بَينَ الحَقِيقَةِ وَ التَهديد

بَينَ الحَقِيقَةِ وَ التَهديد

14 0

الآن، أنا جالسة على مكتبي في غرفتي أراجع ملف القضايا التالية. كان أسبوعي مزدحمًا للغاية؛ عليَّ التعامل مع زعيم مافيا في محكمة الجنيات العامة. هذا هو القسم الذي أعمل فيه أساسًا. لعل وعسى أن أجد الوغد الذي قتل والدي. أيضًا، عليَّ الذهاب إلى محكمة الأحداث بدلاً من إيلينا، لأن هذا الأسبوع هو زفافها وعليَّ أن أحل محلها. ويجب عليَّ أيضًا أن أحضر هدية الزفاف وإلّا سأضطر للتعامل مع نظرات إيلينا الغاضبة. وعليَّ أيضًا شراء فستان زهري من أجل زفافها. اختارتني كوصيفتها، والآن عليَّ ارتداء الزهري... اللعنة! هذا لا يساعد بتاتًا! مهما حاولت أن أعمل وأركز، ذلك الفستان اللعين لا يزال يزعجني... زهري؟ لما بحق الإله! قطع صوت أفكاري صوت خربشة على الأريكة. اللعنة! "أكسل! كف عن الخربشة!" صرختُ بغضب وأنا أتوجه إلى ذلك القط الأحمق وأحمله. "هذه ثالث أريكة أغيرها هذا الشهر بسببك! الأسبوع الماضي فقط قصصت أظافرك! متى طالت هذه الأظافر؟! اسمع يا هِر إن لم تتوقف عن هذا الهراء، أقسم بأنني سأطردك خارج منزلي!" تركته ينزل وركعت أمام الأريكة لأتفقدها... اللعنة... دُمرت تمامًا. يبدو أنني سأضطر إلى ربط هذا القط. أقسم بأنني سأفلس بسبب هذا القط! ثروتي تتلاشى بسبب شرائي للأرائك. في تلك الأثناء، رنَّ هاتفي. كانت تلك إيلينا تخبرني أن آتي من أجل أن نتسوق. وافقت. ذهبت وارتديت ملابسي وخرجت بسيارتي وتوجهت لمنزل إيلينا. وجدتها واقفة أمام باب منزلها. فتحت النافذة وقلتُ: "جاهِزة؟" سألت، فأجابتني بحماس: "نعم!" ركبت السيارة معي، تحركنا وقالت لي: "لنذهب أولًا لمحل فساتين الزفاف، ومن ثم نشتري فستانك كوصيفة." رفعتُ حاجبي باستغراب وقلتُ: "فستان زفاف؟ أليس من المفترض أن تذهبي أنتِ وخطيبك ماكس، أو ما كان اسمه، سويا؟" "آه... هذا لأنكِ صديقتي المفضلة وأودُّ شراء فستان زفافي معك!" قالت بارتباك، وكأنها تدعو أن تنجح حُجتها الركيكة في خداعي. قضبتُ حواجبي بانزعاج وقلتُ: "إيلينا، لستِ خطيبكِ لاختيار فستان الزفاف معكِ. يجب عليكِ شراء فستانكِ معه، أليس كذلك؟ وأنتِ تعلمين أنكِ لا تستطيعين خداعي بحجتك الركيكة هذه، صحيح؟" تنهدت بخذلان وقالت: "حسنًا، اعترف. قال ماكس إنه مشغول في عيادته في المستشفى... لذا أتيت معك. وأنا أثق بذوقكِ إيرينا!" شعرتُ صدري يضيق من كلامها. اليوم جمعة، وهو يوم العطلة لأغلب العيادات، خصوصًا عيادات الأسنان. لطالما اجتاحني شعور خفي بالسوء حيال هذا الرجل. لم أقل شيئًا حيال هذا وقلتُ: "حسنًا، لا بأس. يمكننا قضاء وقت ممتع معًا واختيار فستان زفاف لكِ. سيترك ذلك ذكرى جميلة بيننا، أليس كذلك؟" قلتُ بنبرة خفيفة وأنا أحاول تخفيف الأجواء، لأنني بدأت أشعر بالاختناق مجددًا. إيلينا: "نعم! هذا بالضبط ما أقصده! أريد مشاركة هذا الحدث المهم معكِ إيرينا!" في تلك الأثناء، وصلنا إلى المركز التجاري. اخترنا فستانًا جميلًا يليق بها. لقد أمضينا ثلاث ساعات في البحث. شعرت بأن قدميَّ قد تورمتا، لكن ذلك كان يستحق. كانت تبدو كالملاك في فستانها ذلك. كان فستانًا أبيض طويلًا، ضيقًا عند الخصر وله فتحة ساق. الجزء العلوي من الفستان مزين بتطريزات زهرية. أعجبها كثيرًا، فاشتريناه. والآن، مع أسوأ جزء... ذلك الفستان الزهري اللعين. توجهنا نحو محل آخر. كنا نسير في أرجاء المحل والألوان تلك... ستصيبني بالجنون! ألوان فاقعة جدًا... توقفنا أمام فستان زهري فاتح اللون، ضيق عند الخصر، ويصبح عريضًا أكثر عند الأسفل. كان ذو فتحة صدر على شكل V. تنهدت أمامه، التفتُّ إلى إيلينا وقلتُ: "هل نحن مضطرون حقًا لاختيار اللون الزهري؟ كما تعلمين، توجد العديد من الألوان." قلتُ وأنا أشعر بأنني بلا حيلة. سأعرف التعامل مع زعيم مافيا والآن؟ اللعنة! لا أستطيع إقناع صديقتي بتغيير لون الفستان. قالت إيلينا بإصرار: "لا، الزهري هو الزهري! سيتناسب ذلك مع سِمة الزفاف. ناعم ورقيق بتفاصيل دقيقة يا إيرينا." عندها علمتُ شيئًا واحدًا فقط... بأنني لن أستطيع إقناعها حتمًا. وإن تجادلتُ معها، سأضطر إلى سماع أقوى سيمفونية صراخ ستجعل طبلة أذني تنزف. لذا أومأت بهدوء وتقبلت الأمر المحتوم عليَّ. اشتريت الفستان... --- بعد أسبوع اليوم هو زفاف إيلينا. كنت أعلم أنه سيكون يومًا حافلًا، لكنني كنت سعيدة بصدق لأن صديقتي وجدت توأم روحها أو ما كانت تلك الكلمة. متجاهلة الشعور السيء الذي أشعر به تجاه خطيبها الذي سيصبح زوجها ظهيرة اليوم. كانت شمس نيويورك حارقة. كانت الساعة الثانية عشر ظهرًا. من المفترض أن ينتهي الحفل في الساعة الثالثة ظهرًا، لأنني سأحتاج إلى مراجعة ملف القضية الخاصة بفتى في السابعة عشرة من عمره في محكمة الأحداث. سأحل محل إيلينا في هذه القضية، كون اليوم زفافها. انتهيت من ارتداء الفستان، تسريح شعري، والمكياج، وارتداء حذاء الكعب العالي خاصتي. خرجت من منزلي، وصوت قرع الكعب يرن على أرضية المرآب. ركبت سيارتي وتوجهت نحو قاعة الزفاف. دخلت إلى غرفة العروس. كانت إيلينا تجلس هناك، تبدو متوترة ومتحمسة في آنٍ واحد. سلمت عليها وسألت: "متحمسة؟" أجابت: "إيه، نعم، متحمسة... ومتوترة." قالت وهي تعض شفتها السفلية. ربتُّ على كتفها وقلتُ: "لا بأس. أنا مؤمنة أن كل شيء سيسر كما هو مخطط له. بالمناسبة، أين العريس؟" سألت. أجابتني وهي تتنهد: "راسلني وقال إنه يتأخر بسبب الزحام." "حسنًا، بينما ننتظر، هذه هدية لك بمناسبة زفافك. أتمنى لكِ حياةً طيبة، إيلينا... بصدق." قلتُ ذلك بينما أُناوِلها قلادة جميلة من ديور. كانت لطالما أحبَّت قلادات ديور، خصوصًا تصميم "Dior Rose des Vents". ابتسمت برقة وقالت: "شكرًا لكِ إيرينا... أنتِ حقًا صديقتي المفضلة." قالت وهي تقوم لعناقي. لم أكن أحب الأحضان، لكني لم أود دفعها بعيدًا. سمحت لها بمعانقتي. مر زفافها بسلاسة عدا أن زوجها أتى بعد عشر دقائق من حضور الكاهن. ألقى مراسيم الزفاف والعهود، ولازلت أشعر بشعور سيء حيال هذا الرجل. وكالعادة... تجاهلت شعوري هذا. --- بعد الزفاف راجعت ملفات القضية. شاب ذو 17 عامًا يرتكب جريمة قتل بحق أستاذه... ما هذا بحق خالق الجحيم؟ ما بال هذا الجيل؟ لقد جُنَّ جنونهم بالفعل... ارتديت ملابسي وتوجهت نحو المحكمة. كان رئيس القضاة متوترًا بشأن القضية وقال: "آنسة إيفانوف، تعالي إلى مكتبي!" قال بحزم. توجهت نحو مكتبه لأسمع ما يقوله. وأحزر ماذا؟ يريدني أن ألقي حكمًا مُخففًا ضد المتهم المدعو لوكا، لأن والده سياسي. وأحزر ماذا؟ أيها الوغد، أقل حكم سأطلقه عليه هو 50 عامًا في السجن. فقلت وأنا أصِكُ على أسناني: "مع كامل احترامي يا سيدي، لكن كون والده سياسيًا لن يشفع له بشيء." قلتُ ذلك ككلمة أخيرة لصالحي، وخرجت من مكتبه. ارتديت الرداء القضائي الخاص بي، الأسود اللون الفضفاض، ودخلت إلى قاعة المحاكمة. قام الحضور احترامًا على أثر صوت "القاضية هنا! ليقف الجميع." وقف الجميع وبدأت المحاكمة. بدأت المحاكمة بأسئلة المدعي العام للمتهم: "في ظهيرة يوم الخميس الساعة 12:34، شوهِدتَ بأنك آخر من خرج من بناية المدرسة، تتبع الضحية أستاذك سيد ماكس، مدرس التاريخ. سؤالي هو، لماذا كنت تتبع أستاذك؟" أجاب وهو يحافظ على واجهة بريئة وهو بكامل ثقته: "كنت أناقشه بشأن درجاتي." المدعي: "وهل تناقشه حول درجاتك خارج البناية؟ في مرآب السيارات الخاص ببناية المدرسة؟ كان بإمكانك أن تناقشه حول درجاتك بعد درسك وليس بعد انتهاء الدوام في مكان معزول ومغلق." توتر لوكا وأجاب محاميه قائلاً: "لم يجد لوكا أستاذه بعد الدرس، لذا اضطر أن ينتظره إلى نهاية اليوم الدراسي." المدعي: "لم يجده؟ لم يُسجل في سجل الإدارة أو الكاميرات خروج الأستاذ أثناء أوقات العمل. كان الأستاذ حاضرًا إلى نهاية اليوم. كان بإمكانك سؤاله." المحامي: "لم يجد لوكا أستاذه عندما بحث عنه!" قال بإصرار. المدعي: "إذًا أنت تقول أن لوكا لم يقتل أستاذه؟" المحامي: "نعم، هذا صحيح." المدعي: "إذًا ما ردُّك على هذه الصور التي تظهر فيها أن موكلك كان يحمل سكينًا، الذي كان طوله يقارب 15 سنتيمترًا؟ هذا يتناسب مع عمق الطعنات التي تعرض لها الأستاذ في مسرح الجريمة حسب أقوال الطبيب الشرعي. تعرض الضحية إلى 23 طعنة موزعة على الصدر والعنق بشكل عشوائي. وهذا يتناسب مع طول السكين الذي يحمله موكلك." أثار ذلك انزعاج المحامي. كان في الحضور جماعة المتهم، لوكا، ووالده السياسي وبعض أفراد المافيا. كنت أشعر بنظرات واحد منهم تخرق روحي. كانت تلك النظرات مزعجة ومؤثرة. كانت تعابير وجهه هادئة جدًا كما لو كان يستطيع أن ينهي هذه المحاكمة بأمر واحد فقط. لم أعرف ذلك الرجل، لكني شعرت بأنني رأيته في مكان ما. أنهيت الجلسة الأولى... جلسة الاستماع الأولية. --- بعد أن خرجت من قاعة المحكمة، استقبلني نفس الرجل الذي رأيته في القاعة. شعره أسود وعيونه كهرمانية. كلما نظرت إليها، شعرتُ بأنَّ روحي تحترق. كان متكأً على الحائط واقترب مني حالما خرجتُ من الباب وقال: "أهلًا يا سيادة القاضية، هل لي بلحظة معك؟" أومأت له، واقتربت لأسمع ما لديه. فأردف قائلاً: "لا بد أنكِ تعتقدين بأنكِ تعتقدين بأن أخي لوكا مُذنب، لكنني أؤكد لكِ أنستي بأنه بريء تمامًا." قال وهو يغزو مساحتي الشخصية. رائحته كانت مسكرة جدًا بالنعناع وخشب الصندل. ركَّزتُ على ما يقول، وأجبتُ قائلة: "هل تقصد بأنك شاهد؟". قال "لا.. ولكني متأكد.. سيكون من الجيد لو صدقتي صحيح؟ سنتجنب صداع الحوار.. تحافظين على سلامتك انستي.." اللعنة على هذا الوغد المتعجرف.. هل يهددني الآن؟ يظن بأنه قادر على اخافتي لمجرد انه يمتلك سلطة؟ فأجبت قائلة "لا. احضر لي دليل براءته و سننظر في أمره" عبس بخفة واقترب مني أكثر قائلا: "يستحسن أن تستمعي لي أنستي.. بينما اتحدث بلطف". اللعنة عليه..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

محكمة

المؤلف Naxo
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة