الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل لما المرسيدس بتاعة آسر تحركت في شوارع القاهرة الهادية. الجو جوه العربية كان مليان بسكوت مريح بعد الرعب اللي عاشوه. والدة جميلة كانت قاعدة ورا وبتدعي لآسر من كل قلبها، وجميلة قاعدة جنبه قدام، سانده راسها على الشباك وبتتنفّس براحة لأول مرة من ساعات، وعينيها كل شوية تروح على ملامح آسر الجادة والتعبانة في نفس الوقت.
فجأة، شاشة العربية نورت وبدأ تليفون آسر يرن، وظهر اسم "رودي" (رضوى أخته). آسر مد إيده الشمال وضغط على زرار الرد في الدريكسيون، وفتح الإسبيركر تلقائياً من غير ما يفكر.
أول ما الخط فتح، جه صوت رضوى العالي والمليان طاقة ونطاطة، وبدأت تجننه وتنكش فيه كالعادة:
رضوى: ألوووو! يا سيادة المستشار الصغير، يا فخر عيلة يكن! أنت فين يا عم لحد دلوقتي؟ الشنطة الكورية اللي جبتها الشطة بتاعتها حرقتلي نفوخي ومفيش حد في البيت أتخانق معاه، قولت أرن أقفلك دماغك شوية وأنت سايق!
آسر ابتسم رغماً عنه، وهز راسه بيأس وبص لجميلة اللي كتمت ضحكتها أول ما سمعت صوت رضوى، وقالها بنبرة هادية وساخرة:
آسر: بس يا لمضة، اتهدي شوية واقعدي ذاكري. أنا في العربية أهو وسايق، ومعايا ضيوف وفاتح الإسبيركر يعني فضايحنا لايف في شوارع المحروسة.
رضوى صدمتها ثانية وبعدين كملت ولا همها، وبصوت فيه تمثيل صدمة:
رضوى: يا لهوي! ضيوف وفاتح الإسبيركر؟ طب ما تقول يا برنس من الأول عشان أطلع الوش الكيوت الشيك بتاع عيلة يكن! منورين يا جماعة والله، آسر ده أطيب كائن بس هو وشه بيقطع الخميرة من البيت متصدقوهوش
والدة جميلة ضحكت بصوت واطي من ورا وقالت: "منورة بيكي يا حبيبتي، ربنا يخليكي ليه ويخليه ليكي".
آسر حب يقفل الحوار عشان يلحق يريح دماغه، فقالها وهو بيبتسم:
آسر: خلاص يا رودي، اتهدي بقى. اسمعي.. أنا كدا كدا بكرة واخد إجازة رسمية ومقفل تليفوناتي، وهصحى رايق، قولت آخدك بكرة وأخرجك خروجة حلوة في المكان اللي تختاريه، إيه رأيك؟
رضوى سكتت ثانية وأطلقت تنهيدة حزينة مأساوية تليق بطلاب الثانوية العامة وقالت بضيق:
رضوى: تخرجني فين بس يا بارد يا مستفز! أنت ناسي إن بكرة الخميس وأنا عندي درس فيزياء ودرس عربي ورا بعض؟ أنت عارف ثالثة ثانوي بقى وقرفها.. الدكاترة بيحضروا فينا الأرواح الخروج ده انساه خالص لحد ما السنتة السودة دي تعدي على خير.
آسر (ضحك خفيف بنبرة حنينة): طيب يا ستي، ولا تزعلي نفسك، ركزي في دروسك وأنا هبقى شايلك الخروجة دي وقت ما تحبي. يلا اقفلي دلوقتي عشان أركز في الطريق.
رضوى: ماشي يا حبيبي، سوق بالراحة.. سلام يا ناس يا عسل.
قفل آسر الخط، والتفتت ليه جميلة وهي بتبتسم وبتتكلم بنبرة رقيقة:
جميلة: أختك دمها خفيف جداً وما شاء الله عليها عسولة خالص، ربنا يحفظهالك.
آسر (بصلها بطرف عينه وابتسم): تسلمي يا جميلة.. دي الكائن الوحيد اللي بيعرف يفصلني عن العالم وضغطه، بس لما بتقفل معاها اللماضة مبيفصلهاش زرار.
العربية بدأت تدخل الشارع اللي فيه بيت جميلة، وآسر هدى السرعة وهو بيستعد ينهي اليوم الطويل ده، وهو مش عارف إن يوم الإجازة اللي مستنيه وبيهرب فيه من الشغل، هيحمل ليه مفاجآت تانية خالص
آسر وقف بالعربية قدام بيت جميلة، ونزل بنفسه بكل شياكة وفتح الباب لوالدتها وساعدها تنزل، وسلم عليهم هما الاتنين.
والدة جميلة (بامتنان حقيقي): كتر ألف خيرك يا ابني، تعبناك معانا النهاردة، وربنا يجعله في ميزان حسناتك اللي عملته في البنات الغلابة دول.
آسر (بابتسامة وقار): تعبك راحة يا فندم، مفيش تعب ولا حاجة.. حمد الله على السلامة.
جميلة بصت لآسر نظرة طويلة مليانة إعجاب وشكر وودعته بصوت واطي ورايق، وطلعت مع والدتها. آسر رجع ركب عربيتة، وأخد نفس طويل وطلع على الطريق الدائري وهو راجع بيته. الشوارع كانت فاضية تماماً، والهدوء بدأ يسيطر على تفكيره، وفجأة شاشة العربية نورت تاني.. بس المرة دي كان اسم "كيان".
آسر نفخ بضيق، وضغط على زرار الرد وسكت مستنيها تتكلم.
صوت كيان جه من الناحية التانية بس المرة دي مكنش فيه العصبية ولا التكبر بتاع الصبح، صوتها كان هادي، مهزوز، وفيه نبرة أسف واضحة:
كيان: آسر.. أنا عارفة إن الوقت متأخر، وعارفة إن كلامي الصبح ممكن يكون ضغط عليك أو زعلك.. بس أنا بجد مكنتش اقصد أضايقك. أنا بس اتعصبت لأن الموضوع بقاله تلات سنين ونفسي نفرح سوا.. أنا متأسفة يا آسر، ومستعدة أستنى ومفاتحكش في الموضوع ده تاني خالص لحد ما تظبط دنيتك في الشغل، بس بلاش موضوع إننا ننهي العلاقة ده.. أنا بحبك ومش هقدر أبعد عنك.
آسر فضّل باصص للطريق وعينيه مفيهاش أي رد فعل، بروده المعتاد سيطر عليه تماماً. هو أخد قراره ومش هيرجع فيه، خصوصاً إنه مش عايز يعلقها بـ وهم وهو عارف إن حالته الصحية في أي وقت ممكن تخليه يعجز عن الحركة.
آسر (بصوت هادي، ثابت، وقاطع مفيش فيه مجال للمناهدة): كيان.. أنا مش زعلان منك، ومفيش داعي للأسف. كلامي الصبح مكنش وليد لحظة عصبية، أنا كنت بتكلم بجد.. أنا فعلاً عايز ننهي العلاقة دي، وده الأحسن ليا وليكي.
كيان (صوتها بدأ يتهز أكتر والدموع غلبتها): يعني إيه يا آسر؟ بالسهولة دي؟ تلات سنين بتمحيهم في كلمتين؟ أنا قولتلك مستعدة أستنى ومش هضغط عليك!
آسر (أخد نفس عميق وقفل الباب تماماً): الموضوع ملوش علاقة بالوقت يا كيان.. الموضوع إن مشاعري وطاقتي ميبقوش مناسبين للارتباط، ومش هقدر أظلمك معايا ولا هقدر أديكي اللي مستنياه. الموضوع انتهى خلاص.. أتمنالك التوفيق في حياتك وفي شغلك الجديد. تصبحي على خير.
ومن غير ما يستنى ردها، ضغط على زرار القفل وقفل السكة. رمى الموبايل على الكرسي اللي جنبه وداس بنزين، وحس بـ غشاوة خفيفة في عينيه وتنميل في صوابع إيده اليمين.. المرض بيتحرك، وهو ملوش غير إنه يروح بيته يقفل على نفسه الباب ويهرب بالنوم
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة دافية وجميلة، والهدوء مغطي المنطقة بعد الليلة العصيبة اللي مرت. جميلة صحيت براحتها، وعملت لنفسها كوباية نسكافيه دافية عشان تفوق، وطلعت تقعد في البلكونة تشم هوا نظيف وتفصل دماغها من تفاصيل الجثث والرعب بتاع امبارح.
وهي قاعدة بتشرب النسكافيه وسرحانة، لفت انتباهها صوت حركة ودوشة جاية من البلكونة اللي قصادها بالظبط في العمارة اللي في الوش.. البلكونة دي كانت بتاعة شقة مقفولة بقالها سنين، شقة قديمة كانت ملك لعيلة ريان يكن قبل ما يتنقلوا للقصور والفلل الجديدة.
جميلة ركزت بعينيها، وفجأة لقت الباب بتاع البلكونة بيتفتح، وخرج منه.. ريان! كان لابس تيشرت كاجوال مريح، وشايل في إيده كرتونة صغيرة بيحطها على التربيزة في البلكونة، وبيوجّه العمال اللي جوه الشقة بنبرة هادية. جميلة عينيها وسعت من المفاجأة والصدمة، والنسكافيه كان هيتدلق من إيدها! ريان يكن، المدير الشيك والوقور، ساب الفيلا بتاعته ورجع شقته القديمة وبقوا جيران من تاني وش لوش!
ريان وهو بيلف عينه في الشارع، لمح جميلة وهي قاعدة متنحة وبتبص له بذهول. ملامحه الجادة اتقلبت لابتسامة هادية ورايقة جداً، وسند بإيده على سور البلكونة وشاور لها وقال بصوت مسموع وودود:
ريان: صباح الخير يا جميلة! إيه المفاجأة الحلوة دي؟ شكلنا رجعنا جيران زي زمان والصدف مجمّعانا تاني.
جميلة اتكسفت جداً وعدلت قعدتها بسرعة وقالت بابتسامة مرتبكة:
جميلة: صباح النور يا أستاذ ريان! أنا بجد مش مصدقة.. حضرتك رجعت تقعد هنا تاني؟
ريان (ابتسم وهز رأسه): اه والله، قولت أبعد شوية عن زحمة الكومباوندات وأرجع لأيام زمان والهدوء بتاع الشقة دي.. أهو على الأقل لما نعوز نراجع عقود أو نشتغل، مش هنحتاج نروح الشركة، هنده عليكي من البلكونة علطول
جميلة ضحكت بخجل وقالتله: "تنور المنطقة يا فندم والله، خطوة بركة".
ريان استأذن ودخل يكمل حاجته مع العمال، وجميلة فضلت قاعدة في البلكونة وقلبها بيدق بسرعة
في نفس الوقت اللي جميلة كانت قاعدة فيه في البلكونة ومصدومة من مفاجأة ظهور ريان، موبايلها صفر في إيدها معلنًا عن وصول رسالة على الواتساب.
فتحت الشاشة بسرعة، ولقت الرسالة من آسر. بالرغم من إنه كان واخد إجازة وقايل إنه هيقفل تليفونه، إلا إنه مكنش بيبطل تفكير في الشغل وفي تدريبها. الرسالة كانت جادة ومختصرة كالعادة، بس حملت مفاجأة تانية لجميلة:
"جميلة، جهزي نفسك بكرة كويس جداً والبسي بدلة المحاماة الشيك بتاعتك. بكرة الصبح هعدي عليكي، هتروحي معايا لأول مرة في حياتك المحكمة، وهتدخلي معايا النيابة عشان تشوفي على الطبيعة وتتعلمي ازاي المحامي بيترافع وبيتكلم قدام وكيل النيابة في قضية حقيقية."
جميلة أول ما قرت الرسالة، الفرحة نطت من عينيها ونسيت صدمة ريان وجيران زمان. دي الخطوة اللي كانت بتلمح ليها وبتحلم بيها من أول ما دخلت كلية الحقوق؛ إنها تقف في المحكمة وتشوف آسر يكن وهو بيترافع ويهز القاعة بثقته ودهاءه القانوني.
ردت عليه بسرعة وحماس: "جاهزة ومستعدة جداً يا فندم! اعتبره حصل، وشكراً لحضرتك على الفرصة دي."
قفلت الموبايل وقامت جرت جوه الشقة وهي بتنادي على والدتها بفرحة: "ماما! ماما! الحقيني، أستاذ آسر بكرة هياخدني المحكمة والتحقيقات بتاعة النيابة في قضية القصر هتبدأ بكرة
الساعة دقت تمانية الصبح، الشمس كانت لسه هادية وبتنعكس على زجاج العربية المرسيدس بتاعة آسر وهي واقفة تحت بيت جميلة. آسر ساند إيده الشمال على الدريكسيون، وعينيه على مدخل العمارة.
الباب اتفتح، وخرجت جميلة. كانت لابس بدلة المحاماة الرسمية لأول مرة؛ جاكيت أسود متفصل عليها بالملي، وبنطلون كلاسيك، وقميص أبيض ناصع، ولامة شعرها ورا بطريقة عملية وشيك جداً، وفي إيدها الدوسيه الأخضر بتاع القضية.
آسر بصلها وهي بتقرب من العربية بخطوات واثقة بس فيها سنة ارتباك من التجربة الجديدة. في اللحظة دي، آسر حس بنغزة في قلبه، وبصلها بتمعن وقال لنفسه بصوت جوا عقله: "البنت دي بجد جميلة.. اسم على مسمى، الرقة والجدية لايقين عليها بشكل غريب، تحس إنها اتخلقت عشان تكون محامية شاطرة."
جميلة فتحت الباب وركبت جنبه، وقفلت الباب وهي بتنهج نهجة خفيفة من التوتر والتأثير، وبصتله وابتسمت:
جميلة: صباح الخير يا أستاذ آسر.. أنا جيت في الميعاد بالظبط أهو عشان متقولش المتدربين بتوع بره بياخدوا وقت.
آسر دور العربية، وطلع بيها بهدوء في الشارع، والتفت ليها بنظرة واثقة، وابتسامة راقية وزعها على ملامحه وقال بنبرة مليانة هيبة وتشجيع:
آسر: صباح النور يا سيادة المستشارة. البدلة لايقة عليكي جداً على فكرة، مدية برستيج المحاماة حقه. قوليلي بقى.. جاهزة عشان تشوفي بعينك النهاردة الشغل بجد بيبقى عامل ازاي؟ جاهزة تشوفي أنا هتعامل واجاري وكيل النيابة في التحقيق ده ازاي؟
جميلة (أخدت نفس طويل وضمت الدوسيه لصدرها): جاهزة جداً.. بس مش هخبي عليك، قلبي بيدق بسرعة قوي، حاسة إني داخلة امتحان شفوي في الكلية بس على حقيقي وقدام متهمين وجثث وقضاة.
آسر (ضحك بصوت عالي ورايق، وحرك إيده اليمين اللي كان حاسس إنها أحسن النهاردة بعد راحة امبارح): امتحان إيه يا بنتي! اهدى خالص واثبتي كدا. اسمعي.. أي نعم قضية عبدة الشيطان وقصر المعادي دي تعتبر تاني قضية رسمية ليا في حياتي المهنية بعد ما استلمت الشغل في الشركة، بس أنا عايزك تطمني خالص.. هشرفك يا جميلة قدام النيابة كلها ومتجيبش قلق، وهتخرجي من القاعة وأنتِ فخورة إنك بتتدربي تحت إيدي.
جميلة لفت ووشها ليه بالكامل، وعينيها لمعت بثقة حقيقية وانباهار ملوش حدود بـ شخصيته، وقالت بنبرة دافية وواضحة:
جميلة: تقصد تاني قضية بعد ما استلمت الشركة يا فندم، لكن أنت من زمان وأنت عبقري. وعلى فكرة.. أنا مفيش جوايا ذرة قلق واحدة من ناحيتك. بعد اللي شوفتك بتعمله في "قضية عثمان أحمد عثمان" وازاي قلبت الموازين وطلعت الثغرات اللي مفيش مستشار في البلد لمحها، أنا بقيت واثقة ومبصومة بالعشرة إن محدش هيكون في مجال المحاماة كله زيك ولا هيوصل لذكائك ودهاءك ده يا أستاذ آسر. أنت في حتة تانية لوحدك.
آسر اتفاجأ بكلامها، وحس إن كلماتها نزلت على قلبه بردت نيران التعب والخوف من المرض اللي جواه، وبصلها بنظرة طويلة فيها تقدير كبير وامتنان، ورجع بص للطريق وهو بيدوس بنزين وبيبتسم بثقة:
آسر: شهادة أعتز بيها جداً من المحامية النابغة بتاعتي.. طالما الثقة دي كلها موجودة، يبقى إحنا داخلين نكتسح النيابة النهاردة. ركزي معايا بقى في الطريق وهسمّعك خطة المرافعة والأسئلة اللي هطرحها عشان نزنق المتهمين قبل ما ندخل مكتب وكيل النيابة
وصلت المرسيدس قدام مبنى النيابة، ونزل آسر بكامل هيبته ووقاره، وجنبه جميلة اللي كانت بتحاول تظبط خطواتها عشان تجاري ثقته. المبنى كان زحمة، وعساكر ومحامين وأهالي رايحين وجايين، والجو مشحون ومقلق.
أول ما آسر وجميلة قربوا من السلم المؤدي لمكتب وكيل النيابة، اتفاجأوا براجل ملامحه باين عليها الثراء الفاحش، لابس بدلة غالية جداً، بس علامات الانهيار والتعب واضحة على وشه، وعينيه حمرا من قلة النوم. الراجل أول ما لمح آسر وعرف ملامحه، جرى عليه ووقف قدامه وقطع عليه الطريق، وبيتكلم بصوت واطي وملهوف وفي نفس الوقت فيه نبرة تعالي واهية:
الرجل (وهو بيمسك كم جاكيت آسر برجاء): أستاذ آسر.. أستاذ آسر يكن، صح؟ أرجوك اسمعني دقيقة واحدة.. أنا والد "مازن"، واحد من الشباب اللي اتمسكوا امبارح في القصر. إحنا ناس ولاد عائلات ولنا اسمنا في السوق والمجتمع، والولد طيش شباب وصحاب السوء هما اللي جروه للحاجات دي. أنا مستعد لأي حاجة أنت تطلبها.. تنازل عن البلاغ ده، وأنا هقفل الموضوع، وشوف أنت عايز كام.. أي مبلغ أنت عايزه، شيك بياض حالا هيتكتب باسمك، بس خرج ابننا من المصيبة دي ومستقبله ميروحش!
جميلة وقفت ورا آسر وبصت للراجل بذهول واستنكار، وثبتت عينيها على آسر مستنية تشوف رد فعله البركاني.
آسر شال إيد الراجل من على جاكيته بمنتهى الهدوء والبرود، وعدل لياقة بدلته، وبص للراجل بنظرة حادة ونافذة خلت الراجل يرجع خطوة لورا. آسر حط إيديه الاثنين في جيوب بنطلونه واتكلم بنبرة صوت رخيمة، هادية، بس تلطم زي الصخر:
آسر: عموماً يا فندم.. أحب أوضح لحضرتك نقطة قانونية غايبة عنك. أنا جاي هنا بصفتي محامي ومستشار قانوني مش أكتر، يعني القضية مش بتاعتي أنا شخصياً عشان أتنازل عنها أو أقبل فيها تعويض. البلاغ آه خرج من عندي، بس القضية دلوقتي بقت قضية رأي عام، وقضية مجتمع وأهالي.
الراجل (بلع ريقه بتوتر): يعني إيه؟ مفيش أي ثغرة؟ مفيش تصالح مع أهالي البنات؟ أنا هدفع ملايين تعويضات ليهم ويقفلوا القضية!
آسر (ابتسم ابتسامة ساخرة ومرعبة في نفس الوقت، وقرب من الراجل خطوة): تصالح؟ أنت مش فاهم حجم الكارثة اللي ابنك والستة التانيين واقعين فيها يا فندم. الموضوع مش مجرد تسع بنات تم إنقاذهم امبارح.. القضية دلوقتي بقت قضية القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وممارسة طقوس جنائية غير مشروعة! ولادكم متهمين رسمياً في قتل وإخفاء أكتر من 50 جثة لبنات تانية اتوجدت تحت حطام القصر ده بقالهم سنين! 50 روح يا فندم دمهم في رقبة ولادكم.. تفتكر فيه أمل تصالح في 50 جثة؟ حتى لو معاك مال قارون، القضية دي ملهاش مخرج، وحبل المشنقة بقى قريب من رقابهم أكتر مما تتخيل.
الراجل وشه جاب ألوان، ورجله مالت ومبقاش قادر يشيل نفسه، وسند على الحيطة وعينيه زايغة من الصدمة والرعب بعد ما عرف الرقم وحجم المصيبة اللي ابنه شارك فيها.
آسر سابه ومشى، وتوجه لباب مكتب وكيل النيابة بخطوات سريعة وصارمة، وجميلة ماشية وراه وهي حاسة إن جسمها كله قشعر من نبرة آسر الواثقة المرعبة، وازاي دمر أمل الراجل في ثواني بكلمات قانونية قاطعة.
التفت آسر لجميلة قبل ما يدخل وقالها بهمس: "ها يا جميلة.. لسه قلبك بيدق بسرعة؟ ولا عرفتي المحامي بياخد حقه وحق المظلومين ازاي من قبل ما يدخل القاعة أصلاً؟"
جميلة (أخدت نفس طويل وعينيها بتلمع بفخر): أنا حاسة إن الرعب اتمسح وحل محله حماس مش طبيعي.. يلا بينا يا أستاذ آسر، أنا جاهزة أتعلم.
دخل آسر وجميلة صالة الانتظار الكبيرة الملحقة بمكاتب النيابة، وقعدوا على الكراسي الخشبية المتطرفة شوية عشان يبعدوا عن دوشة الأهالي والمحامين التانيين. جميلة كانت حاطة الدوسيه على رجلها، وكل شوية تبص لآسر وتلاقيه قاعد في قمة الثبات، عينه على شاشة موبايله بيراجع أوراق المحضر الإلكتروني اللي بعتهوله صاحبه الظابط، وملامحه مفيهاش أي توتر.. البرود الصعيدي الأصيل في أبهى صوره.
فضلو قاعدين حوالي ثلث ساعة، والجو مشحون بالترقب، لحد ما باب المكتب الرئيسي اتفتح، وخرج أمين شرطة طويل وعريض، ماسك في إيده كشف أسماء، وبدأ ينده بصوت جهوري هز الممر كله:
أمين الشرطة: السبع متهمين في القضية رقم 4312 جنايات المعادي.. مازن أحمد، كريم ممدوح، تامر جلال... يدخلوا مع الحرس! الأستاذ آسر يكن المحامي يتفضل!
آسر عدل جاكيت بدلته وقام وقف بطوله، وبص لجميلة وقالها بصوت واطي ورايق: "يلا يا سيادة المستشارة.. حلي بقرائك وادخلي ورايا وعينك على كل تفصيلة".
جميلة قامت وراه، ونبضات قلبها رجعت سريعة بس المرة دي حماس مش خوف. دخلوا المكتب، وكان مكتب فخم وواسع، وراه مكتب خشبي عريض قاعد عليه وكيل النيابة.. شاب في الثلاثينات من عمره، ملامحه جادة وحادة جداً، وباين عليه الذكاء والنظام. السبع شباب دخلوا وراهم متكلبشين وحواليهم حرس مشدد، ملامحهم كانت منكسرة ومرعوبة، وعكس المنظر اللي كانوا عليه في الفيديوهات تماماً.
أول ما وكيل النيابة رفع عينه ولمح آسر داخل، ملامحه الجادة هديت واتبدلت بابتسامة ترحيب وود، وقام وقف من ورا مكتبه عشان يسلم عليه:
وكيل النيابة: أهلاً وسهلاً يا أستاذ آسر.. نورت النيابة كلها. خطوة عزيزة والله، وبجد برافو على الشغل اللي اتعمل في القضية دي من أول بلاغك لحد ضبط المتهمين متلبسين.. شغل محاماة محترف على أعلى مستوى.
آسر (ابتسم وقرب سلم عليه بهيبة ورقي): بنورك يا فندم، الشكر موصول لسيادتك ورجال المباحث اللي تحركوا في ثواني وأنقذوا البنات. أحب أقدم لسيادتك الآنسة جميلة، المحامية المتدربة معايا في الشركة ومساعدتي في القضية دي.
وكيل النيابة (بص لجميلة وهز رأسه بترحيب): أهلاً بيكي يا فندم، منورة.. طالما مع الأستاذ آسر يبقى هتتعلمي الصح.
رجع وكيل النيابة قعد على مكتبه، وبص لآسر بنظرة فيها اهتمام وتقدير وسأله:
وكيل النيابة: قولي يا آسر.. أخبار المستشار الكبير، سيادة المستشار سيد يكن إيه؟ صحته عاملة إيه دلوقتي؟ بقالنا فترة مش بنشوفه في المحكمة العليا، وحقيقي مكانه فاضي والكل بيسأل عنه.. طمني عليه؟
آسر (ملامحه هديت شوية وضغط على كف إيده بتلقائية، وقال بنبرة وقار): الحمد لله يا فندم، هو بخير وصحته مستقرة تماماً، بيتابع الشغل من البيت ومرتاح شوية.. بيسلم على سيادتك وبيرسل لك تحياته.
وكيل النيابة: الله يسلمه، مستشارنا الجليل وندين له بالفضل كلنا في السلك القضائي.
التفت وكيل النيابة فجأة للمتهمين السبعة اللي وافقين يترعشوا، وتحولت ملامحه في ثانية لكتلة من الغضب والجدية الصارمة، وخبط بظاهر إيده على ملف القضية وقال بصوت جهوري رعب الشباب:
وكيل النيابة: نفتح المحضر بقى.. قدامي سبع متهمين، محضر ضبط متلبسين، تسع بنات تم إنقاذهم، والمصيبة الأكبر.. 50 جثة متحللة تحت الردم في قصر المعادي! مين فيكم الكلب اللي هينطق الأول ويقولي الطقوس دي وراها مين؟
جميلة في اللحظة دي فتحت الدوسيه بسرعة وبدأت تسجل وتدون كل كلمة، وعينيها راحت على آسر اللي قعد على كرسي الدفاع بكل هدوء، وحط رجل على رجل، ومستني اللحظة اللي هينقض فيها على اعترافاتهم
آسر فاجأ الكل، وفي اللحظة اللي وكيل النيابة استعد فيها لسماع المتهمين، التفت آسر لجميلة وبصلها بنظرة كلها ثقة وإيمان حقيقي بذكائها، وقالها بصوت هادي ومسموع ملى الأوضة:
آسر: جميلة.. قدمي لسيادة النائب الفلاشة اللي عليها كل الفيديوهات اللي صورناها امبارح، واترافعي حالاً واعرضي وجهة نظر الدفاع.
جميلة اتصدمت! عينيها وسعت ونفَسها اتقطع لثواني، وبصت لآسر بذهول كأنها بتقوله: "أنا؟! أترافع دلوقتي حالا وقدام وكيل النيابة والسبع متهمين؟!" لكنها لما لمت المحة الواثقة والهدوء في عين آسر، حست بأمان مش طبيعي، الصدمة اختفت واتبدلت بابتسامة ثقة وفخر. عدلت البدلة بتاعتها، وأخدت نفس عميق، وطلعت الفلاشة من الدوسيه وقدمتها لوكيل النيابة بكل ثبات:
جميلة: اتفضل يا فندم.. دي الفلاشة اللي عليها الفيديوهات بجودة عالية، كاشفة تحركات المتهمين امبارح بالدقيقة والثانية، وهما داخلين بالتسع بنات، وهما خارجين لوحدهم في اليوم اللي قبله.
وكيل النيابة بصلها باهتمام كبير وسند ضهره لورا، وأشار ليها تكمل وهو مبهور بجراءتها. جميلة لفت وشها بالكامل للمتهمين السبعة، وبدأت تتكلم بنبرة صوت قوية، واضحة، وخالية تماماً من أي تردد:
جميلة: سيادة النائب.. إحنا مش قدام طيش شباب أو مجرد جريمة عابرة زي ما أهالي المتهمين بيحاولوا يصوروا بره وجوه المحكمة. إحنا قدام شبكة إجرامية منظمة ومكتملة الأركان. الفيديوهات اللي قدام سيادتك بتثبت "الترصد"؛ المتهمين بيختاروا ضحاياهم بعناية من سن معينة (سن الجامعة)، وبيستدرجوهم لقصر مهجور ملك لعائلة يكن، مستغلين هدوء المكان وضلمته عشان يمارسوا طقوس لا دينية ولا إنسانية، وهي طقوس عبدة الشيطان.
الشباب بدأوا يترعشوا ويبصوا لبعض برعب، وجميلة كملت وهي بتشاور عليهم وبراعة المحاماة بدأت تظهر في عينيها:
جميلة: الجريمة هنا ممرتش بمرحلة الشروع بس.. دي جريمة مستمرة ومروعة. الكاميرات اللي زرعناها كشفت إنهم كانوا على وشك دبح أول قربان لولا تدخل الشرطة الباسلة. والأخطر من ده كله يا فندم، الـ 50 جثة اللي اتوجدت تحت الردم.. دي مش مجرد صدفة، دي مقبرة جماعية لضحايا سابقين اتعمل فيهم نفس السيناريو الأسود ده على مدار سنين! المتهمين دول وراهم تمويل، وراهم جهة بتسهل ليهم الحركة وبتوفر ليهم المواد والشموع السودا والخناجر المصنعة خصيصاً للطقوس دي. وبناءً عليه.. الدفاع بيطلب تطبيق أقصى العقوبة بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتشكيل عصابة مسلحة لترويع المواطنين والخطف!
جميلة خلصت كلامها وأخدت نفس طويل، وقفلت الدوسيه بقوة عملت صوت في المكتب.
وكيل النيابة فضّل باصص لها لثواني مذهول من طريقتها المرتبة وقوة حجتها في أول مرافعة ليها، وبص لآسر وهز رأسه بإعجاب شديد وقال:
وكيل النيابة: ما شاء الله يا آسر.. بجد برافو. اختارك للمساعدين بتوعك بيدل على ذكائك. الآنسة جميلة اترافعت كأنها بقالها 20 سنة واقفة في المحاكم!
آسر سحب ضهره لورا وابتسم ابتسامة عريضة فيها كمية فخر بجميلة متتوصفش، وبصلها بطرف عينه كأنه بيقولها: "قولتلك هشرفك، وأنتِ شرفتيني وبقت محامية بجد".
التفت وكيل النيابة للمتهمين ووشه اتقلب غضب، وخبط على المكتب:
وكيل النيابة: سمعتوا المحامية قالت إيه؟ الكلام ده كله متسجل وموثق بالفيديو! انطق أنت وهو.. مين الرأس الكبيرة اللي بيمولكم ومين اللي مأمنكم في القصر ده بقالكم سنين؟
بدأ أكبر واحد في الشباب المتهمين، وجسمه كله بيترعش ودموعه نازلة من الرعب، يتكلم وصوته مخنوق:
المتهم: يا فندم والله العظيم إحنا ملناش دعوة بتمويل ولا جهات كبيرة.. الحكاية كلها بدأت من تلات سنين، كنا قاعدين وبندور على الإنترنت المظلم (Dark Web) وشوفنا الفيديوهات والطقوس دي، والموضوع عجبنا وبدأنا نقلده. واخدنا وقت طويل جداً ولفينا في كل حتة عقبال ما لقينا القصر المهجور ده بالصدفة في المعادي، ومكناش نعرف مين صاحبه أساساً ولا سألنا.. لقيناه قصر قديم ومحدش بيدخله فقولنا هو ده المكان المناسب اللي محدش هيسمعنا فيه!
وكيل النيابة سابه يكمل ومسك نمر الميكروباص اللي آسر بعتها من المرور، وبصله بنظرة حادة ونافذة وقاله:
وكيل النيابة: تمام.. طب والميكروباص اللي بتتحركوا بيه ده؟ إحنا لسه جاي لنا إخطار رسمي حالا من مباحث المرور، بيفيد إن نمر الميكروباص ده ورقم الشاسيه بتاعه معمول بيهم محضر سرقة بقاله سنة بالتمام والكمال! هتقولي برضه بالصدفة؟
متهم تاني انهار وقعد على ركبه في الأرض وهو بيعيط ومكلبش:
المتهم الثاني: لا يا فندم.. إحنا فعلاً سرقنا الميكروباص ده من سنة من موقف عشوائي عشان نتحرك بيه ومحدش يلقط عربياتنا الحقيقية.. وإحنا.. إحنا اللي قتلنا كل البنات اللي جوه الجثث دي.. كنا بنجيبهم على مدار السنين اللي فاتت ونعمل الطقوس وندفنهم تحت الردم.. أرجوك يا فندم ارحمنا إحنا كنا مغيبين!
الاعتراف الصادم والكامل ده هز أركان الأوضة، وجميلة كانت بتكتب وإيدها بتترعش من بشاعة الإقرار.. سبعة شباب قتلوا 50 روح بدم بارد لمجرد تقليد أعمى لإنترنت مظلم!
وكيل النيابة ملامحه بقت زي الحجر، ومفيش في عينه أي ذرة رحمة. بصلهم بنظرة احتقار شديدة، ولف وشه تلقائياً للكاتب اللي قاعد جنبه وبيملي المحضر. وبناءً على الاعتراف التفصيلي المتلبس، والجريمة اللي بتهز أمن المجتمع كله، وفي لقطة حاسمة وسريعة من غير العودة للقضاة في اللحظة دي، وكيل النيابة خبط بملف القضية على المكتب وأصدر قراره الفوري للكاتب:
وكيل النيابة (بصوت صارم وقاطع): يُقيد المحضر جنايات قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد المقترن بالخطف والسرقة.. وقررنا إحالة أوراق المتهمين السبعة جميعاً إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهم! ترفع الجلسة ويُساق المتهمون إلى محبسهم تحت حراسة مشددة!
الشباب أول ما سمعوا كلمة "مفتي الجمهورية" صراخهم وعياطهم قلب المكتب، والحرس بدأوا يسحبوهم لبرا وهم بيجروا رجليهم من الرعب.
آسر أول ما سمع الحكم قفل، ملامحه مرجعش فيها أي تعبير فجائي.. البرود والهدوء سيطروا عليه تماماً لأنه كان عارف إن ده المصير المحتوم ليهم. مد إيده بكل وقار وهيبة، مسك شنطة مستنداته وقام وقف بطوله، وبص لوكيل النيابة وقاله بنبرة راقية:
آسر: شكر الله سعيكم يا فندم.. العدالة أخذت مجراها في ثواني بفضل ذكائكم وحسمكم.
وكيل النيابة: الشكر ليك وللآنسة جميلة يا آسر.. لولاكم كان العدد زاد. مع السلامة.
آسر لف ضهره واتحرك بخطواته الثابتة والمنتظمة نحو باب الغرفة، ووراه جميلة اللي كانت بتمشي وراه بذهول، لسه مش مصدقة إن أول قضية تحضرها في حياتها تنتهي بالحسم الرهيب ده وإحالة للمفتي في ثواني
وهما نازلين على السلم الداخلي لمبنى النيابة، الجو كان زحمة والمحامين والأهالي ماليين المكان. آسر كان ماشي بخطواته الثابتة المعتادة، وعينه لمحت من بعيد ريان يكن واقف على بسطة السلم في حتة متطرفة، ولابس بدلة شيك جداً، وكان واقف بيتكلم بجدية شديدة مع واحد من المتهمين في قضية تانية خالص.. باين إنه وكل ريان يدافع عنه.
جميلة أول ما لمت ريان واقف، وبحكم إنها لسه شايفة امبارح إنه رجع وبقى جارها في الوش، نزلت السلم بسرعة وبحماس وعفوية، وقربت منه وقالت بابتسامة واسعة:
جميلة: أستاذ ريان! صباح الخير.. حضرتك هنا كمان بالصدفة؟
ريان التفت ليها، وملامحه الجادة اتقلبت لابتسامة هادية وودودة جداً:
ريان: أهلاً يا جميلة، صباح النور.. اه عندي تجديد حبس لمتهم في قضية تانية. إيه الأخبار، طمنيني عملتوا إيه جوه مع وكيل النيابة؟
في اللحظة دي، آسر كان وصل عندهم على السلم. وبمنتهى البرود والتعالي، آسر باصص قدامه وتجاهل وجود ريان تماماً، كأنه مش شايف بني آدم واقف، وكمل طريقه ونازل السلم من غير ما حتى يلتفت أو يلقي السلام.
ريان حس بتجاهل آسر، فاستأذن من المتهم اللي معاه بسرعة، ونزل كام سلمة ورا آسر لحد ما حصله، ومد إيده وبادر بنفسه إنه يسلم على آسر عشان يكسر البرود ده، وقال بنبرة هادية ورزينة:
ريان: أهلاً يا آسر.. حمد الله على السلامة، مبروك القضية، سمعت إنكم أخدتوا إحالة للمفتي حالا جوه. برافو بجد.
آسر وقف مكانه على السلم، وبص لإيد ريان الممدودة لثواني، وبعدين رفع عينه وبص في عين ريان مباشرة.. النظرة كانت غريبة، حادة، وفيها كمية غموض وتحدي صامت متتوصفش. جميلة وقفت جنبهم وبصت لآسر وبعدين لريان بنظرة استغراب وريبة، حست إن فيه "تار بايت" أو خيط قديم ومظلم مابين الأخين ومفيش حد فيهم عايز يتكلم عنه.
آسر مد إيده وسلم على ريان سلام ناشف وسريع جداً، ومن غير ما ينطق بحرف واحد ولا حتى يقول "الله يبارك فيك"، سحب إيده، ولف ضهره وكمل نزول السلم بكل كبرياء وهيبة، وساب ريان واقف مكانه يبص على أثره.
جميلة مشيت ورا آسر بسرعة وهي مش فاهمة السر ورا التجاهل والعداء الصامت ده. نزل آسر لغاية ما وصل لباب المبنى الخارجي، واتوجّه مباشرة لعربيته المرسيدس، وفتح الباب وركب وهو ضاغط على الدريكسيون بعصبية مكتومة، وعينيه ماليها الغضب، والتعب بدأ يظهر على ملامحه من تاني
آسر دور العربية وطلع بيها بهدوء وسط زحمة شوارع القاهرة. ملامحه الحادة بدأت تفك تدريجياً، والتفت لجميلة وبصلها بابتسامة راقية ونبرة مليانة تقدير وقالها:
آسر: مبروك يا ستي.. أنتِ عارفة إنك في يوم واحد، ولحد الساعة 12 الظهر بس، اعتبري نفسك خلصتي قضيتين من أهم القضايا؟
جميلة بصتله باستغراب وعينيها وسعت بفضول:
جميلة: قضيتين ازاي يا فندم؟ إحنا لسه طالعين من قضية عبدة الشيطان حالا، إيه القضية الثانية؟
آسر (ابتسم بثقة وسند ضهره): القضية الأولى هي اللي لسه طالعين منها وخلصت بإحالة للمفتي. القضية الثانية بقى.. مش أنتِ كنتِ شغالة متدربة مع الأستاذ حسن في فرع الشركة القديم، وكان ماسك قضية "نزاع ملكية القصر المهجور"؟ أهو قضية القصر دي بقت معايا أنا رسمياً، والورق كله اتقفل لصالحنا، وزمان لودرات الهد بتدك في حيطان القصر ده دلوقتي عشان الأرض تتنظف ونبني مكانها مشروع جديد للشركة. يعني كسبتِ القضيتين في لمحة عين.
جميلة ابتسمت بفرحة عارمة وحست بانتصار حقيقي، وضمت الدوسيه لقلبها. سكتت لثواني، وجمعت شجاعتها وبصت لآسر بتردد وقالتله بنبرة رقيقة:
جميلة: طب.. ممكن أسألك سؤال يا أستاذ آسر؟
آسر (وهو مركز في الطريق): اتفضلي يا جميلة، اسألي.
جميلة: هو حضرتك ليه قابلت أستاذ ريان على السلم بالطريقة الوحشة دي وتجاهلته؟
آسر التفت ليها، وارتسمت على شفايفه ابتسامة ساخرة وباردة، وقالها وعينيه فيها لمعة غموض:
آسر: وأنتِ شاغلة بالك بيه ليه؟ وأشمعنى ريان بالذات اللي بتسألي عليه؟
جميلة (بـ عفوية تامة ومن غير ما تعمل حساب للتحذير اللي في صوته): أصل الحقيقة أستاذ ريان جاري في المنطقة من زمان جداً من قبل ما ينقل ويروح الفيلا الجديدة، وأنا اتبسطت قوي لما شوفته امبارح وعرفت إنه رجع شقته القديمة وبقى جاري من تاني وش في الوش.. والحقيقة يعني يا أستاذ آسر، أنا معجبة بشخصيته وبأسلوبه جداً.
آسر أول ما سمع كلمة "معجبة بيه جداً"، فرمل العربية فجأة على جنب الطريق وبصلها بنظرة حادة وصارمة زي الموس، وعينيه اسودت من الغضب المكتوم. اتعدل في قعدته واتكلم بنبرة صوت رخيمة، واضحة، وكل كلمة فيها تلطم زي الصخر:
آسر: ريان؟ ريان اه عضو في مجلس الإدارة بحكم صلة القرابة، بس مش معنى كدا أبداً إنه يستحق إني أكنله أي نوع من أنواع الاحترام ريان شغال في شركة عيلتي، بس عشان يكون ناجح ويصنع لنفسه اسم، كان بيبني نجاحه الزايف ده على إنه "يسرق" قضايا المحامين التانيين في الشركة وينسبها لنفسه
سكت ثانية وعلامات الاحتقار ظهرت على وشه وكمل:
آسر: ده غير إن أغلب القضايا اللي بيترافع عنها وبيقاتل عشان يمسكها، هي قضايا آداب ومخدرات وتجارة مشبوهة.. يعني محامي بلا شرف مهني، وبلا مبدأ، وبلا هدف غير الفلوس والشو! وعايزك تعرفي حاجة كويس جداً يا جميلة وضعيها حلقة في ودنك.. مجرد ما أستلم رئاسة مجلس الإدارة بنفسي رسمياً بعد والدي، سيادة المستشار سيد يكن، ريان ده هيكون أول واحد المفروض يقلق من الطرد، وأول اسم هيتم رميه بره عتبة الشركة دي
جميلة بلعت ريقها برعب واتسمرت في مكانها
Ahmed Mostafa Kamel