اللقاء الأول

اللقاء الأول

1 0

حسبت لبنى أنها تجهزت جيدا، فهي قد تنكرت كصبي صغير و اختبأت في هودج الجمل بين الحاجيات طوال الطريق، و لكن ما لم تحسب له حسابا كان شقيقها الصغير!

لقد قفزت لتكشف عن نفسها و نسيت أن تمرر العمامة على وجهها، و ذلك كان بسبب حماستها للتباهي أمام المعلم قنديل بقدرتها على الرمي، فقبل تدريب ماما المكثف، هي كانت تعرف الأساسيات من أخيل لذلك تطورت بسرعة.

  - " أختي، كيف أتيت؟ و لماذا تلبسين كالأولاد؟"

سألها دريد بتعجب و هو يتلفت حولها.

كان الأولاد قد اقتربوا منهما فأخذت لبنى تنظر حولها بقلق، أبعدت دريد: " من أنت أيها الطفل؟ أنا لا أعرفك، ثم أنا ولد فكيف لي أن لا ألبس لباس الأولاد !"

  شك دريد في عينيه حين التمس تغيرا صغيرا في صوت شقيقته، و لكن هذا الطفل أمامه نسخة طبق الأصل عن أخته فكيف هذا؟

تحلق الأطفال حول لبنى المتنكرة و أغدقوها بالأسئلة المتحمسة حول كيف نجاحها في التصويب من تلك المسافة، و لم يعيروا الاهتمام لما قاله دريد و لم يشك أحد في أنها صبي في الحادية عشر من عمره.

و قبل أن تجد لبنى الفرصة للإجابة عن أسئلة معجبيها الصغار، كانوا قد بدأوا يفسحون المجال لمعلمهم الذي تقدمهم بخطواته الرزينة، و شعرت لبنى أنه قد اخترق أعماقها بعينيه الثاقبتين.

أغلقت عينيها ثم فتحتهما بنظرة قوية:" لا بد و أنك المعلم قنديل."

مشط لحيته بأنامله:" هذا صحيح، و من السيد الصغير؟"

  - " اسمي هو قيس بن سنمار، و أريد أن أكون تلميذا عندك بأي ثمن كان."

  - " قيس بن سنمار سيكون الآن في عشريناته، كان عليك أن تحيط علما بمن تنتحل شخصيته قبل انتحالها." و أضاف بحاجب أيسر مرفوع و ابتسامة عابثة : " ثم هو قد حصل على ختمه بالفعل."

  - " إنه تشابه أسماء لا غير يا سيد قنديل، لست أنتحل شخصية أحد." رفعت لبنى رأسها بثقة.

  - " أوه حقا؟" قال المعلم بنبرة ساخرة جعل ثقة لبنى تهتز قليلا فأسرعت تقول: " أنا اسمي قيس و والدي يدعى سنمار، هذه ليست المرة الأولى التي يحمل فيها شخصان الاسم ذاته.

  دعنا ندخل في المهم، كيف أستطيع أن أصبح تلميذك؟"

  - " و ما غايتك من التتلمذ لدي؟"

كانت لبنى تسعى للحصول على ختم بنفس اسم أخيها حتى تتمكن من الالتحاق بمباراة شيخ القبيلة مستعينة بهويته، فالشرطان الأساسيان للمشاركة هو أن تكون قتاميا و في حوزتك ختم من أحد معلمي البيداء.

قالت لبنى:" أنا أريد القوة، أحتاج لتعلم ما يتقنه أبناء العاشرة. فقد فاتتني فرصة القدوم إلى البيداء لظروف قاهرة، إنك لن تتعب معي كثيرا فأنا معي الأساسيات و كبير لأفهم و أعي تعليماتك بشكل أفضل من هؤلاء الصغار." قلب الشيخ عصاه لليد الأخرى:" ما زلت لم تكشف عن غايتك، ماذا تريد بالقوة بعد أن تحوزها ؟"

  - " للسبب عينه الذي جاءك له هؤلاء الصغار، أريد الختم لأجلب الفخر لأهلي و لأزداد قوة."

سكت الشيخ لمدة بينما يسرح لحيته، ثم قال و حاجبه الأيسر مرفوع:" جهزتِ كلماتكِ جيدا..

يا لبنى بنت سنمار !"

خطف لون لبنى و تبادل الأطفال النظرات في حيرة، عندها أمسك دريد يد أخته:"عرفت أنها أنت و لكن كيف تفعلين هذا بصوتك؟ "

  - " أنا قيس! لماذا تصرون أني لست كذلك؟!" نفضت لبنى يده في عصبية شديدة، لا يمكنها أن تفشل عند هذه النقطة، عليها أن تحصل على الختم و لو اضطرها الأمر لتهديد قنديل حتى يصنع واحدا.

  - " حسنا، على كل لا مشكلة عندي ما دمت ستلتزمين بالقواعد و تستخدمين ما أعلمك إياه في الخير." تحدث المعلم بنبرة جادة.

برقت عيون لبنى حين تخيلت صورة ماما الفخورة، و نفسها و هي تلبس رداء و حزام شيخ القبيلة:" أعدك أن أفعل..يا معلم!"

  - " كبداية، فلتكوني خصم زميلك الذي تركناه في الانتظار كل هذا الوقت." قال قنديل و هو يشير إلى الصغير البدين الذي كان يجلس في الدائرة نعسا.

  عاد الأولاد لأماكنهم عدا دريد الذي بقي واقفا بمحاذاة أخته و هو يتمسك بكم عباءتها، نظرت مطولا إلى الفتى البدين ثم رفعت نظراتها إلى المعلم:" أنا أكبر من هذا الطفل بست سنوات، لا أرى من العدل أن أنازله."

  - " إذا فلتنازلي ولدين اثنين، مع معرفتك للمبادئ فربما سيكون من العدل مقارعة ولدين لا يفقهان شيئا في القتال." اقترح المعلم ليقول دريد:" لكن لبنى بنت، كيف ستنازل ولدين وحدها !" بالكاد أنهى الصغير جملته لتشد لبنى أذنه في غضب لم يعهده عليها:" ماذا تقصد يا هذا ! أ كوني فتاة يجعلني ضعيفة؟ ستكون خصمي ضد كتلة الشحوم القصيرة تلك."

و بذلك، وقف البدين و دريد جنبا إلى جنب في مواجهة لبنى، و قد أمسك كل واحد منهم بدرع و عصا، و تم توسيع مساحة الدائرة.

أعلن المعلم القوانين بصوت مسموع :

" الفائز من يستطيع إخراج خصمه عن حدود الدائرة أو يجرده من أسلحته! فليكن نزالا نظيفا و جادًّا !"

"حاضر!" هتف دريد و رفيقه بينما التزمت لبنى الصمت و هي ترمقهم بنظرات نمر يتربص بفريسته.

  - " عند الإشارة.. انطلقوا !!" أعقب المعلم قنديل لتبدأ لبنى في التحرك ببطء على حدود الدائرة دافعة خصميها المتوترين إلى المشي بطريقتها نفسها و هما يرفعان درعيهما.

خاطب دريد شريكه:" أنصت يا  جلمود ، هذه أختي لذا لا أريدها أن تصاب بأذى، دعنا نتعاون لإخراجها عن الخط بسلمية ، اتفقنا؟"

  - " حسنا..آه!" صاح جلمود في الأخير حين هاجمته لبنى بعصاها فتصدى لها بالدرع و هو نصف جالس، و أخذت تحاول ضربه بينما هو يحرك درعه في كل اتجاه صارخا ليتجنب الضربات، و قبل أن يدرك صاح المعلم:" خسر جلمود!" نظر المعني لقدمه فوجدها خارج الدائرة، ليجلس على مؤخرته و هو يزفر بتعب.

  - " بقيت أنا و أنت فقط يا أيها الخائن المستقبلي." رفعت لبنى نظراتها المجنونة إلى شقيقها المرتبك.

و في لحظة، هجمت نحوه بعصاها فهرب حول الدائرة و هو ينحني و يركع متجنبا ضرباتها العنيفة، كانت لبنى جادة بطريقة مخيفة، كما لو أنها لا تمانع أن تكسر عظامه!

احتمى بالدرع و في قلبه امتنان كبير لمعلمه الذي لم يعطهم سيوفا حقيقية.

  تصدى دريد هذه المرة لضربتها بالعصا، و أخذ كل من الأخوين يضغط من جهته، ارتطمت ركبة دريد بالتراب و لا زال يكافح ضد قوة شقيقته الكبرى، و التي أظهرت أسنانها في ابتسامة مستمتعة: " ما رأيك الآن و أنت تخسر أمام فتاة؟

هل كنت تعتقد أن في وسعك هزيمتي، أيها الضعيف؟"

  - " أنت الأكبر، لم أفكر بالفوز ضدك للحظة."

أجابها بصوت منكتم و هو يقاوم بكل قوته.

أطلق دريد صيحة من حنجرته و هو يرفع عصاها بعصاه ثم قفز مبتعدا عنها و وقف و هو يلهث بتعب، لم يشعر بهكذا إعياء و جفاف في الحلق منذ آخر مرة لعب فيها المطاردة مع أصدقائه.

  - " لو كنت بعمري يا دريد، فهل تظن أنه قد يكون لك الفرصة لهزيمتي بحكم أنني فتاة ؟ " سألته لبنى و هي تلقي درعها بعيدا و تثبت كلتا يديها على العصا بإحكام.

ثم انطلقت تركض نحوه بقوة حتى سقطت عمامتها فكشفت عن شعرها المجموع في ذيل حصان طويل، حَمى الصغير دريد نفسه بالدرع مذعورا من جنون أخته ثم قال:

  - " لا أدري، و لكن بما أنك صرت قوية بطريقة ما فلا أظن أن كونك فتاة أو ولدا سيكون له دخل في قدرتي على هزيمتك أم لا."

  - " تقول هذا لخداعي، لطالما كنت متحدثا لبقاً!" سددت لبنى ضربة أخرى و هذه المرة أصابته في كتفه فتأوه بشدة، عقدت لبنى حاجبيها و هي تعيد في ذهنها كلمات ماما كي لا تخسر رباطة جأشها، فرفعت ذقنها في غرور، ثم ركلت الدرع بعيدا عن يده، و لأنه ترك عصاه سابقا ليمسك بكتفه فقد أصبح بلا سلاح.

رفعت لبنى ذراعها التي تحمل العصا و قالت بفخر:

  - " أنا الفائزة! "

ثم خرجت من الدائرة و قد أعطت دريدا بظهرها، كانت تشعر بلسعات في كامل جسمها، و ودت أن تلتفت إليه و تطمئن على إصابته، و لكنها كابرت و خطت على قلبها بنفسها قبل أن يطأ هو عليه ذات يوم.

◇◇◇◇

بعد ذلك، ذهبت لبنى إلى خيمة الشيخ قنديل بأمر منه، و التي كانت مفروشة بعناية كما لو كانت بيتا، و في أقصاها توجد طاولة خشبية ،خلفها مقعد جلدي بلا أقدام، و قد رتبت فوقها أدواته المكتبية، من لفائف و محبرة و أختام.

جلست لبنى أمام المكتب و قد سقط نظرها على صندوق مفتوح بالجوار حوى قطعا خشبية مربعة.

بمجرد أن تثبت كفاءتها للمعلم فسوف يقدم لها احدى تلك الخشبات بعد أن ينقش عليها اسمها الكامل و يختمها بختمه الخاص.

التفتت إلى مدخل الخيمة حين دلف الشيخ قنديل، فدنا ثم جلس على المقعد خلف الطاولة مقابلها.

تحدثت هي أولا:" هل إذا تدربت هنا فسوف أحصل على ختم في الأخير مثلي مثل بقية تلاميذك ؟"

  - " هذا أكيد."

  -  " و هل أستطيع الحصول عليه تحت اسم أخي قيس؟" سألت بحاجبين مرتفعين و ابتسامة متكلفة.

  - " لا أظن."

  - " لماذا ؟ أنا بحاجة إليه!"

  - " لا أستطيع تقديم أختام مزورة، ستحصلين على ختم حتى بكونك بنتاً و لكن سيكون اسمك الخاص عليه."

  - " أنا أرجوك أيها المعلم، سيكون سرا بيننا نحن الاثنين فقط، أنا لن أستخدم اسم أخي في أشياء سيئة!" توسلت لبنى و يداها على الطاولة، فسأل المعلم بحدة قليلا: " إذا ماذا ستفعلين به ؟" زمت شفتيها ثم أخفضت بصرها:" هذا..سر."

  - " إذا ليس بوسعي مساعدتك."

  - " و لكن.." اعترضت بيأس و قد خنقها الإحباط.

زفرت الهواء و شردت بأفكارها للحظات، يستحيل أن ترجع إلى البيت خالية الوفاض بعد كل المخاطر التي تكبدتها، ثم هي قد ودعت ماما بالكثير من الوعود المتفائلة فبأي وجه ستقابلها؟

سوف تبقى هنا ، هي تود أن تصير أقوى بما يكفي لتقف وجها لوجه ضد آزر. أما بالنسبة للختم فستتدبر أمره مع مرور الوقت.

فجأة، طرأ أمر في بالها فقالت بسرعة:" لو بقيت فهل يتوجب علي إمضاء خمس سنوات أيضا؟ حتى لو تحسنت بسرعة؟"

  - " بطبيعة الحال.

  أخيل كان تلميذا فذا لا يرى مثله كل عام،  و لكنه رغم ذلك بقي هنا كل هته المدة. أنا أتنقل وفق منهاج معين، يحصل المرء على بعض الامتيازت جراء تفوقه على زملائه و لكنه مضطر للانتظار حتى يتخطوا المراحل سوياً."

  - " لست متيقنة إن كنت سأفلح بالبقاء هنا كل هذه المدة"  غمغمت لبنى بقلق و لكنه سمعها فقال:" توقعت هذا، أنت قد هربت من بيتك دون علمهم، أ لست مصيباً؟ لهذا الوقت يداهمك."

رمقته لبنى بتذمر :" أنت حذق أكثر من اللازم أيها المعلم، من اليوم الأول تم كشف أمري تماما."

  - " ما يزال المزيد في جعبتي يا صغيرة." فرك لحيته مبتسما و تابع بنبرة مفكرة: "  ما الذي قد يدفع آنسة صغيرة لتغادر بيتها و تسعى لخوض تدريباتي الشاقة في سبيل ختم باسم شخص غادر الحياة.. يبدو أنها ستحاول انتحال شخصيته؟ و هي بالفعل تملك طريقة للتأثير على صوتها و لو أنه لا يطول فقد بدأ يصير أنعم كما أرى.. لكن ما يزال أمامها الطول و الحجم، لذا ربما تخطط لهذا الانتحال بعد سنوات..و بأخذ الحدث الذي يجري في قتام بعين الاعتبار، فإنها تنتظر حتى يزداد طولها لينجح الانتحال، و في ماذا سيكون؟ مباريات شيخ القبيلة على الأرجح؟ ثم ماذا بعدها ما الهدف الحقيقي؟ حكم قبيلة قتام..لم أشعر أن هنالك مسعى أكبر؟ هل تعملين لصالح شخص معين؟.." نظر نحوها أخيرا بعد أن كانت عيناه تعانقان أعلى الخيمة ليجدها متصنمة مكانها و قد ألجمتها الدهشة.

  - " نظرا لردة فعلك فيبدو أنني أصبت في أشياء كثيرة، هذا إن لم أكن قد أصبت في جميعها." ضحك قنديل بينما لا تزال لبنى مذعورة من هذا العجوز الذي فضح كل شيء في وقت قليل.

تمالكت لبنى نفسها و سألت بتردد:" ما أنت فاعل الآن بعد كل هذا؟ هل سوف تعيدني ؟"

  - " لم أحسم قراري تماما..لكنني وعدت أن أدربك ما دمت لن تؤذي أحدا بما تتعلمينه، لذا.." أصدر همهمة مفكرة ثم تبسم:  " حللت أهلا و سهلا بمخيمي، إلى أن يكتشف أهلك وجودك و يأتوا لإرجاعك.

حتى ذلك الحين، سوف أعلمك."

أشرق وجه لبنى:" أشكرك جزيل الشكر، معلمي."

و بذلك نجحت لبنى في أن تنضم للمخيم، لقد كانت محظوظة للغاية بأن المعلم لم يكن شخصا صعبا، و استطاع قبولها دون مشكلات، و قد عزمت أن تستغله جيدا لتحقق خطة ماما.

و منذ ذلك اليوم، انطلقت رحلتها كتلميذة مجدة، و كان الامتياز الوحيد الذي حصلت عليه هو خيمة صغيرة منفردة.

و لكن ما دون ذلك، فقد تمت معاملتها كبقية زملائها الأطفال، كان عليها الاستيقاظ صباحا مع أول خيوط الشمس، المشي في صف إلى البئر، ثم الجري حول المخيم عشر دورات قبل تناول طعام الفطور، بعد ذلك يبدأ التدريب الفعلي بإشراف المعلم، و يمتد ذلك إلى منتصف الظهيرة حيث يتناولون الغداء و الذي يتم إعداده من طرف المعلم و لكن بمساعدة من عدد معين من الأطفال بشكل دوري، من ثم يحين وقت القيلولة و بعده موعد التدريب من جديد إلى أن تغرب الشمس، ثم يحصلون بعدها على وقت حر حتى موعد العشاء.

في الأيام الأولى، كان التدريب حول تقنيات القتال، أشياء ككيف تتصرف أمام خصم أكبر حجما أو خصمين فأكثر، و بعد أن أدرك الجميع توجيهات قنديل انتقلوا إلى التدرب على قدرة التحمل فأصبحوا يحملون الصخور لساعات أو يتم منعهم عن الطعام لفترة طويلة بينما يركضون حول المخيم.

كانت لبنى في تمرين التحمل الأكثر تفوقا عكس ما توقعه المعلم قنديل، فحتى و لو كانت رامية سهام جيدة فقد شك في قدرتها على تحمل ذلك النوع من المشاق نظرا لكونها فتاة، و لكنها أبهرته بصمودها، و توقع أن سبب ذلك ليس الفارق العمري بينها و بين زملائها، و لا هو بفضل من دربها، و لكنه شيء تعوده جسمها كما لو كانت المشاق من جوع و أثقال جزءاً من يومها.

و قد كان مصيبا، فالسنوات الأولى من حياتها قبل ذهاب أخيل إلى البيداء، كانت مليئة بالمعاناة، فأبسط الأخطاء كانت تحرمها الطعام ، و عندما يُذكرُ أنها كانت تتعرض للضرب من قبل آزر فهو لم يكن ضربا كضرب أبيها شيء كالصفعات مثلا، بل كان ضربا مبرحا يزرق فيه جلدها، و ينزف أنفها، و في مرة خسرت أسنانها الأمامية و كان من حسن الحظ أنها الحليبية فقط.

ذات ليلة، بعد مضي قرابة الثلاثة أسابيع في البيداء، كانت لبنى من الأفراد الموكلين بإعداد العشاء، و بقدر ما كان الأطفال يسعدون بطعامها الشهي فقد كانوا يخافون من أن يقعوا معها في هذا الواجب، فهي كانت حادة الطبع كثيرة التوبيخ، بشكل كان يجعل دريد يطالعها بقلق كبير، فأخته إنسانة رقيقة خجولة، و تصرفاتها المشابهة لخاصة آزر كانت شيئا لم يعهده عليها.

