ملامحٌ غيرُ واضحةٍ

ملامحٌ غيرُ واضحةٍ

8 0

_____•___•____

___الفصــل الثالــث ___

ملامحٌ غيرُ واضِحة

____•___•____

" كُنتَ لَنا في لَمحةٍ كَصرحِ المَأوَى

والآنَ وجهُك بَاتَ لنَا خَاوِياً..."

اجتَمَعَ قِلَّةُ سكانٍ مُناجَاةً ، فسَارَتِ الأقدَامُ وسِيقَ الجَدُّ لنعَشِهِ وأُقيمَ عَلى قبَرهِ ودُفِن . في مَكَانٍ أُعِدَّ لِمَن ليسَ لَهُ مَكَانةٌ مَرمُوقَة ، بَل مَن لَهُ تراثٌ لَا يُستَحَقُّ نَبشُهُ ، عَلَى التُربَة المُجَّرَدَةِ التِي سَارَ فِيهَا النَّاس ، يُدفَنُ فِيهَا البُسَطَاءُ المُسَالُِمونَ أَصَحابُ الثِيَابِ البَالِيَةِ والقُلُوبِ الطَاهِرَة .

وبَينَمَا غَادَرَتِ الأقدَامُ ظَلَّ الحَفِيدَان يُنَاظِرَانِ قَبرَهُ . لَحظَةُ سُكُوتٍ تبَِعَتهَا تَنهِيدَةُ طَويلَةٌ ..هذَا مَا يَفعَلُه جَدُّهُمَا حِينَ المُِصيبَة .

لِثَلاثِ أيَّامٍ مُتَواصِلَةٍ يَقِفَانِ عَندَ قَبرهِ تَناوُبَاً ، فَلَيَلاً يُسَاوِرُهُ سيدر، وفَجرَاً تُجَاوِرُهُ ليڤاندر . وَكَانَ اتِّفَاقَاً بَينَهُمَا يَقُودُهُ حُزنٌ و رَدُّ جَِميلٍ، ولأَنَّ القَلبَ أَبَى أَن يُفَارِقَ نَبضَهُ ، أَبَى الجَسَدُ أَن يُفَارِقَ سَنَدَه ، فَضَخَّ فِي دَاخِلِهِمَا وَفَاءً لَا يَنتَهِي .

وَعَلَى جَانِبٍ آخَرَ، لَم تَطَأ قَدَمُ سَاندرُو اَلمَنزِلَ قَطُّ مُنذُ وَفَاةِ أَبِيهِ، وَلَم يُحدِّث أَحَدًا مِنهُمَا وَلَا يُوَاسِيهُ، فَيَومَاً رَآهُ سيدر وَهُوَ يَحفِرُ جَاهِدًا فِي البُسْتَانِ بَاحِثًا لِغَرَضٍ، وَقَد شَاهَدَتهُ لِيڤان يَومًا آخَرَ وَهُوَ يَعبُرُ جَانِبَ اَلمنزِلِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ رُغمَ عَدَمِ تَعَافِيهِ.

فَتَبِعَتهُ فِي مُنتَصَفِ نَهَارٍ خَفِيَّةً لِتَكشِفَ خَبَرَهُ. اتَّجِه يَسَارًا عَابِرًا عِدَّةَ مَبَانٍ خَاوِيَةً وطريقٍ قَدِيم إِلَى أَن وَصَلَ لِلطَّرِيقِ اَلرَّئِيسِيِّ لِلقَريَةِ. فَاتَّكَأَ عَلَى عُكَّازِهِ وَطَالَعَ سَاعَتَهُ فِي نَفَاذِ صَبرٍ . وَخَلَفَهُ " لِيڤان " مُختَبِئَةً وَرَاءَ أَنقَاضِ اَلمَبَانِي.

مَرَّت عِدَّةَ دَقَائِقَ اعتَلَت فِيهَا اَلشَّمسُ وَسَطَ اَلسَّمَاءِ فَاشتَدَّ اَلحُرَّ وَتَصَبَّبَ اَلعَرَقُ وَصَعُبَ اَلمُكُوثُ.

لَمحَ سَاندرُو سَرَابًا لشئٍ بعيد... بَل أدرَكَ أَنهَ رَأَى سَيَّارَةً بَعِيدَةً، اِقتَرَبَت شَيئًا فَظَهَرَ سَوَادُهَا، وَاقتَرَبَت أَكثَرَ وَاتَّضَحَ حَجمُهَا ... إِلَى أَن وَصَلَت فَجَانَبَتِ اَلطَّرِيقَ أَمَامَ عَمِّهَا سَاندرُو اَلَّذِي اتَّجَهَ لِنَافِذَتِهَا المُعتِمَةِ. أَنزَلَ اَلسَّائِقُ نَافِذَتَهُ بِبُطءٍ. مَدَّ يَدَهُ كَمَنَ يُطَالِبُ بِمُصَافَحَةٍ. ولم تَرَى ليڤاندر إِلَّا يَدَهُ وَكُمَّهُ اَلطَّوِيلُ اَلدَّاكِنُ كَسَيَّارَتِهِ.

دَارَت بَينَهُمَا مُحَادَثَةٌ قَصِيرَةٌ لَم تَسمَع لِيڤان إلَّا طَرَفَهَا لِبُعدِ اَلمَسَافَةِ، وَقتَهَا قَالَ عَمُّهَا بِحِنقٍ.

«رَبَّاه! ... لِمَ تَأَخَّرَت؟ أَلَم تَعلَم أَن اَلوَقتَ ضَيِّقٌ؟ »

وَتَسمَعُ صَوتًا أَجَشَّاً لِرَجُلٍ يَرُدُّ عَلَيهِ مُعتَذِراً.

«آسِفٌ سَيِّدِي، اِنشَغَلَتُ رُغماً عَنِّي، سَأَذهَبُ حَالاً! »

ثُمَّ أَخرَجَ عَمُّهَا مِن مِعطَفِهِ صُرَّةً مِنْ قُماشٍ مَمْلُوءٍ بِمَجهُولٍ، وَوَضَعَهُ عَلَى كَفِّهِ اَلمُمتَدَّةِ. أَرجَعَ اَلسَّائِقُ يَدَهُ بِبُطءٍ وَأَغلَقَ اَلزُّجَاجُ ثُمَّ قَادَ عَرَبَتَهُ مُبتَعِدًا عَن مَرأَى اَلعَينِ.

أَحَسَّت لِيڤان بِرُجُوعِ عَمِّهَا فَتَرَاجَعَت بِحَذَرٍ لِتَتَعَثَّرَ بِحَجَرٍ، سَمِعَ سَاندِرُو اَلصَّوتِ فَصَاحَ. «مِن هُنَاكَ؟ »

لَكِنها اِعتَدَلَت وهِيَ مُتَأَلِّمَةً وَغَدَت لِطَرِيقِ بَيتِهَا دُونَ اَلتَّفَوُّهِ بِكَلِمَة.

قَابَلَت أَخَاهَا هُنَاكَ عَصرًا، وَقَصَّت عَلَيهِ مَا رَأَت، فَقَالَ لَهَا مُتَعَجِّبًا:

«أَعتَقِدُ أَنَّهُ ينوِي فِعلَ شئٍ خَبِيثٍ !»

ـ « مَثَلُ مَاذَا؟ »

«تَوَقَّعِي مِنهُ أَيَّ شَيءٍ يَا لِيڤان، فَهُوَ هَدَّدَنِي بِالطَّردِ مِن قَبلُ وَرُبَّمَا يَفعَلُ أَسوَء ...»

تَركَهَا وَرَاحَ لِغُرفَتِهِ عَلَى عَجَلٍ، يَبحَثُ وَيُدخِلُ أَغرَاضَهُ فِي حَقِيبَةٍ، وَخَلفَهُ لِيڤان تَسأَلُهُ عَمَّا يَفعَلُ.

«أَجمَعُ أَغرَاضِي كَمَا تَرَينَ، اِذهَبِي وَضعِي مَا تَحتَاجِينَهُ بِسُرعَةٍ! نُرِيدُ أَن نَهرُبَ قَبلُ أَن ... »

قَطَعَت جُملَتُهُ بِصَوتِ طَرقِ بَابٍ ...ثُمَّ ضَربٌ عَبَثِيٌّ قَوِيٍّ ثم اصطِدَامٌِ كَاسِرٌ.

دَخَلَ سَاندرُو كَالثَّورِ هَائِجًا وَسَطَ تَفَاجُئُ اَلشَّابَّينِ، وَفِي لَمحَةٍ تَبَخَّرَ غَضَبُهُ فَابْتسَمَ مَكرًا، وَشَرَعَ ذِرَاعًا عَلَى مَصرَاعَيهَا وَضَحِكَ بِصَوتٍ عَالٍ ثُمَّ قَالَ.

ـ «أَخِيرًا ! وَقَعتُمَا فِي يَدِي هَذِهِ اَلمَرَّةِ! »

قَالَ سيَدر غَاضِبًا. «حَسَناً ، مَاذَا تُرِيدُ مِنَّا هذه المرة ؟ »

« مَاذَا أُرِيدُ؟ مَا أُرِيدُهُ قَد تَمَّ وَهُوَ عَلَى وَشكِ اَلتَّنفِيذِ .»

تَرَدَّدَت لِيڤاندر قَلِيلاً ثُمَّ سَأَلَتهُ.

«مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِكِيسِ النُّقُودِ الَّذِي أَعطَيتَهُ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ الغَرِيبِ؟ »

عَقدُ حَاجِبَيهِ وَرَدَّ عَلَيهَا ساخراً . «إِذَاً فَقَد كُنْتُ هُنَاكَ!؟ لَا بَأس، فَسَوَاءٌ عُرِفتُمَا أَم لَا، فَهُم فِي طَرِيقِهِم

الى هُنا وَهَدَفُهُم؟ أَنتُمَا طَبعًا.»

«مِن هُم؟ » سَأَلَهُ سيدر مُستَوضِحًا مَا قَالَهُ.

ـ «اَلسُّلُطَات،. وَلِكَي أَكُون دَقِيقًا فَقَد أَتَوا.»

اِرتَدَّ فَالإِرجَاءُ صَوتُ صَهِيلٍ لِأَحصِنَةٍ وَقَرعٍ لِحَوَافِرَ ، يَقتَرِبُ شَيئَاً فشيئاً .

مَسَكَ سيدر يَدَ أُختَهُ قَصدَ اَلهَرَبِ، فَتَوَقَّفَت لِلَحظَةٍ لِتَرمُقَ عَمَّهَا بِنظرةٍ ذاتِ مَعَانٍ عِدَّةٌ، فكَانَ عَمَّها ذاتَ ماضٍ وَالآنَ بَاتَ فِي نَظَرِهَا وَحشًا يُكَشِّرُ فِي وَجهِهَا.

أَدرَكَ اِمتِعَاضُهَا فَقَالَ .

«لَا تَرمُقُيني بِتِلكَ اَلنَّظرَةِ فَلَن أَشفَقَ عَلَيكُمَا، فَلَطَالَمَا أَردَتُّ التَّخَلُّصَ مِن اَلعَارِ اَلَّذِي لَحِقَ بِعَائِلَتِنَا وبدُونِ أَن أرفَعَ طَرَفَاً ! »

سَمِعا ضِحكَتَهُ بَينَمَا انطَلَقَا بِسُرعَةٍ نَحوَ غُرفَةٍ لِيڤاندر. جُمَعَت أَغرَاضَهَا وحِمِلَت ، فَاستَبقَاء اَلنَّافِذَةَ، وَخِلَالَهَا عَبَرا. اِلتَفَتَا إِلَيهِ ... بَدَت مَلَامِحَهُ ضَبَابِيَّةً لهُمَا !

بِوَثبَةٍ خَرَجُوا مِن سُورِ اَلحَدِيقَةِ اَلخَلفِيِّ، وَخَلفَهُم يَنتَشِرُ نُورُ مَصَابِيحِ اَلغَازِ يَحمِلُهَا اَلحُرَّاسُ لِيقَتَفُوا أَثَرِهِم.

اِتَّجَهَا صَوبَ اَلحُقُولِ. ثُمَّ اختَبِئَا وَرَاءَ اَلحَشَائِشِ اَلمنخَفِضَةِ.

اِقتَرَبَ منهُمَا حَارِسٌ غافِلٌ مُعتَدِيًا جَوَادَهُ ، يَلبَسَ قَمِيصًا أَزرَق دَاكِنٌ ذَا يَاقَةٍ بَيضَاءَ يَعقِدُهَا زِرٌّ، وَفِي صَدرِهِ شَارَةٌ ذَهَبِيَّةٌ قُرْصِيَّةٌ لَهَا خَيطٌ يَصِلُ بَينَهَا وَبَينَ شَارَةٍ أُخرَى مُثَبَّتَةٍ عَلَى جَانِبِهِ الآخَر، كَانَ مَظهَرُهُ بِشَكلٍ عَامٍّ يُوحِي بِأَنَّهُ ذُو رُتبَةٍ عَالِيَةٍ.

أَقتَرِبَ وَانخَفَضَ بِجَوَادِهِ لِلحُقُولِ، ثَبُتَ بِمَكَانِهِ. ترَجَّلَ مِن جَوَادِهِ ، وَتَقَصَّى اَلمَكَانَ بِعَينَيهِ فَقَط، ثُمَّ رَجَعَ نَاحِيَةِ اَلمَنزِلِ.

هَمَسَت لِيڤاندر فِي أُذُنِ أَخِيهَا. «مَا اَلَّذِي سَنَفعَلُهُ اَلآنَ»

أَجَابَهَا خَافِضًا صَوتُهُ وَمُقتَرِحًا.

ـ «سَنَتَّجِهُ إِلَى بِرَايَان»

ـ «أَينَ؟ »

«بِرَايَان. اَلمَدِينَةُ اَلَّتِي تُوجَدُ بِها اَلمُعَسكَر اَلّذي حَدَّثَنا عَنهُ جَدِّي»

ـ «مَتَى وَكَيفَ لَيسَ لَدَينَا اَلمَالُ؟ »

بَدَا سيدر قَلِقًا لَكِنَّهُ قَالَ مُشَجِّعًا. «سَنَجِدُ طَرِيقَةً مَا ، أَنَا وَاثِقٌ. »

خَطَرَت فِكرَةٌ بِبَالٍ لِيڤاندر، فَسَارَت عَلَيهَا وَخَلفُها سيدر يَتبَعُهَا.

مَرَّا مِن اَلحشَائِشِ لِلحَقلِ وَمِنهُ قَطَعَا طَرِيقًا طُولِيًّ وُصُولاً لِأَرضٍ خَضرَاءَ وَاسِعَةٍ. فِي جَانِبِهَا اَلأَيمَنِ زُرَعَت اَلخُضرَاوَاتُ بِأَنواعِهَا ،وَأَمَامِهَا حَظِيرَةٌ يَرْعَى فِيهَا اَلمَوَاشِي وَعَلَى اَليَسَارِ مَبنَىً كَبِيرٌ قَدِيمُ اَلطِّرَازِ ذَا نباتٍ يحُفُّهُ، واعتَلَتهُ مِدخَنَةٌ بِبُخَارٍمُتَصَاعِدٍ.

أَمَّا اَلدَّاخِلُ فَمَضَاءٌ جُزئِيًّا فأفرَادُهُ غُرَباءُ قَلِيلُوا المَعارِفِ

وكَثِيرُوا الأقَارِبِ ، يَنتَمونَ لعائلةٍ وَاحِدَةٍ ... تُدعَى«مِيكَامِي ».

في جُنحِ الليلِ، قَصَدَتُهُ لِيڤان مُبَاشَرَةً وَأَقبَلَت عَلَى بَابِهِ طارِقَةً. سَأَلَهَا أَخُوهَا وَهُوَ وَاقِفٌ يُبعِدُهَا بِبِضعِ خُطُوَاتٍ مَعَ عُدَّتهِ.

«لِيفاندر ... ارجِعي .. هل أنتِ بِكَامِل قُدرَاتِكِ العَقلِية! »

أَجَابَتهُ وَهِيَ مُوَاجَهَةٌ لِلبَابِ. «نعم ،و سَأَطلُبُ المُسَاعَدَةَ فَقَط .»

وَطَرَقَت مرةً أِخرَى بِهُدُوءٍ، فِي حِينِ وَقفِ سيدر سَاكِنًا لَا يَدرِي مَا يَفعَلُ.

فَتحُ قُفلِ اَلبابِ. وَخَرَجَت مِنهُ اِمرَأَةٌ بَدِينَةٌ ، يَصعُبُ تَحدِيدُ عُمُرِهَا ، وَجِسةً تَحَذَرُ اَلغُرَبَاءَ، ترتَدِي ثِيَابًا تَعكِسُ عَمَلَهَا كَخَادِمَةٍ.

مَا إِنَّ رَأَتْ لِيڤان حَتَّى اِندَهَشَت فَوَضَعَت يَدًا عَلَى فَمِهَا مُعَبِّرَةً عَن قَلَقِهَا قَائِلَةً.

«لِيڤاندر مَا اَلَّذِي أَتَى بِكَ فِي هَذَا اَلوَقتِ اَلمُتَأَخِّرِ؟ أَحدَثَ مَعَكَ شَيْءَ مَا؟ »

أَجَابَتهَا بِلبَاقَةٍ.«اِعتَذَرُ عَن إِزعَاجِكُم يَا خَالَة ، لَكِن أَيُمكِنُنَا

اَلتَحَدُّثُ فِي اَلدَّاخِلِ مع السَيِّد ؟ »

أَجَابَت اَلمَرأَة بَينَمَا تَوَزِّعَ نَظَرَاتِهَا بَينهُمَا. «عَجَبًا ! اُدخُلَا ..أُدخُلَا بِسُرعَةٍ».

أشارَت لِيڤان لِأَخِيهَا بِالدُّخُولِ، فَدَخَلَ دُونُ أَن يَنطِقَ بِكَلِمَةٍ.

قَادَتُهُمَا اَلخَادِمَةُ عَبرَ زُقَاقٍ طَوِيلٍ، لِغُرفَةِ جُلُوسٍ فَخمَةٍ بساعاتٍ قديمةً وقِطَعٍ أخرَى أثَريَة . وَطَلَبَت اَلانتَظَار..

أَثْنَاءَ ذلك، خَلفَ الجِدَارِ رَأيا فَتَاةً صَغِيرَةً تَختَلِسُ نَاظِرَةً بِفُضُولٍ يَكَادُ بُلُوغَ السَقفِ . لَاقَت عَينَاهَا ليڤاندر فَرَكَضَتْ إِلَيْهَا وَهِيَ تَصْرُخُ

«لِي !».

فمِن عَادَاتِها قَصرُ الأسمَاءِ ليَسهُلَ نُطقُهُا ، فكانت دِيَانَا فَتَاةٍ صَغِيرَةٍ مميزةً ذاتُ طابعٍ غَريبٍ و خَاصٍّ. فهي لَعُوبَة، مَرِحَةٌ ، بِعَكسِ شَكلِهَا اَلخَارِجِيِّ ذَا اَلشعرِ اَلْمُرَتَّبِ، اَلْفُستَانُ اَلنَّظِيفِ، الذِي يَعكِسُ هُوِيَّةَ أُسرَتِها ، لِذَا تُسَلَّطُ عَلَيهَا الأَضوَاءُ السَاطِعة أمَلاً في ارتقائِهَا بِاعتِبَارِهَا اِبنَةَ عَائِلَةٍ عَريقَةٍ.

عَانَقَتهَا بِحَرَارَةٍ كَأَنَّهَا صَدِيقَتُهَا ،بَينَمَا مَدَّت يَدَهَا اَلجَردَاءَ لِتَصَافُحِ بِهَا سيدر بِجفافٍ قَائِلَةً «أَهلاً يَا سِي. »

تَحَوَّلَت لَطِيفَةً مَعَ لِيڤاندر وَقَد اتَّسَعَت حَدَقَتَيهَا، وَرَاحَت تَحَادُثَهَا بِفُضُولٍ وَهِيَ تَتَلَاعَبُ وَتَجُرُّ بِيَدِهَا بَينَمَا تُعِيدُ.

«هَيَّا. . . هَيَّا اِلعَبِي مَعِي يَا لِي »

طَبطَبَت عَلَى رَأْسِهَا وَأَجَابَت.

«آسفةٌ دِيَنَا ، نَحنُ هُنا من أجل شئٍ آخَر.»

ـ «لَا.. لَا أُرِيدُ أَن أَلعَبَ مَعَكَ يا لِي. »

قَطَّبَت دِيَانَا حَاجِبَيهَا فِي اِستِيَاءٍ، وَظَلَّت تُلِحُّ حَتَّى وَصَلَهَا صَوتٌ وَاضِحٌ لِضَربٍ قَدَمٍ بِجِوَارِ اَلبَابِ.

وَقَفَ اَلرَّجُلِ بِجِلبَابِ نَومِهِ، بِشَارِبٍ يُغَطِّي أَعلَى شَفَتِهِ، ذَا ذَقَنٍ طَوِيلٍ يَنمُو عَلَى رَقَبَتِهِ، كَانَ لَهُ حُضُورٌ بَارِزٌ كَعَادَتِهِ، فَلَدَيهِ بِعَضِّ الفُتُوَّةِ رُغمَ أَنَّهُ عَلَى مَشَارِفِ اَلشَّيْخُوخَةِ، وَكَانَ اَلسَّيِّدُ مِيكَامِي من معارِفِ جَدِّهِمَا فادِي.

قَالَ بِصَرَامَةِ لِابنَتِهِ.

«لَا لعِبَ معَ الضيُوف، هَيَّا اِذهَبِي وَاخلُدِي لِلنَومِ لَقَد تَأَخَّرَ اَلْوَقتُ ... دِينَا !»

صَمَتَت دِيَانَا وَطَأطَأَت رَأْسهَا وَخَرَجَت بِهُدُوءِ تُجرُّ أَذَيالهَا بَعِيدًا مِن اَلغُرفَةِ.

جَلَسَ اَلسَّيِّدُ مِيكَامِي وَقَالَ.

«أَخبَرَتنِي اَلخَادِمَةُ بِحُضُورِكُمَا لِأَمرٍ حَلَّ بِكُمَا أَرْجُو أَن يَكُونَ مُهِمَّاً أَكثَرَ مِن نَومِي. فَهَل يَتَكَرَّمُ أَحَدُكُمَا بِالتَّكَلُّمِ وَاطلَاعِيٌّ عَلَيهِ، وَإن اِستَطَعتُ سَأُسَاعِدُ وأردُّ ذَلِكَ الصَنِيع. »

عَدَّلَ سيدر جَلسَتَهُ وَسَرَدَ لَهُ مَا جَرَى مَعَ اَلسُّلُطَاتِ وَأَخفَى عَنهُ مَا خَاضَاهُ مَعَ عَمِّهِ سَاندِرُو ، لِخَشيَةِ نُشُوبِ مَعرَكَةٍ ضَارِيَةٍ بَينَهُمَا وَأَحدَاثٍ أَسوَأَ لَا تُحمَدُ عُقبَاهَا!

بَرَمَ شَارِبُهُ وَتَفَهَّمَ كَلَامَهُ بِهَمهَمَاتٍ مُستَمِرَّةٍ ثُمَّ عَبَّرَ عَن رَأْيِهِ قَائِلاً.

«هُنَالِكَ نِقَاطٌ كَثِيرَةٌ أَجهَلَهَا عَن هَذِهِ القِصَّة وَلَا أَستَطِيعُ أَن أَجزِمَ بِشَيءٍ، لَكِنِّي أَقتَرِح أَنَّ تَختَفِيَا عَن الأَنظَارِ وَتَبِيتَا هُنَا لَيلَةً، رَيثَمَا نَجِدُ مَا يُقَلُّكُمَا لِبرَايَان، أَتَوَافَقَانِ؟ »

رَدَّتْ عَلَيهِ لَيڤان بِوُّدٍّ: « شُكرًا، يُشَرِّفُنَا ذَلِكَ سَيِّدِي» بَينَمَا أَومَأَ سيدر مُوَافِقًا.

قَامَ اَلسَّيِّدُ مِيكَامِي مِن مَكَانِهِ حَاسِمًا أَمرَهُمَا مِن فَورِهِ، وَآمِراً الخَادِمة بِإِرشَادِ اَلضُّيُوفِ لِغُرَفِهِم، وَعَلَى طَرِيقَهِ هَمَسَ " تُصبِحُونَ عَلَى خَيرٍ " وَغَدا لِغُرفَتِهِ مُتَثَائِبًا وَمُستَعِدًّا لِلنَّومِ.

رَغمَ ثِقَلِ الجُفُونِ خَلَدَ اَلشَّابَّينِ لِنَومٍ يَسِيرٍ وَحُلُمٍ لَا يُرَى فِيهِ إِلَّا صَفَحَاتٍ بَيضَاءَ تَنتَظِرُ فتَحَ غِلَافَهَا.

~~~~~~~

في اليَومِ التالي ..حين كَادَت اَلشَّمسُ تَخرُجُ مِن وَكرِهَا، طُرِقَ اَلبَابُ بَاكِرًا فَارتَدَّ اَلصَّوتُ فِي اَلزُّقَاقِ.

الجَمِيعُ نَائِمٌ آمِنٌ بِاستِثنَاءِ اَلسَّيِّدِ مِيكَامِي، اَلَّذِي كَانَ يُتَابِعُ صُورَةً عَلَى اَلجِدَارِ جَامِدَةً بَاهِتَةً. قَلَب عَينَيهِ نَاحِيَةِ اَلبَابِ المُهتَزِّ وَاتَّجَهَ إِلَيهِ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ وَذَارِعٍ مَشدُودَةً. فَتَحَ اَلبَابَ قاَئِلاً. «مَاذَا تُرِيدُ؟ »

قَابَلَهُ جُندِيٌّ يَقِفُ بِاستِقَامَةٍ وَيَقُولُ بِصَوتٍ عَالٍ.

«نَعتَذِرُ عَن إِزعَاجِكَ أَيُّهَا اَلمُوَاطِنُ ، يَوَدَّ المُلَازِمُ اَلتَّحَدُّثُ مَعَكَ لِاشتِبَاهِ طَورُّتِكَ فِي قَضِيَّةِ مَا » .

___________________

To be continued ....

____________________

يُتبَع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بلوريكا| blurica

المؤلف ABDULAZIZ MAGDI
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة