الفصل الثالث: تشريح الشك
لم يكن أدورد يخشى اكتشاف آرثر للحقيقة…
بل كان يخشى أن تضيع تلك الحقيقة على عقلٍ غير ناضج.
بالنسبة له، كان المساعد الشاب مجرد "وعاء" لم يمتلئ بعد بالمعرفة الحقيقية.
وكان يرى أن أفضل طريقة لتعليمه هي جعله جزءاً من التجربة ذاتها.
في تلك الليلة…
كان الضباب يلف لندن كغطاءٍ صوفي ثقيل…
يحجب الرؤية عن كل شيء إلا عن نوايا الجراح السوداء.
دعا أدورد مساعده آرثر إلى منزله في "ساحة بورتسموث"…
تحت ذريعة دراسة حالة طبية نادرة لم يتسنَّ لهما فحصها في المشرحة الملكية.
وصل آرثر وهو يرتجف…
يحمل حقيبته الطبية الصغيرة…
وعيناه تلاحقان الظلال المتحركة على جدران المنزل الفيكتوري العتيق.
كان أدورد ينتظره عند مدخل السرداب…
ممسكاً بشمعدان فضي.
تراقصت شعلته فوق وجهه الشاحب…
مما منحه مظهراً شيطانياً لا يمت بصلة للطبيب النبيل الذي يعرفه المجتمع.
"انزل يا آرثر…
فالحقيقة لا تسكن في الغرف المضاءة بالشمس."
همس أدورد وهو يفتح الباب الحديدي الذي أطلق صريراً حاداً مزق سكون الليل.
نزل آرثر الدرجات الحجرية المبللة…
وكانت رائحة الفورمالين والفينيك تزداد كثافة مع كل خطوة…
حتى بدأت تحرق عينيه ورئتيه.
وعندما وصل إلى القاع…
تجمّد الدم في عروقه.
في وسط القبو…
كانت "إليانور" لا تزال معلقة.
أو ما تبقى منها.
كانت عبارة عن هيكل عظمي مكسو بعضلات ذابلة…
وأعصاب ممدودة كأوتار القيثارة…
وعيناها اللتان لم تنغلقا منذ أيام…
كانتا تنظران إلى الفراغ بجمود مرعب.
سقطت حقيبة آرثر من يده…
واصطدمت بالأرضية الرخامية المغطاة بطبقة من السائل القرمزي اللزج.
"ما…
ما هذا يا دكتور؟"
تعثرت الكلمات في حنجرة آرثر.
"هل هذه…
بائعة الزهور؟"
"لا يا آرثر…
هذه ليست بائعة الزهور."
أجاب أدورد وهو يقترب منه بخطوات هادئة كخطوات نمر يطارد فريسته.
"هذا هو الجوهر البشري بعد تجريده من الأكاذيب…
انظر إلى تناسق الشرايين…
انظر كيف تلتف الأوردة حول العظام كأنها أغصان لباب مقدسة.
ألم ترغب يوماً في معرفة ما الذي يجعلنا 'أحياء' حقاً؟"
قبل أن يتمكن آرثر من الصراخ أو الهرب…
ضربه أدورد بمقبض المشرط الثقيل خلف أذنه…
ليسقطه مغشياً عليه وسط بركة الدماء.
وعندما استيقظ آرثر…
وجد نفسه مثبتاً على الطاولة الرخامية الثانية…
المقابلة لـ "إليانور".
كانت يداه وقدماه مقيدتين بأطواق فولاذية باردة…
وكان أدورد يقف فوقه…
وقد ارتدى مئزره الجلدي الملطخ…
وبدأ في شحذ نصله الطويل فوق حجر مسن.
"الآن يا آرثر…
سأعطيك الدرس الذي لم تجرؤ جامعة لندن على تدريسه."
قال أدورد ونبرة صوته تحمل هدوءاً قاتلاً.
"سأعلمك كيف تشعر بكل ليفة عضلية وهي تنفصل عن جلدك…
وكيف تسمع صوت دمك وهو يغني في الأنابيب النحاسية."
بدأ أدورد بالشق الأول…
لم يقتل آرثر…
بل استخدم "تخديراً موضعياً" بدائياً ليبقى الشاب واعياً…
ومدركاً لكل ما يحدث.
بينما فُقد الإحساس بالألم الجسدي فقط في منطقة الشق…
غرس المشرط في كتف آرثر…
وبدأ بسحب الجلد ببطء.
كأنه ينزع قشرة فاكهة ناضجة.
كان آرثر ينظر برعب…
ويرى "بياض عظم كتفه" يظهر تحت ضوء المصابيح الغازية…
ويرى عضلاته الحمراء وهي ترتجف باهتزازات لا إرادية.
استخدم أدورد "منشار العظام الجيري" لقطع عظمة الترقوة…
وكان صوت "الجز" المعدني يتردد في جمجمة آرثر كصوت الرعد.
سكب أدورد ليتراً من المعقم الفيكتوري فوق الجرح المفتوح…
وعلى الرغم من التخدير…
شعر آرثر بحرارة جهنمية تنهش جسده.
ورأى الدخان الأبيض يتصاعد من لحمه المحترق كيميائياً.
"أترى يا آرثر؟"
قال أدورد وهو يرفع قطعة من جلد كتف آرثر أمام عينيه المذعورتين.
"هذا الجلد هو الذي كان يحجب عنك الحقيقة…
أنت الآن تصبح 'حياً'…
تصبح جزءاً من مأدبة الجراح."
استمر الفصل ساعات…
حيث قام أدورد بتجريد ذراع آرثر اليمنى من الجلد بالكامل…
كاشفاً عن شبكة الأعصاب والترابطات العضلية المعقدة.
ربط الأعصاب الرئيسية بخيوط حريرية ملونة ليحدد وظيفة كل منها…
وجعل آرثر يشاهد كيف تتحرك أصابع يده المسلوخة عندما يشد أدورد تلك الخيوط.
كانت الرائحة في القبو قد وصلت إلى ذروة قذارتها…
رائحة اللحم البشري الطازج الممزوج بالمواد الكيميائية الحارقة.
عندما انتهى أدورد من "الدرس الأول" في جسد آرثر…
تركه مغطى بقطعة من الكتان المشبع بالمحلول الملح ليحافظ على الأنسجة رطبة.
جلس أدورد في زاوية القبو…
يرتشف نبيذه الأحمر.
وينظر بامتنان إلى "تلميذه" الجديد.
الذي كان ينزف ببطء وصمت…
مدركاً أن المأدبة لم تبدأ بعد…
وأن هناك أجزاءً كثيرة في جسد آرثر لا تزال تنتظر دورها تحت المشرط.
khu_lood99