عيد مولدي التاسع كان كارثة، أو ربما كان بداية كل ما أنا عليه الآن، حين إستيقظتُ صباح ذاك اليوم وفي خلدي حماس العالم قد إجتمع، كنتُ أنتظر فقط اللحظة التي ستقام فيها حفلتي التي ستجعلني أبرق وسط الجموع، لكن نسختي الصغيرة لم تكن تدري أنني لن أحظى بأي حفلة عيد ميلاد يومها.
قبل أسبوعين قد أخبرني أبي أنه سيقيم لي حفلة في حديقة المنزل، وسيُحضر كعكة بطولي، وأتاح لي فرصة دعوة كل من أرغب بدعوته للمرة الأولى.
غادرتُ غرفتي في ساعات الصباح الأولى، رأيتُ أبي يقف عند باب المنزل وعلى ظهره تتدلى حقيبة سفر، إلى أين ينوي أبي الذهاب؟
كان يعانق والدتي التي تبكي بهستيرية لم أدرك للآن سببها، وحين أحس كلاهما بوجودي توقفا عن توديع بعضهما، وتقدما نحوي، بدأ والدي يلقي الأعذار والإعتذارات عن كونه مضطر للخلاف بكل وعوده التي قدمها لي، لأن علي تأجيل عيد مولدي حتى يعود من سفره المفاجئ.
لقد مرت عشرين سنة، لم يعد والدي، ولم أُقم حفلة عيد مولدي.
غضبتُ حينها بشدة، حتى أنني رفضتُ توديعه وأغلقتُ على نفسي في غرفتي، لم أقبل أن أراه للمرة الأخيرة، وذاك كان قرارا لن أندم عليه أبدا.
«فيرناديسا، حبيبتي، فلتفتحي هذا الباب حتى أرى إبنتي الغالية، لن أرضى بالمغادرة دون توديعك يا فيرنا.»
كانت نبرته المحبة تحفر نفسها برفق في ذاكرتي، نغمة صوته لا يمكن أن تُنسى، والآن أدعو فقط أن يحدث شيئ يجعلني أفقد كل سنواتي التسعة الأولى التي قضيتها معه، أو معهما، كل يوم أستيقظُ وأمنيتي الوحيدة أن أنسى الذكريات التي جمعتني بأمي وأبي.
لم يسبق أن رأيتُ فتاة تكره من أنجباها بقدري، لكن كانت لي أسبابا كافية تجعل من كرهي لهما شيئا منطقيا.
كانت هذه الذكرى الأخيرة لي معه، لا أعلم لمَ أستحضرها كلما رأيتُها، أنا الآن أكاد أبلغ التاسعة والعشرين من عمري، وكلما قابلتُ والدتي أستشعر وكأنني مجرد طفلة في التاسعة ترفض توديع والدها للمرة الأخيرة.
الفرق الوحيد أنني حينها كنتُ أحمل حبا لا يمكن وصفه نحوها، بينما الآن، كل ذرة حب حملتها قد تبخرت لتتحول لكم هائل مرعب من المقت والكره.
ناظرتني ببرود وتخطتني، ليس وكأنها لم ترني منذ خمس أشهر، وأجزم جزما شديدا أن سبب لقائنا الوحيد هو عائلتها، فلو لم أكن أعيش مع جدي وجدتي لكانت آخر مرة رأيتها فيها هي منذ ستّ عشرة سنة.
جدتي التي فتحت لها الباب قبل دقائق كانت أمامي الآن، مررت عيناها على كل إنش من وجهي، ترغب في إستشعار إستيائي من إبنتها، وقد كان ذلك واضحا للغاية بكل تأكيد، أحاطت وجنتاي بكفيها وفي عينيها رقة تقدمها لي وحدي.
«لم تخبريني أن أناستاسيا ستأتي.»
أردفتُ بهدوء، وأناستاسيا هي والدتي بالمناسبة، ونعم كنتُ أناديها بإسمها لأنني قررتُ جردها من لقب الأمومة منذ اللحظة التي ألقتني فيها لدى والديها ولم تعد ترغب في أن تكون أما لي.
«لم أكن أعلم أيضا، قالت أنها أرادت مفاجأتنا.»
«لِم تُحضر معها فتاتها المدللة في كل مرة تأتي؟ أخبريها أن لا تفعل المرة القادمة، أنا أكرهها!»
رغم كل المشاعر المتضاربة في أحاديثي، ظلت نبرتي منخفضة حتى لا يصل لأناستاسيا أو إبنتها أي من حديثي، وقد همست جدتي لي بنظرة راجية.
«أنتِ تعلمين أن كورديليا سترفض البقاء لوحدها في المنزل عندما يكون أباها وزوجها منشغلين بأعمالهما، وأنها متعلقة للغاية بوالدتك.»
إبتعدتُ عن جدتي بغضب وإتجهتُ نحو المطبخ، أردتُ أن أخبرها أنها ليست والدتي، لكنني إعتنقتُ الصمت.
شعرتُ بجدتي تدخل المطبخ من بعدي وتتجه للبراد، أخرجتْ بعض الكعك الذي طهوته أنا البارحة، وكم رغبتُ أن أخبرها أيضا أن تلك المرأة تستحق أكل السم بدلا من الكعك الذي صنعته أنا.
زفرتُ أنفاسي ثم إتجهتُ لمساعدة جدتي التي قد بدأت سلفا في ترتيب الأواني فوق صينية الطعام، باشرتُ بطهو الشاي الذي تفضله تلك المرأة، ووضعتُ أوراق النعناع كما تحب.
تبعتُ جدتي بخطوات متثاقلة وجلستُ قبالة أناستاسيا وإبنة زوجها، لو سألني أحدهم ما أكثر صفة أكرهها في الأشخاص سأجيب بدون تردد: الكِبر ومن يرون أنفسهم في أعلى الهرم وكأنهم يملكون كل شيئ، وكانت كورديليا تتسم بهاتين الصفتين حد الإرتواء.
كونها إبنة لورد مرموق ومعروف، وزوجة قاضي ذو مكانة عالية في الطبقة الأرستقراطية، جعلها هذا ترى نفسها أروع فتاة بين النبلاء، تظن نفسها النسخة الفريدة الوحيدة المميزة ولا يوجد منها إثنين، لكنها تبقى مجرد مدللة غيورة لا تجيد حتى وضع مساحيق تجميلها بشكل ملائم.
وضعتُ الشاي فوق الطاولة دون أن أبعد عيناي عن أناستاسيا التي ظلت تنظر لي كأنني حشرة صغيرة لا إبنتها من لحمها ودمها.
جلستُ حين إنتهيتُ من صب الشاي في فنجانها، كان بإمكاني المغادرة لحظتها والإنفراد بنفسي في غرتي، لكنني لم أشأ هذا، لأنه ليس من شيمي.
«لم تقدمي الشاي لي عزيزتي فيرناديسا»
تحدثت كورديليا فجأة كي تذكرني بكأس فنجانها الفارغ، ورمقتُ الإبريق بنظرات ملولة، ثم رفعتُ رأسي نحوها ونبستُ دون إهتمام:
«لستُ خادمتك لأفعل، قدميه لنفسك أو إبقي في منزلك وأشربيه.»
رفعت حاجبها الأيسر منصدمة من ردي، ونظرتْ لأناستاسيا لوهلة قصيرة قامت الأخيرة بتدارك الموضوع حينما باشرت بسكب الشاي لها وهي تتحدث مع جدتي:
«هل والدي في العمل يا أمي؟»
«أجل عزيزتي إنه كذلك، وقبل أن تسألي، عمله يسير بشكل جيد في الآونة الأخيرة، فيرناديسا تساعده كثيرا مما جعل المشترين يترددون كثيرا للمحل بسبب تعاملها اللطيف معهم.»
أردتُ صفع جبيني، أي فتاة غيري كانت ستشعر بالفخر لأن جدتها تمدحها أمام الأشخاص الذين تكرههم، لكن ما قالته جدتي كان يبدو أشبه بكذبة، أنا أتعامل بلطف؟ لم أصدق هذا حتى فكيف ستفعل هي؟ وهذا ما لاحظتُه حين عقدت أناستاسيا حاجبيها وطالعتني بتعجب لكنها إستمرت بالحديث مع جدتي حول مواضيع عشوائية للغاية، في تلك الأثناء، كانت كورديليا تراقبني بإزدراء، لكنني لم أوليها أيا من إهتمامي، بل إستمتعتُ بمذاق الشاي معتدل الحلاوة رفقة كعك العسل.
أي شخص سيدخل للغرفة سيشعر بالشحنات المتذبذبة وهي تمر في كل مكان حولنا، ولم يكن هذا إلا بسبب المشاعر السوداوية التي تشاركها ثلاثتنا، جدتي كانت الوحيدة ذات المشاعر النقية بيننا.
«عزيزتي؟ أتريدين مرافقتنا؟ أناستاسيا ترغب برؤية جدك.»
طرفتُ بأجفاني ومررتُ بصري على أناستاسيا التي همت بالوقوف، فهمتُ أنهما سيذهبان للسوق أين يعمل، هذه فرصة من ذهب حتى أتخلص من كلتيهما وجدتي تظن أنني أريد الإلتصاق بهما.
«أشعر بالعياء، لذا لن أقدر على المجيئ.»
همهمت لي بتفهم ثم نهظت وغادرت بإتجاه غرفتها مسرعة، حين خرجت من جديد كانت ترتدي معطفها البني وأحذيتها الزهرية، كنتُ أنتظر اللحظة التي ستغادر أناستاسيا فيها، لكنني إنتبهت لشيئ، تلك الأفعى الشقراء لم تكن تستعد للمغادرة، وذلك ما لاحظته جدتي أيضا حين سألتها:
«كورديليا، ألن ترافقيننا؟»
«لا يا جدتي أكره الدخول لتلك الأماكن المزدحمة، سأنتظركما حتى تفرغا من أشغالكمها وحين تعود أمي سنغادر، لا تمانعين بقائي في المنزل صحيح؟»
أغمضتُ عيناي من كثرة التكبر والتصنع الذي يحمله كلامها. هذه السارقة، جدتي ليست جدتها، لكنها تحب الإستيلاء على ممتلكات الغير.
«لا بأس عزيزتي إفعلي ما شئتِ.»
نظرتُ لجدتي ورفعتُ حاجبي نحوها، منذ متى كانت كورديليا عزيزتها وأنا لا أدري؟ لكنها أصلحت الوضع حينما إقتربت نحوي وقبلت مقدمة رأسي مودعة إياي.
مرت لحظات قصيرة قبل أن يخلو المكان سوى مني ومنها، وطاف السكون بيننا، كنتُ سأستقيم فورا لأغادر لغرفتي، لكن كورديليا إمرأة لا تؤتمن، وقد تعبث بأثاث المنزل لتستفزنب، لذا أحتاج إبقاء عيناي عليها إلى أن تغادر، وليس أن أعطيها حرية التصرف.
«إذن أختي العزيزة، كيف تبلين؟»
«لستُ أختك، لا رابطة تجمع بيننا كما تعلمين.»
رفعت رأسها نحوي وناظرتني، ثم أبعدت تلك الإبتسامة عن محياها، وأظهرت جانبها الآخر، بدت كمن ألقى قناعه اللطيف فجأة مظهرة أنيابها المليئة بالدماء الخبيثة، في هذه الحالة أنيابها كانت مليئة بالسم والنفاق.
«ظننتُ أن خمسة أشهر كانت ستكون كافية لتظهري فيها إشتياقك لي، أو حتى أن تمثلي ذلك.»
«كما تعلمين لستُ مشتاقة، ولا أجيد التمثيل مع الأسف.»
«لماذا تكرهينني فيرناديسا؟ ألأنني سرقتُ والدتك منك؟ تعلمين أنني لم أفعل، تعلمين أنها قد إختارتني بكامل إرادتها وأرادت التخلي عنك برغبتها أيضا.»
رفعتُ حاجبا وعدلتُ من جلستي، هذه الأفعى الصغيرة تظن أن كلماتها ستجرحني وتجعلني أنكمش في مكاني كفأر خائف باكي، ظننتُ أن طوال فترة زواج أناستاسيا بوالدها كانت كافية لتتعرف علي، لكن يبدو أنني قد أخطأت.
«أتقصدين أنني أغار منك؟»
تساءلتُ بنبرة خالية من المشاعر، قبل أن أمسك خصلة سوداء من شعري وأبدأ بلفه حول سبابتي ثم ضحكتُ بإستهزاء وأكملت:
«أخبريني كورديليا، ما السبب الذي سيجعلني أغار منك بالضبط؟»
لوت شفتها بغيظ تمثل أنها تفكر، ثم رفعت كتفيها وكأن الإجابة واضحة للغاية،وأمسكت فنجان الشاي ترتشف منه القليل لتجيب بعدها:
«ربما لأن لي أما وأنتِ لا، أو لأنني أملك أبا وأنت لا تفعلين، حتى أنني قد تفوقت مجددا وأصبح لي زوجا بينما لا زلتِ عانسا، ولن أضع المال والمكانة الاجتماعية في القائمة لأن ماذكرته يكفي بالفعل لجعلك تغارين.»
لم أستطع منع ضحكتي من الخروج، بل ضحكتُ حتى كدتُ أختنق، كل ماقالته بدى كمزحة طريفة لمسامعي، المسكينة ترى نفسها مثالية والجميع يغار منها، مسحتُ دمعة زائفة بأطراف أصابعي ووضحتُ لها:
«يبدو أنك تفكرين بي كثيرا لدرجة إحصائك كل هذا، لكن أريد سؤالك شيئا، هل نجحت أناستاسيا حقا في تعويض مكان والدتك؟ أشفق حقا على هذه المرأة رغم عدم معرفتي لها، لأنها قد أضاعت بعضا من سنوات حياتها في تربية فتاة مثلك، وقد إنتهى أمرها ميتة بعد ذلك، ألا تشعرين أنكِ إنسانة مشؤومة؟ كل من تحبينه يتعس، وهذا حقا مثير للشفقة.»
أردتُ فقط تذكيرها بوالدتها المتوفاة، ولوي ذراعها بهذه الحقيقة. كان بإمكاني إخبارها بكل الأشخاص الذين يحبونني كذلك لكنني لم أفعل، لأنني سأظل أعد حتى يأتي الصباح ولن أنتهي.
ربما كنتُ أيضا إمرأة مغرورة، لكن غروري كان مبنيا على حقائق واقعية وليس تراهات كغرور كورديليا.
لاحظتُ التغير الطفيف الذي أصاب حركاتها، لأنها وضعت فنجان الشاي بأنامل مرتجفة، وبهتت ملامحها بشكل غير ملحوظ، كنت مدركة أن هذه الفتاة المتعلقة بوالدتي تملك جرحا لا يندمل من الماضي، جرحا سببه وفاة والدتها البيولوجية في عمر السنتين.
«لا أصدق أن هناك إنسانا يمتلك روحا بخبث روحك، لا أفهم كيف تحملتك أمي طوال الفترة التي سبقت زواجها بأبي، لا بد أنها عانت كثيرا مع إبنة مثلك، في النهاية لا أحد يتقبل العيش معك، حتى جدتك مجبرة على تحملك.»
محوتُ البسمة من طرف شفتي وناظرتها بجفاء، سأعترف، كان كلامها قويا. لكنها بحاجة لتحسين طريقة حديثها، وتوجيه غضبها بجدية أكبر من هذا، لأنها الآن تبدو كمن يهاجم وهو على وشك البكاء.
نهظتْ من مكانها وحملت قفازاتها البنية ثم إرتدت رداء الفرو فوق كتفيها، سأعترف مجددا أنها كانت إمرأة نبيلة بذوق راقي، إختيارها للأزياء يجعلها تبدو سيدة أرستقراطية بإمتياز، لو كنتُ أملك المال الكافي لكنت أرتدي شيئا مشابها لفساتينها.
«أخبري والدتي أنني غادرتُ بسبب سوء الضيافة.»
بلا بلا بلا، قلبتُ عيناي من ثرثرتها الفارغة. إنبثقت إبتسامة مستمتعة حين أغلقت باب المنزل خلفها بعنف، وأدركتُ أنني أغضبتها حقا.
رن الهاتف فجأة فأستقمتُ نحوه، ورفعتُ السماعة نحو أذني بتعجب فنادرا ما يرد إتصال، وقبل أن أقول أي شيئ أتى صوت رخيم من الطرف الآخر متحدثا:
«آنسة فيرناديسا.»
طرفتُ بضع مرات أحاول معرفة هوية هذا الصوت المألوف، وحالما تذكرتُ إبتسمتُ بمجاملة وأجبت:
«سيادة الجنرال.»
.
.
.
.
.
يامراااحب!
الفصل الأول وأخيراً، أخبروني حبيتوا أو لا؟
مقارنة بأنه مجرد فصل أول لاحظت أنه كان غني بالمعلومات، لكنها كلها معلومات بسيطة أمام القادم.
نجي للشخصيات:
فيرناديسا؟ أول شي جمالية الإسم 🤭 أنا واقعة لهلبنت بشكللل مو طبيعي، سواء إسمها وشكلها وحتى شخصيتها، ممكن أقول أنه هالبنت سامة فتعاملها، بالنسبة لحواراتها هون كان مبين أنها مش لطيفة، لازم تستعدوا للجوانب الحادة من هالشخصية.
الجدة؟ ممكن أقول أنها ثاني شخصية لطيفة جدا في الرواية، الشخصية الأولى لسا ما ظهرت، لكن هالجدة تدخل للخاطر بسرررعة.
إبنتها؟ أناستاسيا هي العدو الأول للبطلة، ممكن ما تكونوا كرهتوها هلأ بس بدي أقولكم أنها بعدين رح تكون أكره شخصية.
أنا جالسة أخمن مشاعركم تجاه الشخصيات عفكرة😂
كورديليا، حتى أنا ما أحبها بسوي سكيب.
ونجي للختام،الجنرال، شو ممكن يكون دوره ياترى؟ وشو توقعاتكم لشخصيته؟
جالسة أكتب كل هالشي وأنا أسألكم بصيغة الجمع وأصلا عارفة أنه القراء ممكن يكونون خمسة أو أربعة حتى، بس مين يهتم؟ ولا أحد! بعيش شعور المشاهير حتى لو مش مشهورة.
يلا أحبابي لكل من وصل لهون بدي أقلك أني بحبك حب ماله حدود، في أمان الله 🤍✨