جَدٌ و أَبٌ

جَدٌ و أَبٌ

16 0

___الفَـصـل الثانِِي___

______جدٌّ • أب______

فِي اَلأَعوَامِ الأَخِيرَةِ، أُخمِدَ اَلصِّرَاعُ بَينَ اَلطَّرَفَينِ لِفَترَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبِعَهدٍ وَتَعَهُّدٍ ، دَفنُ اَلغَضَبُ وَالبُغض مَعَ إبرَامِ عَقدِ اَلصُّلحِ اَلَّذِي لَم يَلبَث إِلَّا أَيَّاماً  لِيُخرَق. حِينَهَا ثُقِبَ اَلوَرَقِ وَتَسَرَّبَتِ اَلفِتنَةُ بَينَهُمَا فَرَاحَتْ وَسَاوِسُ كُلِّ نَفسٍ تَتَلَاعَبُ بِأَصحَابِهَا، فَلَم تَخْلُ اَلشَّوَارِعُ مِن شُكُوكٍ فِي اَلنَّوَايَا…

لَم تُخفِيَ أَيٌّ مِنهُمَا عَدَاءً لِلأُخرَى وَلَم تَكُن تُحَاكُ خُطَطٌ وَلَا مُؤَامَرَات، وَلَا غَزو فِي غَفلَةٍ، وَلَا طَعنَ مِن اَلخَلفِ، إِلَّا أَنَّ كِلَاهُمَا لَم يَزرَعُ بُذُورَ اَلإِحسَانِ فِي قَلبِ نَظِيرِهِ، فَظَنَّ كِلَاهُمَا بِأَنَّ اَلآخَرَ يَكِيدُ وَيُبطِنُ شَرًّا. وَتَحتَ وَطْأَةِ اَلْكَتْمِ، تَحَوُّلُ اَلظَّنِّ لِطَعنٍ، وَجَرَت اَلعُقُولُ خَلفَ وَهَمِهَا، فَاشتَعَلَتْ الحَربٌ مِن جَدِيدٍ وَحِينِهَا اِرتَدَت اَلْقُلُوبُ قِنَاعًا ظَاهِرَه اَلعَدَاءِ وَخَفِيُّهُ أَولَوِيَةٌ وَأَنَانِيَّة .

كَمَا تُخَلِفَ اَلنَّارَ رَمَادًا، أَخلَفَت اَلحربُ آثَارًا لَا تُحصَى عَلَى اَلسُّكَّانِ اَلبُسَطَاءِ اَلَّذِينَ كَانُوا يَكسِبُونَ رَغَدَهُم مِن اَلسَّلَامِ وَيَعِيشُونَ عَلَى اَلسَّكِينَةِ. لَكِنَّ اَلرَّخَاءَ لَا يَدُومُ، فَسُرعَانَ مَا تَتَابَعَتِ اَلخَسَائِرُ، وَالقَتلُ كَالْحَرْقِ أَصبَحَ جَائِرَاً. فَهَجَرُوا دِيَارَهُم حَامِلِينَ عَلَى ظُهُورِهِم حَسرَةً عَلَى مَوطِنَاً أُنتِهِكَت قَوَاعِدِه ، لِيَسِيرُوا عَلَى خَطٍّ مُحَايِدٍ فِي سَبِيلِ اَلعَيشِ.

وَعَلَى ذَلِكَ اَلخَطِّ أُقِيمَ ذَلِكَ اَلمَنزِلِ اَلمُتَهَالِكِ، عَلَى أَرضٍ قَاحِلَةٍ وَجَافَّةٍ يَعِيشُ سُكَّانُهَا عَلَى اَلمَحَاصِيلِ وِيرتَوُنَ مِن مِيَاهِ اَلنَّهرِ اَلبَعِيدِ.

وَدَاخِلَهُ، رَسَى تَفكِيرُ اَلْجَدِّ " فَادِي " حِينَ طَالَعَ جَرِيدَةَ اَلْأَخبَارِ فِي لَهفَةٍ وَهُوَ عَلَى كُرسِيِّهِ اَلمُهْتَرِئِ، وَعَلَى القُربِ مِنهُ فَتَاةٌ ذَاتُ أَيدٍ مَشغُولَةٍ، نَضِرَةُ اَلوَجهِ شَغُوفَةٌ، تَغلِي شَايًا أَخضَراً وَتَكنُسُ اَلمَنزِلَ اَلأَغبَرَ.

وَبِسَلَاسَةِ قَدَّمَت حَفِيدَتُهُ كُوبَ اَلشَّايِ اَلسَّاخِنِ لَهُ، وَقَالَت بِهُدُوءٍ. «اَلشَّايُ. . . يَا جَدِّي»

أَجَابَهَا عَلَى مَضَضٍ «آه نَعَمَ، أَشْكُرُكِ يَا لِيڤاندر. . . »

بَدِى مُنشَغِلاً، سَارِحاً عَلَى نَحوٍ غَرِيبٍ، فَسَأَلَتهُ.

«أَيشغلْ بَالُكَ شَيْءٌ؟ »

أَخذَ رَشْفَةً ثُمَّ أَجَابَهَا بِلُطْفٍ. «كَلًّا . لَا شَيْءَ تَحْدِيدًا ، هَل قَرَأتِ أَخبَارَ اَليَومِ؟ »

كَانَ يُحَاوِلُ اَلتَّمَلُّصٕ مِن سُؤَالِهَا بِإِدَارَةِ دَفَّةِ اَلْحَدِيث .

سَايَرَتهُ قَائِلَةً.

« لَا. تَعلَمُ أَنِّي أَكرَهُ اَلْأَخبَارَ كونَهَا تشعِرُنِي بِالِاشمِئزَازِ لِسَبَبٍ مَا . أَبِهَا مَا يُهِمُّ حَقَّاً ؟»

- جَميعُها هَام . كهَذا الخَبَرَِ مثَلاً ..يُقَال فِيهِ أَنَّ اَلحَربَ بَينَ اَلسُّلُطَاتِ وَالقَبَائِلِ مَا زَالَ مُحتَدِمًا، أَيُعقَلُ ذَلِكَ! أَلَم يَتَوَقَّفُوا مُنذُ فَترَةٍ ؟!

لِحُسنِ اَلحَظِّ أَنَّنَا خَرَجنَا مِن تِلكَ اَلمَدِينَةِ وَإِلَّا لَكُنَّا الآنِ مِن اَلأَسرَى إِذَا اِفتَرَضنَا أَنَّنَا سَنَعِيشُ!

تبَّسَّم وَقَال. «أَحمَدُ اَللَّهَ عَلَى خُرُوجِنَا مِن هُنَاك، اَلْفَضلُ يَرجِعُ لِي وَلِعَمِّكِ بِالطَّبع ، فَقَد فَضَّلنَا اَلخُرُوجَ عَلَى اَلمُشَارَكَةِ عَكسَ أَخَاكِ اَلمُتَمَسِّكِ الْأَهوَجَ. بِالمُنَاسَبَةِ أَلَم يَعَد بَعدٌ مِن اَلحَقلِ؟ »

طُرِقَ اَلبَابُ عُقبَ كَلَامِهِ، فَأَشَارَت لِلبَابِ مُجِيبَةً عَلَى جَدِّهَا، وَفُتحَتُهُ وتَمتَمت. «أَهلاً بِعَودَتِكَ »

وَبِسُرعَةٍ تَرَاجَعَت لِلخلْفِ مُغَطِّيةً أَنفَهَا قائِلَةً. . . «يَا لَلقَرَف. . . أَسَقَطَتَ فِي إِحدَى اَلمَجَارِي؟ »

وَقفُ أَخُوهَا «سيدر» بِحَيَوِيَّةٍ، شَابًّا ذُو بُنيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، أَسوَدِ شَعرٍ طَوِيلٍ وَمُجَعَّدٍ، أَسمَر الوَجهِ مِن خَبطَةِ اَلشَّمسِ، مُتَّسِخُ اَلثِّيَابِ وَمُلَطَّخ بِالوَحلِ.

وَعَلَى أَعتَابِ اَلبَابِ، أَجَابَهَا .

«وَقَعَتُ فِي بِركَةِ طِينٍ فِي ذَلِكَ اَلحَقلِ وَرَفَضَ عَمِّي رُجوعِي إِلَّا بَعد انقِضَاءِ عَمَلِي. . . »

نَظَرَ اَلجَدُّ لَهُ مُشمَئِزًّا وَقَالَ فِي شَكٍّ. «كَاذِب! تَقصِدُ أَنَّكَ كُنتَ تَلهُو ثُمَّ سَقَطَتَّ وَعُوقِبَت.  صحيح ؟ »

- «بِصَرَاحَةٍ نَعَم.»

رَمَت لِيڤاندر مِنشَفَةً لِأَخِيهَا وَأَشَارَت لَهُ لِيَبتَعِدَ وَيَستَحِم فَرَائِحَتُهُ خَنَقَتهَا. ضَحِكَ اَلْجِدُّ  ثُمَّ اختَفَت اِبتِسَامَتُهُ فَجْأَةً لِيَقُول.

«اِسْتَحَمَّ وَتَعَال، أُرِيدُكَ فِي مَوضُوعٍ هَامٍّ وَأَنتِ أَيضًا يَا لِيڤاندَر. . . »

بعدَ استِحمَامِهِ،  جَلسَ سيدر  بِجَانبِ أُختهِ للإنِصَات ، و لاحَظَ كِلاهمُا النَظرةَ التِي بَدَت عَلَى وَجهِ جدِّهِما..نَظرَةٌ مُنكَسِرَة، على إِثرِهَا يُفهمُ الأَمَرُ ، فيعرِفانِ أنَّه أمرٌ عنِ المُستَقبَل.

علَى الطَّاوِلَة ، بَادَر الجدّ " فَادِي " الحديثَ بهدوءٍ وَجِدِّيَة.

« تعرفانِ أنّ العاَلم الخارجيّ غيرُ آمِن ، الحروبُ قد تجرُّ إلينا بعد هروبِنا منِها ، ولا سَبِيلَ لَنَا سِوَى المُواجَهَة. لَكِنِّي رجلٌ يمنعني رَهطِي،بينما عَمُكما  رجلٌ خاضَ غمارَ المعاركِ حتّى أَصبَحَ أعَرجَ وَ مُدمَّر النَفسِ والجَسَد. »

صمتَ الجد و صَعُبت عَليهِ كلماتهُ حين رأى وَقعَها على حَفِيدَيه ، اذ ارتبك كلاهُمَا وعَجِزا عِنَ الكَلام.

أردَف قائلاً :«.. وبما أنَّكُما عَلى حافةِ النضوجِ، يستحسنُ أَن يسيرَ كُلٌ مِنكمُا على طريقهِ الخَاص ليتَطوَّر،  فمن يدري  ما المصاعب التي يُواجِهُهَا المرءُ، خاصة في هكذا زمان، زم ولذلك قررتُ أن تَدخُلا إحدَى المُعسكرات ، لذَا قمتُ بتِسجِيلكمُا . »

بدَتِ الفرحةُ عَليهِمَا لَكِن سُرعَانَ مَا تَلاشَت، فَقَال سيدر : « وَلَكِن كَيفَ يا جدّي ؟ لَا نَمِلكُ مَالاً ،وَ بِالكَادِ نُغَطِّى حَاجَتَنا اليَومِية مِن عَمَلِنَا فِي الحَقلِ ! »

-  « مَاذا ؟ أَتَظُنُّ أَنِّي لَم أَجنِي مِن رِحَلِي الَّا الأَسرَار ! لَا.. فَقَد عملت أثناء ذلك كاتِبَاً و متَرجِماً وقُبطَاناً ، فَلا تَشغَل بَالَك بِأمُورٍ كَهَذِه ، مَازلتَ صَغِيراً.»

ـ« ومَن سَيعتَني بِك؟ ألم تَقُل بأنّ العَالَمَ غَيرُ آمِن؟» قَالتَها لِيڤَان عُقبَ كَلامِه .

- «سَنَكُونّ بخَيرٍ إن شَاءَالله. »

ثُم رَجَع الجَدُّ لِلورَاء مُتَّكَئاً مُربِّعَاً يَدَيهِ و مُعلِنَاً نِهَايَةَ النِقَاش،  فَمِن عَادَتِهِ إن حَسَمَ قَرَارَاً يَرَاهُ صَائِبَاً لَن يَتَرَاجَعَ حَتَّى وَإِن  عَرَّضَ حَيَاتَهُ للخَطَر.

  لَم تَرُق الفِكرَةُ لِسيدر فَلم يَلبِث أنِ انتَهَى الحِوَارُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ المَنِزلِ تاَرِكاً خَلفَه نِدَاءَ أُختِهِ وِ إصرَارَ جَدِّهِ عَلَى المُضُيِّ قدُمَاً على ذَلِكَ الطَرِيق .

" أَخبَركَ بِذَلِك الأَمر صَحِيحٌ يَا سيدر ؟ "

قَابَلَهُ عِندَ عَتَبِةِ البَيتُ ، رَجُلٌ فِي منتصفِ العُمرِ ضَخمُ الجُثةِ قَلِيلُ الشَيبِ ، يَرتَدِي مِعطَفاً طَويلاً بَاهتٌ وبُنيّ ، يَعرِجُ عَلَى يُسرَاهُ فَيَتَّكِأُ عَلَى عُكَّازِهِ الثَخَينِ . هَيأتُه تُوحِي بالقوة وَعَلَى وَجهَهِ المَُندَّب مَلَامِحُ القَسوَة ،فكَان عَمُّهُ جَادَّاً لَا يُحِبُّ التَحَدُثَ بِكَثرَة.

بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَة.. يَضرُب عُكَّازَه بَأرضٍ خَشَبِيَة ، اقتَرَبِ "ساندرو" مِنهُ وَوَضَعَ كَفَّه عَلَى كَتِفِه وَقَالَ سَاخِراً : « ألمَ تَحِن سَاعةُ خُروجِك بَعد ؟ ».

شَعَرَ سَيدر بِأَنَّ يَدَ عَمِّهِ تَثقُلُ أَكْثَرَ فَأَكْثَر، حِينَ قَبَضَ عَلَى كَتِفِهِ بِقُوَّةِ لِيَلْكُزَهُ لِلوَرَاءِ، اِرْتَمَى سيدر أَرضًا وَتَابَعَتهُ عَينِي عَمِّهِ وَهِيَ تَطَايُرُ شَرَرًا، ثُمَّ أَقبَلَ نَحوَهُ وَانحَنَى، لِيَقُولَ بِنَبرَةٍ خَافِتَةٍ لَكِن حَادَّة.

« أَتَظُنُّ أَنِّي أَشعُرُ بِالشَّفَقَةِ عَلَيكَ بَل أَبغُضُكُمَا ! لَولَا أَبِي لَكُنتُ أَطعَمتُكُمَا لِكِلَابِ اَلشَّوَارِعِ، والآن.. أَخِيرَاً سَأَتَخَلَّصُ مِنكُمَا. . . »

وَمَضَى مُبتَسِمًا كَأَنَّ بَابَاً لِلبَهجَةِ فُتِحَ لَهُ بَعْدَ اِنقِطَاعٍ، وَأُغْلِقَ اَلْبَابَ عَلَى سيدر اَلَّذِي ظَلَّ مُتَيَبِّسًا وحَائِرَاً… أَيقُومُْ لِيُوَسِّع عَمَّهُ ضَرْبًا ؟!

أَم ينَسَى ويُكمِل؟

في كِلتَا الحَالَتينِ سَيَنتَهِي بِهِ المَطَافُ خَارِجَ الأَسوَارِ قَرِيباً ! 

لَكِنَّهُ يَرِقُّ لِحَالِ جَدِّةَ اَلَّذِي سَيَقْطُنُ مَعَ وَحْشٍ أَفْقَدَتْهُ اَلْوَغَى عَقْلَهُ.

~~~~~~

  مَرَّت لَيَالٍ وَضُحَىً. وَسيدر يُفَكِّرُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى اَلمَرجِ اَلْأَخضَرِ، تُدَاعِبُهُ حَرَكَةُ اَلْغيُومِ بِظِلِّهَا المَدِيدِ، لِيَسرَح فِي قَادِمِ أَيَّامِهِ، أَتعَبَهُ اَلتَّفكِيرُ فَغَفَا فرَأى حُلُمًَا صَغِيرًا عَن نَفسِهِ اَلأُولَى… كَم كَانَت سَعِيدَةً، غَيرَ مُبَالِيَةٍ، هَانِئَةً، تَدُورُ وَتَلعَبُ ثُمَّ تَنعَسُ فَتَنَام. حَدَّقَ صَامِتًا فِيها فَابتَسَمَت لَهُ بِعَفوِيَّةٍ ثُمَّ اِختَفَت، حِينَهَا هَمَست. «أَرَاكَ مَرَّةً أُخرَى » .

أَفَاقَ مِن قَيلُولَتِهِ بِصَدَى صَوتٍ بَعِيدٍ بَينَ اَلحُقُولِ، وعَلَى مَرمَى نَاظِرَيهِ رَأَى أُختَهُ قَادِمَةً بِاتِّجَاهِهِ تَعدُو وَتُغَالِبُ نَفسهَا، لِلوَهلَةِ اَلْأُولَى لَم  يُصَدِّق مَا سَمِعَهُ حَتَّى فُجِعَ بِنَوَاحٍ ثَانٍ لصَوتِهَا اَلمُتَقَطِّعِ.

« جـ..جَدُّكَ عَلَى فِرَاشِ اَلمَوتِ يَا سيدر !  »

لَم يَنتَظِر تَتِمَّةَ كَلَامِهَا، فَالكَلَامُ وَفَّى وَالقَلبُ فَهِمٌ.

فرَكَضَ بِأَقصَى مَا لَدَيهِ وَخَلفَهُ لِيڤاندر تَتَبَاطَأ  تَدرُجَاً. هَبَطَ نَازِلاً مُنْحَدَرًا، وَعَابِرًا تَلَّةً بَعدَهُ ، لِيَصِلَا لِلمَنزِلِ وَهُمَا يَصِيحَانِ بِاسمِهِ.

دَفَعَ سيدر البَابَ وَنظَرَ الى اليَمِين ، عَمُّهُ عَلَى اَلكُرسِيِّ شَاحَبَ الوجهِ وَاضِعًا كَفَّيهِ عَلَى رَأسِهِ، وأمَامَهُ وَجَد اَلكَهلَ مُستَلقِياً بِلُطفٍ عَلَى سَرِيرِ الوَدَاعِ.

نَظَرَ إِليَهِمَا الجَدُّ بِرِقَّةٍ بَينَمَا يَسعُلُ بِقُوَّة، أَشَارَ لَهُمَا بِالِاقتِرَابِ مِنهُ.

فَأَمسَكَ بِيَدِهِمَا وَتَحَسَسَ دِفئَهَا فَسَادَ صَدرُهُ بِحُزنٍ شَدِيدٍ أَرَادَ النُّهُوضَ. . فَلَم يقَدِر، اختَلَجَ اَلأَسَى بِقَولِهِ.

«حـ..حَفِيدِي. . لَا، بَل وَلَدَايَ. لَن أُوصِيكُم بِشَيء، فَالتَّربِيَةُ اَلَّتِي رَبَّيتُهَا طَوَالَ هَذِهِ الأَعوَامِ تَكفِي، وَأَنَا عَلَى ثِقَةٍ بِأَنَّكُمَا سَتَرتَقِيَانِ لِتَوَقُّعَاتِي وَرُبَّمَا أَفضَلُ! اِرفَعَا رَأسِيكُمَا…»

سَكَت، لِيتَقِط نَفَسَاً حِينَ رَأَى اَلأَعيُنَ تَفِيضُ دَمعًا. أَردَفَ قَائِلاً.

«مَهلاً. . . إِذَا بَكَيْتُمَا عَلِي فَلَن يَطِيبَ اَلْجُرحُ، لَا تَحزَنَا عَلَيَّ فَأَنَا مِثلُ هَذِهِ اَلدُّنيَا زَائِلٌ، و لِكُلِّ شَخْصِ مَوعِدٌ لَنْ يَخلِفَهُ وَقَد حَانَ وَقتِي. »

تَنَهَّدَ بِصُعُوبَةٍ وَأكمَل. «كُنتُ أَتَمَنَّى أَن أَرَى وَالدَاكُمَا مَعَكُمَا، لُمْتُلُئ وَتُسَدُّ الوَحدَة، أَرجُو مِنْكمَا أَن تَجِدَاهُمَا  يَوْمًا مَا. وبلِّغا ابنِي بِرِضَائِي عَنهُ.

وأَعتذِرُ إِن أَثقَلَتُ عَلَيكُما يومَاً ، أُرِيد لَكُمَا اَلْأَفْضَلَ يَا صَغِيرِي»

وَتَنَهَّدَ مَرَّةٍ أُخرَى ثُمَّ تَشهَّدَ فَلَفَظَ أَنْفاسَهُ اَلْأَخِيرَة. وَسَقَطَت يَدُهُ اَلهَزِيلَةُ مِن كَفِّهِمَا..

     وَرَاحَا يُنَادِيَانِ فلَا صَوتٌ يُسمَعُ ولَا صدًى يَرجِع .

فَقَط أَلَمٌ وَمُعَانَاةٌ عَلَى فِرَاقٍ..

مَن لَهُ فِي اَلقَلبِ مَكَانَ وَذِكرَى..

اَلْأَبُ وَالجَدُّ ”فَادِي“ وَدَّعَ اَلدُّنيَا بِلَا رُجعَى؟!

.

.

﴿ To be continued﴾

يُتبَع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بلوريكا| blurica

المؤلف ABDULAZIZ MAGDI
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة