكن لا تنسي أنني حذرتُكِ، يا أميرة." بهذا أنهى جملته وأغلق الخط. اللعنة عليه، رائع! أصبحتُ مستهدفة من قبل رجل مجنون لا أعرف حتى اسمه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

محكمة

المؤلف Naxo
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة