العدو الخامس: روبانسية تحت البطر

العدو الخامس: روبانسية تحت البطر

21 0

أنني أعشق الشتاء! .. أعشقه برائحة التراب المختلطة بماء المطر العذبة! .. اعشق أجواءه التي تخبيء المرء ف تجعل الشوارع في أجمل حالاتها .. ملابسه الثقيلة .. ومشروباته الساخنة .. القهوة بحليب والأمطار والزعابيب، وجلب الحبيب و رد المطلقة .. الشتاء .. هو أجمل فصل! .. أجمل فصل على الإطلاق!

- هاااااااااتشووووووو

عطسة قوية تقطع كتابة منشور الفيسبوك، لأنهيه بعصبية، عطسة قوية تخرج من فمي تضرب في رأسي وظهري .. اااخ، يقولون أن هذه العطسة التي تؤلم الجسد .. هي أكثر العطسات المليئة بالميكروبات والجراثيم .. لا أعلم حقيقة المعلومة من عدمها! .. لكنني أشعر بجراثيمي و ميكروباتي قد طردوا من جسدي ك المطرودين من منازلهم، بعد تلك العطسة

لمَ كتبت ذلك المنشور .. بسبب تلك المجنونة التي أحببتها منذ شهر تقريباً .. "ماهيتاب" تلك الفتاة التي قابلتها صدفة على فيسبوك ولا أعلم عنها أي شيء سوى أنها تعشق تصاميم الصور مثل العبد لله، وتعشق الشتاء مثل باقي الناس الذين يعانون من عدم الشعور تقريبًا!

لكني معجب بها، وأريد التعرف عليها، وليس أمامي سوى التقرب منها فيما تحبه، لهذا .. هذا الفصل الذي أكرهه يجب أن أتظاهر بحبه .. ليس هذا فحسب! بل سأعشق أجواءه التي تصيبني بإكتئاب، وأعشق ملابسه التي تصيبني بالإختناق، واعشق قهوته السادة اللاذعة! .. كم أحبك يا فصلي المفضل .. يا أجمل ما رأيت عيني ( بعد ماهيتاب طبعًا )

انتشر البوست بسرعة البرق، لأجد الكثيرون يؤيدون رأيي في محبة ذلك الفصل، وهناك الكثير من محبين فصل الصيف، يشتمونني بأفظع الألفاظ! .. لن يهمني شيء طلاما هذا في صالح قربي من ماهيتاب الحبيبة

وجدت أخيرًا تعليقًا منها وهي تؤييد رأيي قائلة: كلامك جميل! .. مرفق مع التعليق قلب أبيض

لو كان هذا شعوري بالسعادة أمام تحمل معاناتي في الشتاء، ف تبًا لشعوري .. لقد أحببت الشتاء! أحببته بحق!

مرت أيام وحاولت التحدث معها، حتى وأخيرًا سمحت لي الفرصة أن أحدثها ونتفق على المقابلة الأولى

يومها صباحًا استيقظت .. واستعددت بهدوء، وتركت منزلي لأذهب نحو الكافيه التي تقبع فيه ماهيتاب

- ماهي ميهو مهاميهو .. لقد جئت! ( طبعاً احدث نفسي بداخلي! )

دلفت إلى الكافية، لأجدها جالسة تقرأ كتاب في "ديسمبر تنتهي الأحلام" مؤكد أن في ديسمبر تنتهي الأحلام! .. وإذا لم تنتهي في ديسمبر، ستنتهي في يناير في الشهر التالي مباشرةً .. نحن أنفسنا ننتهي بالفعل!

- ازيك؟

- أنت؟..

- أيوة أنا.. اللي.. فيسبوك

بالطبع كنت أقصد ( اللي كلمتك فيسبوك ) ولكن حرف الميم في ذمة الله

- ازيك يا..

- هو انتِ بِش فاكراني؟، ولا ده إعلان ( ازيك يا.. وازي بابا، وبابا ازيه ازي طنط ازي البنت )

- البنت؟

- وأحبد وتبيب ربضان كريب

تبًا! لقد أندمجت مع الأغنية لأنطلق ويخرج حرف الميم مني! .. لم الحظ هذا إلا عندما هربت من ثغرها تلك الضحكة الرقيعة، لتسألني

- هو أنت عندك برد؟

- للأسف.

ضحكت مرة أخرى لتقول لي

- أصل أنا كبان عندي برد! .. تعرف؟ الشتا ده أحلى فصول السنة

- طبعاً

يالني من كاذب كبير!

- بحب اشب ريحة البطر فيه!

- ايه ده هو انتوا بتشبوا فيه أصلاً؟

اومأت برأسها بحماس لتؤكد لي البعلوبة، ثم تابعت

- تعرف الشتا ده عايز ايه؟

أخذت نفسًا عميقًا لأقدر على تكوين الجملة، لتتفتح جيوبي الأنفية للحظة واحدة وأنطق بها

- كونچيستال وليمون مغلي ومناديل كتير، صح؟

- الجري تحت البطر وتتفرج على فيلم روبانسي وخروجة في الشيخ الزايد!

قالتها لي بنبرة غاضبة، وكأنني اسأت ل( فرد في عائلتها )

سارعت بتعديل حديثي

- با هو ده اللي بيحتاج الحاجات اللي قولتيها على فكرة!، الكونچيستال عشان هايجيلك برد وأنتِ بتجري في البطر، والليبون البغلي وأنتِ بتتفرجي ع الفيلم بتاعك.

- والبناديل هتنفعني بـ ايه في الشيخ زايد بقى؟!

- لأ دي هَبدة من عندي بصراحة!

تغاضت عن ما قولته لتكمل بحماس

- نفسي .. نفسي أجري تحت البطر يا بهران!

كان طلبها شديد الرومانسية، ولكن ختمها الجملة بـ اسمي "مهران" ناطقة إياه "بهران"، جعل كل شيء يفسد! .. لن أوافق على هذه المهزلة! .. تلك الفتاة من الواضح أنها قد وقعت على رأسها وهي صغيرة! .. فـ كبرت وأصبحت عبيطة هكذا!

أخذت نفسًا عميقًا .. ثم نطقت بـ..

- يللا بينا!

لا تستغربوا هذا الموقف! إذا قولت لها لا .. ستبتعد عني بلا محالة!

- طب احنا لسه ماشربناش حاجة!

- عادي، هقوله خالي عبل حادثة ولازم نروح

- هو أنت عندك خال عبل حادثة؟

- لأ عندي خالة، وعابلة كشري يستاهل بوقك، ههه بهزر بعاكي يا باهيتاب فوكيها بقى!، يللا يا بابا من هنا! يللا يا حبيبتي!

- بابا؟!

سألتني بغضب .. لقد اعتبرتها إهانة، ف سرعان ما نبست بتوضيح

- لأ لأ!، بابا اللي هي بتولد وترضع وتحدف بأبو وردة وكده! اللي هي زوجة بابا الحقيقي بقى!

- ليه أنت عندك جوز اوب ولا ايه؟

توقفت لحظة أفكر؛ كيف سأشرح لها الحرف الذي خرج ولم يعود من فمي .. لكني أدركت بأن الموضوع أصعب من ركضنا تحت الأمطار .. ف أخترت المطر!

- يللا يا باهيتاب عشان نلحق البطر بن أوله!

---

سيرنا تحت المطر، أو لنكون أوضح تحت أنقاض المطر .. الجميلة باهيتاب تحب السير تحت الأمطار، معتقدة بأنه ينظف الروح

وإذا كان في أمر التنظيف فـ زجاجة من الديتول كفيلة بأن تنهي المهزلة هذه، ولكنك تحبين المخاطرة يا باهيتاب

أحاول تجاهل حساباتي بعقلي لكم يومًا سأمرض بالزكام، وأضع كل تركيزي في السائرة بجانبي تدندن لفيروز "حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي"

- تعرف لما الدنيا بتبطر؟ .. بحب آكل آيس كريب.

توقفت لحظة بينما هي أكملت سيرها، وأنا أحدق أمامي بالصدمة.. مثلجات؟ .. في الثلج؟!

- أنت واقف عندك ليه؟. ما تيجي

تقدمت نحوها، وسألتها بترقب وكأني انتظر الموت

- فـ ليه بتقولي كده؟

- في عربية هناك بتبيع آيس كريب يجنن! تيجي نجربه؟

- الله يعزك، أنا هقف بكاني هنا وهستناكي.

حدقت بي بأبشع نظرة شك وهي تسألني

- أنت مش بتحب الشتا ولا ايه؟

تلعثمت في كلامي وأنا أقول

- لأ أنا.. أصل.. بب.. اا.. يللا بينا

وقفنا أمام العربة لنأكل الآيس كريم .. لمَ شعرت بعصب أسناني تكهرب وقد وصل إلى عظام مخي؟ .. نظرت إليَّ وهي تبتسم، معبرة عن استمتاعها بما تأكله

بدأت أشعر بأنها مريضة أو تعاني من السيكوباتية! .. كيف لا تشعر بتلك الكهرباء في أسنانها؟! .. ااااه يا أسناني!

- مش هنروح بقى؟

سألتها وليتني لم أسأل!، حدقت بي بتلك النظرة البشعة وسألتني بتركيز

- أنت مش بتحب الشتا!

تأففت وصعد من فمي ذلك الدخان الكثيف المثلج بسبب البرد..

وهل تأففت بسببها؟ هل تأففت ليصعد الدخان الساخن إلى وجهي ف يدفئه فيكون على الأقل جزء في جسدي البارد ك الجثث دافئ؟ لا أعلم، لكن ما أعلمه أن هذه الفتاة بدأت أن أطفح بالكيل منها، وأكرهها لميلها لذلك الفصل

أخذت نفسًا عميقًا من أنفي لتتفتح جيوبي الأنفية من جديد، لكنها لم تفلح، ف نفذت الخطة ب، الا وهي زجاجة الأتروڤين، قولت لها بهدوء

- ثانية واحدة.

فتحت غطاء الزجاجة و وضعتها داخل فتحتا أنفي، ثم استنشقت الهواء منها بقوة، لأستشعر مرارة الطعم في حلقي وأشعر ببرودة الهواء لدرجة أن شعيرات أنفي شعرت بأنها قد وقفت دقيقة حداد على أنفي التي ماتت!، ثم قولت بمنتهى الغضب والثقة والفرح بداخلي بأن حرف الميم قد عاد من جديد

- بقولك ايه؟ أنا ساكتلك من بدري ومش راضي أتكلم!! أنتِ ايه حكايتك بقى؟! ده لو الفنان شهاب الدردويلي مش هتحبيه كده! .. مستنية ايه؟! مستنية لما نتجمد؟! ونفك ع الصيف بقى عشان نشوف هنتجوز ولا هنعمل ايه في حياتنا؟! أنا زهقت منك! ومن الشتا ومن الآيس كريم!!

- خلصت؟

- لأ ثانية، أنا زهقت بقى! زهقت منك!! يووووه!!!

- خلصت؟

- اه

- مين شهاب الدردويلي ده؟

- ده اللي شدك في الموضوع كله؟!

- تعرف إني مش بحب الشتا؟ واني كنت بختبرك عشان أشوف هتصبر بعايا لحد فين؟! زي القهوة ببلح كده!؟ بس أنت سقطت في الإختبار!

تفاجئت مما قالت! .. لأسألها بصدمة

- اومال البوست اللي نزلتيه قولتي بتحبي الشتا؟..

- بنزل أخوه في الصيف، أنا أصلاً بن بُحبي فصل الربيع!

صدمة كبيرة أخذتها .. تركتها بعدما حاسبت على الإثنان ايس كريم..

- حرقه نار في جتتك!

وعُدت إلى منزلي .. كان أفضل لي أن أشرب القهوة المالحة ولا أن أأخذ هذه التجربة، وها أنا أكتب ما حدث، بينما أجلس تحت البطانية .. يداي ترتعشان ف أكتب حروفًا خاطئة! وكل النشاط المذكور لي في يومي هو أنني أحرك يدي عندما اخطيء في الحرف لأحرك يدي إلى اليسار قليلاً وأحذف الحرف الخاطئ، وأثناء ما افعل هذا سرسوب الهواء يتسلل ليجمد يداي بطريقة مستفذة

نصيحة أخيرة مني: لا ترتبط في الشتاء، لأنه سيجرحك قبل أن تجرحك حبيبتك، والأكثر خطورة من ذلك، أن لا تأكل المثلجات في الشتاء! لأن طبيب الأسنان سيجرحك أكثر من الشتاء الذي سيجرحك أكثر من حبيبتك التي ستجرحك فيه، والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نحن أعداء الشتاء

المؤلف Rawan Abo Zid
2025/12/03 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة