بين أكواب القهوة الفارغة المنتشرة على سطح زجاجي في مكتب هادئ لكنه مزدحم بالأجهزة والآلات، جلس بارق، الشاب في أواخر الثلاثينيات من عمره، وعيناه المحمرّتان دليل على ساعات العمل الطويلة التي قضّاها طوال الليل. لم يلاحظ حتى طلوع الشمس، فهو غارق في عمله، مُصمّم على الانتهاء من المشروع قبل ليلة رأس السنة. وفي هذه اللحظة، دخل المكتب صديقه الوحيد، ليث. ليث: "لم تنم الليلة أيضًا؟! أتظن أن هذا سيساهم في نجاح المشروع؟! أنت شخص لا يأبه بصحتك إطلاقًا." بارق: "لا يوجد سوى ليلتين متبقيتين على رأس السنة، يجب أن أُنهي التصميم في هاتين الليلتين، وتأتي أنت تسألني عن النوم؟!" قالها وهو ينظر إلى جهاز الكمبيوتر. ليث: "أنت مجنون! سأخبر السيده اسيل بما يحدث هنا، وستري ما سيحدث." نظر بارق إلى ليث بحذر، ثم رد بصوت منخفض: "أرجوك، لا تخبر أمي، أظنك تعلم ما حدث المرة الماضية." ليث: "نعم، كدت أن تتسبب في نوبة قلبية لها عندما رأت وجهك الذي صغر الي النصف بسبب كثرة العمل." قالها ليث وقد بدا عليه الانزعاج. بارق: "حسنًا، انتهيت لهذا اليوم، سأذهب لأستحم." خرج بارق من المكتب صاعدًا الدرجات، ليصل إلى الطابق العلوي. المكتب كان في قبو المنزل وله باب يفتح ببصمة العين الخاصة بكل من بارق وليث فقط. صعد ليث إلى منزله الفاخر، أخذ حمامًا دافئًا، ثم توجه إلى سريره لينام قليلًا، فقد أصبح عاجزًا عن التفكير بسبب قلة النوم. --- في مقهى بلانكا كانت آريا، الفتاة في أوائل الثلاثينات، تجلس وحدها في أحد المقاهي، تتناول كوبًا من القهوة. تعمل كصيدلانية في إحدى المستشفيات، وتحدث والدتها عبر الهاتف. آريا: "لن أفعل، يا أمي. حقًا لا أحب الزيارات العائلية، وأنتِ تعرفين ذلك." ثم أغلقت الهاتف، لتظهر على وجهها خيبة أمل واضحة. "أمي... أمي؟! لماذا تغلقين الخط في وجهي مرة أخرى؟" قالتها بامتعاض. آريا: "حسنًا، سأذهب لساعة واحدة فقط. إنهم أقاربي، ليسوا أشباحًا، لن يعضوك." آريا: "حقًا أكره هذه النظارات." قالتها وهي تخلع نظاراتها الطبية وتضعها في حقيبتها. ثم نهضت وخرجت من المقهى. --- في الخامسة مساءً، كان بارق نائمًا على سريره، وعينيه مغلقتان، لكنه كان يحلم بكوابيسه المعتادة. فجأة، استفاق وهو يصرخ: بارق: "لا تفعل... ابتعد... ابتعد قلت لك... لم أكن أنا... صدقني... لم أكن أنا! أرجوك..." نهض من فراشه، يتنفس بسرعة، ليخرج من غرفته ليجد ليث عند الباب. ليث: "هل أنت بخير؟! ماذا حدث؟!" بارق: "نعم، أنا بخير." قالها وهو يلهث. ليث: "ألم أقل لك أنك بحاجة إلى الراحة؟! هكذا تبدأ الكوابيس مرة أخرى. لقد أخذت سنوات من العلاج للتخلص منها، وأنت تعيد الكرة." بارق: "كفاك تذمرًا، سأستعد للذهاب إلى الشركة. استعد أنت أيضًا." ليث: "همم، حسنًا... سأنتظرك في الأسفل. بالمناسبة، هل ستأخذ العدسة معك اليوم؟ اليوم هو يوم العرض التجريبي، ويجب أن يتم مناقشة المشروع." بارق: "إنها مخاطرة، ولكن يجب أن أفعل ذلك." ليث: "ولكنك لم تأكل شيئًا منذ الأمس!" قالها ليث وهو يضيق عينيه. بارق: "حسنًا، سأمرّ على محل وجبات خفيفة في طريقي." --- ركب كل من بارق وليث سيارتيهما الخاصة وذهبا إلى العمل. توقف بارق أمام محل للوجبات الخفيفة، دخل ليشتري شيئًا يأكله في طريقه. --- آريا: كانت آريا تحمل في يدها علبة عدسات طبية جديدة، ابتسمت عندما فكرت أنها كانت بحاجة للتخلص من نظاراتها القديمة. وضعتها في حقيبتها، ثم غادرت المقهى. مرّت بالقرب من المحل ذاته الذي كان فيه بارق، فدخلت لتجد نفسها تصطدم بشاب طويل القامة، قمحي البشرة، ذو شعر أسود قاتم وملامح حادة، لكنه كان يحمل شيئًا غريبًا في نظره، لم تتمكن من فهمه في اللحظة الأولى. بارق: "هل أنتِ بخير؟! أنا آسف، كنت مشغولًا بالهاتف ولم أراكِ تدخلين." آريا: "رأسي يدور، ولكنني بخير، لا داعي للقلق." بارق: "دعيني أساعدك في جمع أغراضك." آريا: "لقد تسببت في سقوط طعامك أيضًا، آسفة." لملم كلاهما أغراضه واعتذروا لبعضهما البعض قبل أن يمضي كل منهما في طريقه. عاد بارق إلى سيارته، وفي جيبه علبة العدسات، ليخرجها وينظر إليها بقلق. بارق: "كاد كل شيء يذهب سدى." قالها بقلق. --- وصل بارق إلى الشركة ودخل غرفة الاجتماعات، حيث كان هناك شخصيات هامة في مجال الهندسة والذكاء الاصطناعي. صعد إلى المنبر بقلق، وفي يده علبة العدسات التي طالما حلم بها. أخرجها من جيبه، ثم فتحها... وعينيه اتسعت من الصدمة. ---
sera