الشاي سيبرد

الشاي سيبرد

14 0

استيقظت إيلينا على ملمس الحرير البارد الذي يحيط بجسدها، وعلى رائحة خشب الصندل العتيق التي تعبق بها أركان الجناح الشرقي. لثوانٍ، ظلت تحدق في السقف المزين بنقوش ذهبية تعود لعصور خلت، تشعر بضياعٍ زمني وجغرافي؛ هل كانت ليلة أمس حقيقة أم مجرد كابوسٍ طويل انتهى بها في هذا الفردوس الموحش؟

لم يدم صمتها طويلاً، فقد فُتحت الأبواب المزدوجة بهدوءٍ آلي، ودلفت خادمتان ترتديان زياً موحداً شديد الأناقة، تحركتا بخفة كأنهما ظلالٌ مدربة. لم تتحدثا بكثرة، بل بدأتا بفتح الستائر المخملية الثقيلة لتسمحا لخيوط شمس صقلية الشاحبة باقتحام الغرفة، كاشفةً عن فخامةٍ لم تكن إيلينا قد رأتها بوضوح في ظلمة ليلة أمس.

"صباح الخير، سيدة إيلينا،" قالت إحداهما بصوت خفيض وهي تضع أمامها مجموعة من الفساتين المختارة بعناية فائقة. "أمر الدون لورينزو بأن تختاري ما يروق لكِ من هذه المجموعة؛ فخزانة ملابسكِ الجديدة ستكتمل بحلول المساء."

وقعت عينا إيلينا على الأثواب؛ كانت جميعها تعكس ذوقاً رفيعاً، كلاسيكياً، ومحافظاً بلمحة من السطوة. اختارت فستاناً بسيطاً بلون "الباودر بلو" بفتحة صدر مربعة (Square Neckline) كما تحب، يلتف حول خصرها بنعومة ويمنحها مظهراً يجمع بين الرقة والهيبة. وبينما كانت الخادمتان تساعدانها في تصفيف شعرها، شعرت إيلينا بمرارة غريبة في حلقها؛ كانت تُعامل كملكة، لكنها في الحقيقة كانت لا تزال تشعر بأنها طريدة تبحث عن مأوى.

بعدما انتهت، قادتها الخادمة الأكبر سناً عبر ممرات القصر الطويلة. كانت الجدران مزينة بلوحات لرجالٍ بملامح حادة، أسلاف لورينزو الذين يبدو أنهم يراقبون كل خطوة تخطوها الغريبة في معقلهم.

وصلت إلى غرفة الطعام الكبرى، حيث كانت المائدة الطويلة مغطاة بشرشف أبيض ناصع، ومزينة بآنية فضية تلمع تحت ضوء الثريا الكريستالية.

"تفضلي بالجلوس، سيدة إيلينا،" قالت الخادمة وهي تسحب لها المقعد الضخم عند رأس المائدة تقريباً. "الدون لورينزو ينهي بعض المسائل العاجلة في مكتبه بخصوص عمله، وقد أمرنا بأن تبدئي إفطاركِ، وسيلحق بكِ فور انتهائه."

جلست إيلينا وحدها في تلك المساحة الشاسعة، تشعر بضآلة حجمها أمام كل هذا البذخ. كان السكون في الغرفة ثقيلاً، لا يقطعه سوى رنين الفضة البسيط، لكنها كانت تعلم أن خلف هذا الهدوء الصباحي، هناك رجلٌ في الطابق السفلي يقرر الآن مصير "انزو"، وربما يقرر في صمته مسار حياتها هي أيضاً.

وبينما كانت ترفع كوب الشاي لترتشف رشفة بسيطة، سمعت صوت وقع أقدامٍ منتظمة تقترب من الردهة؛ لم تكن خطوات متعثرة كخطوات انزو، بل كانت خطواتٍ واثقة، ثقيلة، ومعروفة.. خطوات الرجل الذي أصبح يملك مفاتيح سجنها ونجاتها في آنٍ واحد.

انفتح الباب العريض لغرفة الطعام بوقار، وطلّ لورينزو بهيئته الطاغية؛ كان قد استبدل ملابس الأمس بقميص أبيض ناصع تحت سترة رمادية داكنة، وبدا وجهه حليقاً ومنتعشاً وكأن ليلة الأمس لم تشهد صراخاً أو دماءً. ما إن وقعت عيناه على إيلينا حتى انفرجت أساريره عن ابتسامة هادئة، دافئة في ظاهرها، لكنها لا تصل تماماً إلى بريق عينيه الحذر.

"صباح الخير، إيلينا. أرجو أن يكون الجناح قد نال استحسانكِ، وأنكِ حظيتِ ببعض الراحة التي افتقدتِها منذ زمن،" قالها وهو يتخذ مقعده في مواجهتها مباشرة، بحركات تنضح بالسيادة والهدوء.

كانت إيلينا تعبث بطرف ملعقتها الفضية، تشعر بتوتر يسري في عروقها رغم الرقي المحيط بها.

رفعت رأسها ونظرت إليه، ولم يكن في عينيها ضعف، بل كان هناك مزيج من الارتباك وعزة النفس التي تأبى أن تكون عالة.

"سيد سيلفا..." نطقت بتردد قبل أن تتابع بنبرة أكثر ثباتاً: "أنا ممتنة جداً لكل ما فعلته ليلة أمس. لقد أنقذتني من موقف لم أكن لأخرج منه وحدي، وأعتذر بصدق عن كل المشاكل والصخب الذي جلبته إلى قصرك الهادئ. لم أكن أريد أن أكون سبباً في نزاع بينك وبين ابنك."

وضع لورينزو قطعة من الخبز جانباً، نظر إليها مطولاً، ولمحة من الانزعاج عبرت وجهه بسبب نبرتها الرسمية، ثم قال بصوت رخيم: "المشاكل جزء من عملي يا إيلينا، وانزو يحتاج لمن يعلمه حدود الأدب بين الحين والآخر. لا تعتذري عن شيء لم يكن لكِ يد فيه."

أخذت إيلينا نفساً عميقاً، وقررت أن تضع النقاط على الحروف قبل أن تنجرف أكثر في هذا العالم. "بما أن الصباح قد حل، وأصبحت الأمور أوضح... سأبدأ بترتيب رحيلي. سأعود إلى منزلي، وأحاول تدبير أموري بعيداً عن هنا. لا أريد أن أستنزف كرمك أكثر من ذلك."

توقف لورينزو عن الأكل تماماً. لم يغضب، ولم يرفع صوته، بل ساد صمت مفاجئ جعل رنين الساعة الحائطية يبدو كدقات طبول الحرب. شبك أصابعه أمام وجهه، ونظر إليها بنظرة حازمة، نظرة الرجل الذي لا يقبل الرفض، لكنه غلفها بنبرة من اللطف الماكر.

"إيلينا، أنتِ امرأة ذكية، لذا لا تجعلي الخوف يدفعكِ لقرار انتحاري،"

بدأ حديثه ببطء شديد.

"العودة إلى منزلكِ الآن تعني الوقوع في يد انزو في غضون ساعة واحدة. هو الآن كحيوان جريح، ولن يتردد في ارتكاب أي حماقة ليستعيد ما يظن أنه ملكه."

مال بجسده قليلاً نحوها، وتابع بنبرة لا تقبل الجدل: "ستبقين هنا، في هذا القصر. ليس كضيفة عابرة، بل كإنسانة تحت حمايتي الشخصية. ستبقى أبواب هذا المكان موصدة في وجه أي ريح قد تؤذيكِ.

ومنزلكِ... سأرسل من يأتي بمقتنياتكِ منه، لكنكِ لن تطأيه مجدداً حتى أتأكد أن الأرض أصبحت آمنة تماماً تحت قدميكِ."

حاولت إيلينا الاعتراض: "ولكن سيد سيلفا، أنا لا أستطيع..."

قاطعها بلطف، واضعاً يده فوق يدها المرتجفة على الطاولة، وكان ملمس يده قوياً وبارداً كالفولاذ: "الأمر لم يعد قابلاً للنقاش يا عزيزتي. بقاؤكِ هنا هو الحل الوحيد لبقائكِ على قيد الحياة. ارتاحي، وتناولي فطوركِ، واتركي عبء العالم الخارجي لي... أنا كفيلٌ به."

صمت للحظة ثم أضاف" وناديني لورنزو... لا نقاش"

شعرت إيلينا في تلك اللحظة أن لورينزو، رغم كل لطفه، قد رسم حولها دائرة لا يمكنها تخطيها دون إذنه.

في الطابق العلوي

استيقظ انزو وصداعٌ حاد يمزق رأسه كأن نصلاً يغرس في صدغيه، وأثر ركلة لورينزو ليلة أمس لا يزال يتركه عاجزاً عن التقاط أنفاسه بشكل طبيعي. ظل يحدق في سقف غرفته المألوف لدقائق، وعقله المشوش يحاول استعادة شتات ليلة أمس. كانت الصور تمر أمام عينيه كشريط سينمائي مشوه؛ المطر، صوت لورينزو الجليدي، وإيلينا... إيلينا التي كانت تلوذ بظل والده.

"مجرد كابوس..." تمتم بصوت مبحوح وهو يحاول الجلوس، "كان مجرد حلمٍ عابر أفرزته زجاجات الخمر."

لكن الألم في بطنه والهدوء المريب في القصر كانا يخبرانه بعكس ذلك. صرخ بمناداة إحدى الخادمات، فدخلت فتاة شابة ترتجف، لا تكاد ترفع عينيها عن الأرض.

"أين أبي؟" سألها بخشونة وهو يمسح وجهه بيده المرتجفة.

ترددت الفتاة لثوانٍ قبل أن تجيب بصوتٍ خافت: "الدون لورينزو في غرفة الطعام... إنه يتناول الفطور مع السيدة إيلينا."

في تلك اللحظة، تبخر كل أثر للثمالة ليحل محله جنونٌ صرف. كانت الكلمات كزيتٍ صُبَّ فوق نار كبريائه الجريحة. "مع مَنْ؟!" صرخ بها، وقبل أن تجيب الخادمة، دفع الطاولة الجانبية بقدمه لتتحطم زجاجة المياه وتتناثر الشظايا في أرجاء الغرفة.

بدأ انزو بنوبة غضب هستيرية؛ ألقى بالمصباح الخزفي نحو الجدار، ومزق الأغطية الحريرية، وبدأ بتكسير كل ما تطاله يداه من تحفٍ وأثاث، وهو يصرخ بكلماتٍ غير مفهومة عن الغدر والحق. كان صوت تكسير الخشب والزجاج يتردد صداه في بهو القصر، عابراً الممرات ليصل بوضوح إلى الطابق السفلي.

في غرفة الطعام، كانت إيلينا قد تجمدت في مكانها، ويدها التي تمسك بالكوب ترتجف بشدة وهي تستمع إلى أصوات التحطيم القادمة من الأعلى. نظرت إلى السقف ثم إلى لورينزو بعينين واسعتين يملأهما الرعب، وكأنها تتوقع أن يقتحم انزو المكان في أي لحظة.

لكن لورينزو لم يحرك ساكناً. ظل يقطع قطعة من اللحم ببرودٍ يثير القشعريرة، ولم يرمش له جفن رغم ضجيج الغضب الذي يهز القصر. رفع عينيه الرماديتين نحو إيلينا، ورأى ذعرها، فنطق بنبرة هادئة، رخيمة، وكأنهم يتحدثون عن حالة الطقس:

"أكملي فطوركِ، إيلينا. الشاي سيفقد حرارته."

"ولكن... انزو..." قالتها بصوت مرتعش، "إنه يبدو... فاقداً للسيطرة."

ابتسم لورينزو ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه، وتابع تناوله للطعام بمنتهى الرقي. "لا تشغلي بالكِ بضجيج الصغار. انزو يمر بنوبة ندمٍ متأخرة، ورجالي يعرفون تماماً كيف يتعاملون مع مثل هذه الفوضى. لن يقترب من هذا الباب، أعدكِ بذلك."

وبالفعل، بدأ صوت التحطيم يخفت تدريجياً ليحل محله صوت خطوات ثقيلة لرجال الحرس يتجهون نحو الأعلى، بينما ظل لورينزو يتابع فطوره بهدوءٍ مرعب، فارضاً سطوته بصمته قبل كلماته، وكأن كل ما يحدث في الأعلى ليس سوى مشهدٍ جانبي غير ذي أهمية في مسرحيته الكبرى.

وخلال دقائق

اقتحم رجال لورنزو غرفة انزو كآلة صماء، وجوههم جامدة لا تعكس أي عاطفة تجاه وريث العائلة المنهار. تقدم كبير الحرس، وهو رجل ضخم تملأ الندوب كفيه، ووضع يده الثقيلة على كتف انزو الذي كان يهمّ بتحطيم لوحة زيتية أخيرة.

"كفى، سيد انزو،" نطق الحرس بصوت خشن ومحذر. "الدون لورينزو أعطى أوامر صريحة. الهدوء الآن، أو سنضطر لاستخدام القوة لإعادتك إلى صوابك.. وقد شدد على أن استخدام القوة مسموح به 'إن لزم الأمر'."

توقف انزو عن الحركة، وأنفاسه تصعد وتهبط في صدره كمنفاخ محموم. بصق على الأرض الرخامية، والتفت نحوهم بعينين حمراوين يملؤهما الحقد والذهول في آن واحد. ضحك ضحكة هستيرية مكسورة وهو يتراجع إلى الوراء، مشيراً بيده نحو الطابق السفلي حيث يقبع لورينزو وإيلينا.

"القوة؟! هل يهددني هو بالقوة؟!" صرخ انزو وهو يضرب صدره بقبضته. "لقد جن جنونه! لقد فضل فتاة في نصف عمره على دمه ولحمه! فضل "لقيطة" لا تاريخ لها على ابنه!"

بدأ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً تحت نظرات الحرس المترقبة، وصوته يزداد حدة ومرارة: "وليست أي فتاة.. بل هي حبيبته السابقة! لقد أخذها من بين يدي ليذلني، ليريني أنه لا يزال الذئب الأكبر في هذا القطيع اللعين! أي عارٍ هذا الذي يجلبه لاسم عائلتنا؟!"

توقف فجأة عند الشرفة المطلة على الحديقة، وقبض بيده على الإطار الخشبي حتى كادت أظافره تنغرس فيه. استدار نحو الحرس، ولم يعد في صوته صراخ، بل نبرة منخفضة ومخيفة، نبرة رجل فقد كل شيء ولم يعد لديه ما يخسره سوى كرامته المحطمة.

"اذهبوا وأخبروه.." قالها وهو يحدق في الفراغ، "أخبروه أن الجدران العالية لا تمنع الأرواح من العودة لملاكها. إيلينا ليست مجرد امرأة، إنها ملكي، وهي تعرف ذلك في قرارة نفسها. سأستعيدها .. لطولن تبقى بين يديه لتكون شاهدة على عجزه."

خرج الحرس من الغرفة وأوصدوا الباب خلفهم، تاركين انزو وحيداً وسط حطام غرفته، يخطط في صمته المحموم لخطوته القادمة. وفي تلك اللحظة، كان يعلم أن انتقامه لن يكون سريعاً كطلقة رصاص، بل سيكون بطيئاً ومؤلماً كخنجر يصدأ في جرح مفتوح، وخرجت كلماته التالية من بين اسنان مشدودة " وإن لم استعدها... سأجعل حياتها جحيما"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قبري الجميل

المؤلف إيديلويس
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة