صحا القمرُ و غفت الشمس.
زال اليوم، و سيصير الأمس.
و ها هي ذي، أختي، ستنام.
صحا القمرُ و غفت الشمس.
و نجوم الليل أخذت في الهمس.
في أذني أختي، لترى الأحلام.
هيا ببطء، فلتسدلي الأجفان..هيا لُبنتي نامي بسلام.
فأخوك هنا أبد الأيام."
صدحت تلك الأغنية في كل الأنحاء ، بصوت صغير لطيف، و أخذ صاحبها يرددها مرارا مع كل خطوة كانت تخطوها هي نحو الأمام، أخذت تقترب من مصدره، أوه إنها غرفتها ! هل صاحب الصوت في الداخل؟
دفعت باب القصدير بكفين صغيرين، و قبل أن ترى شيئا شعرت بذراعين تحتضنان رقبتها بلطف.
صار الصوت عند أذنها تماما، واضحا و صافيا و دافئا.
تبسمت، ثم فاضت دموعها حتى ابتلت تلابيب ثوبها، و صاحب الصوت يتابع الغناء و هو يحركها يمينا و شمالا بهدوء.
" لبنى!"
اخترق ذلك الحدثَ صوت مرتفع، جعل المنادى عليها تغادر ذلك العالم لتحط على أرض الواقع بقوة، فنهضت بوجه مذعور و نفس لاهث.
كانت جونة تجلس على ركبتيها و أصابع قدميها و هي تناظرها بخوف، احتاجت لبنى للحظة حتى تستعيد هدوءها، نظرت للغرفة و تذكرت أنها كانت تأخذ قيلولة مع بنات رمح.
خاطبتها جونة :
" هل أنت بخير؟ لقد كنت.. تبكين."
ارتبكت لبنى و أسرعت تجفف الدموع التي كانت تملأ وجهها، من الطبيعي أن يحظى المرء بأوقات يستيقظ فيها و يجد دمعة أو اثنتين على وجهه، و لكن ما كان على وجه لبنى، كان أكثر من ذلك بكثير، لقد احمرت عيناها بشدة.
- " آه..لا أدري ما خطبي..وجهي كله مبلل!!" سخرت لبنى بتعب من نفسها، و أفصحت و لا زال شعور ثقيل بالحزن يعشعش في قلبها:" أنا حتى..لا أذكر عما كان الحلم."
- " ربما كانت أضغاث أحلام لا أكثر، إنه العصر لذا يحدث أن تحصلي على بعض الأحلام الغريبة أو السخيفة.
هيا لتنضمي لنا في المجلس." انتبهت لبنى إلى غياب ضحكة و ياقوت فسألت:" هل أطلت في النوم ؟ " فردت جونة واقفة:" ليس كثيرا، اطمئني، لست آخر المستيقظين ففاتنة لم تبرح فراشها بعد، تلك الكسول."
أزاحت لبنى الغطاء عنها و نهضت و هي تمسح وجهها بتعب، ثم عادت تسأل بنبرة لائمة:" صحيح يا جونة! لماذا كذبت على أهلك؟ أكره أن أتعامل بقلة أمانة مع أشخاص طيبين."
- " للضرورة أحكام، ليس و كأنني أحب أن أكذب عليهم و لكني لم أجد ما أقوله لأضمن بقاءك، لو قلت أنك عروس هاربة لحاول أبي التدخل لإرجاعك و الصلح بينك و بين زوجك أو ما شابه، لا أدري.. كنت مرتبكة."
- " فهمت، أنا أعتذر لوضعك في موقف كهذا." تأسفت لبنى لتربت جونة على كتفها بابتسامة مواسية:" لا عليك، ثم أنا سأخبرهم بالحقيقة ذات يوم، عندما تستقر الأمور."
- " شكرا لك حقا يا جونة، أنا مدينة لك لكل ما تفعلينه."
- " لا شكر على واجب، النساء لبعضهن، و الآن هيا اذهبي لبيت الخلاء و اغسلي وجهك ثم تعالي.. أعدت ضحكة مخبوزاتها طيبة المذاق." فتحت جونة الباب و قبل خروجها أخبرتها أن الحمام في الطابق السفلي.
رتبت لبنى فراشها، ثم رتبت بقية الأفرشة، يبدو أنه ليس فيهن من تكترث لترتيب حاجياتها، و في حقيقة الأمر لم تكن لبنى ترتب و تنظف حبا في النظام، و لكنها في المنزل كانت إذا غيرت مكان شيء أو بعثرته، فإنها تنال عقابا مؤلما. و حتى إذا لم تكن ستحصل على العقاب هنا، إلا أن رعب العقاب لا يزال يسكن داخلها و يدفعها للترتيب على مضض.
نزلت السلالم و أصوات العائلة السعيدة تصدر من المجلس عن يسارها، أخذت الرواق على اليمين و مدت يدها إلى أحد الأبواب الذي خالته باب بيت الخلاء، و لكنها تفاجأت بها غرفة نوم !
لفت دخولها الفتاة بالغرفة و التي كانت تسرح شعرها المجعد أمام المرآة فنظرت لها ببرود عبر المرآة، و لما لم تقل لبنى شيئا وسط دهشتها باقتحام الغرفة الخطأ، التفتت المدعوة فاتنة بحاجب مرفوع:" أ لم يعلمك أحد أن تطرقي الباب قبل الدخول يا عديمة التهذيب ؟! "
تلون وجه لبنى، ليس حرجا بقدر ما هو غضب، و دافعت عن نفسها قائلة : " ظننته الحمام!! " ثم نفضت الباب و فتحت الذي يقابله و الذي كان الحمام فعلا فدخلته بخطوات غاضبة.
غسلت وجهها مرارا منفعلة حتى احمرت بشرتها، ثم أخذت تلتقط أنفاسها المتلاحقة و تحاول تمالك نفسها، لم تكن هنالك حاجة لإهانتها بينما هي لم تفعل ذلك عن قصد!
فتحت ظفيرتها المبعثرة، لينسدل شعرها الحريري الطويل على كتفيها، من ثم نظرت من حولها و رأت مشطا موضوعا في سلة من الزعف، فأخذته ، نظفته ببعض الماء ثم بدأت تسرح شعرها بعنف متمنية لو كانت غزالة هنا لتحدثها عن مضيفتها الفظة.
انتفضت مذهولة و قد التفتت إلى باب الحمام الذي فتح بقوة و ظهرت فاتنة من خلفه بنظرتها المتعالية، هتفت لبنى:" أنا متأكدة من أنني أغلقت الباب! "
تقدمت الشابة بخيلاء:" علقت ياقوت مرة بالداخل، فأحدث أبي تجويفا لرفع القفل من الخارج، إنه للطوارئ."
- " و ما الطارئ هنا ! هذه قلة التهذيب الحقيقية كيف تدخلين على شخص يستخدم الحمام !؟" كانت لبنى تحاول أن لا تصرخ فيسمعها الباقون، بينما كانت عيون فاتنة على شعر لبنى طوال ذلك. انتبهت فجأة للمشط في يدها فأخذته بانفعال:" أيتها السارقة، هذا لي !"
- " لقد استعرته للحظات فقط، لا تغيري الموضوع، لم فتحت الباب علي هكذا ؟ ماذا تريدين ؟"
- " عفوا !" استنكرت فاتنة ثم حشرت وجهها في خاصة لبنى:" دعيني أذكرك يا حبيبتي، هذا بيتي و الحمام حمامي، هل أحتاج إذنك لاستخدامه!؟"
- " كلا، و لكن لا يمكنك اقتحامه بينما أحد في الداخل."
- " أنظروا إلى من يتحدث، أ لست من اقتحم غرفتي الخاصة قبل قليل ثم صرخ بوجهي
و هرب؟ "
- " ذلك لأنك وصفتني بعدم التهذيب و هذا غير لائق، تعلمين أني لم أتعمد ذلك و كنت لأعتذر لولا لهجتك في مخاطبتي!"
- " و ما خطب لهجتي؟ أ تراها لهجة بني عرجان لا تليق بمقامك الشريف ؟"
- " ما..ماذا؟ ما مشكلتك معي؟ هل أنت مخبولة؟"
- " هيا اخرجي من هنا حالا، هذا ليس نزلا تقيمين فيه بالمجان و إياك أن تلمسي أغراضي ثانية!! تحركي!" أرادت لبنى الرد عليها بل و لكمها بكل قوتها و لكنها سمعت جونة تنادي عليها، فردت و لا زالت نظراتها المنفعلة نحو فاتنة: " نعم يا جونة! أنا قادمة!"
و عند خروجها شعرت باحدى عروقها تنفجر و هي تسمع فاتنة تقول بصوت عال بينما تضرب المشط بالحوض لتنظفه:" يا إلهي ! هل هذا قمل ؟"
تمالكت نفسها بصعوبة شديدة من أجل أهل فاتنة الطيبين، و ذهبت نحو المجلس و دماؤها تغلي و تفور، أخذت نفسا عميقا و جاهدت لتضع ابتسامة و هي تلقي عليهم التحية.
استقبلوها جميعا بوجوه بشوشة، و ركضت أصغرهم نحوها بفرح كبير، لتجعل من الابتسامة المصطنعة حقيقية.
تنحت حور جانبا و تركت لها مكانا بجانبها لتجلس، ثم قربت لها من الأطباق على المائدة و أعطتها كوبا من الشاي و هي تقول:" تفضلي يا لبنى."
- " أوه. شكرا جزيلا لك." أمسكته لبنى بامتنان و أخذت قضمة من قطعة الفطيرة التي قدمتها لها ياقوت: " خذي يا لبنى، هذه لذيذة جدا!" و قد وافقتها في الرأي بعد تذوقها.
أخذ الأب كأس شاي و نهض من مكانه، و قبل مغادرته سأل لبنى عن حالها و عما إذا قد حظيت بقيلولة مريحة، فأجابته بأن نعم، فتبسم مرتاحا ثم انصرف تاركا النساء في حالهن.
أخذن يتبادلن أطراف الحديث، و كانت لبنى تجيب بأدب على قدر السؤال، لم تتفاعل كثيرا معهن فظنت جونة أن لذلك علاقة بحلم قيلولتها الحزين، و لم يخطر لها أن أختها قد تعرضت لها بلا غاية واضحة.
غصَّت لبنى حين دخلت فاتنة المجلس، فأخذت تسعل بخشونة لتربت ياقوت على ظهرها في فزع بينما مدت لها ضحكة كوبا من الماء، التقطت أنفاسها بينما سألتها فاتنة و هي تجلس بهدوء تام أمامها مقابلة المائدة:" أنت بخير؟"
كانت نبرتها لطيفة جدا و تنم عن قلق، ما بدا شيئا طبيعيا للآخرين و لكن بالنسبة للبنى، فقد كان علامتي تعجب و استفهام كبيرتين. كررت فاتنة :
" يا إلهي، هل أنت بخير، لبنى؟
ما بك شردت هكذا، عزيزتي؟"
- " لا تنهالِي عليها بالأسئلة هكذا لابد أنها تشعر بأن حلقها ملتهب." تذمرت ياقوت و هي تمسح على ظهر لبنى التي شعرت بامتنان كبير لتلك الحجة التي أنقذتها من الرد.
- " كنت قلقة ليس إلا، اعذريني." مطت فاتنة شفتيها ثم بدأت تتناول من الطعام بحماسة و هي تدندن.
"هل أنت بخير الآن، بنيتي؟ " سألت الأم التي تجلس في طرف بعيد عنها لتهز لبنى رأسها بعد سعال أخير:" نعم، آسفة، لقد مر الشاي من الجهة الخطأ."
- " لا بأس، تأكدي من أن تشربي على مهلك." قالت الأم بلطف لتومئ لبنى بطاعة، و تعود لإكمال كأسها بينما تختلس النظرات نحو فاتنة التي كانت تبدو شخصا آخر.
- " أوه، ضحكة! بحقك إن هذه لذيذة حقا ماذا وضعت في حشوتها ؟" صاحت فاتنة فجأة لتجيب شقيقتها : " هل أحببتها؟ إنها محشوة بمزيج من العسل مع القليل من القرفة و اللوز."
- " بلى، إنها لذيذة، خذي لبنى! عليك تجربتها أنت أيضا." مدت فاتنة بالرغيف الحلو نحو لبنى و التي جالت بعينيها على الجميع في ارتباك، ثم توقفت تنظر لوجه فاتنة التي طالعتها بأعين لامعة و وجه مشرق، و تساءلت عما يعنيه هذا التحول الغريب.
و لما وجدت أنه من المريب رفض طلبها فقد أرجعت خصلة من شعرها الذي لم تحظى بفرصة لجمعه بفضل الماثلة أمامها، و أخذت قضمة من الرغيف.
" فعلا، إنه طيب المذاق. سلمت يداكِ يا ضحكة."
"شكرا لكم حقا، لقد أخجلتموني بمديحكم!" غطت ضحكة وجنتيها و أخذت في الضحك.
بعد أن شبع الجميع، رفعت حور الأطباق و أخذتهم إلى المطبخ فهبت لبنى لمساعدتها رغم رفض الجميع و إلحاحهم على جلوسها لترتاح، حتى فاتنة بعينها!
" أين أضع هذا يا حور؟" سألت لبنى في المطبخ و بين يديها صحن حوى بعض الفتات و البقايا لتجيبها حور بينما تملأ قصعة معدنية بالماء لغسل الأطباق:" ضعيه في ذلك السطل هناك، سنعطيه للماشية لتأكل منه."
- " حاضر."
- " ما زلت مصرة على عودتك للجلوس مع الأخريات يا لبنى، للضيف ثلاثة أيام بعدها يسعك مساعدتنا لو أحببت. " انضمت لبنى لها و مدت لها المنشفة بينما أخذت هي دور التنظيف بنفسها و قالت: " لا عليك، أنا مرتاحة بمساعدتكم يا عزيزتي حور، أخشى أن قدوم أبي سيأخذ وقتا و لا أريد أن أكون عبئا للحظة، اعتمدوا علي من فضلكم."
- " لست عبئا، إنك ضيفتنا و على رؤوسنا."
- " شكرا حقا، هذا يسعدني، لقد أكرمتموني بالكثير و أتمنى أن أرد لكم حسن معاملتكم لي."
- " ما الذي تقولينه؟ نحن لم نفعل شيئا يذكر." استنكرت حور ضاحكة بينما تنشف طبقا.
- " بل فعلتم، لذا يا حور، و أنا أعني ما أقوله، إن احتجتني في أي شيء كان و لو مجرد فضفضة حتى فسأكون متاحة.
أنا ممتنة و أريد المساعدة بأية صورة! اتفقنا؟"
ظهر التفاجؤ على محيا حور، لكنها هزت رأسها موافقة بشيء من الخجل و الامتنان و قالت باسمة و هي تمسك آخر كأس من يد لبنى:" و أنت أيضا، كلي آذان صاغية لك لو أردت مشاركة شيء ما مع أحدهم."
- " أ هذا يعني أننا صديقتان؟" رسمت لبنى ابتسامة عريضة متأملة، لتهز حور كتفها بعد أن لم تجد في الأمر مشكلة:
- " حسنا، يسعدني ذلك فأنا لا أملك صديقة فعلية."
" محال!"
" حقا، فأنا أواجه مشكلة في صنع صداقات أو الحفاظ عليها حتى، أنا لا أزور الناس كثيرا فأتهم بالتقصير، و أشرد كثيرا بذهني فيفهمون ذلك تكبرا، و لأصدقك القول فأنا بليدة و غبية و لا أفهم الجو المحيط لذا ينتهي بي الأمر بجرح أحدهم أو بأن أكون محط سخرية دون أن أدرك...فهل..هل تودين صداقتي رغم ذلك؟"
- " و أنا لي عيوبي فكوني مرتاحة، إن قبلتني بعصبيتي و أنانيتي فلا أسهل من أن أقبلك على حالك فأنا أجدك إنسانة صادقة و طيبة." رفعت لبنى يدها طالبة المصافحة، لتبتسم حور و تصافحها و هي تسأل ضاحكة: " هل أنت عصبية حقا؟ تبدين لي هادئة جدا."
- " دعيني أعتاد عليكم و سأكشف لكم عن الوحش بداخلي!!" ثنت لبنى أصابعها عند طرفي شفتيها كما لو كانت أنيابا قاطعة، لتنفجر حور في الضحك بقوة، فترتسم ابتسامة كبيرة على وجه لبنى، يبدو أنها ستنجح في التقرب منها و مساعدتها للتخلص من زوجها الكريه.
" ماذا يضحككن هكذا ؟" دخلت فاتنة المطبخ باسمة.
" ليس بالشيء المهم." قالت حور و لا يزال الضحك في نبرتها ثم خاطبت لبنى :" سأجهز نفسي ثم أذهب لأطعم الحيوانات،أ تطيب لك مرافقتي إلى هناك ؟"
- " نعم، كثيرا !" هزت لبنى رأسها في حماسة كبيرة.
لم تكن حماستها حبا في الحيوانات أو حتى حبا في صحبة حور، و لكن حقيقة عزمها على فصل هذه المرأة عن زوجها كان دافعها القوي، فلو ترك الأمر للبنى لجعلت جميع نساء الدنيا يطلقن رجالهن.
هي فقط تكره الوجود الذكوري في العالم.
- " و أنا أيضا قادمة، سأري لبنى رياضنا و بساتيننا." تحدثت فاتنة و هي تلف ذراعها حول ذراع لبنى و تضحك لها، بادلتها لبنى بتكلف و لا زال الضيق يعشعش في قلبها الحقود، و لكنه قد لان قليلا لفاتنة مع ذلك في ظل تصرفاتها الغريبة فلربما كان صراخها سابقا شيئا من طبعها و لا ينم عن كراهية؟
خرجت حور من المطبخ لتنفض فاتنة ذراع لبنى بعنف ثم تخرج هي الأخرى، بادلت لبنى نظراتها بين ذراعها و مدخل الطبخ في ذهول و ضياع، ما معنى هذا بحق خالق السماء؟
◇◇◇◇
أغلقت حور باب الدار ثم التفتت و يدها على خصرها مدعية الانزعاج و هي تخاطب شقيقاتها اللاتي يقفن أمامها بالابتسامة البريئة عينها :" كنت أسألكن دوما مرافقتي و لكن لا حياة لمن تنادي و الآن تأتين مرة واحدة ؟"
- " الأمر مختلف هذه المرة، فلبنى هنا." قالت ياقوت و هي تمسك بيد لبنى و تأرجح جسدها الصغير.
- " لقد مللنا الأشخاص ذاتهم في قبيلتنا، لذلك من الممتع وجود فرد جديد بيننا." قالت ضحكة بمرح بينما تحمل سلة حوت بعض الخبز الجاف و أخذت بالسير، رفعت جونة سلة أخرى بها كمية من بقايا خضار و فاكهة ثم لحقت بأختها و هي تقول:" يبدو أن لديك قبولا بين الناس من حولك يا صديقتي لبنى."
- " لم أعتد الحصول على محبة الناس أو قبولهم قبلا، لكنّ خالص شكري يا بنات." قالت لبنى بامتنان و هي تطمئن نفسها أن كلمات الفتيات ليست كالتي يلقيها الصبيان، فالبنات صادقات و وفيات عكسهم أليس كذلك؟ فكرت بينما تمشي خلفهما بمحاذاة حور و ياقوت التي تمسك بيدها و تثرثر. أما فاتنة فمشت خلفهن جميعا و عيناها تكاد تخترق ظهر لبنى.
وصلن إلى سور صخري يحيط مساحة شاسعة خلف منزل آل رمح بعد بضعة منازل أخرى، فعبرن المدخل و قد حياهن الرجل المكلف بحراسة الأرض، و انتبهت لبنى إلى بياض بشرته و فهمت أن بني عرجان ليسوا سودا بأكملهم.
" أ هذه الأرض بأكملها لعائلتكم؟" تحدثت لبنى بانبهار و هي تتأمل الأرض المزروعة على مد البصر، كانت مساحة كبيرة للغاية و مستغلة باتقان.
- " نعم، فنحن عائلة غنية بعد كل شيء، كل ما في الأمر أن والدنا يفضل الاقتصاد لذلك نعيش في بيتنا البسيط ذاك. لو شاء أبتي لكانت لكل منا غرفة كبيرة خاصة بها ."
رفعت فاتنة يدها متفاخرة بهدوء، لتقلب شقيقاتها أعينهن دفعة واحدة بينما تغني ياقوت:" فاتنة المتبخترة! فاتنة المتبخترة! " ضحكت البنات بينما لاحقت فاتنة أختها الصغرى بغضب في الأرجاء.
بعدها عادت تقول:" ما مشكلتكن؟ أنا فقط أتلو الحقائق، كيف لها أن تعرف أنها في حضرة شرفاء لو لم أخبرها بنفسي؟"
- " و ماذا ستستفيد من معرفة سخيفة كهذه؟" قالت جونة.
- " أنت السخيفة!" قالت بعض أن زمت شفتها تبحث عن رد و لم تجده، ثم التزمت الصمت مع عقدة بين حاجبيها.
تنهدت شقيقاتها ثم تابعن نحو الحظيرة.
تعمدت لبنى أن تتخلف عن الفتيات حتى تختلي بفاتنة و تضع النقاط على الحروف، رمقتها فاتنة ببرود و قالت بجفاء: " ماذا تريدين ؟"
- " ما هي مشكلتك معي يا فاتنة ؟ لم تكادي تريني لأول مرة حتى رأيت الاحتقار في عينيك."
دحرجت فاتنة سوداوتيها بضجر كما لو كانت تسمع هراء، فاسترسلت لبنى بغضب فاتر:" ليس و كأنني أكترث لمحبتك، حسنا ؟ أنا مضطرة لأمكث هنا فلا تعترضي طريقي بكراهيتك غير المبررة!"
- " إنك أوقح فتاة رأيتها في حياتي!! هل تعتقدين أنك أفضل منا لمجرد أن بشرتك بيضاء؟"
اشمأزت لبنى:" ما دخل هذا بذاك؟ ثم أنت بيضاء أيضا!"
رفعت فاتنة رأسها بغرور عند الجملة الأخيرة، و لكنها أعقبت بعدائية:" أعرف بأنني أختلف عن شقيقاتي و لكنني كبرت و أنا أعرف أن البشر سواء، و لكن أنت جئت من خارج قبيلتنا حيث نحن بالنسبة لكم أدنى مرتبة من الخنازير، حاولي أن تنكري إن استطعت!"
- " الأشخاص الوحيدون الذين يعتقدون بذلك هم الرجال! أنا لم أفكر يوما بتلك الطريقة و حتى أنه كان هنالك وقت كنت صديقة لشخص ببشرة سوداء!"
" نعم صدقتك."
" صدقي أو لا تصدقي لا يهمني، لكم أنك فتاة تافهة يا فاتنة.
صدقت جونة يوم قالت أن هناك نساء كالعلقم، أردت إعطاءك فرصة و لكنك لا تختلفين عن الرجال سوى من الخارج." ثم مضت مبتعدة عنها.
قررت لبنى أن تتجاهل فاتنة تماما اتقاءً لمشاكل هي في غنى عنها، و اختارت الاستمتاع بصحبة شقيقاتها اللاتي بدأت تشكل معهن أواصر صداقة لطيفة، و أخذن يطعمن الجمال و الخرفان في الحظيرة ضاحكات، بينما تقف فاتنة عن مسافة مغلقة أنفها بتقزز و سخط.
مسحت لبنى على رأس أحد الكباش، و قد ضحكت في داخلها من شكله الغريب، فقد كان ضخم الجثة، مكفهر الوجه، و له قرون سميكة و حادة، بدا كثور مستعد للنطح بجنون، و ذكرها بغرابته بمعزاة شقية كانت تعرفها من أيام البيداء، لم تكن تشبه هذا المتوحش سوى في كونها غريبة الأطوار هي الأخرى.
تبسمت لذكراها، و تابعت ذاكرتها لتشكل صورة رجل و غلام صغير داكن البشرة يقفان بجانبها و قبل أن تسترجع أي شيء يجمعها بهما صدح صوت ماما في رأسها:" أحذرك يا لبنى! لا تأتِ على ذكرهما مرة أخرى و لو بينك و بين نفسك.
أ لم يكفك شقاؤك بين رجال بيتك لتصدقي الأغراب؟!"
- " و لكن يا ماما هما ليس كما.." اعترضت لبنى الصغيرة برجاء لتقاطعها ماما بصرامة:" يكفي يا لبنى!! لا تخيبي ظني فيك بهكذا هراء!" لتطأطأ الصغيرة رأسها عابسة:" حاضر."
عادت للواقع، لتسحب يدها و تتراجع قليلا نحو الخلف، و قد اقترب حاجباها في حزن طفيف.
لفتها صوت ضحكات ضحكة و ياقوت فنظرت لباب الحظيرة نصف المفتوح، لتوضح جونة قائلة:" لا بد و أنهما تلعبان على الأرجوحة بالخلف، أ تودين تجربتها ؟" حدقت بها لبنى و كأنها لم تفهم قبل أن تخرج و تقف أمام الشجرة وراء الحظيرة، و التي علق عليها حبل سميك و قطعة من الخشب - يغلفها بعض الجلد- موضوعة عليه للجلوس، و كانت ضحكة تركبها و تتأرجح جيئة و ذهابا و هي تضحك كطفلة صغيرة بينما ياقوت تحتضن دميتها و تنط بجانبها ضاحكة و هي تطالب بدورها.
- " إنها لعبة لا يمل منها، تجعلني أشعر بأنني أطير في الهواء بلا أجنحة" قالت جونة بابتسامة عريضة، بينما صاحت ضحكة ردا على ياقوت التي تتذمر للركوب:" ليس بعد يا صغيرة!
أريد أن ألعب حتى يرتج عقلي."
و لكن حور تدخلت، فوبختها و أنزلتها و تركت ياقوت لتلعب عليها، و بينما وقفت جونة تنتظر أن تكون التالية،فقد افترشت حور و لبنى الأرض على مسافة منهن في مكان ظليل، و أخذتا تراقبان ضحكة و فاتنة اللتان ذهبتا لجلب بعض ثمار العنب الناضجة.
بادرت حور:" أ لا تريدين أن تلعبي أنت أيضا؟"
- " لا أحب هذه اللعبة. " أجابت لبنى بينما تحتضن قدميها.
- " هل لي أن أسأل عن السبب ؟"
- " إنها تذكرني بشخص أمقته، لذلك لم أعد أطيق اللعب عليها." رفعت لبنى رأسها تنظر للبعيد، و في سوداوتيها مزيج من الغضب و الألم.
- " لست الشخص المناسب ليقدم النصائح فأنا أقف مكتوفة الأيدي أمام مشاكلي، و لكن عليك أن لا تربطي الأشياء من حولك بالأشخاص السيئين، فذلك يسلبك سعادتك، انظري كيف تتأرجح ياقوت فرحة، يمكنك أن تفرحي أنت أيضا و لكنك تحرمين نفسك من ذلك بإحياء ذكرى شخص لا تحبينه حتى." كانت لبنى تنظر نحو الأرجوحة طوال حديث حور ثم تنهدت: " الأمر صعب، أشعر بالاختناق حين أعتلي أرجوحة، أشعر به يدفعني و أسمع صوته بوضوح، ذلك يجعلني غاضبة."
- " يدفعك على الأرجوحة ؟ أ هذا يعني أنه شخص كانت تجمعك به علاقة طيبة قبلاً؟"
تساءلت لبنى:" علاقة..طيبة؟" ثم أردفت بعض صمت قصير:" كانت كذلك من وجهة نظري فقط، و من جهته كانت تمثيلا لا غير."
- " لا أريد مضايقتك بالسؤال عن هويته و لكن هل أستطيع معرفة ما جرى بينك و بين ذلك الشخص؟ " سألت حور ببعض التردد خوفا من أن تكون قد تدخلت فيما لا يعنيها، و ما كانت لتتمادى في السؤال عن التفاصيل لولا عرض الصداقة الذي حصلت عليه قبلا.
فكرت لبنى قليلا ثم وجدتها فرصة فقالت:" إذا كنت ستصارحينني أنت أيضا بشأن المشاكل التي تعانين منها؟"
بدا بعض الضيق على قسمات حور و أخفضت رأسها، ثم رفعته بابتسامة حزينة:" حسنا أنا موافقة، فأنت صديقتي."
أخذت لبنى نفسا عميقا، عليها الضغط على نفسها و سحب هذه الحكاية من صندوق الذكريات المدفونة. كم كرهت تفاصيلها و شخصيتها الرئيسية، و لكن إن عنى ذلك مساعدتها على سحب لسان حور فالأمر يستحق نوعا ما.
قالت لبنى بينما تشد العشب دون قطعه:
" لدي ستة إخوة.
قبل ميلاد السادس منهم، كنت غريبة بينهم و لا أحد اكترث لأمري أو اعتنى بي إلا واحداً فقط، إنه أخي أخيل الذي يكبرني بأربع سنوات.... "
- " لبنتي ! " سمعت صوته الصغير ينادي عليها من أعماق ذاكرتها، فخيل لها أنها ترى تلك الذكرى ماثلة أمامها، كطفلين يركضان على تلك الأرض الجرداء..
كانت لعبة ملاحقة، أخذ فيها الغلام ابن التاسعة يقفز من مكان لآخر متجنبا شقيقته الصغيرة التي تلاحقه بضحكة رنانة: " أخي ! سترى، لبنى ستمسك بك !"
- " ليس بتلك الأقدام القصيرة." ضحك الطفل ملء قلبه متابعا الركض و لما رآى التعب ينال جسدها تهاون معها و تركها تمسكه و تحتفل بالنصر في حين مثَّل إحباطه من الهزيمة.
جلسا بعد ذلك على الأرض يستريحان، فمد الطفل بقربة الماء لأخته لتشرب أولا حتى ترتوي، و جعل يتأملها بعين حنون.
و عندما وقف سألته:" أ سنعود إلى البيت؟ لبنى لا تريد." وخزته جملتها، و تمنى لو يضع حدا لخوفها و لكن ما تراه فاعلا ؟ زفر الهواء و جلس القرفصاء أمامها ثم قال و قد ثبت عليها عينيه المطابقتين لعينيها:" أنصت لأخيك يا لبنى، تذكري هذا اليوم جيدا في كل مرة يغمرك فيها اليأس أو يضني جسدك الألم، أخوك دوما ما سوف يحميك و يدعمك و يسعدك بأي ثمن، أنا أعدك وعدا لا رجعة فيه بأن أفعل، كما و سأصير شيخ القبيلة و عندها لن يعلو صوت على صوتي و سأجعلك تحيين بلا أي شقاء، تفهمين؟" هزت لبنى رأسها بابتسامة مطمئنة ليحتضنها بكل قوته.
و لما اقتربا من الدار، غير أخيل وجهته راكضا نحو بيت عمهما لتفهم لبنى مسعاه فتهتف:" هل ستلعب لبنى على الأرجوحة؟"
تورد وجهه بسعادة:" نعم !"
توقف السيد غمام عن الحديث إلى خدمه أمام منزله عندما لمح طفلي أخيه الأكبر يركضان تجاهه بوجوه منتعشة، فاستقبلهما بحضن كبير ضاحكا ثم قال:" أيها الشقيان، هل جئتما لزيارة صديقتكما الأرجوحة مرة أخرى؟"
- " نعم، عمي!" رد أخيل بمرح لتكرر لبنى جملته.
فقادهما إلى داخل بستانه حيث توجد الأرجوحة المعلقة بشجرة ضخمة، لقد اعتادا أن يقصدا منزل عمهما ليلعبا مع ابني عمهما عند تلك الأرجوحة، و حتى و لو لم ينضما لهما فقد كانا يلعبان وحدهما و يمتلآن حبورا، كانت تلك متعة كبيرة و سريعة يحظيان بها قبل الرجوع إلى بيت يحكمه أخوهما آزر.
رفع أخيل لبنى ثم وضعها على خشبة الأرجوحة لتتمسك بالحبال على جانبيها، وضع كفيه على ظهرها و أخذ بدفعها مستمتعا بضحكاتها و طلباتها للدفع بشكل أقوى تارة، ثم صراخها الخائف لتخفيف السرعة تارة أخرى.
طالعهما العم في غبطة، كانت علاقتهما الأخوية من أجمل و أعمق العلاقات التي قد تربط بين اثنين و لكم تمنى لو كان طفلاه مثلهما، فالجميع يعلم كيف أن لبنى قرة عين أخيل، منذ نجاتها من الوأد فقد تطوع ليساعد أمه في العناية بها، فكان يبدل ثيابها و ينظف جسدها و يحلب البقر كل صباح ليشربها إياه. و أخذت أخته تكبر بين ذراعيه كل يوم، فبكى حين زحفت أول مرة، و بكى حين استندت عليه يوما لتقف على قدميها، كانت كل حركاتها و سكناتها تهمه و تملؤه بالسعادة، و كان والده الراحل يهدده دوما بمنعه من المال الذي يحصل عليه منه، بسبب اكتشافه أنه كان يصرفه كله على لبنى، فيشتري القماش و يدفع للخياط ليخيط لها به الثياب، و يستغل ما بقي في صناعة الدمى من أجلها، و لا يزور البائع المتجول قبيلة قتام، إلا وجد أخيل في وجهه يقتني منه حلوى أو مشطا أو دهانا للشعر أو أي شيء قد يعجب فتاة صغيرة ، كانت لبنى ابنته أكثر من كونها أخته، فبات البعض يناديه بالأب الصغير، و كان يحميها دوما إذا ما تعرض لها آزر بتعنيفه و ضربه فيحتضنها و يأخذ عنها الضربات، و إذا ما ضربت في غيابه يجن جنونه و يقارع آزر حتى يشارف على لفظ أنفاسه.
كان الجميع في قتام يحلم بأن يكون أخيل ابنه أو أخاه، فالناس هناك يندر عندهم طبع الإخلاص، و الأخوة لديهم ما هي إلا مسمى عابر. فقط تخيل أن تملك من يعطيك و يحميك بلا شروط و بلا مقابل ؟
على أية حال، كانت تلك مجرد أماني، فأخيل كان عملة نادرة، و كانت لبنى تدرك ذلك و تقدره كثيرا حتى أنها لم تناده يوما باسمه، بل دوما ما تقول " أخي " فتجمع ذلك بين التدليل و بين التذكير برابطتهما التي تعتز بها.
ذات يوم، كانت لبنى الصغيرة مشغولة بين عمل المطبخ مع الخدم و بين رعاية والدتها الحبلى، و التي كانت طريحة الفراش بسبب بعض الحمى.
و في الطريق بين المكانين، اعترضها ابن عمها هلل بابتسامته الصفراء المعتادة، علمت أنه يضمر شرا فعملت بنصيحة شقيقها و مضت متجاهلة إياه و لكنه استوقفها بقوله:" أخيل مسافر للبيداء، أ لديك خبر؟"
نظرت له بانفعال : " كاذب ! "
- " و لم قد أكذب؟ سمعت عمي يحدثه قبل قليل، يذهب الناس في سن الخامسة ليرجعوا رجالا في العاشرة مثلي و لكن ذلك الغبي تخلف عن الركب تماما، الآن هو سيتعلم رفقة الأطفال، كم هذا مثير للسخرية."
ارتعشت يدا لبنى التي تحمل بها آنية و منشفة لتمريض والدتها، و قالت دامعة: " هلل، قل الصدق للبنى.. هل قال أخي بنفسه أنه سيذهب ؟"
- " أقول لكِ أنه ذاهب، الأمر لا نقاش فيه! سيتركك هنا لوحدك لخمس سنوات كاملة، لن تريه و لو للحظة واحدة، ثم أمك مريضة و لا بد أنها ستموت و تتركك وحيدة تماما، يا لك من مسكينة يا ابنة عمي." تحدث هلل بشماتة، و انتشى عن آخره حين ثنت ركبتيها منخفضة و قد انهمرت دموعها بشدة.
- " أيها الحقير هلل!! ماذا فعلت لأختي ؟!"
انتفض هلل حين جاءه صوت أخيل و هو يركض نحوهما في الرواق، حاول الثبات مكانه مذكرا نفسه أنه يكبره سنا و لن يقوى على ضربه و لكنه فوجئ بالقوس في ذراعه و سهم حقيقي مصوب نحوه، حتى إن لم يقتله فسيصيب أحد أطرافه حتما لأجل لبنى!
صرخ مذعورا :" أنا آسف." ثم هرب من النافذة متعثرا.
رمى أخيل القوس جانبا، و أزاح الإناء عن يدي لبنى المرتعشتين لتقفز محتضنة عنقه و تتكلم بين شهقاتها التي مزقت قلبه المحب:" أخي! لا تترك لبنى! لا تذهب أرجوك!
لبنى تتحمل كل شيء حين يكون أخي معها، إن ذهب أخي لبنى ستموت."
- " لبنى! ما هذا الكلام!" صاح أخيل في غضب ليزداد بكاؤها، أخذ شهيقا يهدأ من نفسه ثم مسح على رأسها و ظهرها و هو يهشهش لكي تهدأ و تتوقف عن البكاء ببطء.
قبل جبهتها ثم مرر أصابعه الصغيرة ليمسح الدموع عن وجنتيها:" هيا يا لبنتي، تعلمين أن دموعك تؤلم قلب أخيك، أ تريدين لي الألم؟"
هزت رأسها نفيا و هي تستنشق بقهر، حمل الإناء و المنشفة بيد ثم أمسك كفها بيده الأخرى، و مشى ما بقي من الطريق إلى حجرة أمهما، ثم جلس جوار هذه الأخيرة يسأل عن حالها بلطف و أدب و يغير المنشفة على رأسها بينما لبنى تجلس بجانبه و تتمسك بطرف ثوبه و لا زالت تشهق بلا دموع.
- " بني..أخيل." جاء صوت الأم منهكا و عيناها مغلقتان من الإرهاق.
- " نعم يا أماه، كلي آذان صاغية." أمال جذعه بلهفة.
- " أختك..لم أختك تبكي؟"
- " هذا، إنها حزينة لأنني سأذهب إلى البيداء." قال بعبوس بينما يمسك بيد والدته التي عادت تتحدث في جزع: " لا تذهب يا بني حتى تضمن أمان أختك، أرجوك يا صغيري لا تترك لبنى، أنت الوحيد الذي بوسعه حمايتها.."
- " هذا أكيد يا أمي الحبيبة، لبنى في عيني و لا أتركها."
- " أ تعد والدتك .. يا رجلي الصغير؟"
- " نعم!"
- " و لا تنس أن تعتني بنفسك أيضا يا صغيري، إن كتفيك يحملان أكثر مما يقوى عليه طفل في العاشرة." تحدثت بتعب و قد مدت يدها تمسح على وجنته و شعره الناعم ليبتسم مستمتعا بلمسة أمه الحنون.
◇◇◇◇
عندما حل الليل، كانت لبنى قد تسللت إلى بستان عمها، فمرت من أمام الحارس النائم و دفعت الباب و دخلت راكضة نحو الأرجوحة.
لم تكن تستطيع ركوبها وحدها بسبب الارتفاع، لذلك وضعت ذراعيها و ذقنها على خشبتها و أخذت تمشي للأمام و الخلف بشرود و قد غلب الحزن على قسماتها.
لقد ماطل أخوها بقدر استطاعته، حتى و لو كان يتقن استعمال قوسه فذلك لن يكفي لابن شيخ القبيلة، عليه أن يتعلم و يتقن أمورا أكثر كبقية أترابه الذين سبقوه، و لكنه أصر على بقائه معها طوال السنين الفارطة، و استطاع فعلها لانشغال أبيه بعيدا ببعض النزاعات و الحروب القصيرة بين القبائل، و لكن الأمور مستقرة الآن و لا بد أنه لن يتركه هكذا بلا ختم من معلم يؤكد كفاءته كرجل.
لكنها لا تقوى على فراقه، إن أخيل كل شيء بالنسبة لها، لا أحد في الدنيا سيحبها و يعتني بها كما يفعل هو! و عند تلك النقطة، أخذت في البكاء.
توقفت فجأة حين سمعت صوت خطوات قريبة، فانتفضت عن الأرجوحة مذعورة، لتجد أخيل يقف هناك بابتسامة بسيطة.
" علمت أنك سوف تكونين هنا."
لم تقل شيئا و تابعت سكب العبرات بأكتاف تهتز كل ثانيتين، دنا منها بشفقة و أخذ يحاول تجفيف تلك الدموع و لكن لبنى كانت تستمر في سكب المزيد بلا توقف ليضحك بخفة ثم يسحبها ليجلسا عند تلك الشجرة، و يخبئها داخل طرف عباءته كي يقيها نسيم الليل.
نظر أخيل للسماء المضيئة بالنجوم و حدث مدللته: " لا تخشي من شيء يا لبنتي. ما دمت حياً، فلا تخشي شيئا."
- " و لكن لبنى تخشى ذهابك، لبنى تكره الأيام التي يخرج فيها أخي للصيد لأنها لا تراه طوالها، و الآن..الآن لبنى لن تراه لخمس سنوات كاملة!" رمت وجهها في حجره و تكورت بجسدها الصغير لتبكيه أكثر.
مسح على ظهرها:" و أخوك لا يطيق فراقك أيضا، و لكن ليس باليد حيلة، علي أن أذهب، لأصير أقوى فأعود لأحميك كما يجب."
- " لا تحتاج حمايتي من أي شيء، لبنى يمكنها أن تتحمل كل شيء، لبنى لا تبكي حين يضربها آزر و لا حين يوبخها و لا حين يأمرها بأمور شاقة! لبنى قوية بوجود أخي فقط!"
- " بل لبنى قوية، بأخيل و بدونه."
- " لا، لا ! لبنى ستموت إن ذهب أخيل، سيقتلها آزر."
- " لا تخافي من ذلك الطاغية يا صغيرتي، إنه يؤذيك لأنه هو من يخافك." رفعت لبنى رأسها عندها و بدت الدهشة على وجهها المبلل المحمر :
- " آزر يخاف.. لبنى ؟"
هز أخيل رأسه مؤكدا:" هذا صحيح. يخاف قوتك، يخاف أنك لا ترجفين أمامه و لا تبكين، يخاف حين يضربك و يجد في وجهه سوداوتين قويتين لا تهتزان، يخاف أنه لا يقوى على السيطرة عليك و لا يستطيع منعك من أن تكوني حيوية و سعيدة في كل صباح و لو أهلك جسدك ضربا في الليلة قبلها. لذلك لا تنكسري يا لبنتي و لو للحظة، قوتك تكمن في داخلك، و تستطيعين بها مواجهة كل الصعاب.
إن ابتسامتك هي أقوى سلاح في وجه الألم."
بدا و كأن أذنا لبنى قد ارتفعا مع ضحكتها كجرو لطيف، فمسح على رأسها و عاد يحتضنها و هو يتوسل أهدابه أن تمسك دموعه عن السقوط، هو أيضا طفل مثلها، مجرد صغير بلا سند، و لكن عليه أن يسندها، لأنه و قبل كل شيء..هو الأخ الأكبر.
- " أنظري يا لبنتي.." فصل العناق و جعل ينظر لأخته بنظرته الحانية المعتادة:" ستنطلق قافلتي مع شروق الشمس، و سأذهب للبيداء و لن أدخر جهدا هناك في تعلم أي شيء لأواجه به آزر و كل من يقف في طريق فرحتك لذلك فلتعيشي حياتك باطمئنان، سأحاول أن أبعث لك بأخباري مع أي أحد يمر بنا و لكن فقط عديني أنك ستبقين فتاة قوية و طيبة كما عهدتك. "
- " الشروق..؟" رددت الصغيرة الكلمة الوحيدة التي تلقفتها أذناها و تجاهلت ما سلف، فعاد يكرر:
- " عديني يا لبنى!"
أخفضت نظراتها تفكر هنيهة، ثم وضعت رأسها على حجره مرة أخرى و قالت:" تعدك لبنى، فقط إذا غنيت لها مرة أخيرة لتنام." ليقول في تعجب:" و هل ستنامين هنا؟ دعينا نرجع للبيت و أغني لك لتنامي هناك." فاعترضت بعناد و هي تشد ثوبه بأناملها الصغيرة:" لا! لبنى ستنام هنا، و أخي سيحمل لبنى لفراشها!"
زفر الهواء بقلة حيلة، و نزل عند رغبتها يغني
" صحا القمر و غفت الشمس..."
عندما حل الصباح، استيقظت لبنى على ركلة من آزر ينهرها لاستغراقها في النوم حتى تلك الساعة، فنهضت للعمل المنزلي بصمت كئيب و قد شعرت بأن الدنيا قد تجردت من ألوانها بذهاب شقيقها العزيز.
و بالكاد انتهى ذلك اليوم الطويل الشاحب، لتعود جسدا بلا روح إلى سريرها الذي لم يكن سوى مجموعة من الأسمال القديمة المخاطة معا بيد أخيل، موضوعة في زاوية من المطبخ.
ارتمت هناك تحدق بالسقف بفكر خاو، و لم يظهر أي تعبير على وجهها الصغير حتى وجدت وجه أخيها آزر و هو يقف فوق رأسها بوجهه المشمئز كشيخ كبير بينما بالكاد أتم العشرين من عمره ، لم تخفِ خوفها عنه هذه المرة فتبسم بانتصار ثم عاد يكشر و قال بنبرة جافة : " انهضي!"
نهضت بطاعة، ليمسكها من ياقة عباءتها الخلفية و يجرها إلى خارج الدار، فكرت بقلق : أ تراه سيطردني و أخيرا ؟ و لكنها فوجئت به يفتح باب المخزن الصغير في فنائهم، كان مشغولا في العادة بالخردوات، و لكنه بات فارغا منها تماما و حوى بدل ذلك فراشا كالأفرشة التي ترى الجميع ينام عليها، بالإضافة إلى صندوق صغير مغلق بإهمال و تدلت منه ملابسها، أسرعت نحوه تفتحه و تفاجأت أنها قد استرجعت بعض الثياب الجميلة التي صادرها آزر و والدها ذات يوم، فالتفتت نحو آزر تبحث عن تفسير فقال:" هذه غرفتك الآن." ثم انصرف.
تعجبت من ذلك كثيرا و أخذت تدور حول نفسها في تلك المساحة الضيقة، أ هذه الغرفة لها حقا؟ ملكها هي؟
كانت غرفة بغيضة وسخة، و لكنها خير من الفراش المتآكل و المشبع برائحة البصل و بقع الزيت! جلست على الفراش تتلمسه بحرص ثم رمت رأسها على الوسادة و برقت الراحة في عينيها، سحبت الغطاء على جسدها ليغمرها دفء ما كانت لتحسه إلا بقرب أخيل حين يلفها بعباءته، فأخذت تبكي، بينما تحتضن دمية القش التي صنعها لها و قد وجدتها هناك قربها، كانت آخر ناجية بين لعبها القليلة،
فآزر و هلل كانا يستمتعان بتمزيقها و حرقها بينما تطربهما لبنى ببكائها و أخيل بصراخه.
و منذ ذلك اليوم، تغيرت حياة لبنى تغيرا تدريجيا نحو الأفضل على عكس ما خيل لها، بأن حياتها ستنهار في غيابه!
فآزر ما عاد يضربها بلا سبب حتى في ثمالته، صار يضرب فقط إن أخطأت أو قصرت، و عرفت أنه من منع هلل من أن يتعرض لها مرة أخرى، و كان يسمح لها مرة في اليوم بأن تزور بيت عمها فلم تعد بذلك تحتاج إلى التسلل خلسة لتلعب مع صديقة عمرها و ابنة عمها المقربة " نجوم ".
حتى أنه تم إحضار عبيد جدد و إماء، فخفت واجبات لبنى في المنزل، و لم يكن ينغص سعادتها سوى غياب أخيل..و موت والدتها الحبيبة! فقد لفظت أنفاسها خلال وضعها لشقيقها دريد، كان ذلك بعد أيام من سفر أخيل، و تساءلت بأسف عن حاله و قد بلغه رحيل والدتهما و هو بعيد هناك في الصحراء.
و بذلك أخذت على عاتقها مسؤولية تربية دريد و لو أنها صغيرة تحتاج من يربيها، و كما أغدقها أخيل بالحب و الاهتمام فقد فعلت الأمر ذاته مع دريد، و أحبته من قلبها.
و استمرت سلسلة سعاداتها، حين تزوج أخوها ضرغام بعد عام و نصف، فحصلت على صديقة جديدة بمثابة الأخت. كانت لبنى ثملة بتلك الفرحة التي تهطل عليها كل يوم، فكبرت بصحة و سعادة في شوق يومي لعودة أخيها و اكتمال فرحها اللامتناهي.
أفاقت يوما هي و كل فرد في قبيلة قتام على صدمة اغتيال والدها و الذي هو شيخهم، و كان ذلك على يد ابنه البكر آزر، و الذي كان يكبر و يكبر معه شره و قساوته، و حين لامه الناس قال ببساطة:" نزالات شيخ القبيلة على بُعد أسبوع، كان سيموت على يدي هناك في كل حال." بالتأكيد لم تكن تلك النزالات لقتل شيخ القبيلة و إنما لإعطاء الفرصة للتغلب على الشيخ الحالي و الصعود لمنصبه، بهزيمته فقط.
و لكن يبدو أن آزر كان يخطط لإنهاء حياة والده منذ البداية ثم أصابه الضجر فنفذ الأمر في احدى لياليه المخمورة.
و لم يجرؤ رجل في قتام على معاقبته أو الانتقام للشيخ السابق المغدور، فالكل كان يخشى آزر من اسمه فقط.
فهو مجنون منذ صغره، يضرب بكل قوته، بيده و بالسلاح، و لا تنفع معه الكلمات أو المشاعر، وحدها لغة القبضات ما يدور في رأسه الخبيث.
و بذلك صار الشيخ التالي، و لكن ذلك لم يعني لبنى في شيء، فلم يتغير شيء في نمط حياتها و لم تحزن لفراق أبيها كثيرا، فلطالما كان رجلا غريبا في عينها، لم تكن تحبه، و لم يكن يحبها.
و مرت السنوات السعيدة، و أخيرا حدثت حادثة حزينة راحت ضحيتها ابنة عمها نجوم، غدرا و ظلما ، فجن جنون لبنى و أظلمت الدنيا في عينيها بعد نور السعادة الذي كانت تعيشه، و بالكاد تعافت من تلك الخسارة على إثر خبر دنو عودة الغلمان من البيداء !
توسلت لبنى الخدم في دارها، فوافقوا على أن يقوموا عنها بالأعمال لذلك اليوم، لأنها ستمضيه عند الجبل المطل على مدخل القبيلة، لتستقبل أخيل في أي لحظة يعود بها.
صحيح أنه تركها طفلة في السادسة إلا أن ذكراه لم تبرح ذهنها و لو للحظة، و غيابه عن عينها لم يجعله غائبا عن قلبها يوما.
هي الآن آنسة صغيرة في الحادية عشرة، لطالما قال أنها ستكبر و تصير آية في الجمال.. أ تراه سيأتي و يقول أنه أصاب التخمين؟
هل سيحتضنها أم هل سيرفعها و يدور بها ؟
هل سيستل سيفه و ينحر عنق آزر ليشفي غليلها ؟
إن أخبرته عن نجوم، فهل سينحر عنق هلل معه أيضا ؟
ترى هل نضج كثيرا عن آخر مرة رأته؟ لا بد أن طوله قد ازداد و صارت له عضلات قوية!
أخذت تفكر و تسأل عقلها ألف سؤال و تنتشي بتخيل لقائهما الحار، بينما تجلس دريد في حجرها و تأرجح جذعها و هما على مسافة مرتفعة من الجبل.
عندما رأت خيال مجموعة تسير باتجاه القرية بعد بضع ساعات، صرخت بجنون و قفزت نازلة حتى كادت تنسى أمر أخيها الآخر، فعادت إليه تحمله و تركض لأسفل.
رفع الغلمان في القافلة رؤوسهم بدهشة بعد أن كانوا يسيرون في تعب على متن جمالهم، فقد تجمع الناس لاستقبالهم بالطبول و الزغاريد، فشعروا بالفخر و زادوا السرعة لرؤية أهاليهم و أصدقائهم.
و لكن ابن الخامسة عشرة في القافلة، ظل متخلفا عنهم و لم يأبه لتلك الحفلة أمامه فظل يسير ببطء شاردا، و عيناه تبحثان عن شيء ما في قلق.
كانت لبنى الفتاة الوحيدة التي تركت الدار في السر لاستقبال العائدين من البيداء، و لئلا يكتشف أمرها أحد فقد اختبأت خلف نخلتين عريضتين قريبا من المدخل، يد تتكئ بها على احداها و الأخرى تحكم بها قبضة دريد الذي جلس القرفصاء يعبث بالتراب.
- " إلهي، دريد! إنه هو لا بد و أنه هو! أنظر، إنه شقيقنا أخيل يا دريد !" عندما لمحته لبنى من بعيد عرفته على الفور، فنزلت تخض دريد و دموعها تسقط غزيرة، ثم احتضنته بقوة بينما أخذ الصغير يتذمر و قد أذابته الشمس:" أنا تعبت لنعد للبيت."
عندما جففت دموعها كان جمل أخيل قد اقترب، و كان الجمع الغفير قد تراجع لداخل القبيلة، فسحبت دريد و خرجت من مخبئها بابتسامة مرتعشة و عيون تحمل الكثير لقوله.
كان يترجل آنذاك من الجمل و حالما رآها اتسعت عيناه و ارتعشت أوصاله عن آخرها، فابتلع ريقه ببطء.. من ثم تسمر مكانه حين لمح شخصا معينا يقف في نقطة بعيدة و ينظر إليه ببرود تام.
و كما لو أنه نقل له ذلك البرود، فإن وجه أخيل قد شحب و أخفض بصره ثم سحب الجمل من لجامه في صمت متقدما، ظنته لبنى قادما نحوها و من فرحتها لم تنتبه لغرابة تصرفاته، فصاحت و دموعها تحفر وجنتيها: " أخي !! "
تجاوزها أخيل دون كلمة أو نظرة، فشعرت و كأن أحد دلاء الماء الباردة التي اعتاد آزر سكبها عليها قد سكبت عليها الآن!
تصنمت على تلك الحالة لدقيقة كاملة ثم التفتت مذعورة للوراء، تنظر له و هو يمضي مبتعدا دون التفاتة.
تركت يد دريد و ركضت خلفه مرتعشة:" أخي! انتظر!" أمسكت ذراعه و صاحت: " أخي، إنها أنا ! لبنى! أ لم تعرفني؟"
مسحت نظراته تفاصيل وجهها فعادت تقول برجاء:" لقد انتظرتك طويلا..لقد عشت براحة و سعادة، لم ينقصني سوى وجودك يا أخي."
سحب يده بخفة و أبعد يديها عنه:" لا تلمسيني، ابتعدي."
صار الهواء ثقيلا و ضل الطريق إلى رئتي لبنى، التقطت بضعة أنفاس متلاحقة و هي لا تصدق ما يجري. سألت بابتسامة مجنونة : " أنت..أنت لست أخي؟ أين هو أخي، هل تعرفه؟ إنه أخيل بن سنمار" ظنت نفسها خلطت بينه و بين آخر فأخيل قد يموت و لا يخاطبها هكذا، مستحيل!
و لكن الأمر تيقن حين ظهر ضرغام ينادي عليه و دنا منه يحتضنه و يحييه، لم ينكر الفتى عليه الأمر أو يطلب منه الابتعاد. إذا..إذا هو أخيل بالفعل!
دارت الدنيا من حول لبنى و خارت قواها فسقطت على ركبتيها مرتجفة، تنظر لظهر أخيل و دموعها تسيل، و لكن هذه المرة ليس من فرح، بل من قهر
و صدمة.
- " لبنى؟! ما الذي تفعلينه هنا؟ لماذا خرجت؟" قال ضرغام حين لمحها فرفعها من ذراعها و هي كالجثة بلا ردة فعل، كان سيوبخها و لكنه رأى كيف تتنفس كالمختنق :" ما خطبك ؟! هيا أجيبي، لبنى !"
كانت كالممسوسة تنظر للفراغ، و كان صوت ضرغام بعيدا جدا، و لم تشعر بمسكته القوية على ذراعيها و لا بمخضه لجسدها، هي كانت خارج نطاق التغطية كليا.
فجأة ، بدا و كأنها استيقظت من كابوس سحيق فدفعته عنها و ركضت في أثر أخيل و عادت تتعلق بذراعه صارخة بجنون: " لماذا؟ أجبني لماذا تعاملني هكذا! أ لم أعد لبنتك؟ ماذا جرى لك يا أخي! لقد تغيرت كثيرا في تلك البيداء! ماذا حدث لك؟ هل..هل لم أعد أختك؟ هل ستنكث بوعودك لي بحمايتي و محبتي!؟"
ظل صامتا و عينه لا تنظر إليها، لتستأنف صارخة : " إنك أسوء أخ في العالم، أسوء من جميع إخوتنا! كيف تخاطبني هكذا..أنت " كانت تهز ذراعه و تصرخ باكية و هي تقاوم محاولاته لإبعادها عنه، و قبل أن تكمل كلامها نفضها بعنف بعيدا و زمجر: " أ لا تفهمين فلتبتعدي عني! إياك و أن تكلميني مجددا أنا لم أعد أخاك بعد اليوم!" كان يتحدث مشيحا بوجهه فلم ينتبه أنه دفعها إلى حجر كبير، فشج رأسها و لطخت دماؤها التراب بينما تطن كلماته في أذنيها إلى حد مؤلم، و غابت عن الوعي بعد أن لمحت وجه دريد الباكي.
حطت لبنى على أرض الواقع بعد أن حكت قطعة من ماضيها لرفيقتها، و التي لم يخف عليها احمرار عيني لبنى و ضغطها على أسنانها بقوة، كانت تفوح منها رائحة الغضب أكثر من الحزن.
قالت لبنى:" ذلك القذر، إني بالكاد أتحمل ذكر اسمه! إنه الأسوء بينهم جميعا، يبدو أنه عاملني بلطف فقط من أجل أمي و حين توفيت قرر و أخيرا أن يخلع عن وجهه قناع الأخ الطيب.
لقد كرهت كل ما تعلق به، و بالأخص هذه اللعبة، فلطالما كان يأخذني لألعب عليها."
حور بنبرة حزينة:" أنا حقا آسفة لما فعله لك.
أنا فقط، لا أستطيع أن أفهم السبب الذي يغير الإنسان، أحيانا قد لا يكون يكذب أو يدعي، هو فقط يقرر ببساطة أنه لن يكون كما اعتاد أن يكون." استشعرت لبنى شيئا خاصا في تلك الكلمات، لتضع يدها على يد حور و تقول بابتسامة خفيفة: " الآن هو دورك لتخبريني حول ما يضايقك."
أومأت حور بخفة، و أعقبت تحكي و هي تفتح جروحا ما شفيت بعد : " أنا أيضا معاناتي من شخص قريب، إنه.. زوجي." ابتسمت لبنى بنصر في خفية و أنصتت بإمعان:" إنه ابن عمي، لذلك فقد نشأنا معا منذ صغرنا و لطالما كنا على وفاق، نلعب معا و نأكل معا و نتحدث إلى بعضنا حول أحلامنا و همومنا.
منذ وقت مبكر، كان كل منا يعتبر الآخر شريكه المستقبلي، كما لو كان أمرا حتميا، و لطالما وعدني بالزواج حالما نكبر، و قد وفى بوعده ذاك، و أحيانا أتساءل إن كان ذلك جيدا أم كان من الأفضل لو أخلف به و تركني أحترق ألما ثم أشفى على أن أعيش ما أعيشه الآن؟
لقد كان زوجا مثاليا، لطيفا و متفهما، و لكن بمرور الوقت أخذت تصرفاته تتغير، و بات يغيب عن المنزل لأوقات طويلة و حين أسأله ينفجر غاضبا، هو في الواقع غاضب طوال الوقت بسبب أو بدونه، فقط يتذمر حول كل ما أفعله و لا شيء يرضيه!
لقد تحملت لوقت طويل انفعالاته الجديدة و لم أحدث أي أحد حول ما كان بيننا على أمل أن يعود إلى طبيعته، و لكن الوضع ساء أكثر و وصل به الأمر إلى رفع يده علي! " وضعت حور يدها تغطي عينيها بعد أن تحشرج صوتها، و بقيت هكذا لوقت قبل أن ترفع رأسها مستنشقة، قالت لبنى بأسف:" ليس عليك أن تكملي حقا إن كنت لا تشعرين بالراحة مع ذلك." هزت رأسها بنفي:" لا، لا..لقد كنت في حاجة إلى أحد أحدثه حول هذا، كنت بحاجة شخص لا يعرف الكثير بشأني، لا أعرف، أشعر بأن الإفصاح لك أفضل من شقيقاتي الصغيرات..ثم أنت صارحتني حول شيء من الواضح كم هو صعب عليك!"
تبسمت لبنى:" إذا كلي أذان صاغية، أفرغي كل مكنونات قلبك، لا بد أن كونك الكبرى يجعل من الصعب إظهار انكسارك."
جمعت حور شتاتها : " أنا لا زلت أحبه، و لهذا السبب أجدني أبرر كل تصرفاته، و مهما كرهته في لحظة أو غضبت بجنون من حقارته فإنني أعود و أغفر له، و أحدث نفسي بأنه فقط متعب من العمل أو بسبب زيادة مصاريفنا فقد بدأ يتغير بعد فترة من ميلاد طفلنا الثاني. مهما حاولت محادثته بلطف فالأمر لا يجدي، هو لا يخبرني بسبب انزعاجه، فقط يشاجرني و يصرخ و يضرب ثم يترك البيت لأيام، و لا يعاملني بشكل جيد إلا أمام أهلي أو الناس الآخرين."
- " لماذا لا تطلبين الطلاق منه يا حور ؟" سألت لبنى بقلق من أن تغضبها كما حذرتها جونة و لكنها وجدتها تجيبها بهدوء: " هنالك أسباب كثيرة تمنعني حتى من التفكير في هذا الاحتمال، أولا أنا لدي طفلان بالفعل و لا أريد ظلمهما بأن يكبرا بلا أب، ثم إن الطلاق مخز يا لبنى، إنه اعتراف بفشل ذريع يمس العائلة كلها و ليس أنا فقط، كما أنني أعرف أن اللوم بأكمله سيقع علي وحدي، سيقول الناس الكثير من الأمور المؤلمة أكثر من ضرب بُجير.."
- " فليقولوا ما يشاؤون! تسدين أذنك فلا تسمعينهم أما زوجك فلا شيء يقيك ضربه، إن نفسيتك ستتدهور إن تابعت العيش بهذه الطريقة معه يا حور."
- " و هل الأفضل أن أعود إلى بيت أهلي؟ كلما زارهم أحد سيرمق الجميع باحتقار، و قد تخسر أخواتي فرصهن للزواج بسببي، ثم إنه ابن عمي لذا فإني سأفسد علاقة أبي بأخيه! ستقع الفتنة في العائلة.. أنا لا أستطيع!"
- " من معاملة والدك و ما أخبرتني جونة، فإن والدك لو علم ما تركك لحظة في ذمة ذلك الرجل! إن السيد رمح على مقدرة بأن يصرف عليك و على حفيديه، و لا أظنه سيغض الطرف عن مشاعرك في سبيل علاقته بالطرف الذي أفسدها أولا، فلم لا تجربين التحدث إلى والديك و وضع حد نهائي لهذه العلاقة المرَضية ؟"
- " و لكني لا أريد التخلي عن بجير ، ربما هو يمر بوقت عصيب جدا يبرر تصرفاته معي."
" تلك ليست مشكلتك يا حور، إن كان يرفض مشاركة مشاكله مع زوجته فعليه أن لا ينتظر منها احتمال العذاب بصمت، لقد فعلت الواجب و صبرت بما يكفي." قالت لبنى بحزم و في نبرتها غضب قوي، لو كانت في وضع حور فما كانت لتتردد لحظة في الانفصال، لديها عائلة طيبة و ليس من السيء العودة إليهم و التنعم بحياة هادئة.
لم يكن الاقتناع جليا على وجه حور، لا تزال مترددة و خائفة، لذلك لم تضف شيئا و آثرت الغوص بين أفكارها الخاصة.
و احترمت لبنى ذلك، فسكتت هي الأخرى.
عندما رجعت فاتنة و ضحكة، كانت لبنى و حور قد هدأتا و زال عن محياهما أثر البكاء أو الغضب، و جلسن يأكلن الفاكهة بسعادة و قد التحقت بهما فتاتا الأرجوحة.
قالت فاتنة تنظر للبعيد بعد أن فرغن:" الوقت يمر سريعا، لقد اقترب غروب الشمس."
- " سأذهب لأساعد أمي في المطبخ، لا تتأخرن في العودة." استأذنت حور لتغادر و قد شيدتها نظرات لبنى ثم انتقلت بعفوية نحو فاتنة التي نهضت هي الأخرى و لحقت بأختها دون أن تكلف نفسها عناء الاستئذان من جليساتها.
- " هل يسعنا أن نبقى حتى ينتهي الغروب؟ أحب النظر إليه." قالت لبنى و هي تدفع ياقوت على الأرجوحة بينما جلست ضحكة و جونة متكئتين على الشجرة، و قالت الأخيرة:" طبعا، لا مانع من ذلك."
- " أنا لا أحبه، إنه يعني نهاية اليوم و بداية الليل المظلم و الطويل." أفصحت ياقوت بينما ترمي بدميتها لتتلقفها ضحكة.
- " و ما خطب الليل يا ياقوت؟ إنه هادئ و نسيمه منعش. فيه ترتاحين من عناء النهار." تحدثت لبنى بحالمية و هي تتحرك إلى الجانب حتى تنظر لوجه ياقوت المتأرجحة، لتهز أكتافها بعناد:" لا أحب الليل و لا الغروب، أحب حين تطلع الشمس و تتلون السماء بالوردي و البرتقالي، ذلك ألطف من الغروب البائس."
- " كلاهما جميل." علقت ضحكة لتتثاءب جونة:" لا أحب لا هذا و لا ذاك." فضحكت الفتيات على اختلافاتهن.
و في النهاية، جلسن متجاورات أسفل الأرجوحة يتأملن اختباء الشمس خلف الجبال الشاهقات في الأفق، كانت عينا لبنى تلمعان بفرحة لطيفة، فهي بطبعها محبة للطبيعة، لطالما أحبت الرمال الدافئة، و الجبال و الصخور و الوديان، و أحبت رياح الصباح و المساء، كانت تجد في الدنيا جمالا يشوهه الرجال من حولها، و سيأتي يوم تقتلع فيه تلك القذارة من العالم الجميل على حد قولها.
على أية حال، حالما فرغن، حملن أنفسهن و السلال الفارغة و رجعن إلى المنزل، و لكن عند الباب توقفت ياقوت لحظة بعد دخول شقيقتيها و أخذت تنظر من حولها، استفسرتها لبنى لتجيب :" إلهي دميتي! لقد نسيتها هناك!"
اقترحت لبنى:" كانت عند ضحكة قد تكون وضعتها في احدى السلات؟"
لتنفي ياقوت: " كلا، لا أذكر أني رأيت شيئا في أي سلة و لا في يدها ، أ تذهبين معي يا لبنى؟ أنا أرجوك، لقد أظلمت و أخشى الذهاب وحدي ليلا." هزت لبنى رأسها ثم أمسكت يد ابنة الثامنة بلطف
و عادتا أدراجهما إلى البستان الكبير.
ما إن دخلتا حتى ركضت ياقوت نحو الأرجوحة بكل سرعتها بينما سارت لبنى بوتيرة عادية نحوها، كانت تمشي بحذر بسبب الظلام الذي ينتشر ببطء و يغرق الدنيا.
فجأة، تسمرت حيث هي!!
طرفت لبنى بارتباك، ما ذاك الذي رأته عن يسارها؟
أدارت رأسها على مهل و أخذت تنظر بقلب نابض نحو مدخل الحظيرة الذي يحركه الهواء جيئة و ذهابا. تقدمت بفضول و توتر و دفعته ببطء تمسح المكان بتمعن، و لكن لم يكن هنالك من شيء غريب فزفرت الهواء براحة.
و بلحظة قبل استدارتها للمغادرة خيل إليها رؤية عيون تطفو وحيدة في الظلام، صرخت بفزع باسم ياقوت، حينها ارتفعت العيون لتتجاوز رأسها، تابعت لبنى الصراخ مرتجفة و بمجرد أن سمعت صوتا يتكلم بشيء ما حتى أغمضت عينيها و تركت الأمر لجسدها الذي تحرك بتلقائية و سدد لكمة لطيف العيون فأردته أرضا.
دخلت ياقوت خائفة و هي تصرخ و دميتها في يدها :" ماذا ماذا؟ ماذا حدث لك يا لبنى ؟ " نظرت لأسفل ثم صاحت بدهشة:
- " أخي ؟"