الفصل الثاني عشر: سديم الخلود (مأدبة العقول)
بعد حادثة متحف لندن....
لم يعد "الحي" مجرد أسطورة يتداولها الأطباء....
بل أصبح ديانة سرية تعتنقها النخبة التي سئمت من فناء الجسد.
في سردابٍ غائر تحت كنيسة "سانت لويس" في الضواحي النائية لباريس...
حيث لا تصل أشعة الشمس ولا أصوات الأحياء....
أقام "سيباستيان فالكون".....
الوريث الأخير والأنضج لهذا الإرث الدموي....
معمله الأكثر رعباً.
لم يكن سيباستيان يبحث عن الجمال الخارجي أو التنسيق العضلي....
بل كان مهووساً بـ "تخليد الوعي" داخل شرنقة من اللحم الممزق.
كانت الضحية هذه المرة هي "أدريان"....
وهو فيلسوف شاب كان يظن أن الموت هو نهاية المعاناة.
وجد أدريان نفسه في مكانٍ تفوح منه رائحة "زيت الحوت الممزوج بالأوزون"....
وهو خليط ابتكره سيباستيان للحفاظ على الخلايا العصبية في حالة تهيج مستمر.
لم يكن أدريان مربوطاً بالأحزمة....
بل كان مغموراً في حوض زجاجي يحتوي على سائل هلامي شفاف...
يبقيه طافياً ومنتصباً كتمثالٍ حي.
بدأ سيباستيان العملية بـ "تجريد الإحساس".
باستخدام مشرط من "الزجاج البركاني" الأسود....
قام بشق الجلد المحيط بالعمود الفقري لأدريان بضربات مجهرية دقيقة.
لم يكتفِ بكشف النخاع...
بل بدأ بسحب الأعصاب الرئيسية واحداً تلو الآخر، مخرجاً إياها من ثقوب صغيرة حفرها في جدران الحوض الزجاجي.
كانت الأعصاب تمتد في الهواء كخيوط العنكبوت...
مربوطة بآلات موسيقية نحاسية قديمة تعمل بضغط البخار.
"الفكر يا أدريان هو اهتزاز ميكانيكي في مادة لزجة."
همس سيباستيان وهو يضع سماعة طبية فضية فوق دماغ أدريان المكشوف.
"سأجعلك تفكر بصوتٍ عالٍ..
سأجعل عقلك يصرخ من خلال هذه الأنابيب."
قام سيباستيان بـ "استئصال الفص الجبهي" جزئياً...
ليس ليدمره...
بل ليربطه بجهاز نبض كهرومغناطيسي بدائي.
كان الجهاز يرسل نبضات كهربائية بترددات معينة تجبر دماغ أدريان على استعادة أكثر ذكرياته إيلاماً مراراً وتكراراً.
ومع كل "ومضة ألم ذهنيه"....
كان قلب أدريان....
الذي عُري تماماً من الغشاء المحيط به...
يضرب جدران صدره المفتوح بقوة تجعل السائل الهلامي في الحوض يغلي.
كان سيباستيان قد استبدل عيني أدريان بـ "عدسات مكبرة" ثابتة.....
مسلطة مباشرة على مرآة تعكس له صدره المفتوح وأحشاءه وهي تتحرك بآلية مقززة.
كان أدريان "يشاهد" تفككه اللحظي....
بينما كان عقله يُجبر على البقاء في ذروة الوعي بفعل حقن "الأدرينالين المركز" التي كانت تُضخ مباشرة في شريانه السباتي عبر أنابيب دقيقة.
في ذروة الفصل....
بدأ سيباستيان بـ "تجريد الحنجرة".
سحب الأحبال الصوتية لأدريان من خلال شق في الرقبة... وشدها كأوتار الكمان فوق صدر الضحية المفتوح.
استخدم "قوساً" مصنوعاً من شعر بشر مأخوذ من ضحايا سابقين....
وبدأ يعزف فوق أحبال أدريان الصوتية.
كان الصوت الذي يخرج ليس صوتاً بشرياً.....
بل كان "عويلاً معدنياً" ناتجاً عن اهتزاز اللحم الحي تحت تأثير الضغط الفيزيائي.
"أنت الآن خالد يا أدريان،"
قال سيباستيان وهو يسكب ليتراً من "الشمع المصهور" الممزوج بمسحوق الذهب فوق دماغ أدريان المكشوف ليغلفه بطبقة واقية لا تفنى.
"ستظل تشعر، وتفكر، وتشاهد..
إلى أن تنفجر الشمس."
ترك سيباستيان أدريان في الحوض، نصفه إنسان ونصفه آلة موسيقية مشوهة.....
يسبح في سائل الخلود المر، بينما كانت أصداء صرخات أحباله الصوتية لا تزال ترن في أرجاء السرداب.
خرج سيباستيان إلى ليل باريس....
حاملاً معه مفتاح الحوض، ومدركاً أن "الحي" قد وصل أخيراً إلى مرحلة لا يمكن للموت أن يلمسه فيها....
حيث أصبح الألم هو اللغة الوحيدة المتبقية في هذا المعبد الجراحي المهجور.
khu_lood99