حتى بيداء قنديل

حتى بيداء قنديل

2 0

عندما فتحت لبنى ذات الأحد عشر ربيعاً عينيها، وجدت نفسها مستلقية في غرفتها الضيقة، و يوجد ألم يخز رأسها من الخلف. استغرقها الأمر فترة حتى استعادت ذكرياتها قبل أن تفقد الوعي، و سرعان ما انتفضت مستقيمة بفزع.

لمست قطعة القماش التي تحيط برأسها، ثم ارتعشت يداها و انهمرت الدموع من عينيها ، كيف يمكن أن يفعل أخيل بها هذا من بين جميع الناس! لم تستطع تصديق ما حدث، ذلك الشاب البليد لا يمكن أن يكون أخاها الحنون بأي فرصة، لا يمكن..!

و في وسط نشيجها، أصدر باب الغرفة صريرا مزعجا، رفعت نظراتها الضبابية بضيق فوجدته شقيقها الأصغر دريد، و الذي لم يكد بصره يسقط عليها حتى ركض إلى حضنها باكيا بصوت مرتفع." أختي! لقد اعتقدت أنني لن أراك ثانية! " رغم نفسيتها المدمرة، إلا أنها رفعت يدها و مسحت على ظهره.

رفع دريد وجهه الملوث بالدموع و المخاط: " كيف تشعرين الآن؟ قال آزر لن يحضر طبيبا لذا وضعت أختي غزالة لك بعض الأعشاب أسفل هته العصابة."

  - " هل..كنت قلقا على أختك يا دريد؟" سألته لبنى بابتسامة حزينة فاحتضنها :" نعم، كثيرا. " قبلت رأسه و اعتذرت لإقلاقه، كانت تعرف قدر حبه و لا بد أن رؤيته لها فاقدة للوعي و الدماء تتدفق منها قد أخافه.

 

سأل دريد :" أخي أخيل ليس طيبا كما قلت لي، أنا أكرهه، لماذا دفعك على الحجر!" لم تكن الإجابة بحوزة لبنى و تمنت لو يخبرها أحد عن السبب، و لكنها وجدت نفسها تقول و آخر قطرات المحبة تحفزها:" ربما..لم يتعمد ذلك."

  - " إذا لما لم يأتِ ليعتذر أو يتفقدك، هو لم يحملك حتى للبيت بل ترك ضرغام يحملك ثم ذهب لمكان ما، لقد عاد فقط بعد الغروب!" احتج دريد بغضب كبير.

سألت لبنى بذهول:" هل غربت الشمس ؟ "

  - " نعم، منذ فترة. لقد كنت نائمة طوال اليوم و كنتُ و غزالة خائفين بشدة من أن لا تفتحي عينيك مرة ثانية." تحدث بحشرجة و بعض العبرات تنساب.

  - " و أين غزالة الآن؟ "

  - " إنها مشغولة في إعداد العشاء لآزر و أصحابه، لقد جعلها تفعل الكثير من العمل الشاق، إنه شرير! و لم يسمح لنا بطلب المساعدة من عمي ليجلب الطبيب لك بدلا منه."

  - " لست متفاجئة، يسعدني أنه لم يقل ألقوا بها خارجا، هي لم تعد صالحة." سخرت لبنى بوجه بارد.

ثم انتبهت بعد أن رجعت من عالم أفكارها الذي غاصت به لفترة إلى أن دريد كان يلتزم الصمت على غير عادته، و بدا لها أنه يخفي عليها شيئا ما فسألته:" ما بك يا دريد؟" انتفض الطفل كما لو أن صاعقة أصابته، ثم قفز من فراشها و أسرع للباب خارجا و هو يقول:" سأذهب لأطمئن غزالة عليك، و سنجلب لك طعام العشاء."

كانت ستفتح باب الفرضيات لتفسير غرابة أخيها، و لكن الصداع كان يعصف بأعصابها فاستلقت بتعب.

و بمجرد أن هدأ الألم، حتى استندت على الجدار و تركت غرفتها، أمسكت بؤرة الألم و كابرت و هي تسير إلى داخل المنزل ، و بعد سيرها البطيء توقفت أمام باب غرفته.

طرقت باب الخشب بضعف، لحظات و سمعت خطوات أقدام تقترب، ثم فتح أخيل الباب.

لم يتغير تعبير لبنى المنهك و هي تطالع وجه أخيها الذي بدا مرتبكا لرؤيتها، كانت تتنفس بثقل منتظرة منه أن يتأسف على تصرفه معها بينما كانت تنتظره بشوق، انتظرته أن يبرر الأمر بأي شيء، أو أن يقول أنه كان متعبا فلم ينتبه، و لكن صمته طال بشدة.

فاضطرت لأن تكسر هي الصمت:" لماذا؟" و بمجرد أن تلفظت بتلك الكلمة القصيرة حتى احمر أنفها و انزلقت دموعها من جديد.

أشاح أخيل بنظره عنها، و استغرقه الأمر وقتا حتى يفصل شفتيه و يتحدث، كان صوته قد أصبح أكثر خشونة عن السابق، و لكن الخشونة التي كسرت قلبها لم تكن بسبب نضجه بل شيئا جافا في نبرته: " إن كنت لا تريدين أن تتعرضي للأذى مرة أخرى فابقي بمسافة عني، و كل الهراء الذي تذكرينه عن الطفولة هو شيء من الماضي و لا يعني لي أي شيء.

  إياك أن تطرقي بابي ثانية."

ثم أوصد الباب.

أوصد الباب عليها.. على قلبها..على ذكرياتهما.

وضعت الصغيرة المكسورة كفها على الباب برجفة، و نبست بصوت متحشرج:" لكن لماذا..لماذا تعاملني هكذا يا أخي.

هل فعلتُ شيئا..خاطئا ؟"

" إنني آسفة، أخي.. افتح لي أرجوك..

لا تتخلى عني..

أخي.."

بقيت على تلك الحال لدقائق ، في انتظار إجابة منه، أو فتحه لباب غرفته ، أو لأن يلين قلبه لبكائها الصامت.. و لكن لا حياة لمن تنادي.

فتراجعت بهدوء.

سارت لبنى عبر الرواق و اتجهت لباب الدار، لم تصادف أحدا في الطريق لحسن الحظ أو لسوئه ، و مضت إلى الخارج في خطوات ضائعة. لم تكن ترى شيئا أمامها على الإطلاق، و تركت الأمر كله على قدميها لتسوقاها حيثما كان..

كانت كورقة جافة تجرها الرياح إلى المجهول.

كسيرة، لا تعرف محلها من العالم، إن لم تكن مدللة أخيها و وحيدته.. فمن تكون ؟

  - " لبنى؟ أ هذه أنتِ؟"

بعد مسافة طويلة، توقفت قدماها الحافيتان على صوت مألوف يناديها، رفعت سوداوتيها الفارغتين و بدت كالجثة للرجل اليافع أمامها، بدا مذهولا تماما، و لكنها لم تعره اهتماما و تابعت مسيرها، أمسكها من ذراعها بلطف هاتفا:

" رويدك يا لبنى! ما خطبك؟"

لم تبد أي رد فعل، و بقيت على صمتها ، جلس الشاب العشريني القرفصاء و أدراها لتقابله بينما يمسكها من كلا ذراعيها، أمال رأسه لينظر لوجهها المطأطأ:" تكلمي يا لبنى!

ماذا تفعلين هنا و الدنيا ليل؟ و ما هذا الذي على رأسك؟" انتبه على الضوء الصادر من الدار وراءهما إلى شيء يسيل على رقبتها، و ما إن لمسه حتى وجده دما ! دفع ذقنها جانبا و تطلع بخوف لقطعة القماش المبللة.

  - " يا إلهي، ماذا حل بك!" صاح بتوتر ثم حملها بين ذراعيه و أسرع بها إلى الداخل، كانت تلك الدار الصغيرة مصنوعة من الطوب و ليس بها إلا غرفتان و بيت خلاء.

وضع لبنى على الفراش بشكل جانبي و نظر من حوله في جزع، لم يكن لديه الكثير من الحاجيات في منزله، ما تراه فاعلا ليداويها ؟

  - " في وسعي المساعدة." نظر الرجل بعسليتيه إلى العجوز التي تقف أمام الباب المفتوح. لم يكن قد رآها قبلا و توجس منها : من تكونين؟"

  - " ذلك ليس بشأنك، هذه الصغيرة تهمني و لا أريدها أن تموت. لذلك ابتعد و دعني أعالجها."

  - " و هل تظنين أنني سأسمح لك بالاقتراب من أختي ببساطة و أنا لا أعرف هويتك و لا حقيقة ما ستفعلين !

غادري بيتي فورا قبل أن أغضب."

  - " لن أفعل أمرا مشبوها، معي هنا ضمادة طبية و دواء يوقف النزيف." رفعت العجوز ماما السلة التي كانت بين يديها بينما تتقدم منهما، وقف الأخ بوجه غاضب و عينه على المحتويات، لم يبدو له أي شيء غريب هناك و هو بالفعل بحاجة للتصرف قبل أن تسوء حالة أخته الصغيرة.

كانت لبنى مغمضة العينين، ربما نامت، و ربما فقدت الوعي. فتحت العجوز عصابة رأسها و أزاحت خصلات شعرها الطويل كاشفة عن مكان الإصابة. ثم خاطبت الرجل الذي يطالعها بتركيز:" قيس، ارفع رأسها عن الوسادة، أحتاج أن أغسله."

  - " كيف تعرفين..."

  - " هيا تحرك، لا وقت للكلام ! "

زحف على ركبتيه بسرعة، ثم رفع رأس أخته بحذر بينما جلبت العجوز الماء من جرة بجوارهم، و أخذت تسكب محتواها على رأس لبنى بينما يتدفق مختلطا بالدماء و يستقر على إناء واسع وضعته أسفل يدي قيس.

سحبت منديلا من السلة و جففت الإصابة، ثم طبقت عليه مرهما أبيض اللون، ثم آخر أخضر داكن يبدو كأعشاب مطحونة، ثم مررت الضمادة البيضاء النظيفة على رأس لبنى.

و أعلنت بعد ذلك انتهاءها.

سأل قيس و هو يغطي أخته:" هل أنت على معرفة بلبنى؟"

  - " كلا."

  - " ماذا؟ إذا كيف تعرفين اسمي و لم قلت أنها مهمة لك ؟!"  سأل باندفاع بينما تجمع ماما أغراضها في السلة، وقفت ثم قالت بهدوء:" اعتني بها جيدا." و خرجت متجاهلة نداءه.

احتار قيس كثيرا من تلك العجوز المريبة، التي اقتحمت بيته ليلا بسلة تحوي العلاج الملائم لإصابة لبنى كما لو كانت تعرف ما ألم بها، ثم لا بد و أنها كانت تلاحق لبنى، فهو يعيش بمعزل عن أهل قتام و لو أنه داخل الحدود معهم.

يستحيل أن تكون قد مرت بالمصادفة.

◇◇◇◇

عندما حل الصباح، فتح قيس عينيه حين أحس بحركة قريبة، كان ينام جالسا بجانب فراشه حيث ترقد لبنى، و التي كانت قد استفاقت، لكن بقيت طريحة تنظر من حولها بحيرة.

هجم عليها من فوره:" لبنى! هل تشعرين بالألم!؟"

تقارب حاجبها ببعض الضيق ثم قالت: " ماذا حدث ؟"

  - " أ لا تذكرين؟ جئت إلى هنا البارحة و كان رأسك مصابا."

سكتت قليلا ثم بدا أنها بدأت تستوعب، فجأة رفعت الغطاء و أخفت نفسها تحته بينما يطالعها قيس باستغراب.

قال:" هل تشعرين بالجوع؟ لدي بعض التمر الذي تحبينه."

  - " أخي.." كان قيس على وشك النهوض و لكنه تفاجأ ببحة البكاء في صوتها فصاح:" هل يؤلمك الجرح؟!" تحرك الغطاء يمينا و يسارا، فعاد يسأل بلطف:" إذا لم تبكين؟"

ظهرت يدان صغيرتان على حافة الغطاء ثم أخذ ينخفض ببطء كاشفا عن عيون محمرة:" عاد أخيل."

وضع تعبيرا يقول ' أوه أ هذا ما في الأمر ؟' و نهض ليجلب التمر من الحجرة الثانية الصغيرة بينما يكلمها بصوت مرتفع لتسمعه:" كان عليك البقاء في البيت مع أخيك الغالي إذًا."

حين عاد، كانت على الوضعية ذاتها و قالت:" أنت لا تفهم، هو لم يعد كما كان، لقد تغير."

  - " التغير سنة الحياة صغيرتي، هل كنت تتوقعينه الطفل نفسه الذي غادر قبل خمس سنوات؟ من الطبيعي أن يكبر." تحدث قيس بينما يتناول من التمر الذي وضعه في صحن على طرف السرير، نفضت لبنى الغطاء:" و هل أن يكبر يعني أن يقول لي أنني لم أعد أخته و أن أبقى بعيدة عنه!!"

ارتفع حاجبا قيس و تأوه باستدارك:" حسنا..لا أظن." بلع تمرة ثم سأل بجدية :" هل قال هذا حقا ؟"

  - " نعم! لست أفهم شيئا. ماذا حدث له هناك؟! ماذا يعلمونكم في البيداء ؟ أ يخبرونكم أن تتخلوا عن شقيقاتكم؟" أخذت لبنى تبكي بصوت عال و هو شيء ندر فعلها له منذ ولادة دريد. ترك قيس مكانه و ذهب يحتضنها و يمسح على رأسها.

  - " اهدئي يا لبنى، أرجوك..."

  - " هل سيأتي يوم تفعل أنت و دريد مثله؟ أنا كنت أقول أنه آخر شخص قد يتخلى عني يوما، و لكنه كان الأول!" تمسكت لبنى بأخيها و الحرقة في نبرتها كادت تدمعه.

قال بحزم:" أعدك يا لبنى، وعدا أكبر و أشد مصداقية من وعود ذلك الأخيل أنني سأكون دوما إلى جانبك يا صغيرتي.

أنا أعرف جيدًا مرارة أن يتم التخلي عنك، مع هذا أنت كنت الطفلة الوحيدة في العالم التي لا تزال تذكر قيس، لذلك سأظل مخلصا لك ما حييت."

قالت لبنى بصوت مكتوم نظرا لوجهها المدفون في كتفه:" و أنا، لن أذيقك أبدا هذا الشعور الذي أذاقوك إياه فأنا أحبك كثيرا يا أخي." تبسم قيس بحنان يقبل رأسها الصغير: " و أنا."

ابتعدت عنه لبنى، و صنعت ابتسامة حيوية رغم انتفاخ عينيها و احمرار وجهها و أنفها السائل: " لي العزاء بوجودك أنت و دريدي ، ماذا كان سيحل بي لو كان أخيل سندي الوحيد ؟"

  - " إذا كوني دوما ممتنة للنعم من حولك، أما النقم، فإنها لا تستحق التفكير بها صدقيني."

جلسا يأكلان من صحن التمر باستمتاع، و انخرطت لبنى في الحديث مع قيس حتى نسيت أمر أخيل و ما عاد يحز في خاطرها، فهي بكته ما يكفي، و إن كان يريد قطع أخوتهما فهي لديها عزة نفس و لن توليه اهتماما أو تنتظر منه أي شيء بعد اليوم.

عندما كانت لبنى على وشك المغادرة، شكرت قيس بامتنان و أضافت ضاحكة :" لم أظن يوما أنك تجيد تضميد الجراح الجسدية كما النفسية."

كتف يديه و اتكأ على حافة الباب:" في الواقع لم أكن أنا من فعل، عجوز غريبة ظهرت في الوقت المناسب و عالجتك.

إنها مجعدة و قصيرة، قالت أنها لا تعرفك و لكني لا أصدقها."

من تعابير لبنى المندهشة، فهم أنها لا بد و أن تكون قد عرفتها. و قبل أن تتاح له فرصة للاستفسار، كانت لبنى قد انطلقت تعدو بعيدا، صاح في أثرها:" لا تركضي، أنت جريحة!!"

  - " حاضر! مع السلامة!" لوحت له دون أن تلتفت و اكتفت بتخفيف سرعتها بدل التوقف تماما عن الجري.

وقفت لبنى و هي تلهث أمام دار ماما و قبل أن تطرق الباب كانت ماما قد فتحته بوجه غاضب:" لم كنت تركضين!" ظهر الندم على وجه الصغيرة:" سامحيني.." ثم أعقبت بإشراق:" ماما، أنت من عالجتني في بيت أخي، أليس كذلك؟"

  - " بلى، و الآن هيا ادخلي." سحبتها للداخل و أخذت تتفحص رأسها بقلق :" هل تشعرين بالألم؟ ماذا كنت ستفعلين لو ساءت حالة رأسك يا شقية."

  - " أشعر بوخز خفيف فقط، اطمئني فأنا بخير." أبعدت لبنى رأسها عنها ثم جلست على قدمها و شكت بحزن طفيف:

  " ماما، أ تعلمين؟ لقد كنت مصيبة كعادتك.."

  - " لقد كنت هناك و رأيته يدفعك، لطالما أخبرتك أن الرجال يبقون ذئابا و لو تنكروا في لباس حمل وديع." قالت العجوز و هي تمسح على شعر لبنى التي أسندت رأسها عليها.

  - " لماذا هم يفعلون هذا بنا يا ماما ؟ لماذا يحب الرجال أن يغدروا بالنساء و يؤذوهن، لم أسمع منك قصة واحدة عن رجل صالح حقيقي، جميعهم يمثلون كأخيل أو يكشرون عن أنيابهم كآزر."

  - " الرجال هم بلاؤنا في هذه الأرض، صغيرتي.

  و إن أردنا الخلاص، فعلينا التخلص منهم."

  - " التخلص..منهم!؟ كيف ذلك؟" رفعت لبنى نظرها لماما التي أظلم وجهها و هي تتحدث:" أظنك قد كبرت بما يكفي لأخبرك حول حلمي و عُصبتي، أنت قد عشت عيشا ضنكا و اعلمي أن كثيرات غيرك ذقن مرارة العيش مثلك أو أكثر.

  أ لا تودين مساعدتهن؟" لم تجب لبنى بل ظلت تتطلع للعجوز بتشوش و التي تابعت حديثها : " كمقدمة جيدة لما سأقوله، فإنه قد بلغني اليوم أن دُريداً سيلتحق بالبيداء."

  - " ماذا ؟ ليس دريد أيضا !" انتفضت الطفلة واقفة و هي ترتجف غضبا، و بدا أن ذلك ما تريده العجوز بالضبط.

 

  فقد وضعت ابتسامة مستمتعة و تحدثت بهدوء: " إن الزمن يحب تكرار الحوادث، و ها هو ذا ذاك الذي تربى على يديك سيذهب ليعود كأخيه. و لكن هذه المرة ستكون مختلفة عن السابقة لو شئت.. ببساطة كل ما عليك فعله هو أن تقطعي رابطك بذلك الصغير قبل أن يتحول لذئب و يعضكِ."

  ارتطمت ركبتا لبنى بالأرض و أخفت وجهها بين كفيها: " لكنني لا أستطيع..إنه أخي الصغير..هو يحبني كثيرا."

  - " و هكذا كان أخيل و انظري إليه الآن! أفيقي من غفلتك و احمي قلبك النقي يا طفلتي المسكينة." وضعت العجوز يدها على كتف لبنى كمواساة.

 

  - " ثم هو قد كذب عليك، لقد أعلمه آزر بأنه سيرسله للبيداء منذ أكثر من أسبوع، لكنه لم يكلف نفسه عناء إخبارك. أ ترين كيف بدأت أنيابه بالظهور؟ ستهدرين قلبك في انتظار عودته بإيمان، ليرمي باهتمامك و إخلاصك عرض الجدار كما فعل أخيل،  هم لا يملكون حتى سببا منطقيا لهذا الشر !"

  - " لا أتخيل دريدا فاعلا ذلك بي، لا يمكن!"

  - " و هل تخيلتِ أخيل ؟"

أظهرت لبنى وجهها بذعر، أخيل الذي كانت عزيزَته أدمى رأسها و كسر قلبها، فلم قد لا يفعل دريد ذلك أيضا ؟

" قيس!" هتفت لبنى كملجئ أخير : " نعم، قيس، هو قد وعدني أنه لن يتخلى عني، سيظل أخي العزيز دوما. هو يعرف تماما ما أشعر به، هو دوما ما يواسيني و ينصت لي جيدا.

هو ليس ذئبا، إنه لطيف معي طوال الوقت، أ رأيت؟

ليسوا جميعا ذئابا يا ماما، ربما يكون دريد مثله لا مثل أخيل.."

  - " ذلك الرجل يعاملك بتلك الطريقة لأنك الوحيدة في هذه الدنيا التي تطرق بابه ، لقد تركه الجميع و ابتعدوا عنه.

  لو لم يكن وحيدا لكان عاملك على حقيقته، انتظري حتى يحصل على صديق سواك أو يقع في حب امرأة ما، عندها لن تبقى لك أهمية و سيبعدك عنه."

بدأ تأثير تلك الكلمات كالتعويذة يسيطر على لبنى و يزيد من انهمار دموعها و جمود تعابيرها، فاستمرت العجوز: " هو في الحقيقة يكرهك أكثر مما تتصورين، إنه يترقب الفرصة الملائمة ليأخذ بالثأر منك. فهو هناك لأنك ولدتِ يا لبنى، أنت لا تعلمين و لكنه يعلم .. لقد كان يستغفلك منذ سنين." تحركت عيون لبنى نحو ماما طالبة المزيد من التوضيح.

" حين ولدتِ يا بنيتي، كان والدك سنمار عازما على أن يواريك التراب حية، و لكنني لم أتحمل ذلك.

شعرت نحوك بعاطفة مميزة، و صوت بداخلي طالبني بإنقاذك، عندها أصبحت أتدخل في كل مرة و أفسد ذلك الوأد خفية و حين وجدت أباك مصرا على المواصلة و لو كلفه الأمر المحاولة لبقية حياته، أرسلت له رسالة خطية كطرف مجهول، بأنه سيخسر أغلى ما يملكه إن حاول إنهاء حياتك من جديد.

لم يأخذ بكلامي في البداية، و لكن حين رأى أغلى بنيه ' قيس' يسقط في الفراش مريضا في كل مرة، فهم مقصدي.

و بفضل ذلك تركك للحياة و انشغل بإنقاذ قيس من المرض، و لكن لغباء الأب و تهوره فإن عدد المرات التي سقط فيها الولد مريضا أضعفته كثيرا و انتهى به الأمر بأن يصاب بمرض معد فتم عزله في ذلك البيت البعيد، لقد اضطرني سنمار إلى تسميم الولد مرارا و تلك كانت النتيجة.

و مع الوقت، لم يتحسن، فتخلى عنه سنمار و والدته و تم منع الجميع من الذهاب إليه، كثيرون يظنونه قد لفظ روحه هناك بهدوء. و لكنك طرقت بابه يوما، و من يومها و هو يعد العدة للانتقام من التي يراها السبب في شقائه، على الرغم من أنك كنت رضيعة و لم يكن الأمر بيدك ، لكنه لا يريد رؤية الأمر على حقيقته."

مع كل كلمة، لهثت لبنى..و مع كل كلمة، هي شدت خصلاتها بقوة. كان فحيح ماما كالسم المر يتسرب إلى روحها و يدمر نظرتها الوردية للعالم، أ كان الأمر هكذا دائما ؟ هذا كله بسبب سذاجتها ! عليها أن تغدو أقوى، عليها أن تبعدهم قبل أن يبعدوها، عليهم أن يشقوا كما جعلوها تشقى !!

الخونة ! المخادعون ! الكاذبون !!

إنها تزور قيس منذ سنين، لم يحك لها يوما عن هذا، ما قد يدفعه لإخفاء أنها سبب مرضه و نفيه إلا إن كان يترصد للانتقام فعلا ! لمَ صدقته بسهولة من بضع تصرفات طيبة؟، كذلك فعل أخيل لسنين أيضا و لكن ها هو ذا الآن !

  - " آهٍ يا بنيتي، تمالكي نفسك." مدت لها ماما بكوب ماء في مواساة مزيفة، لتشربه لبنى دفعة واحدة ثم تنفست بقوة و نظرت إلى ماما بأعين لطالما انتظرت رؤيتهما : " أخبريني يا ماما، ماذا ينبغي علي أن أفعل ! أريد أن أثأر منهم جميعا، و من باقي الرجال كذلك! هؤلاء الشياطين ينبغي أن يختفوا عن عالمنا، إن هذا يكفي !"

  - " أصبت يا حبيبتي، أصبت يا طفلتي. نعم، هذه هي الروح المطلوبة لنحقق الأمر." ألصقت ماما جبهتيهما و نبست بحنان.

لبنى:" حدثيني عن عصبتك تلك يا ماما."

ماما مبتسمة:" لك ذلك، إنني أجند البنات و النساء من كل أصقاع البلاد لهدف واحد و وحيد، إنه إحقاق العدالة.

سوف نصعد الهرم و نعتلي مكانا أعلى من مكان الرجال، لن نباع أو نشترى بعد اليوم، لن يتم ضربنا و لا حبسنا، و لن يتم قمع أصواتنا و التحكم في حياتنا بعد الآن.

سنحصل على الحرية التي نستحقها يا صغيرتي!"

قالت لبنى بعزيمة:" جنديني إذا يا ماما، أعدك أنني سأكون أهم طرف يوصلك لهذا الحلم العظيم !"

احتضنتها ماما :" كنت أعرف ذلك، لقد تأكدت من أن أكون حولك منذ صغرك حتى أتمكن من توجيهك بشكل صحيح، أنت الوحيدة من مجنداتي اللاتي رافقتها منذ نعومة أظفارها لأن حدسي أخبرني أنك ستغدين قوية و حكيمة." 

جلستا بعد ذلك لوقت طويل تحدثها عن أول مهمة ستوكلها إياها، و من يومها أصبحت لبنى تتسلل في كل ليلة لزيارتها، و هناك كانت تدربها على أساسيات القتال.

و خلال تركيز لبنى على تقوية جسدها، فإنها توقفت تماما عن زيارة قيس الذي استغرب فعلها و أخذه الضجر و القلق، حتى أنه تسلل للقبيلة و لكنه لم يصادفها فولى أدراجه بخيبة.

أما دريد، فقد أمضى الأيام يحاول فهم سبب تجاهلها إياه، و ظن أن السبب هو كتمه لخبر ذهابه فحين أخبرها لم تبدو  متفاجئة، و مهما توسطت له غزالة و مهما استمالها أو جلب لها هدية أو ساعدها في شيء، فإنها كانت على حالها لا تخاطبه و لا تنظر إليه.

مرت أربعة أشهر كاملة، و حان الوقت ليجمع أطفال قتام حتى يتم أخذهم إلى البيداء. و كان دريد قد أخر القافلة، فخرج ضرغام و هلل و بعض العبيد يفتشون عنه.

كان آزر من وجده مختبئا فوق سقف غرفة لبنى، فحمله من ظهره كالقطة و هو يبكي متوسلا إياه أن لا يذهب. و رماه فوق أحد الجمال و هو يوبخه، ليخرس رغم الدموع.

مضى الصغير في بكائه معظم الطريق، و لم تجف عيناه حتى اليوم الثاني، حينها كانوا بالفعل في المنطقة حيث المخيم الذي يدرب الصبية، و الذي كان يعرف بالبيداء.

ساعد الرجل الذي يقود القافلة على إنزال الأطفال عن جمالهم، و أمرهم بتشكيل صفين ثم أفرغ حاجياتهم من الهودج و وضعها أمامهم ليأخذ كل واحد أشياءه في يده، ثم جعلهم يقفون باستقامة، بعدها سحب الجمل الرئيسي و ولى أدباره

و الجمال وراءه مصطفة.

و ما كاد يبتعد حتى رأوا رجلا قادما من بين الخيام المنتشرة، كان شيخا كبيرا بوجه قاس و مشية رزينة، يمسك بعصا خشبية سميكة في يده، شعر معظم الأطفال بالخوف من هيبته باستثناء دريد الذي كانت عيناه على الأرض و عقله يفكر بطريقة للعودة إلى شقيقته.

عبر الشيخ حدود المخيم التي كانت عبارة عن أحجار كبيرة متراصة، ثم وقف بالمدخل و ضرب نهاية عصاه بالأرض:

  - " تقدموا إلى هنا يا رجال الغد !!"

صوته كان غليظا للغاية و قويا، و ما كاد ينهي جملته حتى أسرع الصبية نحوه و اصطفوا أمامه مرة ثانية.

لم ينظر إليهم الشيخ، و أبقى بصره على الطفل الوحيد الذي لم يحرك ساكنا، و لا زال يقف بالخلف.

  - " يا صغير اليوم، أ لا تنصت لأمر معلمك ؟ "  تخطاهم الشيخ و مضى نحو دريد الذي رفع نظرات خائفة نحوه دون أن ينبس ببنة شفة.

صاح فيه الشيخ و هو يضرب رأسه بالعصا ضربة غير مؤلمة: " بعقل شارد كهذا فإنك ستكون لقمة سائغة للعدو!"

وضع دريد كلتا يديه على مكان الضربة، و بدأ يشهق:

" فليكن! أريد العودة.."

تفاجأ الشيخ من الإجابة، ثم خاطب الأطفال وراءه و عينه على دريد:" يا رجال الغد! تقدموا إلى داخل المخيم و انتظروني في الساحة بالمنتصف." بدأوا في الحراك ثم انتفضوا حين صاح : " بعد أوامر المعلم تهتفون بكلمة حاضر!"

صاحوا بأصوات متداخلة: " حاضر !!" و ركضوا مبتعدين.

نظر دريد للمعلم:" أرجوك يا سيدي أرجعني، قل لهم هذا الولد لا يصلح لشيء."

  - " لقد تم إرسالك إلى هنا من أجل أن تقوي هذا فلا تقول هكذا كلمات." ضرب بحافة عصاه على قلب دريد.

  - " أنا أريد العودة، أعدني."

 

  - " ليست أول مرة يأتيني فيها طفل جبان لا يقوى فراق أهله، و لكني سأصنع منك رجلا !"

  - " لن أطيعك، و لن أحمل سيفا، و لن آكل الطعام و سأسعى لأهرب من هنا..أرجعني بالحسنى." نظر دريد إلى الشيخ بما يظنه وجها قويا، و لكنه لم يكن إلا كقط صغير.

ابتسم الشيخ بجانبية:" العزيمة صفة تعجبني، ما اسمك؟"

  - " دريد بن سنمار، أعرني جملاً لأعود."

  - " إذا أنت شقيق أخيل! لقد كان أخوك شابا مثاليا في كل شيء، و إخوتكما قبله كانوا عندي و أنا فخور بهم."

" لكن أنا لست فخورا، ماذا يهم إن امتلكت القوة بينما لا تحمي من لا يملكها، بل و تستعملها ضده؟!"

فرك المعلم لحيته بإعجاب:" كلمات ليست لابن الخامسة."

نظر دريد مطولا للشيخ أمامه ثم أعطاه ظهره و هم بالمغادرة، و لكن الدنيا دارت به و وجد نفسه على كتف المعلم. صاح بعد أن تجاوز دهشته:" أفلتني! أنا لا أريد تعلم شيء!"

  - " ليس بيدك يا رجل الغد، لا مهرب من هذا المكان إلا بمضي خمس سنوات كاملة، تحمل ذلك بهدوء." ثم مشى الشيخ براحة، ليس و كأن هنالك طفلا ينتفض فوق كتفه.

توقف دريد للحظة عن محاولة تحرير نفسه، و ذلك حين رأى خيالا بين أشجار النخيل النابتة على يسار المدخل.

أمعن النظر و لكن لم يكن هنالك شيء واضح للعيان، هو متأكد من أنه رأى أحدا ، خاصة و أنه قد سمع خطوات مسرعة،  لم قد يختبئ؟ أ هو أحد الأطفال ينوي الهروب مثله أم شخص آخر ينوي السوء ؟

  - " يبدو أنك هدأت أخيرا، هذه إشارة طيبة." قال الشيخ ليعاود دريد المقاومة من جديد.

  قال الشيخ و هو يقف أمام تلاميذه الجدد:

" أدعى قنديل، أنا معلمكم و أوامري مطلقة في هذه البيداء.

أي تصرف مخز سيلقى صاحبه العقاب، و من يحسن الصنع أجازيه. ستحصلون على تدريب صارم و واجبكم هو التحمل و بذل قصارى جهدكم، فأنتم لن تبقوا أطفالا لبقية حياتكم!"

  - " حاضر! " صاح الأطفال بقوة، و كان معظمهم  يختلس النظرات إلى الطفل دريد الذي كان يقف بينهم، و لكن يداه و قدماه كانتا مربوطتين بحبل إلى عصاة منتصبة خلفه.

كان يهتز في كل لحظة و الغضب يتطاير من عينيه، فهو لم يستطع التذمر حتى، إذ حشر المعلم حبة مقسومة من الفلفل الحار في فمه و أغلقه بقطعة قماش.

  - " انتباه!" نظر له الصغار فاسترسل:" الطفل الشقي أمامكم، تجاهل أوامر معلمه، و لهذا السبب هو قد لقي ما يستحقه.

  اذهبوا الآن إلى الخيمة عن يمينكم و رتبوا أغراضكم.

أما زميلكم المتمرد فسيبقى هكذا حتى موعد العشاء، و أرجو أن يكون عبرة لمن يعتبر."

  - " حاضر!"

انصرف الأطفال، فاقترب المعلم من دريد الذي كان يستنشق و دموع الألم من الفلفل قد بللت القماش على فمه، ربت على رأسه و ضحك:" سأعطيك دواءً ينسيك الألم، لكن ما دمت فيه ففكر في خطئك و تعلم منه، طاعة الكبار واجب الصغار."

  كانت القافلة قد وصلت عصراً، لذلك هي كانت مسألة ساعتين أو ثلاث تقريبا قبل أن تغرب الشمس، ثم ساعتين أخرتين أو أكثر حتى موعد العشاء. كان ذلك بعيدا نوعا ما، الوقوف مجبرا هكذا مع لسعات فظيعة في الفم، هو لن يستطيع التحمل! رفع دريد رأسه لأعلى و نادى باسم أخته

في قلبه.

◇◇◇

بعد أزيد من الساعة، أخذ النعاس و الإرهاق مأخذه من الطفل دريد فأخذ يترنح واقفا ثم حين شعر بأنه سيموت، رأى وجه المعلم أمامه، و شعر به يخرج الفلفل من فمه و يمد له بالقربة ليشرب، لم يكن ذلك ماءً بالتأكيد و لكنه كان شيئا هدأ من الألم،

بعدها أعاد تكميمه و انصرف.

لم يقوى دريد على الكلام أو التحرك، و شعر بأطرافه مخدرة، كان ذلك عقابا قاسيا بالتأكيد، و من يومها قرر أن يطيع هذا الشيخ الصارم و أن لا يعانده في شيء مهما يكن، على الأقل سيظل يظهر له الطاعة حتى يجد الفرصة ليهرب.

توجهت جميع الأنظار على العشاء نحو دريد الذي دخل الخيمة و هو يجر قديمه جرا، فجلس بجانب أحد الغلمان الملتفين حول طعام العشاء، كانوا قد شعروا بالشفقة نحوه و بدأوا يقربون الأطباق إليه و يقدمون كلمات متعاطفة.

أما قنديل فظل ينظر لهم خلسة من مدخل الخيمة، و تبسم برضا للقلوب الطيبة التي سيربيها للبضع سنوات القادمة.

فجأة، وضع نظرة حادة و تطلع إلى المكان من حوله، لم يكن هنالك من شيء مريب، فأخذ جولة حذرة حول حدود مخيمه ثم اتجه إلى خيمته الخاصة بعد أن قدم تعليمات إلى الأولاد بأنهم سيتناوبون على الحراسة.

و كان قد أطلق ثلاثة كلاب متوحشة القسمات، فاتجهت كحيوان مدرب، ليقف واحد عند خيمة الأطفال و واحد عند مدخل المخيم.

و الأخير عند خيمته الخاصة التي دخلها لينام.

كان ذلك إجراءً أمنيا معتادا لضمان سلامة الجميع.

◇◇◇◇

تراجع البدر ببطء تاركا المجال للشمس لتستيقظ من جديد، و لم تتفاجأ هذه برؤية قنديل مستيقظا قبلها كما جرت العادة.

و بمجرد أن ألقى عليها تحية صامتة من خلال تأملها بوجه منشرح، حتى نقر بعكازه الأرض إلى خيمة الغلمان.

  - " لقد حان وقت الاستيقاظ يا رجال الغد !!"

جفلت الأجساد الصغيرة على صوته الصاخب، بينما بقيت أخرى تشخر في عالم الأحلام العميق، و لكنه اخترق تلك الأحلام و أخرجهم منها بنقرات على الرأس، فنهضوا متألمين و البعض بكى.

  - " أمهاتكم لسن هنا لتحصلوا على الأحضان و القبل، هيا تحركوا لتغسلوا وجوهكم، استفيقوا."

نهضوا كالثمالى و هم يتعثرون و مشوا في صف مستقيم بعد صراخ قنديل عليهم مرة أخرى، تقدمهم بعد ذلك و دلهم على مكان البئر و قد كان خارج المخيم بمسافة، مروا بالترتيب ليغسلوا وجوههم و يسقوا أنفسهم.

دريد كان الأخير، و حين رفع الإناء ليشرب لاحظ المعلم احمرارا في زوايا فمه، فخاطبه:" أيها المتمرد دريد!"

  - " حاضر!" هتف دريد في وقفة متخشبة.

  - " هل تحملت التهيج على فمك طوال الليل؟"

لمس دريد فمه:" نعم يا معلمي! لقد تعلمت درسي."

  - " يعجبني كلامك و لو كان كذباً! لأنك تطيعني لنية غير صادقة تماما فتحمله لمزيد من الوقت حتى ننهي الاختبار، بعدها سأعالجك كما ينبغي."

  - " اختبار؟ " تساءل دريد محتارا.

 

  - " التحق بزملائك حالا يا ابن سنمار!"

  - " حاضر!" قفز دريد إلى نهاية الصف.

 

تقدمهم قنديل من جديد و مشى بهم كدجاجة و صيصانها، حتى توقفوا في الساحة حيث جمعهم البارحة، كانت مجهزة بعدة أشياء لم يلحظوها خلال خروجهم بسبب النعاس.

كانت هنالك عدة ألواح خشبية مربعة رسمت عليها علامات دائرية، و كانت هنالك دائرة على الأرض محيطها من الطبشور الأحمر و وضعت وسطها عصاتان و درعان صغيران من المعدن.

  - " سأقيم مستوى كل واحد منكم الآن، في الرماية و المقارعة و السرعة، من يخسر أرجعه إلى بيته."

  عندما تألقت عيون دريد أضاف:" القاعدة لا تشمل دريد بن سنمار."

  - " لمَ !" صاح دريد و بنظرة جانبية من قنديل أخفض بصره و قال على مضض مع بقية رفاقه:" حاضر."

و بذلك بدأ اختبارهم الصغير، لم يكن قنديل صادقا فيما قاله تماما، فالقاعدة لا تشمل الجميع، لا أحد يتم إرجاعه إلى بيته إلا أن يكون شخصا خبيثا لا يرى قنديل أنه يستحق تعلم القتال. أما هدفه الرئيسي فكان معرفة مدى كفاحهم، فهو يعرف أن أهلهم غرسوا فيهم أهمية تخرج الشخص من البيداء، و لذا أرادهم أن يبذلوا جهدهم خوفا أن لا يرجعهم إلى قبيلتهم مخزيين.

رفع طفل بدين يده بتردد: " أ لن نأكل أولاً ، معلمي ؟" 

  - " في الحرب لن ينتظرك العدو حتى تأكل."

  - " لكننا لسنا في حرب، معلمي."

  - " أنت في حرب معي، هيا، ستكون أول من يبدأ."

مد له المعلم بسهم و قوس و دفعه لخط معين كي يرمي، فشل الصغير فشلا ذريعا تحت ضحكات زملائه، ثم مضى إلى الدائرة، فحمل العصا في يد و الدرع في أخرى، و نظر بحيرة إلى معلمه، و الذي نظر بدوره إلى التلاميذ بتحمس:

" فليتقدم أحدهم ليرمي ثم ينازله، و ستتسابقان بعدها."

بدا الطفل البدين سهل الهزيمة لذلك لم يكن هنالك الكثير من التردد و لكن قبل أن يتحرك أحد.. اندفع سهم من العدم و ارتطم بالخشبة قريبا جدا من المنتصف!

تحركت العيون إلى الخلف، حيث يقف طفل لم يروه من قبل، لا في القبيلة و لا في الطريق، بعمامة تلف رأسه، و هو يمسك بنشاب و يده معلقة في الهواء بعد الإطلاق.

كانوا منذهلين تماما من الصغير الغريب..

أما دريد فقد أشرق وجهه و قفز من مكانه راكضا نحو الطفل المألوف القسمات و الذي عض شفته بتورط حين احتضنه دريد صارخا بصوت دوى في أرجاء الفيافي:

" لبنى !"

____________

* الهودج : ما يوضع على ظهر الإبل، فتركب فيه المرأة غالبا.

لكن في الرحلة إلى البيداء، استعمل لحمل متاع الأولاد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كالحليب مع التمر

المؤلف شالا تندوف
2026/07/27 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة