مدينة بِلفاتس الحدودية: نوكتاريا.
الساعة العاشرة صباحا.
تهاطلت الأمطار تتسابق أيها ستقع الأولى وتعانق خصلات شعرها البني، كانت تجلس على قارعة الطريق غير مهتمة لشعور البلل الذي أصابها بالقشعريرة، تمرر عيناها العسلية على المباني المهترئة أمامها، الشوارع الصاخبة والأطفال الذين يلعبون في الأنحاء، كان يساورها الحنين كلما رأت طفلا في بداية مراهقته، ترغب بالعودة لأزمنة قد ولت واللعب بحرية كما يفعلون.
إستقامت بخيبة وحسرة على أمانيها المستحيلة مستذكرة أنها قد أصبحت في منتصف الثلاثين الآن وذهب عمرها كله في أمور لم تدركها، بين يديها تستوطن حقيبة قد حرصت على تغطيتها بمعطفها الرمادي الطويل الذي كان من المفترض أن ترتديه، لكنها كانت على علم أنها لو أتلفته قد تتعرض للتوبيخ من مدير عملها أو حتى الطرد.
دلفت المطعم بعدما دفعت الباب حتى ظهر أمامها نادل على ملامحه كل نظرات الشؤم والتقزز، لم يكلمها أو يلقي عليها تحية الصباح بل فقط إنتزع منها تلك الحقيبة مغادرا من حيث أتى، ولم تكن هي مهتمة كثيرا بردود أفعاله العدائية إذ ذهبت ترتدي زي عملها ثم تأخذ الطلبات من الزبائن.
كان المطعم الذي تعمل به يعج بالمستوطنين أمثالها، أولائك الذين قد هربوا من أفيرلاند وتوجهوا لنوكتاريا ظنا منهم أن الحياة هنا أفضل حتى صفعهم الواقع بشدة، الفرق الوحيد أنها لم تهرب لظنها أن نوكتاريا ستوفر لها عيشا أكرم، بل لرغبتها في حماية نفسها من الموت هناك.
رمقت زبونا قد أبلغها برغبته في أن تشغل التلفاز حتى يرى أخبار ما يجري في أفيرلاند، وفعلت ما أمرها به بعبوس تعود لأخذ طلبات زبون آخر، هكذا ظلت تمشي وتجيئ وتسجل الطلبات دون أن تنبس بأي كلمات قد تعرضها للطرد.
تقدمت نحو زميلتها الأخرى في العمل وقدمت لها طلبات الزوار حتى تأخذها للطهاة في الداخل، وزميلتها لم تكن أفضل منها حالا حين تمتمت ببعض الغضب:
«آه يا ريليانا أتساءل ما الذي إقترفناه حتى إنتهى بنا الأمر في هذا المكان المشؤوم!»
إبتسمت ريليانا نحوها ومررت يدها على كتف زميلتها إيميليا مجيبة بهمس:
«علينا أن نكون ممتنين لهذا، هناك من لا حق له في العمل.»
رفعت إيميليا طرف شفتها بتقزز وتمتمت تحت أنفاسها "ليتني منهم" ثم إنصرفت تدك الأرض دكا بأقدامها.
كانت ريليانا متفهمة لهذا الغضب الذي يعتري زميلتها، كانتا مجبرتين على تنفيذ الأوامر بطاعة ودون تذمر مقابل مال زهيد، وهذا شيئ لا يتقبله أحد، لكن في حالتهما ليس لديهما سوى أن يصبرا، لأن لا مكان سيقبل بتركهما تعملان كونهما ينتميان من الدولة المعادية لهذه البلاد، الجميع سيراهما كالجاسوستين التي أرسلهما العدو للتربص بنوكتاريا.
أغمضت ريليانا عينيها ورسمت على شفتيها إبتسامة زائفة، ثم إلتفتت تُكمل عملها، حتى وجدت أن الجميع يراقب التلفاز بأعين مهتمة وحواجب معقودة، بعضهم يتمتم بالشتائم حتى، وهذا جعلها تقترب حتى تدرك الصورة فارغة الألوان التي تعرض حاليا على الأخبار.
"الدوق ألكسندر والأميرة إيزيل يحتفلان بعيد زواجهما
الخامس"
فرقت شفتيها ببطء، على الرغم من أن الصور كانت باللونين الأبيض والأسود لكنها إستطاعت تذكر العينين الزرقاوتين فورا، وحينها فقدت أنفاسها تماما، تشاهد الكيان المبتسم بجانب زوجته.
«زواج؟»
كان هذا ما همست به متراجعة بخطوة للخلف دون إدراك، لقد تزوج! نساها وألقاها تماما وكأنها لم تكن يوما في حياته وتزوج بأخرى، حينها نظرت لزوجته المزعومة، وتساءلت للحظة عن الفرق بينهما، وما الخطب بها هي حتى لم يخترها، حتى أدركت أن التي تقارن نفسها بها كانت أميرة البلاد، بمقام أعلى من خاصتها، كان أي شخص سيعاملها كإمرأة، بينما هي؟ مجرد قذرة لا تصلح للزواج كما قال في لقائهما الأخير.
أحكمت الغصة وثاقها على جيدها وشعرت بموجات من الخيبة تستوطن قلبها، لم ترغب بالبحث والسؤال عن أي شيئ يخصه لأنها عرفت أن ما ستسمعه سيقسم فؤادها لأجزاء، ظنت أنها تخطته لكنها كالغبية تبكي الآن بعد سماعها بزواجه، وقد تزوجا قبل خمس سنوات حتى!
«هؤلاء الأوغاد، في حين أن البلاد تعاني هم يحتفلون بزواجهم كالمراهقين، أطفئي تلك الخردة لقد إكتفيت من وجع الرأس الذي يأتي منهم»
مسحت أطراف مدامعها بأناملها تطفئ التلفاز كونها هي الأخرى لا تحتمل صدمات أخرى، وبدا أن الزبائن كلهم منزعجون من حقيقة هذا الإحتفال مما يجعلها لا تبدو مثيرة للشفقة بسبب بكائها.
أرادت أن تصفع نفسها حقا على الآمال التي بنتها، يبحث عنها؟ أطلقت ضحكة ساخرة بينما تمسح طاولة شاغرة، كانت تؤنب نفسها أحيانا لإختفائها دون إعلامه، لكنها كانت حمقاء حقا، مشاعرها أعمتها عن حقيقته مرات عدة، ودوما ما ينتهي بها الأمر مفطورة القلب وجريحة بشكل بائس.
تتمنى أحيانا لو وُلدت مجردة من المشاعر حتى لا تتيح لنفسها بإرتكاب الحماقات في حق ذاتها.
___________________
قلب عاصمة أفيرلاند.
الساعة الحادية عشر صباحا.
نظرتُ لجدي والصدمة تجتمع على ملامحي، ثم وجهتُ بصري لجدتي التي أطرقت رأسها ترفض النظر نحوي، هذا جعلني أستقيم بغضب وأرفع من صوتي لدرجة الصراخ معترضة:
«لقد أخبرتك البارحة أن لا نية لي في الزواج! كيف تسمح لنفسك الآن بإتخاذ مثل هذا القرار دون موافقتي؟»
صفع سطح الطاولة حتى بزغت أوادجه، وأدركتُ أنه كان غاضبا من كل هذا الضجيج حين أمرني بحدة:
«لا ترفعي صوتك علي يا أناستاسيا!»
كانت أنفاسي مهتاجة فورما أخبرني بما أُنزل علي كالصاعقة، قائلا أن أحدهم تقدم لطلب يدي وهو قد وافق، وافق دون أن يسأل عن رأيي حتى!
«لا تنادني بهذا الإسم! لستُ أناستاسيا أنا لستُ هي حتى تجبرني على تنفيذ أوامرك!»
شهقتُ فورما صفعني وأمسكت خدي، حينها فقط قررت جدتي التدخل بيني وبين زوجها عندما أوقفته لحظة رفعه ليده للمرة الثانية، همست له بكلمات تترجاه أن يتوقف وبقيتُ أنا متصنمة مكاني، لقد صفعني للمرة الأولى!
طرفتُ بأجفاني وتراجعت للخلف أبعد الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه وركضتُ لخارج غرفة الطعام، لم يكن لي نية في البقاء لدقيقة إضافية بالمنزل، لذا حملتُ معطفي الكحلي وغادرتُ متجاهلة نداءات جدتي.
كنتُ بحاجة للحديث مع أحدهم، كان علي معرفة هوية هذا العريس وأنا متأكدة من أن جدي لن يخبرني، الشخص الوحيد الذي سيساعدني هو الجنرال.
حين إستحضرتُه في ذهني توقفتُ في منتصف الشارع تزامنا مع أول قطرات المطر التي سقطت فوق رأسي، ماذا لو كان هو من طلب يدي من جدي؟ لا لا يستحيل هذا! أنا أعرف الجنرال أشد المعرفة ومتأكدة أنه لن يقوم بشيئ قد رفضته مسبقا.
هذا محال.
حسنا سأقابله الآن وأسأله، ولو لم يكن هو سنتوصل لحل ينقذني، أنا يستحيل أن أتزوج شخصا لا أعرفه ولا أعرف نواياه، يستحيل هذا، ماذا لو كان زوجي رجلا يراني مجرد أداة لإستمرار نسله؟ لن أوافق البتة على هذا!
لو لم أجد حلا للتخلص من هذا العريس سأقدم إقتراحا للجنرال، وهو الزواج به، أعلم أن هذا محظ جنون فأنا قد رفضته البارحة فقط، وسأبدو كإستغلالية لكن لا أهتم لأنني بالفعل إستغلالية، المهم أن لا ينتهي بي الأمر بزيجة تكون كالسجن لي.
سارعتُ بخطواتي ناحية المكان الذي أنا متأكدة من تواجد الجنرال به، وبذهني تمر آلاف التخيلات عن كيف سأصبح حالما أتزوج، تخيلتُ رجلا يطغى علي ويحسب نفسه أفضل مني.
أوه كلا كلا يستحيل أن أتقبل هذا!
لذا عزمتُ أمري، سأتزوج بالجنرال الليلة، فأنا أعرف هذا الرجل، ولا أظن أنه قد يجرأ على أذيتي.
إصطدمتُ فجأة بجسد على الطريق أثناء شرودي، وحين رفعتُ رأسي بغضب حتى أعاتب الطرف الآخر وكأنها ليست غلطتي علقت الكلمات بحنجرتي، كان الرجل الذي أبحث عنه!
«سيادة الجنرال!»
«آنسة فيرناديسا.»
إتسعت إبتسامتي نحوه وزادت تكشيرة حواجبه مما جعلني أستغرب، منذ متى كان الجنرال يكشر في وجهي؟ رمشتُ عدة مرات أحاول فهم هذا التحول المفاجئ حتى تذكرت أمرا، لقد رفضته البارحة.
«لقد كنت أبحث عنكِ.»
تبددت أفكاري حين أردف بصوت هامس، ومرر بصره في الأرجاء كأنه يتأكد من خلو المكان، كنا في شارع رئيسي وهذا يجعل من المكان يعج بالسكان، وحينها رمقني بنظرة جانبية وأشار لي برأسه أن أتبعه، وهذا مافعلت.
لو كان غاضبا مني حقا فلِما كان يبحث عني؟ هل إقترفت شيئا لم يعجبه؟ ضيقتُ عيناي بتفكير وكل ما أتذكره أن أي شيئ أفعله يثير إعجاب الجنرال، لقد سلبته قلبه منذ زمن وهذا يجعله لا يعترض على أي شيئ أقوم به.
وسأعترف بشيئ، كنتُ أنا من وضعت الخطط لجعله يقع لي، لأنني منذ لقائي الأول معه أدركت أنه سيجلب لي الكثير من المنفعة.
حين توقف عن المشي كنا بالفعل بعيدين عن البنايات والمنازل وأصبحنا ببستان فسيح لم يسبق لي المجيئ له، هذا جعلني أنظر للجنرال بإستغراب وأنتظر منه أن يباشر الحديث.
«آنسة فيرناديسا، أطلب منكِ أن تكوني صادقة معي، هل والدك كان جنديا من نوكتاريا؟»
سؤاله جعل قلبي يطرق غضبا، وحشرتُ يدي التي ترتجف بجيوب معطفي ورمقتُ عيناه بحدة، أحاول إستيعاب أنه كان يبحث في خلفيتي، ونبستُ:
«نعم، أهذا سبب غضبك مني اليوم؟»
«لقد أخفيتِ عني هويتك! لم تخبريني أنك من نوكتاريا!»
كان يتحدث بأعصاب متلفة، والآن أدركتُ خطبه، مما جعلني أخرج 'أوه' مستدركة من بين شفتاي، وأزيد الطين بلة بنبرتي غير المكترثة:
«نسيتُ إخبارك.»
لاحظتُ تنفسه كيف إزداد، كان غاضبا لأول مرة، وهذا ما لم يسبق لي رؤيته، لطالما حرصتُ على إخفاء هذه الحقيقة كوني أعرف أن ردة فعله ستكون بهذا الشكل، لأنني عرفتُ أنه مخلص للغاية لوطنه، وحقيقة أنني من الدولة العدو شيئ لن يتقبله البتة.
«أنتِ إبنة تلك البلاد، من صلبها ولحمها، والأسوء أن والدك أتى لأفيرلاند قبل سنوات كي يستعمرها!»
كنت أدرك تماما ما يقول، ولكن في ذهني تتناثر العديد من التساؤلات، من أين جلب كل هذه المعلومات؟ ولماذا والدي يسبب لي المتاعب حتى أثناء غيابه؟
«سيادة الجنرال!»
توقف عن الحديث حينما إستشعر النبرة الجدية بصوتي وكأنني مقدمة على قول ما لن يعجب كلانا.
«بما أنك مخلص للغاية لدولتك، فلتختر، أستستمر علاقتنا هذه أم تحمي أفيرلاند؟»
لانت نظرة عينه وتوترت تعابيره، كان أضعف من أن يعترف لي بالحقيقة التي لا أريدها، ولم أدرك أنني كنتُ أتنفس بإضطراب أنتظر جوابه سوى حينما قال:
«أنتِ تعلمين ماذا سأختار.»
«أفيرلاند.»
نبستُ ببهوت وأطلقت نفسا قد حبسته بينما يومئ إيجابا، وهذا جعلني غاضبة، لقد تخلى عني في أول موقف، تراجعت للخلف وغادرتُ المكان أعود من حيث أتيت، لقد ظننته مختلف، حسبته صادق في مشاعره، لكن مِن أي منطق أفكر؟
أنا فيرناديسا فقط، فتاة تأتي في الخيار الثاني فحسب ولستُ الأولى أبدا، ومتى كنت الأولى؟ حتى والداي جعلاني الخيار الأخير فلمَ سأعترض؟
عادت السماء تمطر فوق رأسي وكأنها تشاركني المأساة، أنا الآن مقبلة على الزواج من رجل لا أعلم بهويته حتى، وهذا يجعلني أحاول التفكير لإيجاد حل سريع.
حتى الحل الذي وجدته لم يعد متاحا وهذا حقا مثير للشفقة.
دلفتُ المنزل برأس مطأطأ أحصي بقية الإحتمالات بينما أرى قطرات المياه تسقط من فروة رأسي نزولا للأرض، نزعتُ معطفي سريعا بعدما جاءت جدتي لجانبي وعلى ملامحها قد إرتسم الفزع والقلق، لم أكن في مزاج حتى لأسألها عن سبب هذا التوتر.
«ظننتك قد هربتِ!»
همست كي لا يصل صوتها لجدي وإبتسمت بجانبية بينما أنزح حذائي الملطخ بالولح، لم أصب بالجنون بعد حتى أفعل، لو هربت فلا منزل سيستقبلني أساسا.
«لقد سمعتُ من جدك أنه رجل جيد، لن يؤذيك وستعيشين بسعادة معه.»
نظرتُ لها بحاجب مرتفع ومنعتُ نفسي من الإجابة بفضاضة وقول: إذا تزوجيه أنتِ، وعوضا عن هذا سألتها:
«هل أخبرك بهويته؟»
«نعم، إنه الأخ الأصغر للدوق ألكسندر زوج الأميرة إيزيل»
إرتخت ملامحي وضيقتُ عيناي بشك، كنتُ أعلم أنني فتاة جميلة وملفتة للإنتباه، لكن ليس لدرجة جذب رجال لهم علاقة بالعائلة الحاكمة!
«أنتِ تهذين ياجدتي، نحن أين وهم أين.»
إختفت إبتسامتي الساخرة حينما أظهرت ملامحها الجادة وأقسمت بأنها متأكدة مما تقول، ما أنا أعرفه ومتيقنة منه أن جدتي يستحيل أن تقسم لو كانت تكذب أو غير متأكدة، وهذا يعني أنها صادقة.
«جدتي، أنا لا أريد الزواج، رجاء ساعديني تحدثي مع جدي وأقنعيه أن يرفض أتوسل إليك!»
كلماتي جعلتها توسع مقلتيها وتطل برأسها للخلف خوفا من أن يسمعنا جدي، لكنني عوضا عن هذا أمسكت كفيها أستغل حنيتها وأعيد سلسلة توسلاتي، حتى أنني أجبرتُ نفسي على ذرف الدموع علها تقتنع.
لكنها كانت عنيدة للغاية على غير العادة ولم تصدق دموعي التي ذرفتها خصيصا لها وهذا جعلني أترك كتفيها بقسوة وألقي يداي في الهواء، ورفعتُ سبابتي في وجهها كأي إبنة عاقة مهددة:
«ستندمين على هذا جدتي أقسم أنك ستفعلين! لو تم هذا الزواج فقط إنسي أن لك حفيدة.»
لم أمنحها فرصة الاعتراض والدفاع بل هرعتُ لغرفتي مسرعة وكأن حياتي تعتمد على ذلك، ثم صفعتُ الباب خلفي دون إهتمام لمشاعرها.
___________________
حين فتحتُ باب المنزل ورأيتُ أناستاسيا رفقة عائلة زوجها أدركت المصيبة التي أنا بها، لقد أتيا لمباركتي بسبب إقتراب زواجي الذي لم يحصل بعد، وهذا لكونها أمي وسيكون من غير اللائق أن لا تلاقي إبنتها المقبلة على الزواج في هذه الفترة.
كانت كورديليا تمسك بأنامل زوجها الذي يعمل كقاضي، والذي قد ألقى تحية جافة على خلاف زوجته التي عانقتني، وأنا متأكدة أنها تفعل ذلك فقط لمضايقتي.
شعرتُ بجفاف حلقي وأنا أرى أناستاسيا مقبلة وترفع أهداب فستانها الطويل من على الأرض وقد فكرتُ بشيئ مجنون قد يقضي على كرامتي بأكملها لو نفذتُه.
لكن ليس لي غير هذا!
«مرحبا آنسة فيرناديسا، هذه هدية صغيرة مني وأتمنى أن تنال إعجابك.»
تحدث زوجها الذي لم أكن مهتمة يوما بمحادثته على حين غرة وتوجستُ لتلك البسمة المريبة التي قدمها لي رفقة هديته، ثم إستلمتُ ما كان أشبه بعلبة عقد مخملي أحمر، لأنبس بعبارات الشكر بنبرة هادئة بينما أفتح العلبة لأنني إستشعرتُ رغبته في أن أتفحصها أمامه.
«إنها من إختيار والدتك.»
لكن هذا كثير! كان عقدا مرصعا بقطع لؤلؤ صافي وأنا متأكدة أنني لو بعتُ ثروة جدي بأكملها لن أقدر على الحصول على ثمنه حتى، أخفيتُ إندهاشي ورفعتُ رأسي أقدم له إبتسامة هادئة أعيد شكره بلباقة، كان من الغريب أن يقدم لي هدية كهذه.
لكنني لم أهتم حقا.
لأن علي تنفيذ خطتي الآن وحالا ودون تردد.
«أمي أيمكننا التحدث بغرفتي؟ لدي ما أخبرك به.»
إبتلعتُ ريقي حالما شعرتُ بنظرات الجميع علي، وأناستاسيا كانت أسوء حالا مني حين ناظرتني بتعجب تحاول تدارك الأمر وأنني قد ناديتها بأمي للمرة الأولى بعد عقد ونصف من الزمن.
أومأت برأسها تتبعني لحيث غرفتي، كانت هذه غرفتها سابقا حينما كانت مراهقة، هذا ما أخبرني به جدي. أغلقتُ الباب خلفي فنظرتْ لي من الأعلى للأسفل بتساؤل، ولم أرغب بالمماطلة حينما نبست:
«أنتِ أملي الأخير، عليك مساعدتي حتى ألغي هذا الزفاف.»
تغيرت نظرتها المتعجبة لأخرى مستوعبة وعقدت ذراعيها مبتسمة بسخرية، ثم إقتربت نحوي بخطوات بطيئة كأنها أفعى تتربص بي لتلقي بسمومها علي، ولم تنتظر كثيرا حتى باشرت بكلماتها اللاذعة:
«كان علي توقع هذا، أخبريني إذا فيرناديسا، لمَ سأساعد فتاة مثلك؟»
«أرجوك ماما، ليس لي غيرك.»
كنتُ أشعر بالدناءة وأنا ألقي بهذه الكلمات على مسامعها، كانت كرامتي تنسف نسفا لكن علي محاولة البحث عن الأم الحنون بداخلها حتى تقتنع وتساعدني، وأظن أن الأمر بدأ ينجح لأن ملامحها قد إرتخت بعد عبارتي الأخيرة، إقتربتُ خطوة واحدة أكمل:
«أنا خائفة من هذا الزواج، لا أريده.»
ظلت ملامحها جامدة وهذا جعلني أرغب بسحب بطاقتي الإضافية، ربما سأذرف بعض الدموع حتى أبدو مثيرة للشفقة بشكل جيد.
«لو حاولتُ التدخل سيعود علي الأمر بالضرر، وأنا لستُ مستعدة لتحمل المتاعب من أجلك.»
مُحيت ملامحي من وجهي فورما نزل كلامها على مسامعي، كانت تعلن معارضتها فورا دون رحمة، وهذا جعلني أنظر لها بجمود، كيف تسمي نفسها أما؟
«وأنا التي ظننتُك ستلينين، نسيتُ أنك مجرد إمرأة قذرة لا تهتم بأي أحد غير نفسها!»
تحدثتُ بغل وأنا أنظر لمنتصف عسليتيها وكأنني أرغب بفقع عينيها، كانت تثير إشمئزازي دوما ولازالت، لا أدري كيف سمحتُ لنفسي بطلب مساعدتها.
«أنظروا من تتحدث عن القذارة، الشيطانة نفسها.»
رفعتُ حاجبي الأيمن، كانت تتحدث كمراهقة صغيرة وليس كإمرأة بالغة، وهذا جعلني أضحك بسخرية عليها، أغير حديثي، إنها مثيرة للشفقة أكثر من الإشمئزاز.
«أتكرهينني لهذه الدرجة يا أناستاسيا؟»
«ومن يحبك أساسا؟»
أقتربت نحوها بغضب ولم تتراجع أبدا بل ظلت ثابتة تنتظر ما سيخرج مني وأمسكتُ كتفيها أنبس بحقد واضح:
«لماذا تكرهينني لهذه الدرجة يا أمي؟»
لم أعلم كيف إنتقل حديثنا فجأة لهذا الموضوع، لكن هذا كان سؤالا ينهش تفكيري لفترة طويلة من الزمن، ولم أستغرب كونها نظرت لي بتقزز شديد تجيبني:
«أنتِ تشبهينه لدرجة تثير حنقي.»
سقطت يداي عن كتفيها أستوعب كل كلمة قالتها، ومررتُ عيناي على ملامحها الجادة، لا أفهم كيف لسبب كهذا أن يجعلها تكرهني بتلك الطريقة؟
«كاذبة! بل لأنني حصلت على كل الإهتمام الذي رغبتِ به.»
إرتعشت أنفاسها وإتسعت إبتسامتي كشخص مجنون، كنتُ ألاحظ دوما أنها تغار من طريقة معاملة جدي لي، وإهتمام جدتي بي، كنتُ أعرف أن بداخل هذه المرأة طفلة لم تحصل على ما يكفي من الحب الذي أرادته.
عدتُ لإمساك كتفيها بقوة أكبر وأدرتها ناحية المرآة حيث وقفتُ بجانبها أنظر لإنعكاسنا، كنا متناقضتين للغاية من ناحية الشكل، هي مضيئة للغاية بشكل مستفز، على عكسي تماما، كنت مظلمة وباهتة.
«هل عيناي الرمادية تذكرك به؟ ألهذا تخليتِ عني حينها؟»
طرفت بأهدابها تبتلع ريقها دون شعور، ورمقتُ وجهي على المرآة بعبوس، كنتُ أشبه والدي كثيرا وأتذكر كم كانا يتشاجران حول هذا حين كان لايزال معنا، كانت أناستاسيا تغضب من فكرة أنني ورثتُ كل شيئ منه ولم أشبهها بشيئ.
«أنتِ لا تكرهينني لهذا السبب يا أمي، بل لأنني أذكرك بخيبتك الأولى، ذاك الشعور الجارح لكرامتك حين علمتِ بأمر خيانته يساورك كلما ترين هاته العينين.»
ختمتُ كلامي حين أشرت لعيناي التي أقرت هي بأنهما يشبهان خاصة أركاديوس، زوجها السابق الذي غاب في ظروف غامضة ولم يعد.
«أنا لم أتخلى عنك لهذا السبب.»
«ولماذا فعلتِ إذن؟ آه تذكرت! زوجك الحالي أجبرك على هذا.»
تذكرتُ فورا ذاك الحوار الذي أخبرت عنه جدتي، حيث أنها تداولته مع زوجها قبل زفافهما بأشهر، كان شرطه ينص على رغبته في تخليها عني، وهي قد وافقت دون تفكير، أتذكر جيدا تلك الفترة وكم عريسا قد تقدم لها ورفضت معضمهم، على خلافي كان لها حرية الإختيار، لكن حينما أتى زوجها الحالي قد وافقت رغم معرفتها بأن له إبنة من زوجته المتوفاة.
« أتدركين أين يقع خطأك؟ أنكِ تشتكين من حياة أنتِ إخترتها، وتبحثين عن من تضعين عليه اللوم، أنتِ جبانة يا أمي، جبانة أمام مواجهة الحقيقة، وهذا يجعلني أراك مجرد حشرة صغيرة لا تستحق الدهس حتى! هل أنتِ راضية عما خلفته في حياتك؟ هل أنتِ راضية عن تخريب حياتي؟ لا لستِ كذلك، تدرين لمَ؟ لأنكِ في البداية لم تنوي تخريب حياتي أساسا، أردتِ فقط شخصا للتضحية به، وكنت أنا أقرب لك.»
أطلقتُ صراح كتفها حالما شعرتُ بالإكتفاء والنشوة بعدما جرحتها بالشكل الكافي، ثم تراجعت خطوات للخلف أراقب الحالة التي تركتها بها وغادرتُ الغرفة بعد لحظة، على الرغم من أنني لم أنجح في إستمالتها وإقناعها بمساعدتي كما خططت لكن خرجت بإنتصار حقيقي من تلك الغرفة.