بعد انتهاء الفطور الذي غلّفه هدوء لورينزو المرعب، وضع الأخير منديله القماشي بجانب طبقه، ثم نهض بوقار وهو ينظر إلى إيلينا بنظرة مطمئنة.
"إيلينا، لديّ بعض الأمور العالقة في المكتب تتطلب حضوري الشخصي لتسويتها. لن أتأخر، سأعود سريعاً لنكمل نقاشنا حول ترتيبات بقائكِ هنا."
أومأت إيلينا بصمت، وراقبت طيفه وهو يبتعد بخطواته الواثقة. شعرت فجأة بأن جدران غرفة الطعام تضيق عليها، فقررت الخروج إلى حدائق القصر الخلفية بحثاً عن هواء نقي يساعدها على ترتيب شتات عقلها.
كانت الحديقة لوحة فنية من أشجار الزيتون العتيقة والزهور النادرة، لكن جمالها لم يطرد الأفكار السوداء من رأسها. بدأت تسير ببطء، وعقلها يخوض حرباً ضروساً: هل بقاؤها مع لورينزو هو النجاة حقاً أم أنه مجرد استبدال قيد بقيد آخر؟ وهل رحيلها الآن، وهي لا تملك شيئاً، هو انتحار مؤجل؟ كانت تزن كفتي الميزان؛ هدوء لورينزو الذي يشبه سكون ما قبل العاصفة، وجنون انزو الذي لا يعرف حدوداً.
قطع حبل أفكارها فجأة صوت وقع أقدام ثقيلة وسريعة، خطوات غاضبة كانت تمزق صمت الحديقة وتتجه نحوها مباشرة. وقبل أن تملك القدرة على الالتفات لترى من القادم، شعرت بأصابع فولاذية تقبض على كتفيها بقوة جعلتها تطلق صرخة مكتومة.
أدارها المهاجم بعنف وقسوة لتجد نفسها وجهاً لوجه مع انزو. كانت عيناه محتقنتين، وتفوح منه رائحة الغضب الممتزج ببقايا خمر الليلة الماضية.
"هل ظننتِ أنكِ فزتِ؟" فحيح صوته كان قريباً من وجهها لدرجة مرعبة. "هل ظننتِ أن احتمائكِ بظله سيجعلكِ محرمة عليّ؟"
اعتصر كتفيها أكثر وهو يتابع بنبرة تقطر سماً: "اسمعيني جيداً يا إيلينا.. إن لم تبتعدي عن والدي الآن وتعودي لزنزانتي طائعة، سأجعل من كل ثانية تعيشينها جحيماً لا يطاق. سأحرق كل من يعرفكِ، وسأحطم هذا القصر فوق رؤوسكم جميعاً. أنتِ لي، والموت وحده هو من يملك الحق في أخذكِ مني."
رغم الألم الذي يعتصر كتفيها، ورغم الرعب الكامن في أعماقها، لم تنكسر إيلينا.
استجمعت كل ذرة قوة في روحها، ونظرت في عينيه بحِدة لم يعهدها منها من قبل، وقالت بصوت قاطع كالسكين:
"اتركني يا انزو! لقد انتهى زمن الخوف. لستُ ملكاً لك، ولن أكون أبداً. تهديداتك لا تزيدني إلا قناعة بأنني كنت محقة عندما تركتك. الجحيم الحقيقي كان العيش بجانبك، وما يفعله لورينزو الآن ليس تملكاً، بل هو تطهير للمكان من أمثالك!"
توسعت عينا انزو بذهول من جرأتها، وفي تلك اللحظة، كان التوتر بينهما قد وصل إلى نقطة الانفجار، تحت شمس صقلية التي كانت تشهد على بداية حرب لن تبقي ولن تذر.
ولكن ما لم يحسب حساب أنه كان هناك من يراقب.
في الداخل
وفي مكتبه الواسع الغارق في رائحة التبغ والجلد العتيق، كان لورينزو يجلس خلف مكتبه، لكنه لم يكن ذلك الرجل الهادئ الذي اعتاد رجاله رؤيته. كان إيقاع نقرات أصابعه على سطح المكتب الخشبي سريعاً ومنتظماً، كأنه عدّ تنازلي لانفجارٍ وشيك؛ وهي علامة توتر لم يعهدها أحدٌ منه، جعلت الهواء في الغرفة يبدو ثقيلاً وخانقاً.
وقف ثلاثة من كبار رجاله أمامه، يتبادلون نظرات قلقة وهم ينتظرون كلمة منه بشأن صفقة السلاح الكبرى المنتظرة في المرفأ. حاول أحدهم، وهو الأكثر جرأة بينهم، كسر حاجز الصمت قائلاً بصوت حذر:
"دون لورينزو، السفينة ستصل عند الغروب، وعلينا تأمين الطريق قبل..."
لم يكمل جملته، فقد رفع لورينزو عينيه الرماديتين نحوه بنظرة خاطفة، قاطعة وحادة كالنصل، أسكتت الكلمات في حنجرة الرجل فوراً.
لم يكن عقل لورينزو في المرفأ، ولا في السفن، ولا في سبائك الذهب؛ كان عقله يسير مع إيلينا في الحديقة، يراقب خطواتها في خياله، ويتحسس الخطر الذي يشعر به في غريزته كذئب عجوز يشم رائحة الخيانة في الريح.
وفجأة، اندفعت إحدى الخادمات إلى المكتب دون سابق إنذار. كانت أنفاسها متقطعة، ووجهها شاحباً كالجص، وقد بدت وكأنها ركضت المسافة بأكملها من الجانب الآخر للقصر.
انتصب لورينزو في وقفته، واشتعلت عيناه بغضبٍ عارم من هذه المقاطعة المهينة لبروتوكول مكتبه. استجمع صوته الأجش ليلقي عليها وعيداً يجعلها تتمنى لو أنها لم تُخلق، ولكن قبل أن يخرج الحرف الأول من فمه، صرخت الخادمة بصوت مرتجف:
"الدون لورينزو! انزو... إنه في الحديقة مع السيدة إيلينا! لقد تجاوز الحرس و—"
قطعت الخادمة جملتها عندما رأت لورنزو في تلك اللحظة، تحول غضبه من الخادمة إلى إعصارٍ صامت وجهته "انزو". لم ينطق بكلمة واحدة، بل دفع كرسيه للخلف بقوة جعلته يصطدم بالجدار، وخرج من المكتب بخطوات واسعة وسريعة تزلزل الأرض من تحتها.
ترك رجاله واقفين في ذهول، لم يلتفت خلفه ولم ينتظر سلاحاً، فغضبه في تلك اللحظة كان أفتك من أي رصاصة. شق ردهات القصر كالقضاء المستعجل، متجهاً نحو الحديقة، حيث كانت "ممتلكاته" المقدسة تُلمس بيدٍ دنسة.
شقَّ لورينزو طريقَه عبر الممر الرخامي المؤدي للحديقة، وكان حضوره يشبه زحف غيمة سوداء محملة بالبرق. عندما وقع بصرُه على المشهد؛ انزو يعتصر كتفي إيلينا وهي تقاومه بكبرياء جريح، توقف نبضُ العالم من حوله لثانية واحدة. استجمع لورينزو كل ذرة من انضباطه العسكري القديم، كبح جماح الوحش الذي يطالب بدم انزو الآن، وقرر أن يرتدي قناع الهدوء المزيف، وهو القناع الأكثر رعباً في ترسانته.
تقدم بخطواتٍ لا تسمع لها وطأة، كأنما يطفو فوق العشب. وقبل أن يستوعب انزو وجوده، قبض لورينزو على رسغ ابنه بقوة هائلة، قوة لم تكن مجرد عضلات، بل كانت صباً لغضبٍ مكتوم.
سُمع صوت طقطقة طفيفة في عظام الرسغ، وجحظت عينا انزو وهو يشعر بيده تُشل تماماً، مما أجبره على إفلات إيلينا والالتواء من الألم.
سحب لورينزو يد انزو بعيداً عنها بحركةٍ مهينة، ووقف حائلاً بينهما كجدارٍ من الصخر لا يمكن اختراقه. نظر إلى انزو بعينين باردتين، خاويتين من أي عاطفة، ونطق بصوتٍ منخفض، هامس، لكنه اخترق أذني انزو كأزيز الرصاص:
"المرة القادمة التي تفكر فيها بمجرد مدّ أصابعك لتلمس ثوبها... لن تملك يداً اتأمل خيبتك. سأجعل من عظامك حطاماً يذكره التاريخ كعبرة لكل من يجهل معنى الحُرمة."
لم يتركه لورينزو يرحل عند هذا الحد، بل اقترب منه أكثر، لدرجة أن انزو استنشق رائحة التبغ الفاخر المنبعثة من سترة والده. تابع لورينزو بكلماتٍ كانت تهدف لتمزيق ما تبقى من غرور الشاب:
"أتعرف لماذا هي هنا يا انزو؟ ليس لأنني أخذتها منك.. بل لأنها اكتشفت أنك مجرد صبي يلعب دور الرجل. أنت تصرخ وتكسر الزجاج وتبحث عن القوة في إخافة النساء، لأنك تعلم في أعماقك أنك لا تملك هيبة تفرضها بصمتك. أنت لست سوى ظلٍ باهت يحاول محاكاة الرجال، وحتى في ذلك.. فشلت."
تراجع انزو خطوة للخلف، وجهه شاحب والارتجاف في يده لم يكن من الألم الجسدي فقط، بل من كلمات عمه التي أصابت أضعف نقطة في روحه؛ شكّه الدائم في كونه لا يستحق هذا الاسم.
التفت لورينزو إلى إيلينا، ودون أن يرفع عينيه عن انزو، قال لها بنبرة حانية ومسيطرة في آن واحد:
"عودي إلى الداخل، إيلينا. الحديقة تلوثت برائحة الضعف، وسأتكفل أنا بتنظيفها."
انسحبت إيلينا بخطواتٍ متعثرة، وقلبها يدقُّ كطبلٍ في صدرها، تاركةً خلفها رجلين يختصران صراع الأجيال والسلطة. وجه لورينزو نظرةً تحذيريةً أخيرة إلى انزو؛ لم تكن نظرة غضب، بل كانت نظرة "إقصاء"، كأنما يمحو وجوده من سجل الأحياء. استدار لورينزو ببرودٍ قاتل، تاركاً ابن أخيه واقفاً في منتصف الحديقة، يرتجفُ أثراً ومهانةً.
كان انزو يشعر بصغر حجمه أمام شموخ والده، لكن هذا الشعور لم يكسره، بل غذى جنونه الكامن. كانت الإهانة تسري في دمه كالسّم، تحول انكساره إلى حقدٍ أسود يغلي تحت جلده. لم يصرخ، ولم يكسر شيئاً هذه المرة؛ بل كانت عيناه الشاخصتان نحو ظهر والده تعدانِ بالخراب.
في الداخل، لحق لورينزو بإيلينا التي كانت تقف في البهو، تحاول استجماع أنفاسها. ما إن اقترب منها حتى تلاشت تلك القسوة الفولاذية من ملامحه،
وحلت مكانها نظرة تفحصٍ قلقة، يمسح بها وجهها وكتفيها ليتأكد أنها لم تُصَب بأذى جسدي.
"هل آذاكِ؟" سألها بصوتٍ خفيض، يحمل بحّةً من الحنان الممزوج بالندم لأنه تركها وحدها لدقائق.
نظرت إليه إيلينا، ورغم شحوب وجهها، حاولت رسم ابتسامة طمأنينة باهتة: "أنا بخير، لورينزو... لم يستطع فعل شيء."
عند سماع كلماتها، لانت ملامحه تماماً، ومد يده ليرفع وجهها برفق، محتضناً وجنتها بكفه. كانت لحظةً توقف فيها الزمن، لحظةً كادت أن تذوب فيها المسافات بينهما، قبل أن يتمالك لورينزو نفسه ويستعيد قناعه الرصين. سحب يده ببطء، وتنحنح ليخفي ذاك الجانب الذي لا يظهره لأحد.
"اسمعيني جيداً،" قال بنبرةٍ حازمة عادت إليها هيبة "الدون". "منذ هذه اللحظة، عندما لا أكون موجوداً بجانبكِ، سيكون هناك حارسٌ يرافقكِ أينما خطت قدماكِ، حتى داخل حدود الحديقة. لن أسمح لهذا العبث بأن يتكرر."
وقبل أن تجيب، اخترق هدوء القصر دويٌّ مفاجئ؛ كان صوت محرك سيارة انزو وهو يزمجر في الخارج، قبل أن يبتعد بسرعة جنونية، مخلفاً وراءه غبار الغضب ووعيداً لم يُنطق به بعد. نظر لورينزو نحو النافذة، يعلم في قرارة نفسه أن انزو لم يرحل مهزوماً، بل رحل ليبحث عن طريقةٍ يقلب بها هذا المكان فوق رؤوس الجميع.
إيديلويس