  - " أيها الأخرق! هل تريد قتلنا بهذا القدر من الملح؟ قلل الكمية." صاحت في أحد الأطفال الذي كان على وشك إضافة الملح إلى القدر فارتعشت يده و هرول إلى جرة الملح لينقص منه و الجزع يتساقط دموعا من عينيه، ثم التفتت إلى المسؤول عن تقطيع البطاطا، و قد كان دريد، نظرت باشمئزاز إلى حبات البطاطا التي لم تقشر بشكل جيد و تم تقطيعها بشكل قبيح، فوضعت وجها مشمئزا:" ما هذا القرف؟!" عقد دريد حاجبيه و هو يتمالك رغبته في البكاء:" بذلت جهدي."

مسحت لبنى وجهها متنهدة بضيق:" تبا لكم جميعا، هذه النتيجة الحتمية للحقير الذي ألزم الطبخ على النساء وحدهن."

  - " هذا شيء يعرفه الجميع، نحن لسنا مجبرين على تعلم الطبخ فنحن رجال!" تذمر أحد الصبية و لكنه سرعان ما أخذ في البكاء حين رمقته بنظرة عنيفة، كانت تلك الطريقة الوحيدة لينجو من ضربها، فهي لم تتوانَ لحظة عن تأديب من يتواقح معها رغم تعرضها للعقاب عدة مرات.

  قال دريد بتردد : "  قال المعلم قنديل أن وظيفتنا المساعدة فقط حتى لا نتعلم الخمول، و لولا أنه منشغل هذه الليلة لكان من طبخ و أرشدنا إلى أمور بسيطة نفعلها، لا توبخينا هكذا يا أختي." كانت لبنى تغلي مع كل كلمة تلفظ بها و لكن كلمة أختي الأخيرة كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، و في لحظة رفعته مختنقا من ياقته:" من أختك يا صعلوك!؟"

  - " أرجوكِ توقفي عن التصرف هكذا! أنت تبدين كآزر!!" صاح في نضال لتنفضه أرضا بقوة، و هذه المرة لم يؤلمها قلبها، و بات أي ألم يسدد لأي رجل كبيرا كان أم صغيرا، هو شيء بين العادي و المريح بالنسبة لها.

استند دريد على كفيه جالسا و قد تبللت وجنتاه الصغيرتان بماء عينيه:" لماذا أصبحت هكذا؟ أ كله بسبب أخيل؟"

  - " لا تتدخل في ما لا يعنيك! أنت لست مختلفا عنه، لن تخدعني بتمثيل دور المسكين البريء!" ركلته لبنى و أبقت قدمها على بطنه تضغطه بحقد مريض و تابعت الكلام بانفعال في حين تسلل بعض الأطفال لمناداة المعلم :

  - " أنا من ربيتك يا دريد، هل تشعر بالعار لأن امرأة هي من كانت تطعمك و تداويك و تنظفك و تلبسك؟ أ تود أن تستعبدني بمجرد أن يشتد عودك؟

ليس في أحلامك حتى فأنا لم أعد ساذجة، لقد فهمت لعبتكم القذرة و لن تنطلي علي بعد الآن !" لم يفقه شقيقها الصغير شيئا مما تتفوه به و اكتفى بتركيز طاقته على محاولة إبعاد قدمها التي تطحن أحشاءه.

  - " لبنى !! ابتعدي عنه حالاً!"

رغم أن صوت قنديل الجهوري أرعش الجميع حين صدح فجأة و لكنه لم يحرك في لبنى ساكنا، فهي لم تكن تضع له وزنا، و تابعت حربها ضد كفي دريد المتألم.

شعرت بأيد كبيرة تمسك بخصرها و ترفعها عاليا في طرفة عين فنظرت بغضب إلى قنديل الذي كان الشرر يتطاير من عينيه:" ماذا تظنين نفسك فاعلة بأخيك بحق خالق السماء!"

  - " هذا ليس من شأنك، أيها المسن المتذاكي!"

وضعها أرضا و لا زال الغضب يشوّه وجهيهما.

أشار إلى خيمته:" انقلعي إلى خيمتي من فورك! اذهبي بالحسنى و إلاّ رفعت يدي عليكِ!"

وقفت بتحد و صاحت:" و لم لا ترفعها؟ هل في ضرب الفتيات ما يهينك؟ ليس و كأنكم لا تضربوننا حين يحلو لكم بالفعـ.. !" عم الصمت المكان بعد أن صدح صوت صفعة قوية في الأرجاء.

كان وجه لبنى إلى الجهة الأخرى و قد بدأ يتوهج باللون الأحمر تحت ضوء نار القدر، لم يجد طفل واحد كلمة ليقولها في خضم ما يجري، و كان دريد أول من استعاد نفسه فشهق ثم انهمرت دموعه أكثر و قفز يحتضن بذراعيه خصر لبنى و ينظر لوجهها : "  لبنى! هل أنتِ بخير؟! "

ارتعشت الصغيرة كجسد مبلول في منتصف الشتاء، ثم نفضت شقيقها عنها و جرت إلى خارج المخيم بكل قوتها.

جلس قنديل القرفصاء و هو يمسح وجهه بتعب مغمغماً:" هذه البنت." حين أبعد يده وجد دريد لا يزال جالسا أرضا حيث دفعته و يده على بطنه بينما يشهق، ترك مكانه و اقترب منه سائلا بلطف:" هل تشعر بالألم يا دريد؟"

نظر له الصغير بقهر:" لماذا صفعت أختي يا معلمي ؟" اندهش قنديل للحظة ثم قال بحزم:" أختك تصرفت بشكل سيء، و هي تحتاج العقاب لتدرك خطأها فتصححه، لم أقصد ضربها حقا و لكنها كانت خارج السيطرة."

  تكلم دريد بالشهقات:" لبنى طيبة، إنها حنون و مراعية.. لقد آذاها شخص تعتز به كثيرا لذا أرجوكم لا تحكموا عليها بأنها شخص سيء.."

مسح المعلم على رأسه:" أنا أعرف ذلك بالفعل، اطمئن. لو كنت أراها شخصا سيئا فما كنت لأسمح ببقائها للحظة."

بعد ذلك، حمله بين ذراعيه و أخذه إلى الفراش ليرتاح، ثم عاد إلى الأطفال و تولى عنهم إعداد العشاء ليأخذ حصة منه إلى دريد فتركه بجانبه و هو يهدده بالعقاب إن آبَ* و لم يجد الصحن فارغا، لقد كان قنديل شخصا صارما، و لكنه يعرف متى يمطر بطيبته على تلاميذه.

و بعد أن نشر كلابه حول المخيم، تركه و خرج أخيرا للبحث عن لبنى و هو يحمل قنديلا في يده.

◇◇◇◇

في تلك الأثناء، كانت لبنى تتابع ركضها نحو المجهول، و لم يوقفها إلاّ تعثرها بأحد الكثبان لتسقط على وجهها بقوة.

زحفت بركبتيها، و استندت على كفيها لتستقيم جالسة، كان شعرها قد فتح و انسدل طويلا على كتفيها، ليواري بعضا من وجهها الذي تلوث بالتراب و الدموع.

لماذا يحدث هذا معها؟

من يظن ذلك العجوز نفسه ليصفعها؟

إن لم ترجعها له فلن يكون اسمها لبنى! عصرت الرمال بقبضتيها ثم أخذت تلكم الأرض بغضب عارم، في ثورة شديدة و انفعال جنوني.

أصدرت صيحة عالية في السماء لتخرج بها كل ما يختلج قلبها.

هي مجبرة على العودة إلى ذلك المكان البغيض مرة أخرى و ليس هنالك من مهرب، لا يمكنها أن تعود خائبة إلى قتام، ثم هي لا تعرف الطريق حتى و لا تملك وسيلة!

فقط لو كانت محظوظة قليلا لربما كانت قد وجدت ختم قيس الذي قال أنه في الأغلب سيكون في منزلهم، و لكنها بحثت جيدا و لم تعثر عليه و يبدو أنه ضاع إلى الأبد، و لحظها العاثر، عليها التورط مع حفنة من الذكور لتحظى بختم لا تضمن حتى أن يكون عليه الاسم الذي تحتاجه!

  - " فليحترق جميع الرجال في الجحيم ! فليحترقوا !!! " نهضت لبنى من جديد و هي تفرغ مشاعرها السلبية في الركض بينما تصرخ مرارا و تكرارا : " فليحترقوا.. فليحترقوا.."

  - " آه !!"

اختلط صوتها المتأوه بصوت آخر و قد شعرت بنفسها تصطدم بشيء صلب.

صحيح أنها كانت مسرعة، و صحيح أن الظلام شديد من حولها لاختباء القمر خلف السحاب، و لكنها كانت تنظر أمامها و لم تتبين شيئا قبل حدوث الاصطدام؟

نهضت بعيونها المنتفخة و المحمرة أكثر من خدها المتألم، و أخذت تضيقهما و تمسح المكان من حولها، ارتفع حاجباها حين أبصرت شيئا يحتك على بعد خطوتين منها ! ما هذا ؟

قفزت واقفة و انطلقت صرخة حادة من حنجرتها حين رأت عينين كبيرتين في الفضاء المظلم، ثم ظهرت أسفلهما أسنان لؤلؤية، و صدح من بينها صراخ حاد !

صرخت هي الأخرى و ركضت عائدة من الطريق الذي جاءت منه و هي ترتجف و تتمنى أن تجد أي شخص من المخيم.

توقفت بعد بضع دقائق إذ أنها حين نظرت للوراء لم تجد أحدا يلحق بها، أ تراها كانت تتوهم ؟

حين تلاشى الخوف، دغدغ الفضول قلبها و أرادت التيقن مما رأته، فأخذت نفسا و سارت بحذر فوق أثار أقدامها السابقة.

عادت إلى حيث كانت تزامنا مع ابتعاد السحابة عن القمر، و لكن رغم انتشار الضوء إلا أنه لم يكن في المكان سواها.

زفرت الهواء براحة و سخرت:" لوهلة ظننتني سأقابل أحد جان الصحاري." و لكن الخوف عاودها حين شعرت بجبهتها تنبض بألم، مهلا هي حتما اصطدمت بشيء ما !

تلفتت حولها ثم زادت بضع خطوات إلى الأمام فلمحت البئر الذي اعتادوا أن يقصدوه كل صباح، لتتقدم نحوه على مهل.

وقفت في مقابله و ابتلعت ريقها بصعوبة، انتظرت قليلا حتى مرت سحابة أخرى و أفسحت المجال لضياء القمر كي يكشف لها ما حولها، وضعت يدها على حافة البئر و نظرت لداخله، بعدها مشت حوله بتؤدة* ثم تحولت لصنم حين لمحت قدما.

كان هنالك حتما شخص ما ينكمش وراء البئر، و لكن ما هو احتمال أن يكون إنسيا؟ ما قد يجلب بشرا لهذا المكان في هذا الليل الموحش ؟

لقد كانت هنالك الكثير من القصص المخيفة المتداولة في قتام، و حتما العبث مع الماورائيات هو ضرب من المخاطرة الوخيمة! و لكنها لا تملك ما تخسره حقا، فليكن ما يكن!

أبعدت عن قلبها الخوف بصرخة عالية و هي تقفز حول البئر، و ازداد صراخها حين اختلط من جديد بصراخ آخر ممتزج بالبكاء: " أتوسلك أيتها الجنية! لا تؤذيني! سأنفذ ما تريدين!"

تلاشى صراخها ببطء بينما تنظر للطفل الخائف أمامها و هو يضع ذراعيه أمام وجهه، نظرت إلى بشرته الفاحمة، كان حالكا حتى بين السود أنفسهم، لهذا السبب هي لم تستطع تمييزه عن ما حوله. حين أدركت هذا، انخرطت في ضحك هستيري على خوفها السخيف.

برقت الدموع على وجه الغلام أمامها، و الذي التصق بصخور البئر قدر ما يمكنه بينما يحدق في الروح الشريرة أمامه بثوبها الطويل و شعرها المسدول و وجهها المنتفخ بينما تقهقه بشكل مرعب، حقا كان على وشك أن يفقد الوعي.

مسحت لبنى دموعها بعد أن انتهت و أخيرا من الضحك: " يا إلهي، كلانا ظننا بعضنا جانا، يا للموقف السخيف!"

  - " أنتِ..لست جنية؟" سأل بتردد.

  - " بالطبع لا." قالت باستنكار، و لكنها حين ألقت نظرة على نفسها فهمت سبب ظنه، فمررت يديها على شعرها الطويل و جمعته في كعكة.

حين أعادت نظرها إلى الفتى وجدته ينظر إليها بدهشة، فسألته بنبرتها الوقحة التي امتلكتها مؤخرا:" ما بك ؟"

نظر لأسفل و هز رأسه للجانبين: " لا..لا شيء.."

  - " ماذا تفعل هنا ؟ هل أنت عبد هارب ؟" سألته لبنى و يداها على خصرها، فرفع  رأسه و قد تبدلت ملامحه الهادئة إلى أخرى غاضبة : " أنا حر! لست بعبد لأي أحد !!"

  - " حر؟" استنكرت لبنى و في نظرتها بعض الاحتقار ثم قالت : " حتى و لو تم تحريرك فستكون تابعا لمن حررك."

وقف الغلام متضايقا:" ولدتُ حراً لأبوين حرين!"

  - " أوه، حقا ؟ " قالت لبنى بأسلوب ساخر، و لكنه لم يرد عليها و ظل صامتا و وحدها سوداوتاه تتكلمان.

 

  لسبب ما شعرت لبنى بأن فيه شيئا مختلفا عن بقية الأولاد و الرجال الذين تعرفهم، ربما هي نظرته التي تشبه نظرتها؟ كشخص تعرض لضيم لا يستحقه.

  - " حسنا يا سيد حر، ماذا تفعل هنا ؟" سألته لبنى ليجيبها بنبرته الهادئة : " أنا ضائع."

تأملته لبنى مليا، كان أقصر منها قليلا، و لكن ما أثار انتباهها أكثر من لونه الفريد، هو الإصابات التي تغطي جسده في أمكان متفرقة، حتى أنه كانت هنالك آثار دماء على القميص و السروال الباليين اللذين يلبسهما.

عقدت حاجبيها مستفسرة:" من فعل هذا بك ؟"

  - " أشخاص سيئون." أجاب باختصار و هو لا ينظر نحوها، فعادت تسأل : " إذا..يوجد رجال يعانون ؟" دفعته بذلك إلى أن يرفع رأسه و ينظر إليها بغباء، هزت كتفها بلا إكتراث:

  - " يبدو أن في العالم بعض العدالة، جميل رؤية رجل جريح." ثم التفتت مبتعدة عنه.

تركته لبنى و مشت لمدة حتى لمحت المخيم على بعد أمتار، و لكنها توقفت للحظة و استدارت ببطء و أعين ضيقة، فرت من فمها صرخة قصيرة حين وجدت الصبي -الذي نسيت أمره- يقف خلفها بأعين بريئة.

زمجرت لبنى :" تبا لك قد أفزعتني !

ماذا تظن نفسك فاعلا بملاحقتي؟"

تبسم بلطف:" أنا أعتذر منكِ، ظننتك انتبهت لوجودي."

  - " بالتأكيد لم أفعل! أنت لم تصدر أي صوت طوال الطريق، أ تراك شبحاً !" تذمرت بضيق و أيد متقاطعة ليطربها بضحكة رنانة:" لطالما قيل لي هذا، لك خالص اعتذاري مرة أخرى."

  - " أبق اعتذارك لنفسك، و ارحل عن هنا قبل أن يراك أحد."

  عبس الفتى:" هل لا أستطيع البقاء حتى يطلع الصبح؟ أعدك لن أسبب إزعاجا."  حشرت وجهها في خاصته كمتنمرة: " كلا ! هيا اغرب عن وجهي حالاً قبل أن أضربك، و أنا أعنيها."

  - " هل أنت قوية جدا ؟" سألها بأعين لامعة مثيرا استغرابها لتشوه وجهها باشمئزاز:" هل أنت مخبول؟" فهز رأسه نافيا: " كلا، و لكن يعجبني الأقوياء، هل تقبلين صداقتي؟ سأحب أن أرافقك و أعرف كيف أصير قويا مثلكِ." مد يده في الأخير.

تطلعت لبنى إلى يده كما لو كانت تنظر لطعام فاسد، حتى و إن كان يبدو عليه أنه حظي بحياة قاسية إلا أنه لا يزال رجلا، صحيح ؟ مضمضت فمها جيداً ثم بزقت على كفه ليتخشب الفتى مكانه من الصدمة.

قالت لبنى بحقارة : " يبدو أنك لم تفهم حتى اللحظة، أنا أكره أي شيء تحت مسمى رجل، و لو كان طفلاً."

تبعثرت ملامحها الواثقة فجأة حين تمددت ياقة ثوبها من الخلف فتطلعت خلفها بشراسة، لتجد نظرة أشرس على وجه المعلم قنديل:" أين كنتِ يا ابنة سنمار !!"

نفضت نفسها بعنف:" المهم قد عدت، ماذا تريد؟ سأقارعك الآن رجلا لرجل.

لقد دهشت سابقا فلم أفكر برد الصفعة لحظتها!"

  - " أنا معلمك يا لبنى ! يحق لي تأديبك حين تتمردين!"

  - " مهمتك تدريبي فقط، لا شأن لك بيني و

  بين دريد!"

  - " أنت و دريد تلميذان عندي لذا لي كل الشأن!"

  - " هذه مشكلتكم أيها الرجال، تعتقدون أن لكم الحق في كل شيء ! " رفعت سبابتها في وجهه فنقر بعصاه الأرض :

   " أ ليست الأمهات تأدبن أولادهن أيضا؟!"

  - " لكن ليس حين يصيرون في عمري! بمجرد أن تكبروا قليلا تثملون بالغرور كما لو أن كونك رجلا يجعلك ملكا فلا يترك ولد أمه لتأدبه بل و يضربها هو فوقها."

  - " هذا غير صحيح، ما تزال أمي تؤدبني." بعد جولة صراخ متبادل بين الشيخ و الصغيرة، تدخل الغلام الذي كان يتفرج بصمت، فنظرا نحوه و قد انتبها له للتو، أحرجته النظرات فشبك يديه خلف ظهره قائلا:" أعتذر عن المقاطعة، تابعا من فضلكما."

سأله قنديل : " من أنت أيها العبد الصغير ؟"

وضع يده على صدره و أجاب بأدب رغم لمسة الغضب على قسماته : " أنا حر، و اسمي هو عجو، أيها العم."

  - " و ماذا تفعل هنا في وسط الصحراء؟ "

ردت لبنى بدلا عنه: " يزعم أنه ضائع." بعد أن كان المعلم ينظر إليها حول نظره إلى عجو و استفسر:" ضائع ممن؟ هل كنت مسافرا في قافلة ما ؟"

نظر عجو إلى لبنى بشكل خاطف، ثم نظر للأرض و قال:" لا أعرف." ليستنكر المعلم:" كيف هذا؟" مسح عجو على رقبته : " أنا أذكر فقط اسمي و أني حر."

  - " إن كنت فاقدا للذاكرة فأنى لك تذكر كونك حرا و أن أهلك أحرار كذلك! " لم يبدو أن لبنى تصدقه البتة، فدافع عجو عن نفسه:" إ...إنها الحقيقة! أنا لم أكن عبدا، لا أذكر أهلي تماما و لكني أعرف جيدا أننا لم نكن مستعبدين لأحد!"

  - " أيا يكن، أنت، أيها المعلم..ماذا ستفعل به؟" لبنى مكتفة اليدين نظرت لمعلمها الواقف على جانبها و كان في نبرتها وقاحة تخرجه عن رزانته دوما، فرمقها بطرف عينه.

و عندما انتصف الليل، كان عجو قد حصل على فراش في خيمة الأطفال، و خلد المعلم قنديل للنوم هو الآخر، بعد أن ترك لبنى مربوطة في خشبة و الفلفل الحار محتجز في فمها.

انتفضت بلا جدوى لساعات، ثم تعارك النوم و الحقد في سوداوتيها.

◇◇◇◇

كان الجميع في البيداء يعتقد أن جلمود هو الأسوء بينهم، و لكنهم اليوم اكتشفوا موهبة أفشل منه.. إنه عجو، الفرد الجديد في المخيم.

حين طلعت الشمس، تم إيقاظ الجميع ليمروا بروتينهم اليومي في حين تم استدعاء عجو إلى خيمة المعلم للتحدث.

قال المعلم : " نحن هنا في منطقة نائية، و يندر أن يمر بنا أحد، لذلك سيكون عليك الانتظار لفترة قبل أن نجد من نرسل معه خبر العثور عليك، يجب أن يكون أهلك يبحثون عنك."

اتسعت ابتسامة عجو:" هل ستسمح لي بالبقاء هنا إذا ؟"

  - " و هل خلت أني سألقي بك في الفيافي*؟"

قهقه عجو بإحراج: " ليس فعلاً." رتب قنديل اللفائف على مكتبه و هو يقول : " حسنا، على كل حال يمكنك البقاء هنا في ضيافتي، و إن أحببت فلن أمانع مشاركتك لتلاميذي في تدريباتهم، ما قولك ؟ " تراقصت سوداوتي عجو في محجرهما مفكرا ثم ابتسم بتكلف:" لست متأكدا من أنني سأبلي حسنا في هذه الأمور، لا أحبذ القتال." ارتفع حاجبا قنديل بتعجب:" و لكنك رجل يا عجو، ينبغي أن تملك القوة الجسدية الكافية لحماية نفسك و الذين تحبهم."

ظهرت عقدة بين حاجبيه و عيناه للأسفل كعادته:" أنا أعلم.

و لكن..أخاف بشدة أن أؤذي أحدا.آخر مرة فعلت، شعرت بقلبي يؤلمني على الرغم أنني آذيت شخصا آذاني أولاً..

أترى هنا ؟ هذه دماؤه.." و أشار إلى البقع التي تلوث قميصه القمحي.

أظلم وجه قنديل و هو يسأل بحذر:" هل لوثت يديك، أيها الصغير ؟ " عندما أدرك عجو مقصده أسرع يقول:" كلا يا سيد قنديل! أنا لم أقتل أحداً ! لقد ضربته بقارورة من زجاج في لحظة غضب، فتناثر علي بعض من دمه حين جرح، أنا أقسم!"

هز الشيخ رأسه بثقل:" أتمنى أنك تقول الحقيقة." ليصمت عجو بتعبير عابس، هو لا يملك ما يثبت أقواله على أية حال.

أمسك قنديل بعصاته و اتكأ عليها ليقف، ثم اتجه لصندوق يقبع على مسافة من مكتبه، ففتحه و أخذ يقلب محتوياته مفتشا عن شيء ما.

كان عجو ينظر إليه بهدوء، و لكن الحركة خلفه دفعته للاستدارة بعفوية، فوجد ماعزاً تتسلل إلى الخيمة بوجه بليد بينما تمضغ غصنا أصفر اللون، ظهر فرح طفولي على وجه عجو و هو يغير جلسته باتجاه الماعز و يشير بيديه لتدنو منه فيأخذ بالمسح على رأسها و رقبتها كما لو كانا صديقين قديمين.

رفع قنديل ثوبا أبيض و رداءً بلا أكمام بلون نيلي، ثم غمس يده و أخرج منها عمامة سوداء، ليقف و يخاطب عجو:" لحسن الحظ وجدت ملابس في مقاسك، أقتني البعض أحيانا في حال احتاج أحد تلامذتي لما يكسيهم.."  تفاجأ بمخاطبه مشغولا باللعب مع أحد حيواناته، فتبسم الشيخ بهدوء و هو يحدث نفسه بأن شخصا يداعب الحيوانات بهذا الشغف يستحيل أن يكون مجرما، و زاد يقينه حين نظر له عجو متوسلاً كجرو بريء: " أ تأذن لي بالحصول على البعض من حليبها؟ سأدفع الثمن بمساعدتك في أشغالك كمعلم بيداء."

جملته كانت كدقة جرس في عقل قنديل، فمشط لحيته مجيبا:" تبدو صفقة جيدة، كنت أفكر بين الحين و الآخر في حاجتي إلى مساعد.." ثم أعقب ملوحا بسبابته:" و لكن أريدك أن تحظى ببعض التمارين مع البقية، أنا جاد في أنك يجب أن تصير قويا فأنت هش كفتاة صغيرة." تملك الإحراج عجوا بسبب التشبيه و لكنه هز رأسه بطاعة.

مع هذا، فقد أدهش الجميع برداءته و جبنه، فهو لم يكن يستطيع حتى تثبيت السهم في قوسه، و خلال النزال كان يتردد و يهرب طوال الوقت، و خسر بجدارة في السباق أمام جلمود كما لو أن قدميه مصنوعتان من الهلام !

جلس عجو و ضم قدميه إلى جسده بإحباط كبير، كان فشله المتعاقب محرجا بالتأكيد، و لكن ما أضاق صدره حقا هو ضحكات لبنى عليه في كل مرة، لقد بدا أخرق بالكامل أمامها.

شعر عجو بيد صغيرة تحط على كتفه، فرفع رأسه بوجه حزين، ليجد دريدا يقابله بابتسامة كبيرة :" لا بأس عليك يا عجو، يمكنك أن تتحسن مع الوقت."

بادله عجو الابتسام بامتنان كبير:" شكرا لكلماتك الطيبة.. هل لي أن أسأل عن اسمك ؟"

  - " أنا دُريد بن سنمار." تفاجأ عجو و كان على وشك الاستفسار عندما تحدث دريد ضاحكا:" نعم، لبنى هي أختي الكبيرة، أنا آسف لأنها كانت تهزأ بك، لقد أصبحت شريرة قليلا مؤخرا." ضحك عجو بخفة على الجملة الأخيرة بينما ينظر بطرف عينيه إلى لبنى التي كانت تحمل تلك المعزاة بشكل نصفي و تجعلها تقلد طريقة ركض عجو، ثم قال بنبرة هادئة رغم مشهد التنمر الصريح بجواره:" إنها تكافح الحياة بطريقتها الخاصة."

جلس دريد على الأرض بقربه بينما انشغل البقية بأدوارهم في التدريب، و قال : " أنت غريب قليلا ، أ تعلم ؟"

نظر له عجو بتعجب : " كيف ذلك ؟ " هز دريد أحد كتفيه بينما يلعب بالرمال بكلتا يديه:" لا أدري، أنت لا تتصرف كبقية الأولاد، تعلم..كما يقول الكبار نحن نملك الكثير من الطاقة، لا نبق في مكان واحد، نلعب و نتحرك و نتصرف بشكل شقي.."

التقى حاجبا عجو في تعبير محبط:" هذا سيء، صحيح؟" و لكن رفيقه الصغير أجابه بمرح :" كلا، قال لي أخي رمل ذات يوم أن العالم ممل إذا كان الجميع متطابقين."

فرك عجو شعره المجعد:" أنا فقط لا أملك الكثير من القوة الجسدية، و لكن في هذا العالم كونك رجلا يحتم عليك التحلي بها لتكون درعا لأهلك.. هذه مسؤولية منهكة."

قال دريد و هو يمسح يديه في ثوبه:" أنا مستعد لتحمل هذه المسولية مهما كانت صعبة، فأنا سوف أكون درعا للبنى عندما أصبح كبيرا."

ابتسم عجو:" و هل من مثل لبنى يحتاجون إلى من يحميهم؟" تلفت دريد حوله بحذر ثم أخفى فمه بيده و همس في أذنه : " لبنى بنت، و واجب الرجال حماية البنات."

همس عجو في المقابل : " و لماذا تهمس ؟ " رد دريد بخوف: " لبنى الوحيدة التي يمكنها القول عن نفسها أنها فتاة، لو أقولها أنا أو أي ولد غيري، فستضربه!"

  - " أعتقد أنني سمعت اسمي وسط هذا الهمس..؟"

 

  التفت الولدان إلى الخلف فوجدا لبنى تقف هناك و هي ترفع حاجبها بانزعاج، تقدم بعض الأطفال منهم و تحدث أحدهم بتردد:" لقد..لقد قال المعلم أن تبقي بعيدة..عن دريد.."

  - " نعم، إذا اقتربتِ أكثر فسيجب علينا..إعلامه."

فركت لبنى أذنها بضجر:" اطمئنوا لن أكله." ثم أضافت مخاطبة عجو:" تعال إلى الحظيرة إن كنت تريد حلب تلك الماعز، قال معلمي أنك تريد منه." قفز عجو واقفا بحماسة و مشى معها من فوره، و في الطريق أخذ نظرة للوراء حيث دريد الذي انضم لرفاقه بوجه عابس.

بلع ريقه ثم سأل بهدوء:" هل أنت متشاجرة مع أخيك؟" نظر إليها و قد كانت تمضي بوجه غير مكترث و قالت:" ليس لي إخوة." فتح عجو فمه فقالت بسرعة:" لا تخاطبني."

  - " لماذا؟" سأل و لكنه لم يتلقى إجابة فتنهد.

توقف الاثنان أمام سياج من القصب، و خلفه كان هنالك عدد من الحيوانات الأليفة كالماعز و الخراف و الدجاجات و الديكة، كان الباب مفتوحا و لكنهم لم يخرجوا، فبداخل الحدود كان لديهم الماء و الطعام و الأمان، الاستثناء الوحيد كانت تلك الماعز التي تتجول حول المكان بين الحين و الآخر إذ لا بد من شقي في كل مجموعة.

أخذ عجو بعض الحب من الأرض و جعل يطعم ديكا، في حين اختفت لبنى داخل غرفة صغيرة من الطين و عادت بسطل، اتجهت إلى الماعز المتجولة و التي كانت قد رجعت قبلهما فوضعت السطل أسفلها ثم وقفت و طرحت يدها في الهواء كتقديم: " حظاً طيبا." بعدها ذهبت و جلست على حافة السياج و هي تطالعه و قد جلس على ركبتيه و أخذ يحلب الماعز بصمت.

استغرق الأمر وقتا، و طواله لم يجرِ بينهما أي حديث حتى أخذ عجو حاجته من الحليب، فحمل السطل بين يديه و وقف أمام لبنى: " لقد انتهيت. شكرا لك، لبنى."

  - " علامَ تشكرني؟" استنكرت فأجاب بابتسامة صغيرة:  " على مرافقتك لي إلى هنا، و على بقائك معي ، تخيلي ماذا كان سيحدث لو هاجت الماعز فجأة و عجزت عن تهدئتها.." ردت بشفة مائلة:" لكن هذا لم يحدث." هز كتفه ببساطة ثم جلس على الأرض بقربها و أخذ يشرب بنهم و تلذذ، حدقت لبنى به و ضحكت بخفة دون أن تُسمِعه، كان يبدو تماما مثلها حين تأكل التمر.

لنعدل نقطة -دون أن تُسمعه- فهو لم يسمعها فقط بل و رآها أيضا، أشرق وجهه بالسعادة، ثم رفع سطل الحليب:" أ تريدين البعض؟ إنه كالنعيم." أبعدت لبنى السطل بتقزز:" لا أطيقه." كانت صدمة للعاشق الكبير أمامها و الذي استقام واقفا:" ماذا؟ هل يوجد من لا يحب الحليب؟!" هزت رأسها بسخرية: " نعم، أنا ؟ "  مد بالسطل مجددا:" أ جربت تذوقه حتى؟"

  - " ربما منذ زمن بعيد، أنا جادة..عجو! أبعده عن وجهي."  أخذت تبعد السطل بينما يدفعه نحوها مستغلا مزاجها الجيد، حتى أنها ضحكت و قفزت عن السور خارج الحظيرة.

قالت بابتسامة مستمتعة و هي تخرج لسانها:" لقد خسرتَ مرة أخرى اليوم! لا أحد يجبرني على شيء. " ثم ركضت مبتعدة.

تابعها بعينيه حتى اختفت خلف احدى الخيام، و بابتسامة عجز عن مواراتها هو رفع السطل لفمه ليشرب، ثم اختنق قليلا حين دنى خروف منه و دغدغ عنقه.

_________

آب : رجع ، عاد.

الفيافي : الصحراء.

بتؤدة : بتأنٍّ ، على مهل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كالحليب مع التمر

المؤلف شالا تندوف
2026/07/27 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة