2 🎵

2 🎵

8 0

الصبح بدري، كانت نسمة هوا ساقعة بتتحرك في الشوارع. آسر خرج من بوابة عمارته الفخمة وهو لابس قميص أبيض وبنطلون أسود مريح، ملامحه كان فيها هدوء وتركيز غريب النهاردة. مشي بخطوات هادية ناحية عربيتة المرسيدس، وطلع موبايله من جيبه وبدأ يقلب في الأسماء لحد ما جاب رقم جميلة، وضغط اتصال وهو بيفتح باب العربية وبيقعد ورا الدريكسيون.

​الموبايل مالحقش يرن مرتين، وجاله صوت جميلة الملهوف والمنور على الصبح:

جميلة: ألو.. صباح الخير يا أستاذ آسر!

​آسر (ابتسم وهو بيدور العربية وصوت الموتور بيعلى): صباح النور يا جميلة. قوليلي، أنتِ صاحية ومنعنشة كدا ولا لسه بتفركي في عينيكي؟

​جميلة (بضحكة خفيفة): صاحية وجاهزة طبعاً، أنا من ساعة موضوع ورق الأرض وموافقة المستشار سيد امبارح وأنا حاسة إني طايرة ومش جايلى نوم أصلاً.

​آسر (سند ضهره لورا وعدل المريا): طيب يا ستي، طالما طاقة النشاط دي عندك، اسمعي بقى.. أنا لسه راكب عربيتي حالياً، وإيه رأيك لو أعدي عليكي نقابل بعض ونروح نشوف مبنى القصر المهجور ده بنفسنا؟

​جميلة سكتت ثانية من المفاجأة، ونبرة صوتها بقى فيها قلق وتردد:

جميلة: نروح بنفسنا؟ بس يا أستاذ آسر.. المكان ده بجد الناس بتخاف تعدي من جمبه، والإشاعات اللي بتتقال عنه في المنطقة تخوف، بيقولوا اللي بيدخله مبيخرجش!

​آسر (ضحك بسخرية وثقة وهو بيمشي بالعربية): إشاعات إيه وعفاريت إيه بس يا جميلة! إحنا محاميين وبنتعامل بالمنطق والأدلة، مش بالكلام ده. إحنا لازم نعاين المكان على الطبيعة عشان نعرف إيه سبب خوف الأهالي الحقيقي منه، ونشوف لو فيه حاجة مستخبية جوه قبل ما لودرات الهدد تنزل الأسبوع الجاي. هاه.. قولتِ إيه؟ قلبك جامد وهتيجي معايا، ولا هتقضيها خوف من مكاتب الشركة؟

​جميلة (أخدت نفس طويل وحسمت أمرها): لا طبعاً، أنا قلبي جامد، ومعاك في أي حتة يا فندم. أنا هجهز فوراً.

​آسر: تمام، ابعتيلي موقع بيتك في رسالة، وعشر دقائق بالظبط وهكون تحت بيتك. اجهزي.

​قفل آسر الموبايل وحطه جمبه، وداس بنزين وهو بياخد الملف، وعينيه فيها نظرة تحدي وفضول، مستني يشوف القصر ده مخبي وراه إيه بالظبط.

بعد عشر دقائق بالظبط، آسر وقف بعربيته المرسيدس تحت بيت جميلة. لم لمحها وهي خارجة من باب العمارة، كانت لابسة طقم كاجوال مريح وبسيط يناسب مشوار المعاينة، وشايلة شنطة صغيرة على ضهرها. جميلة قربت من العربية، فتحت الباب اللي قدام وركبت وهي بنهج خفيف وابتسامة واسعة.

​جميلة: صباح الخير يا أستاذ آسر.. أنا جيت في الميعاد أهو ومأخرتكش.

آسر (ابتسم وبص لساعته): صباح النور.. لا برافو، جيتي على الثامنة بالظبط، شكل قلبك جامد بجد ومستعدة للمغامرة.

​آسر داس بنزين واتحرك بالعربية في اتجاه طريق المعادي، والهدوء كان مغطي المكان، لحد ما فجأة شاشة العربية نورت برنين مكالمة تليفون، وظهر اسم "رضوى" على الشاشة. آسر أول ما شاف الاسم ابتسم ابتسامة تلقائية وحنينة، وضغط على زرار الرد في الدريكسيون وشغل السبيكر عشان يعرف يتكلم وهو سايق.

​آسر (بنبرة تهكم شقية): الأستاذة رضوى الشربيني بنفسها بتكلمني على الصبح؟ يا مرحب يا فندم!

​جاله صوت بنت شابة وصغير، ضحكتها مالية الخط، وباين عليها اللماضة والشقاوة:

رضوى (بقمص مصطنع): ماشي يا آسر.. أنت نزلت من البيت من غير ما تقولي إنك نازل أصلاً يا رخم؟ ينفع كدا؟

​آسر (ضحك وهو بيبص على الطريق): وأنا من إمتى يعني محتاج إذن من حد وأنا نازل يا لمضة؟

​رضوى (بثقة وطريقة مضحكة): آه طبعاً محتاج إذن! مش أنا أختك الصغيرة وحبيبتك؟ يبقى لازم تستأذن مني وتعرفني أنت رايح فين وجاي امتى عشان أطمن عليك.

​آسر التفت لجميلة اللي كانت قاعدة بتسمع الحوار وهي كاتمة ضحكتها على طريقة أخته، فرجع بص للطريق وقال لرضوى بحنان:

آسر: خلاص يا ستي، حقك عليا متزعليش.. وأنا راجع بالليل هبقى أعدي أجيبلك أندومي معايا أصالحك بيه، إيه رأيك؟

​رضوى (صوتها فرح ونطت من السعادة): بجد؟ طب كوري ها! عايزاه أندومي كوري حراق من اللي بيموت ده.. أوعى تنسى يا آسر!

​آسر (بضحكة عالية): كوري حتة واحدة؟ ماشي يا ست رضوى، عينيا ليكي، هجيبلك الكوري الحراق عشان تقعدي تعيطي جمبه. يلا اقفلي دلوقتي عشان أنا سايق وورايا مشوار.

رضوى: ماشي يا حبيبي، سوق بالراحة، لا إله إلا الله.

آسر: محمد رسول الله.. مع السلامة.

​قفل آسر المكالمة، وبص لجميلة لقاها بتبتسم وبتبص له بنظرة لطيفة، فحب يكسر السكوت وقالها: "دي رضوى أختي الصغيرة.. مصيبة متحركة ومبتتسامحش غير بالأكل".

​جميلة (بابتسامة رقيقة): ربنا يخليها لك يا رب، دمها خفيف جداً وعلاقتكم تجنن.. واضح إنك بتدلعها قوي.

​آسر هز رأسه بابتسامة دافية، وكمل طريقه في شوارع المعادي، واليوفط بدأت تظهر والبيوت القديمة والشجر العالي بدأ يحيط بيهم، وقربوا جداً من مكان القصر المهجور.

العربية المرسيدس وقفت على جنب في شارع جانبي هادي جداً بالمعادي، الشجر العالي الكثيف كان مغطي المكان ومضلل عليه كأنه بالليل. آسر نزل وقفل باب العربية، وجميلة نزلت وراه وهي بتبص حواليها بقلق وتوجس.

​قدامهم كان القصر.. مبنى ضخم قديم، طرازه معماري فخم بس متهالك، الحيطان مشققة والشجر المتسلق مغطي الواجهة كلها. الغريب إن القصر مكنش ليه بوابة حديد خارجية، المدخل كان مفتوح على بحري وكأنه بيغري أي حد يدخل.

​آسر (بثقة وهو بيقدم رجله): يلا يا جميلة.. المدخل مفتوح أهو، تعالي ندخل نشوف إيه الحكاية.

​جميلة أول ما حطت رجلها جوه حوش القصر، لقت الجو ضلمة وساقع فجأة، بدأت تفرك في إيدها وبان عليها الخوف التام، ولأنها بتخاف، بدأت تتصرف وتتكلم بطريقة كوميدية جداً عشان تداري رعبها.

​جميلة (وهي بتمشي ورا آسر وبتمسك في طرف جاكيته من ورا): بقولك إيه يا أستاذ آسر.. هو إحنا لو طلع لنا عفريت دلوقتي، القانون الجنائي بيعاقبه؟ يعني فيه مادة في الدستور بتتكلم عن سحل المتدربين في البيوت المهجورة؟ أنا لسه م تخرجتش والله وأمي عايزة تفرح بيا!

​آسر (التفت لها وهو بيضحك بصوت واطي على منظرها): بس يا بنتي فضحتـينا! عفريت إيه وقانون إيه.. امشي وأنتِ ساكتة وخلي قلبك جامد.

​جميلة (وهي بتبص يمين وشمال برعب): ساكتة إيه بس! المكان ريحته تراب ورطوبة.. تحس إن عزرائيل واخد هنا مقطوعية! يا رب عدّي اليوم ده على خير.

​طلعوا السلم الخشبي القديم اللي كان بيزيق تحت رجليهم بصوت مرعب. وصلوا للدور اللي فوق، الممر كان طويل وفيه أوض كتير بيبانها مكسرة. آسر فضل ماشي لحد ما وصل لآخر أوضة محدوفة في نهاية الممر خالص.

​آسر دخل الأوضة، وجميلة واقفة على الباب وبتقدم رجل وتأخر رجل. آسر بدأ يلف بعينيه في المكان، وفجأة عينيه ثبتت على الحيطة.. ملامحه اتصلبت والابتسامة اختفت تماماً. كان فيه بقع دم غامقة ونشفت من فترة طويلة مغرقة جزء من الحيطة، وتحت البقعة دي على الأرض كان فيه حطام وردم كتير من الطوب والتراب مكوم بشكل مريب.

​آسر (بنبرة جادة وخافتة): جميلة.. هاتي كشاف الموبايل بتاعك وقربي هنا بسرعة.

​جميلة قربت وهي بترتعش وسلطت كشاف الموبايل على الحطام. آسر قعد على ركبه بسرعة، ومن غير ما يفكر في شكل بدلتها أو إيده، بدأ يحفر في الحطام ويشيل الطوب والتراب بسرعة وضغط عصبي. فجأة.. مع حفر التراب، ظهرت كفة إيد هيكل عظمي، ووراها بقايا لبس وشعر.. كان فيه كذا جثة مدفونين تحت الردم في الأوضة دي!

​جميلة أول ما شافت المنظر، صرخت صرخة كتمتها بإيدها والدموع نزلت من عينيها من الرعب، ورجليها مكنتش قادرة تشيلها.

​آسر الصدمة لجمته لثواني، ضربات قلبه بقت سريعة جداً، وافتكر كلام الأهل عن الاختفاء في المكان ده. وفي ثانية، غريزة الحماية عنده اشتغلت.. قام وقف بسرعة، ومد إيده الشمال وشد جميلة بقوة من إيدها وحضن الدوسيه الأخضر، وسحبها وراه وهو بيجري بأقصى سرعة في الممر وعلى السلم، ونزلوا من القصر وخرجوا للشارع وهم بينهجوا ونفسهم مقطوع.

آسر فتح باب العربية بسرعة ركب جميلة اللي كانت ركبها بتخبط في بعضها، ولف بسرعة ركب ورا الدريكسيون وقفل الأبواب بالسنتر لوك.

​الجو جوه العربية كان مشحون بالرعب، جميلة حطت إيدها على وشها وبدأت تعيط وتترعش بهيستريا، ونفسها سريع جداً من الصدمة ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة. آسر دار وشه ليها.. وف وسط الرعب ده كله، عينه جت على ملامحها، لقى إن خوفها ورعبها ودموعها اللي نازلة على وشها مخليين ملامحها بريئة ورقيقة بشكل غريب، خطفت عينه لثواني وظهر جمالها الطبيعي بزيادة في اللحظة دي.

​آسر أخد نفس طويل، وعرف إنها لو فضلت في الحالة دي ممكن يجرالها حاجة، فقرر يستخدم سلاحه المعتاد عشان يهدّيها ويسحبها من مود الرعب ده. ساب الدريكسيون، ومال عليها شوية وبصلها وابتسم ابتسامة هادية وساخرة وقالها:

​آسر: بس بس.. اهدى يا جميلة، جرى إيه يا بنتي؟ أنتِ عيطتي كدا ليه؟ على فكرة، الدموع دي بتبوظ برستيج المحاماة خالص، وبعدين أنا شكلي ظلمت العفاريت.. طلعوا ناس مخلصين في شغلهم وبيسلموا ورقهم كامل!

​جميلة رفعت راسها وبصتله بعيون حمرا ومليانة دموع، وقالت بصوت متقطع وهي بترتعش:

جميلة: أنت.. أنت بتهزر يا أستاذ آسر؟ إحنا شفنا جثث جوه! جثث حقيقية مدفونة في الخرابة بتاعتكم! وأنت قاعد بتبتسم وبتهزر؟

​آسر (ضحك خفيف وسند ضهره لورا عشان يحسسها بالأمان): يا بنتي ما أنا لازم أهزر، أمال عايزانا نقعد نلطم سوا في العربية والناس تتفرج علينا؟ وبعدين تعالي هنا.. مش أنتِ اللي لسه قايلالي في التليفون إن قلبك جامد وجاهزة للمغامرة ومعايا في أي حتة؟ أهو عزرائيل طلع بيشتغل مقاول أنفار في قصر عيلتنا، إيه الرعب ده كله بقى؟

​جميلة مسحت دموعها بكم الجاكيت بتاعها، وبدأت نبرة الهزار تخليها تستوعب وتتنفّس بانتظام، وبصتله بغيظ طفولي:

جميلة: قلب جامد في القضايا والأوراق يا فندم! مش في الحفر وطلع جثث من تحت الأرض! أنا مكنتش أعرف إن التدريب عندكم في "يكن جروب" بيشمل معاينة تشريح جثث على الطبيعة!

​آسر (ابتسم وبصلها بنظرة حنينة خلت ضربات قلبها تهدى): طب أهو.. الضحكة بدأت تطلع والوش نور تاني. اهدى خالص واشربي بؤ ماية.. طول ما أنا معاكِ متخافيش من أي حاجة في الدنيا، تمام؟

​جميلة هزت راسها ببطء وهي بتبتسم من وسط دموعها، وحست بأمان غريب وهي معاه، وبدأت الرعشة اللي في جسمها تروح تماماً. آسر دور العربية وبص قدامه، وملامحه رجعت تدريجياً للجدية وهو بيفكر في المصيبة اللي شافوها جوه القصر.

آسر مد إيده الشمال على الدريكسيون، وبالإيد التانية طلع موبايله من جيبه وفتح قائمة الأسماء، وضغط على رقم متسجل باسم "أقطاي". أول ما الخط فتح وجاله صوت الشاب المتدرب، آسر اتكلم بنبرة جادة وصارمة جداً:

​آسر: ألو.. أقطاي، اسمعني كويس. بما إنك متدرب مستجد هنا في الشركة وتحت تدريبي ومسؤوليتي، أنا عايزك في مهمة خاصة جداً وسرية.

​أقطاي (بصوت حريص وفيه احترام): تمام يا فندم، أنا تحت أمرك وجاهز.. خير؟

​آسر (بص حواليه في المرايات وأعطاله التفاصيل): أنا هبعتلك عنوان قصر مهجور في المعادي حالا في رسالة. عايزك تكون واقف ومراقب للقصر ده من الساعة 10 بالليل لحد الفجر.. أي حركة، أي حد يدخل أو يخرج، عينك عليه وتكلمني فوراً. مفهوم؟

​أقطاي: مفهوم تماماً يا أستاذ آسر، اعتبره حصل.

​قفل آسر الموبايل وحطه جمبه، فجميلة بصتله بذهول واستغراب وقالتله:

جميلة: أستاذ آسر.. هو أنت مش هتهد المبنى خلاص؟ إحنا مش لسه واخدين موافقة المستشار سيد عشان نخلص من الخرابة دي؟

​آسر (هز رأسه بجدية وهو بيمشي بالعربية): لا يا جميلة.. مش دلوقتي خالص. لما أحل قضية المبنى نفسه والسر اللي جوه الأول، بعدها نبقى نهده براحتنا. لأن لو لودرات الهدد نزلت دلوقتي والجثث دي ظهرت قدام عمال البلدية والحي، وقتها عيلة يكن كلها هتتضر، والشركة والسمعة هتروح في داهية بسبب جريمة القتل اللي جوه دي والأرض باسمنا.

​جميلة بصتله بإعجاب شديد وانبهار بطريقة تفكيره وسرعة حسمه للأمور وقالتله:

جميلة: واو.. أنت جايب الذكاء والدهاء ده كله منين؟

​آسر (ابتسم بثقة وسخرية وهو بيبص لها): أبويا المستشار سيد يكن.. تفتكري يعني ابن سيد يكن هيكون غبي؟ طبعاً لازم أعمل حساب لكل خطوة.

​جميلة (ضحكت خفيف وسألته بفضول): ماشي يا سيدي.. بس قولي، هو بعدين فيه حد في الدنيا بجد اسمه "أقطاي"؟ الاسم غريب قوي!

​آسر حب يرجع يلطف الجو ويشيل ملامح الجدية عشان ينسيها رعب الجثث، فبص لها وغمز بعينه وقالها:

آسر: سيبك من أقطاي دلوقتي.. ها، قوليلي إيه رأيك في العفاريت اللي شوفتيها جوه القصر؟ مش قولتلك ناس مخلصين في شغلهم؟

​جميلة ضحكت من قلبها على طريقته، فآسر كمل كلامه بهزار وسخرية:

آسر: على فكرة.. وأنا بحفر في الأوضة جوه شوفت كتاب سحر قديم تحت الردم، هبقى أروح أجيبهولك مخصوص، بس هقرا فيه الأول عشان آخد منه تعويذة ووصفة "الاسكين كير" عشان نثبت النضارة دي علطول!

​جميلة فطست على روحها من الضحك بسبب إصراره على الهزار في عز المصيبة، وحست إن كلامه طمنها تماماً وقربها منه أكتر، والخوف اللي كان جواها من منظر الجثث اتمحى وبقت حاسة بأمان وهي قاعدة جنبه في العربية.

آسر دخل بعربيته المرسيدس من البوابة الإلكترونية لشركة يكن، وركن في المكان المخصص ليه. أول ما العربية وقفت، جميلة فتحت الباب ونزلت وهي لسه مأثورة بالضحك والهزار بتاع آسر، بس أول ما حطت رجلها في حوش الشركة، عينيها جت على ريان اللي كان خارج من المبنى الرئيسي بكامل أناقته بهيبة الإدارة العليا.

​جميلة من غير ما تفكر، وبكل تلقائية وعفوية، مشت ناحيته وهي بتعدل شنطتها وسلمت عليه بإحراج وكسوف بان عل وشها فوراً:

جميلة: صباح الخير يا أستاذ ريان.. أهلاً بحضرتك.

​ريان (ابتسم بوقار وجنتلة): صباح النور يا جميلة.. أهلاً بيكي، نورتي الشركة.

​ريان ساب جميلة واتحرك بنفسه بخطوات واثقة ناحية العربية المرسيدس، وراح سلم على آسر اللي كان لسه نازل وب يقفل باب عربيتة. ريان بص لآسر وبعدين بص لجميلة، ولمح تراب خفيف على جزمة آسر واللبس كأنهم كانوا في معاينة، فاستغرب جداً وسأل بنبرة فيها فضول وهدوء:

ريان: أهلاً يا آسر.. صباح الخير. مستغرب يعني.. أنتم كنتم فين سوا على الصبح كدا؟ مش عادتك تنزل معاينات بدري كدا ومعاك متدربة من قسم العقود.

​آسر (عدل جاكيت بدلتة الرمادي، وبص لريان بثقة وبرود، وحط إيده الشمال في جيبه وقال بنبرة غامضة): صباح النور يا ريان.. مفيش، دي قضية مهمة جداً وشغالة عليها الشركة بقالها فترة، ونزلنا نعمل معاينة سريعة للموقع على الطبيعة عشان نحدد خطواتنا الجاية.

​ريان هز رأسه باهتمام وبص لجميلة: "تمام.. بس جميلة لسه متدربة في قسم العقود، إيه علاقتها بقضايا المعاينات والجنايات؟"

​آسر ابتسم ابتسامة شياكة وبص لجميلة اللي كانت واقفة بتسمعهم بفضول، ورجع بص لريان وقاله بحسم:

آسر: أهو ده الجديد بقى.. جميلة أثبتت كفاءة عالية جداً امبارح والنهاردة، وشكلي كدا خلاص هاخد قرار رسمي وأختار جميلة إنها تتنقل من قسم العقود وتكون متدربة تحت إيدي أنا شخصياً في كل القضايا الجاية.

​جميلة أول ما سمعت جملة آسر، عينيها وسعت من المفاجأة وفرحت جداً، وريان بص لآسر بنظرة إعجاب وتقدير وابتسم لجميلة:

ريان: برافو يا جميلة.. طالما آسر اختارك بنفسه يبقى أنتِ كسبتي فرصة ميتعوضش، آسر مش بيختار أي حد. بالتوفيق ليكم يا شباب.

​ريان استأذن وتحرك ناحية مكتبه، وآسر التفت لجميلة وغمز لها بعينه: "يلا يا سيادة المستشارة.. على مكتبك أهو بقيتي رسمياً معايا، ورانا شغل كتير".

آسر ساب جميلة تروح على مكتبها، وتوجه هو للدور الأخير عشان يدخل مكتبه. أول ما فتح الباب، تفاجأ بـ كيان قاعدة على الكرسي الجلد الفخم، حاطة رجل على رجل، ولابسة طقم شيك جداً كالعادة، بس ملامحها مكنتش رايقة خالص؛ كان باين عليها الضيق والعتاب.

​آسر (أخد نفس طويل وقفل الباب وراه): كيان؟ أنتِ هنا من إمتى؟ وبعدين مش المفروض عندك شغل في مكتب الديكور بتاعك النهاردة؟

​كيان وقفت، وقربت منه بخطوات بطيئة وهي بتبص في عينيه بعتاب ونبرة صوتها حزينة ومقهرة:

كيان: جيتلك يا آسر عشان بجد مكنش ينفع نستنى أكتر من كدا. إحنا مرتبطين بقالنا تلات سنين كاملين.. تلات سنين وأنا مستنية اللحظة اللي تخلص فيها وتستلم شغلك رسمي في الشركة عشان تاخد خطوة بجد. ودلوقتي خلاص، أنت استلمت شغلك وبقيت محامي ماسك قضايا، وأنا اتخرجت وبقيت مهندسة ديكور واستلمت شغلي والمستقبل قدامنا.. مبقاش فيه أي مانع أو حجة في الدنيا تخليك ماتاخدش خطوة وتيجي تتقدم لي ونخطب ونتجوز! ولا أنت شايف إيه؟

​آسر مشي من جمبها بهدوء، وحط شنطته على المكتب. الصداع خبط في دماغه تاني لما افتكر الضغط اللي عليه، وبص لإيده اليمين اللي لسه حاسس بتنميل خفيف فيها. هو عارف إنه مريض، ومستقبله مهدد بشلل في أي لحظة، ومش عايز يظلمها معاه، ولا عنده طاقة لضغط الجواز دلوقتي.

​دار وشه ليها، وبصلها بنظرة باردة، ثاقبة، وخالية من أي مشاعر مصطنعة وقالها بحسم:

آسر: يمكن إحنا محتاجين نقطع العلاقة دي خالص يا كيان.. ويكون ده الأحسن لينا احنا الاتنين.

​كيان الصدمة لجمتها، عينيها وسعت والدموع لمعت فيها فجأة، ورجعت خطوة لورا مش مصدقة اللي سمعته:

كيان (بصوت بيترعش): تقطع العلاقة؟ بعد تلات سنين يا آسر؟! أنت بتتكلم بجد؟ ليه.. أنا عملتلك إيه؟

​آسر (حط إيده الشمال في جيبه واتكلم بنبرة هادية بس قاطعة): أنتِ معملتيش حاجة.. العيب عندي أنا. أنا مش مستعد حالياً حتى لمجرد الارتباط، ورايا قضايا ومشاكل ومسؤوليات محتاجة كل وقتي وتفكيري، ومش هقدر أديكي الاهتمام والخطوة اللي أنتِ مستنياها وتستحقيها. فـ من فضلك.. كفاية لحد كدا.

​كيان بصتله بقهر وكسرة نفس، مسحت دمعة نزلت على وشها بسرعة، ولمت حاجتها من على المكتب وبصتله بمرارة: "تمام يا آسر.. أنا بجد غلطت لما صدقت إنك ممكن تتغير في يوم من الأيام".

سابت المكتب وخرجت ورزعت الباب وراها بقوة.

​آسر قعد على الكرسي بتاعه وسند راسه لورا وهو بينهج، وطلع شريط البرشام من الدرج عشان ياخد حباية الصداع قبل ما اليوم يقلب بزيادة.

الساعة قفلت تسعة بالليل، آسر وصل البيت وهو شايل في إيده شنطة بلاستيك كبيرة مليانة بكل أنواع الأندومي الكوري الحراق اللي وعد بيها أخته. دخل الشقة بخطوات هادية، وتوجه مباشرة لأوضة رضوى، خبط بالراحة ودخل.

​رضوى كانت قاعدة على السرير بتذاكر، أول ما شافت الشنطة في إيده، عينيها لمعت وفطت من مكانها وصقفت بإيدها زي الأطفال:

رضوى: مش ممكن! آسر حبيبي.. أنت جيبتهم بجد؟ وريني وريني كدا!

​آسر (ابتسم وحط الشنطة قدامها على المكتب): أهو يا ستي.. جبتلك المخدرات الكورية اللي طلبتيها كلها، عشان بس تعرفي إن أخوكي كلمته واحدة ومبيوزعش وعود فستك.

​رضوى (طلعت الأكياس وقعدت ترصهم بفرحة): يا ناس يا عسل، آسر وصل! طب تصدق بالله.. أنت أحسن أخ في المجرة دي كلها، بس قولي.. هو النوع الأسود ده حراق قوي بجد؟ عشان أنا قلبي ضعيف في الشطة.

​آسر (ضحك خفيف وقعد على طرف السرير): ضعيف إيه يا بنتي، أنتِ اللي قعدتي تتنمري عليا في التليفون وتقوليلي كوري حراق ويموت.. أهو جيتلك المحكمة وجايب أدلتي معايا، وريني بقى هتأكليه ازاي من غير ما تعيطي.

​رضوى (بضحكة لماضة وهي بتهز كيس الأندومي): هأكله وأنا بضحك كمان، وتحدي!

​فضلوا يهزروا ويضحكوا سوا لدايق، وصوت ضحكهم كان مالي الأوضة، وآسر كان حاسس براحة وهو بيفصل شوية من ضغط اليوم والجثث اللي شافها. وفجأة.. الباب اتفتح بهدوء، ودخل المستشار سيد يكن بهيبته وجديته المعتادة. الضحك وقف فجأة، ورضوى عدلت قعدتها باحترام.

​المستشار سيد بص لرضوى وبعدين وجه نظراته الحادة والثقيلة لآسر وقال بصوت رخيم وهادي بس يخوف:

المستشار سيد: آسر.. سيب أختك دلوقتي، ومحتاج اتكلم معاك كلمتين في أوضتي.. حالا.

​آسر حس بنغزة في قلبه، بس حافظ على بروده وقام وقف: "تمام يا سيادة المستشار".

خرج آسر ورا والده، ودخلوا المكتب الخاص بالمستشار سيد. أول ما الباب اتقفل، المستشار سيد دار وشه لآسر، وملامحه كان فيها مزيج مرعب من الغضب والوجع المكتوم، وقرب منه خطوتين وقال بنبرة صوت قوية هزت الأوضة:

​المستشار سيد: أنت ازاي تخبي عليا قصة تعبك دي يا آسر؟! ازاي تسيبني لآخر من يعلم، والدكتور بتاعك هو اللي يكلمني بنفسه ويقولي إن ابني عنده خلل في المخ وأعصابه بتموت؟!

​آسر اتصدم، ملامحه اتصلبت تماماً، وبص لوالده وهو مش عارف ينطق بإيه، وحس إن الصداع بدأ يهاجم دماغه من جديد في اللحظة دي.

​آسر وقف مكانه، الصدمة لجمت لسانه لثواني، وبص لوالده اللي كان واقف قدامه وعينيه بتلمع بغضب ممزوج بخوف حقيقي وعجز لأول مرة يشوفه في ملامح المستشار سيد يكن. آسر أخد نفس طويل، وحط إيده الشمال في جيبه، وحاول يستجمع بروده المعتاد عشان يداري توتره، بالرغم من إن الصداع بدأ ينهش في نفوخه.

​آسر (بصوت هادي وجاد): يا سيادة المستشار.. الدكتور مكنش ليه حق يكلم حضرتك أصلاً، دي أسرار مرضى وهو كدا خالف مهنته. وبعدين أنا مخبتش عليك لسبب وحش، أنا بس مكنتش عايز أعمل قلق ملوش لزمة في البيت.

​المستشار سيد (ضرب بإيده بقوة على المكتب الأبنوس، وصوته رعد في الأوضة): قلق ملوش لزمة؟! أنت سامع نفسك بتقول إيه يا آسر؟ أنت بتتكلم عن مرض في المخ والأعصاب! الدكتور بيقولي إن إيدك اليمين ممكن تتشل تماماً في أي وقت لو الضغط العصبي زاد عليك! وأنت جاي تقولي بكل برود أسرار مرضى وقلق ملوش لزمة؟ أنت ابني.. امتدادي، والاسم اللي أنا ببنيه بقالي سنين عشان يستلم الشركة من بعدي!

​آسر (ملامحه اتغيرت ونبرة صوته عليت سنة لأول مرة، وفيها وجع مكتوم): الاسم! الشركة! الامتداد! هو ده كل اللي فارق مع حضرتك يا سيادة المستشار؟ خايف على اسم "يكن جروب" ليتهز لو الناس عرفت إن ابنك المحامي الكبير مريض؟ أنا مخبتش عنك عشان خايف من المرض.. أنا خبيت لأني عارف إنك مش هتشوفني غير "مشروع" ممكن يفشل أو يعطل مسيرتك!

​المستشار سيد سكت ثانية، الكلام وجعه صاب صميم قلبه، ملامحه الحادة هديت سنة وظلت هيبته مسيطرة، وقرب من آسر وبص في عينيه بنبرة فيها حسم ممزوج بأبوة نادرة:

​المستشار سيد: أنت بتفهمني غلط دايماً يا آسر.. وبتفسر جديتي معاك على إنها قسوة. أنا لما بخاف على اسم عيلتنا، فده لأنه السند والدرع اللي بيحميك ويحمي أختك. أنا أبوك.. ومستحيل أسمح إنك تضيع قدام عيني وأنا واقف اتفرج. من بكرة الصبح، أنت هتاخد إجازة مفتوحة من الشغل، وهنسافر برة.. لندن أو ألمانيا، هنشوف أكبر دكاترة في العالم لحد ما نلاقي علاج للمصيبة دي. الشغل والقضايا يولعوا بجاز.. صحتك هي الأول.

​آسر (هز رأسه بالرفض وبص لوالده بنظرة تحدي وثبات): مش هسافر في حتة يا بابا.. ومش هاخد إجازات. أنا لسه مستلم شغلي ومثبت نفسي، وعندي قضايا ومسؤوليات مش هسيبها. السفر والعلاج مش هيغيروا الواقع، الدكاترة قالوا إن المرض ملوش علاج نهائي، والموضوع مسألة وقت والسيطرة عليه بالهدوء والبعد عن الضغط.. وأنا هادي ومسيطر على نفسي.

​المستشار سيد (بضيق وعصبية): مسيطر ازاي وأنت ماسك قضية الأرض والمبنى المهجور وبتجري هنا وهناك؟ أنت بتعاند مين يا آسر؟ بتعاندني أنا ولا بتعاند المرض؟

​آسر (عدل وقفته وبص لوالده بثقة): مش بعاند حد.. أنا بعيش حياتي بالطريقة اللي تخليني أحس إني موجود ومؤثر، مش مريض مستني النهاية. قضية المبنى دي بالذات أنا هكملها لآخرها، والورق اللي جميلة جابته امبارح مش هيضيع على الفاضي.. سيبني اشتغل يا سيادة المستشار، الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي مخلية عقلي صاحي ومقاوم المرض.

​المستشار سيد بص لآسر لفترة طويلة، لقى في عينيه نفس العناد والقوة اللي عنده هو شخصياً.. عرف إن الضغط عليه دلوقتي هيزود تعبه وممكن يضره أكتر. أخد نفس طويل ولف ضهره لآسر وقال بنبرة هادية بس صارمة:

​المستشار سيد: ماشي يا آسر.. هسيبك تشتغل، بس بشرط.. تحت عيني. والعلاج والبرشام بتاعك يتاخد في مواعيده، وأي حس بتعب أو تقل في إيدك، الشغل ده كله هيتقفل فوراً وساعتها هتمشي بكلامي أنا.. مفهوم؟

​آسر (ابتسم ابتسامة خفيفة وراقية): مفهوم يا سيادة المستشار.. عن إذنك.

​خرج آسر من مكتب والده وهو حاسس بـ راحة غريبة إن السر اتهد ومبقاش لوحده شايل الحمل، بس في نفس الوقت افتكر إن الساعة دخلت في 10 بالليل.. وطلع موبايله بسرعة عشان يطمن على "أقطاي" اللي واقف قدام القصر المهجور

آسر خرج من مكتب والده، وتوجه لغرفته وقفل الباب وراه. طلع موبايله فوراً وضغط على رقم أقطاي وعينه على ساعة الحائط اللي كانت بتشير لـ عشرة وخمس دقائق بالليل.

​الخط جمع، وجاءه صوت أقطاي الواطي والهمس، وباين من نبرته إنه واخد الموضوع بجدية تامة ومنفذ التعليمات على الشعرة:

​أقطاي (بصوت خافت): ألو.. أيوه يا أستاذ آسر. أنا لسه واصل المكان من حوالي عشر دقائق بالظبط.

​آسر (بنبرة جادة وحريصة): تمام يا أقطاي.. ركز معايا كويس، أنت وافق فين بالظبط؟ والجو عندك عامل إيه؟

​أقطاي: متقلقش خالص يا فندم، أنا ركنت عربيتي في حتة ضلمة ومضللة تحت شجرة كبيرة كاشفة مدخل القصر كله، ومطفي النور تماماً ومستخبي جوة العربية.. مستحيل أي حد يلمحني أو يشك في وجودي هنا. الشارع هادي جداً كأنه ميت، ومفيش صريخ ابن يومين معدي.

​آسر أخد نفس طويل، وقال برزانة وهدوء: "تمام يا أقطاي.. عينك متغفلش عن المدخل، القصر ده ملوش بوابة خارجية يعني أي حد يقدر يدخل بسهولة، وأنا مش عايزك تتحرك من مكانك مهما حصل. مجرد ما تشوف أي حركة غريبة قدام القصر أو جواه، أو تلمح خيال حد داخل.. رن عليا علطول في نفس اللحظة، مفهوم؟"

​أقطاي: مفهوم يا فندم، اعتبرني مابرمشش. أول حركة هتحصل، هكون ببلغ حضرتك فوراً. لا تقلق.

​آسر: تمام.. ربنا معاك، مستني مكالمتك.

​قفل آسر الموبايل وحطه على الكومودينو جمب السرير، وسند ضهره لورا وهو بيفكر في الميكس الغريب اللي عاشه النهاردة؛ من مواجهته مع كيان، للرعب والجثث اللي شافها مع جميلة، للمواجهة الصعبة مع والده، وأخيراً لغز القصر اللي مستني أقطاي يحله. غير هدومه واستلقى على السرير، وعينه ثابتة على شاشة الموبايل، مستني الرنة اللي هتقلب الأحداث في أي لحظة

الساعة دقت تلاتة الفجر.. السكون كان مغطي بيت عيلة يكن، وآسر كان نايم نوم قلقان ومتقطع، شاشه تليفونه نورت فجأة وبدأ يرن بصوت عالي كسر هدوء الأوضة. آسر فتح عينه بسرعة، ونفض النوم من وشه أول ما شاف اسم "أقطاي" على الشاشة. سحب الخط ورد بسرعة ونبرة صوته كلها تركيز وترقب:

​آسر: ألو.. إيه الأخبار يا أقطاي؟ لمحت حاجة؟

​صوت أقطاي جاءه من الناحية التانية وهو بيتكتم أنفاسه وبيتكلم بنبرة مرعوبة ومذهولة من اللي شافه:

أقطاي: أستاذ آسر! المصيبة حصلت فعلاً.. من حوالي ساعة بالظبط، الساعة كانت اتنين الفجر، لمحت ميكروباص صغير وقف قدام القصر في الضلمة، ونزل منه سبع شباب ومعاهم خمس بنات.. شكلهم صغير في السن، ودخلوا كلهم جوه القصر المهجور.

​آسر قعد على السرير بسرعة والدموية جرت في عروقه، وضغط على الموبايل: "وبعدين؟ إيه اللي حصل جوه؟"

​أقطاي (بلع ريقه وكمل): فضلت مستني ومراقب وعيني عليهم.. ومن عشر دقائق بالظبط، الشباب دول طلعوا تاني من القصر، بس طلعوا لوحدهم! الخمس بنات مظهرش ليهم أي أثر ومطلعوش معاهم! والميكروباص أخد الشباب ومشي بسرعة.. بس متقلقش يا فندم، أنا أول ما شوفتهم داخلين، طلعت تليفوني وصورتهم فيديو بجودة عالية وهما داخلين بالبنات، وصورتهم تاني فيديو واضح جداً وهما خارجين لوحدهم من غيرهم!

​آسر ملامحه اتصلبت وعينيه وسعت من الصدمة.. كدا اللغز بدأ يتربط، والجثث اللي شافها الصبح مع جميلة غالباً وراها شبكة خطيرة بتستدرج البنات للمكان ده. آسر أخد نفس طويل وحاول يحافظ على ثباته وقاله بصوت جاد وحاسم:

​آسر: برافو عليك يا أقطاي.. أنت عملت شغل ممتاز وأثبت إنك محامي ذكي بجد. اسمعني كويس.. دور عربيتك وامشي من المكان ده فوراً، متفضلش هناك ولا ثانية تانية عشان محدش يشك فيك. روح بيتك نام، وبكرة الصبح أول ما توصل المكتب تجيلي علطول ومعاك الفيديوهات دي.. مفهوم؟

​أقطاي: مفهوم يا أستاذ آسر، أنا عيوني مشيت حالاً وفي طريقي للبيت. أشوفك بكرة الصبح.

​قفل آسر الموبايل وحطه جمبه، وفضل قاعد على السرير وعينيه بتبص للفراغ، وعقله شغال زي الآلة الحاسبة بيجمع الخيوط.. الجريمة بتحصل بشكل مستمر في قصر عيلته، وبكرة الصبح مع جميلة وأقطاي، هتبدأ المواجهة الحقيقية لكشف الشبكة دي

آسر ما استناش بكرة الصبح في المكتب، عقله كان شغال تفكير طول الليل. الساعة جت ستة الصبح، والشمس لسه بتشقشق، نزل من البيت وركب عربيتة المرسيدس وطار بيها على قصر المعادي قبل ما الشوارع تزحم وقبل ما حد يلمحه.

​كان مجهز معاه في الشنطة مجموعة من كاميرات المراقبة الصغيرة جداً (اللاسلكية) اللي بتشتغل ببطاريات ومصممة للاختفاء. دخل القصر بخطوات سريعة وحذرة، وبدأ يوزع الكاميرات ويزرعها بذكاء في الزوايا المضللة؛ حط كاميرا كاشفة للممر الرئيسي، وكاميرات في الأوض الجانبية، وكاميرا مركزية ومستخبية في الأوضة الأخيرة اللي لقى فيها الجثث والردم عشان يلقط أي حركة بتطير جوه المكان.

​أول ما خلص ونزل ركب عربيتة وبدأ يتحرك في طريقه للشركة، موبايله رن على التابلوه، وبص لقى رقم جميلة. ضغط على زرار الرد وجاله صوتها اللي باين فيه إنها منامتش هي كمان من كتر التفكير والقلق:

جميلة: صباح الخير يا أستاذ آسر.. طمني، حضرتك كويس؟ ها.. وصلت لأي حاجة أو كلمت أقطاي؟

​آسر (أخد نفس طويل وهو سايق وعينه على الطريق): صباح النور يا جميلة. اهدى خالص.. أنا لسه مخلص مشوار مهم حالياً وفي طريقي للشركة، ومسافة نص ساعة بالظبط وهكون قاعد في مكتبي. أقطاي زمانه على وصول هو كمان، وأول ما توصلي تعاليلي على المكتب فوراً عشان نقعد إحنا التلاتة ونشوف الفيديوهات اللي صورها امبارح بالليل ونفهم القصة دي سوا.

​جميلة (بنبرة فيها ترقب وحماس): تمام يا فندم، أنا أصلاً قدام باب الشركة و هطلع مستنياك في المكتب عل طول. سوق بالراحة.

​آسر: تمام يا جميلة.. قفلي دلوقتي وأشوفك فوق.

​قفل آسر المكالمة وداس بنزين، وعينيه فيها نظرة حسم ملوش حل.. الكاميرات اتزرعت، وفيديوهات أقطاي هتوصل، واللعبة الكبيرة بدأت ملامحها تبان

وصل آسر الشركة ودخل مكتبه، ولحقته جميلة وأقطاي اللي كان شايل اللابتوب بتاعه وعينيه منفوخة من قلة النوم. قعدوا الثلاثة حوالين مكتب آسر الفخم، وأقطاي فتح اللابتوب وشغّل الفيديوهات اللي صورها الفجر.

​الكل كان بيبص للشاشة بتركيز رهيب. الفيديو كان واضح جداً؛ سبع شباب شكلهم "ولاد ناس" ومعاهم خمس بنات في سن الجامعة، دخلوا القصر، وبعد ساعة خرج الشباب لوحدهم وركبوا نفس الميكروباص ومشوا.

​آسر (سند ضهره لورا وعينه على الشاشة): برافو يا أقطاي، التصوير كاشف ملامحهم ونمر الميكروباص بالملي.

​أقطاي (هرش في راسه وبدأ يتكلم بطريقته الكوميدية المعتادة): حبيبي يا فندم! ده أنا كنت قاعد في العربية حاطط نضارة شمس بالليل وعامل نفسي نايم بس فاتح عين واحدة عشان لو حد بص عليا يفتكرني تمثال.. والرعب بقى يا أستاذ آسر لما قطة مشيت فوق سقف العربية، أنا كنت هفتح الباب وأجري وأسيب الفيديوهات والبنات وأستقيل من المحاماة كلها!

​جميلة فطست على روحها من الضحك رغم جدية الموقف، وآسر ابتسم وبصله بطرف عينه: "بس يا فاشل، فضحتنا! محامي إيه اللي بتخاف من قطة.. عموماً أنت عملت شغل عالي".

​آسر التفت لجميلة وكمل بجدية: "عايز أقولكم كمان إن أنا منمتش.. أنا رحت القصر الساعة ستة الصبح وزرعت في كل أوضة وزاوية هناك كاميرات مراقبة صغيرة بتشتغل ببطارية وواصلة بموبايلي هنا، يعني أي حركة هتحصل جوه القصر من أول اللحظة دي هكون شايفها لايف".

​جميلة (عينيها لمعت بانبهار): بجد؟ كدا إحنا مأمنين المكان تماماً. طب والخطوة الجاية إيه؟ الشباب دول والميكروباص هنجيبهم ازاي؟

​آسر (سحب موبايله وخد لقطة شاشة واضحة لنمر الميكروباص): أنا حالاً هبعت نمر الميكروباص ده لشخص تبعنا في الشركة، مختص في العلاقات العامة وبيدير مصالحنا مع المرور، في ثواني هيجيبلي اسم صاحب الميكروباص وعنوانه والملف بتاعه كامل.

​أقطاي (بفضول كوميدي): والشرطة يا فندم؟ مش هنبلغ؟ ولا نطلع نعمل عليهم كبسولة إحنا الثلاثة؟ أنا ممكن ألبس لبس نينجا لو تحب!

​آسر (ضحك وبصله): نينجا إيه يا متخلف أنت.. اسمعوا، أنا عملت بلاغ فعلياً لقسم المعادي. فيه ظابط صاحبي ومعرفة هناك، هو اللي ماسك الشفت المسائي النهاردة ومستني مني رسالة واحدة أول ما الكاميرات اللقطة دي تلمح أي حركة.. مجرد ما أبعتله، هيتحرك بقوة من القسم على القصر فوراً ويقبض عليهم متلبسين.

​جميلة (أخدت نفس طويل وحست براحة): كدا الخطة كاملة ومفيش فيها ثغرة.. بجد برافو يا أستاذ آسر.

​آسر (بص في ساعته وملامحه رجعت للجدية الشديدة): تمام.. أقطاي، روح على مكتبك كمل أوراقك، وجميلة خليكي قريبة مني عشان نتابع أول بأول.. الليلة دي القصر ده هيتفتح، والسر اللي جوه هينتهي

بعد ما أقطاي خرج من المكتب، جميلة قعدت على الكرسي وهي بتفرك في إيدها بتوتر، وبصت في ساعتها لقت الوقت بيجري. سحبت موبايلها بسرعة وقررت تلم الدور مع والدتها في البيت عشان متقلقش عليها.

​جميلة (بنبرة ومحايلة): ألو.. أيوه يا ماما، حبيبتي قوليلي أنتِ صاحية؟ بصي.. أنا غالباً ممكن أتأخر النهاردة شوية في الشركة عشان فيه ظرف طارق في الشغل وقضية مهمة لازم نخلص ورقها.

​والدة جميلة (صوتها جه فيه قلق وخوف أمومي واضح): تتأخري فين يا بنتي؟ الساعة داخلة على سبعة بالليل وأنتِ لسه مرجعتيش! يعني هتقعدي لحد إمتى لوحدك في الشركة دي؟ أنا قلبي مبيطمنش للأيام اللي فيها تأخير دي!

​جميلة (بتحاول تهديها): يا ماما والله أنا مش لوحدي، أنا قاعدة مع أستاذ آسر المحامي الكبير اللي بتدرب معاه، ومعانا ناس تانية في الشغل والمكان أمان جداً متقلقيش.

​والدة جميلة (بحسم وخوف): لا يا جميلة، أنا مش هقعد في البيت آكل في نفسي من القلق. طالما الحكاية فيها تأخير، طب أنا هلبس حالا وآجي أقعد معاكي في الشركة لحد ما تخلصي شغل ونرجع سوا، أهو أكون جنبك وأطمن عليكي.

​جميلة اتفاجأت من رد فعل والدتها، ورفعت عينيها بسرعة وبصت لآسر اللي كان قاعد ورا مكتبه وبيتابع الحوار وسمع كلام الأم. جميلة حطت إيدها على المايك بتاع الموبايل وقالت لآسر بهمس وإحراج: "أستاذ آسر.. ماما قلقانة جداً وعايزة تيجي تقعد معايا هنا لحد ما نخلص.. ينفع؟"

​آسر بصلها بنظرة هادية، وحس بنوع من الدفء في خوف والدتها عليها، وفهم إن وجود أمها هيطمن جميلة أكتر في ليلة صعبة زي دي. حرك راسه بالموافقة والقبول وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة تريحها.

​جميلة (رجعت للموبايل بفرحة): خلاص يا ماما، أستاذ آسر وافق ومرحب بيكي جداً. البسي وتعالي، مستنياكي.

​مرت الساعات وآسر قاعد بيباشر شغله وعينه كل شوية تروح على شاشة الموبايل يطمن على كاميرات القصر المهجور اللي لسه مفيش فيها أي حركة.

​وعلى الساعة تسعة بالليل بالظبط، الباب خبط ودخلت والدة جميلة.. ست مصرية طيبة، ملامحها هادية وفيها حنان، ولابسة عباية شيك ومحشومة. جميلة قامت جرت عليها وحضنتها، وآسر قام من ورا مكتبه بكل هيبة واحترام واستقبلها بترحيب حار:

​آسر (بابتسامة راقية): أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم، خطوة عزيزة جداً ونورتي الشركة كلها.

​والدة جميلة (بابتسامة طيبة وهي بتبص لآسر بإعجاب لأسلوبه): بنورك يا ابني، تسلم ربنا يخليك. أنا آسفة لو كنت سببت إزعاج، بس قلبي مبيطاوعنيش أسيب جميلة تتأخر لوحدها برة البيت.

​آسر: إزعاج إيه بس! ده مكتبك في أي وقت، وجميلة بسم الله ما شاء الله عليها أثبتت كفاءة تخليني أنا اللي أتمسك بوجودها معايا في الشغل. اتفضلي حضرتك ارتاحي هنا.

​قعدت والدة جميلة على الكنبة الجلد المريحة، وجميلة راحت تعمل لها حاجة تشربها، وآسر رجع قعد على مكتبه.. الجو بقا فيه هدوء عائلي غريب جوة المكتب، بس آسر كان عارف إن الهدوء ده مش هيطول، لأن عقارب الساعة بدأت تقرب من الميعاد، والكل مستني اللحظة اللي الموبايل يرن فيها

آسر قفل الملف اللي في إيده وبص لوالدة جميلة اللي كانت قاعدة بكل ذوق وهدوء على الكنبة، وبصلها بابتسامة دافية تليق بأخلاق عيلته وقالها:

آسر: منورة يا طنط والله.. قوليلي بقى، حضرتك تحبي تتعشي إيه النهاردة؟

​والدة جميلة (بإحراج وطيبة مصريين أصيلين): لا يا ابني تسلم، تعيش وتكرم والله مش عايزة أتقل عليك، أنا شاربة شاي قبل ما أنزل وجوايا شبعان.

​آسر (ضحك خفيف وهز رأسه برفض): تتقلي إيه بس يا فندم! حضرتك ضيفتنا في الشركة، والبيت اللي ميتعشاش فيه ضيفه ميبقاش بيت أصول.. ده إحنا صعايدة وأصولنا مفيهاش الكلام ده، لازم تتعشي معانا.

​ومن غير ما يستنى ردها، سحب موبايله بسرعة ورن على واحد من أكبر مطاعم المشويات المعروفة، وطلب ميكس جريل مشكل فخم يكفي الكل، وكباب وكفتة وسلطات، وقفل الخط وهو بيأكد عليهم يستعجلوا الدليفري.

​في وسط ما هما قاعدين، الباب خبط ودخل أقطاي وهو شايل في إيده ورق، وأول ما شاف والدة جميلة واقفة، ملامحه اتغيرت وبقت كلها ذوق واحترام، وقرب وسلم عليها بأدب شديد:

أقطاي: أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم، نورتي الشركة والله.. ده مكتب الأستاذ آسر بركته حلت بوجودك.

​والدة جميلة ابتسمتله ودعتله برقة، وأقطاي قعد معاهم يلطف الجو بخفة دمه المعتادة اللي خلت الأم تضحك وتتبسط من الأجواء.

​بعد حوالي ساعة، كان الأكل وصل والروائح قلبت المكتب، فرشوا الأكل كله على الترابيزة الكبيرة وقعدوا الأربعة سوا؛ آسر، وأقطاي، وجميلة، ووالدتها. كانت قعدة مليانة دفا وضحك وهزار من أقطاي اللي مفسلش، وآسر كان بياكل وهو بيبص لجميلة ووالدتها وحاسس بحالة من السلام النفسي وسط كل الضغوط والمرض اللي بيحاربه.

​خلصوا العشا، وجميلة قامت تلم الحاجة، وآسر سحب منديل ومسح إيده، وبص في ساعته لقى الوقت سرقهم وبقت الساعة داخلة على عشرة وربع بليل.. ملامحه بدأت تتحول للجدية تدريجياً، وعينيه راحت تلقائياً على شاشة الموبايل المحطوط قدامه على المكتب، مستني الإشارة من الكاميرات اللي زرعها في القصر

آسر قام من على مكتبه بكل هدوء، واتحرك ناحية الشاشة الكبيرة (Smart Screen) المتعلقة على الحيطة في المكتب، وربط موبايله بيها عشان يعرض البث المباشر للكاميرات اللاسلكية اللي زرعها الصبح في القصر المهجور.

​قعدوا الأربعة يتابعوا الشاشة بتركيز.. والدة جميلة كانت بتبص بفضول ومش فاهمة أوي إيه ده، لكن جميلة وأقطاي كانوا حاطين إيديهم على قلوبهم والتوتر مالي الأوضة.

​مرت نص ساعة والهدوء سيد الموقف، وفجأة.. الساعة جابت حوالي حداشر إلا ربع بليل، وظهر في الكاميرا الخارجية خيال عربية ميكروباص مالي الشاشة. العربية وقفت في نفس الحتة الضلمة تحت الشجر، وباب الميكروباص اتفتح.. نزل منه نفس السبع شباب بتوع امبارح، وبدأوا ينزلوا معاهم المرة دي تسع بنات.. البنات كان باين عليهم الخوف والتردد، والشباب بيسحبوهم ويدخلوهم جوه مدخل القصر المهجور.

​جميلة كتمت شهقتها بإيدها، وأقطاي اتعدل في قعدته وعينيه وسعت، أما والدة جميلة فبدأت تقلق من المنظر وتقرأ قرآن بصوت واطي.

​آسر في اللحظة دي ملامحه بقت حادة زي الموس، وتحول لـ وحش كاسر مركز في هدفه. سحب موبايله بسرعة وضغط على رقم الظابط صاحبه اللي ماسك الشفت المسائي في قسم المعادي. أول ما الخط فتح، آسر اتكلم بصوت واطي، حازم، وسريع جداً:

​آسر: ألو.. يا فندم، الصيد وقع في المصيدة حالا. الميكروباص لسه واصل قدام القصر، ونزل منه السبع شباب ومعاهم تسع بنات ودخلوا جوه حالا.

​الظابط (بصوت جاد وصارم): تمام يا آسر.. القوة جاهزة في العربيات وهنتحرك فوراً.

​آسر: اسمعني كويس يا فندم.. ربع ساعة بالظبط واتحركوا، مش عايز استعجال عشان يلحقوا يدخلوا جوه الأوض ويثبتوا مكانهم. والمهم جداً إن القوة وهي داخلة الشارع تطفي السرائن والأنوار.. مش عايز اللي جوه يحسوا بأي حركة لحد ما تحاصروهم تماماً وميلاقوش مخرج. وزي ما قولت لحضرتك الصبح.. الجثث القديمة هتلاقوها مدفونة تحت الحطام والردم في آخر أوضة محدوفة خالص في نهاية الممر بالدور الثاني.. اقبضوا عليهم متلبسين بالبنات الجداد، واكشفوا المقبرة اللي جوه.

​الظابط: مفهوم يا آسر.. اعتبر الموضوع انتهى، ربع ساعة والشبكة دي كلها هتبقا في القسم. خليك معايا على التليفون.

​قفل آسر الخط، وحط الموبايل على المكتب وعينيه ثبتت على الشاشة الكبيرة وهو بيتابع تحركات الشباب والبنات جوه ممرات القصر من خلال الكاميرات، والكل في المكتب كاتم أنفاسه مستنيين وصول قوات الشرطة وصوت السرائن اللي هيقلب الدنيا

بعد نص ساعة بالظبط من حبس الأنفاس، الكاميرات الداخلية في القصر بدأت تنقل مشهد مرعب تقشعر ليه الأبدان.

​الشباب دخلوا البنات الأوضة الأخيرة، وبدأوا يولعوا شموع سودا غريبة ويرسموا رموز على الأرض. المشهد على الشاشة الكبيرة في المكتب كان صدمة؛ الشباب كانوا بيعملوا طقوس "عبدة الشيطان"! البنات كانوا بيصرخوا وهما مربوطين، وفجأة.. ظهر واحد من الشباب وهو ماسك خنجر طويل وحاد، ولسه هيدبح أول بنت فيهم كقربان للطقوس دي، في نفس اللحظة دي بالثانية.. الحيطان اتهزت بصوت اقتحام مرعب!

​أبواب القصر اتكسرت، وقوات الشرطة والعمليات الخاصة هجموا على الأوضة زي الإعصار. الكشافات القوية عمت عيون الشباب، والظباط ثبتوهم في الأرض وكلبشوهم وسحبوا السكاكين من إيديهم، والبنات قعدوا يصرخوا ويعيطوا من الفرحة بعد ما اتكتبلهم عمر جديد.

​جوه المكتب.. جميلة وأمها صرخوا من الخضة ورجعوا لورا، وأمها قعدت تسبح وتستغفر وهي مش مصدقة الرعب اللي شافته بعينيها، وجميلة كانت بتترعش بس عينيها على آسر اللي كان واقف منتهى الثبات والبرود، وعينيه على الشاشة كأنه قائد كسب المعركة.

​آسر سحب موبايله ورن على الظابط صاحبه وهو شايفه في الكاميرا بيأمن المكان. أول ما رد، آسر قال بنبرة هادية وواثقة:

آسر: الله ينور يا فندم، برافو بجد.. أنقذتوا البنات في آخر ثانية.

​الظابط (وهو بينهج والوش في الخلفية مالي المكان): كله بفضل كاميراتك وتوجيهك يا آسر. إحنا كشفنا المقبرة والجثث تحت الردم كمان، الجريمة كاملة الأركان. الميكروباص والشباب والبنات طالعين على القسم حالا ومنها على النيابة الصبح عشان التحقيق.

​آسر (أخد نفس طويل وحس بتقل خفيف في إيده وبدأ الصداع يهاجمه، فحب ينهي اليوم): طيب يا فندم، عندي طلب عندك.. أجل مرواحهم للنيابة والتحقيق الرسمي يوم واحد بس.. بكرا ده مش عايز تحقيقات تدخل فيها الشركة. أنا ناوي أرتاح وأقفل تليفوني بكرة تماماً عشان آخد نفسي من الضغط ده، وبعد بكرة هجيلك القسم بنفسي ونفتح المحضر ونرتب أوراق القضية سوا.

​الظابط: مفيش مشكلة يا آسر، طالما كدا كدا مقبوض عليهم متلبسين والجثث معانا، هبيتهم في الحجز بكرة ونعرضهم على النيابة بعد بكرة الصبح تكون أنت جيت. ارتاح أنت.

​آسر: تسلم يا فندم، مع السلامة.

​قفل آسر الموبايل، وبص لجميلة ووالدتها اللي كانوا بيبصوله كأنه بطل خارق أنقذ الأرواح دي كلها، وابتسم بتعب وقالهم: "خلاص.. الكابوس انتهى، يلا بينا عشان أوصلكم.. بكرة مفيش شغل، بكرة إجازة للكل".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غصبًا عن قلبي

المؤلف Ahmed Mostafa Kamel
2026/06/02 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة