نزلت من البيت في المطر.. ومهمهاش برد الشتا..
بقاله كام يوم مختفي مش فاهمة ليه بيعمل كده..
صوت الأغنية يمتزج بصوت سيمفونيه أطلقه من انفي في منديلي .. أبعدت المنديل لتتبين انفي الحمراء
دخلت أمي الغرفة لتأخذ الملابس المتسخة وتذهب بها نحو المغسلة .. لكنها توقفت أمام فراشي الذي ارقد عليه .. لتطالعني بنظرة ساخرة من جلستي التي امتزجت بين النومة وبين الجلسة .. هي رقدة! .. أنا مريض!
مريض بذلك المرض المزعج الذي يسمى بالزكام! .. يقتحم انفي كـ ضيف ثقيل مضطر أن أتحمله لعدة أيام و ربما الشتاء كله! .. وكل هذا! .. وأنا ارتدي ملابس لا تختلف دفئها عن البطانية التي ارقد أسفلها الآن! .. ولكن كيف؟! .. يترك الزكام من يرتدي تيشيرت وبنطال على ( العضم )، ويترك تلك الفتاة التي ترتدي كروب توب، ويتمسك بأمي أنا! .. أنا مرييييض يا ناااس!
سخرت أمي من الأغنية التي اسمعها .. وسألتني هل أبكي أو تعرضت للخيانة أو شيء من هذا القبيل؟! .. ف اجبتها أنني لا ابكي! .. فقط انفي محمرة اثر احتكاك المناديل كل خمسة عشر ثانية بها .. وعيناي مدمعة بسبب الضغط الذي اضغطه عندما اقرب نفس المنديل من انفي لـ.. انتم تفهمون!
خرجت أمي من الغرفة ومعها الملابس .. أندهش من حركتها النشيطة في هذا الطقس .. سرسوب الهواء الخفي الذي يتسلل من نافذة مجهولة داخل منزلنا يجعل الطقس بالفعل بارد! بارد جداً! وأنا لا اقوى على هذا الطقس
اسرح بخيالي .. إلى مدفأة مليئة بالحطب .. تشتعل النار بها .. أمسك بكوب الشوكولاتة الدافئة .. في خيالي! .. لأن أمي تستغل عدم قدرتي على الحركة وتمتنع عن إعداد المشروب لي! .. لهذا اتخيله! .. اتخيل واتخيل..
الأغنية مازالت مستمرة .. وارتجف أنا كـ رجفة الراقصة في حفل الزفاف .. ابعد هاتفي الذي انبعث منه الأغنية .. لأنادي على والدتي
- ماما! عايز هوشّوكليت!
- قوم اعمله لنفسك! أنت مش مشلول!
- طب دور البرد اللي عندي ده اسمه ايه يا ماما؟!
- ده مرض موسمي يا عين امك! اخرج واعمل لنفسك الهوشّوكليت بتاعك، أنا هاعمل ايه ولا ايه؟!
صدى صوت اصطدام المطر بالأرض يصل اليَّ .. وكأنني مهيء بالكامل لرجفة الشتاء هذه .. الصوت يزيد من رجفتي
أقرر أن اعتمد على نفسي .. ف ابعد البطانية عن جسدي .. وانهض من رقدتي لأخطو أولى خطواتي فوق الأرض بـ لكلوكي بشكل "بطوط"، وبنطال منامتي المنقوش عليها رسومات كرتونية بشكل "سبونچ بوب"
أرفع غطاء رأس منامتي فوق رأسي وأسير ببطء على سجاد الأرض .. الذي لم يمنع تسلل سرسوب الهواء من فتحات البنطال، غبي! كان من المفترض أن أدخل البنطال داخل الجورب! .. لكنني غبي!!
اغبى من الفتاة التي غادرت المنزل في ليلة ماطرة ولم تهتم لـ برد "الشتا"! .. وكل هذا من أجل أنه مختفي من عدة أيام وهي لا تفهم "ليه بيعمل كده"!
ذهبت نحو المطبخ .. لأعد مشروب الشوكولاتة الساخن
- والله وقومتِ من رقدتك يا نوغة! .. طب اتحركتِ ليه ده انتِ لسه نَفَسة!
- ده على أساس إني لسه والد!؟ .. وبعدين ممكن ماتتريقيش عليَّ!؟ .. مش كفاية إني قايم من تعبي عشان اعمل حاجة سخنة تدفيني في الجو ده! .. وأمي رايحة جاية في الشقة!؟ ومش عايزة تعملي حاجة! .. أنتِ أم انتِ؟!
- لأ أنا سڤن ام! .. روح قول لأبوك يتجوز شغالة أحسن! .. ده كان ايه اللي جابرني ع العيشة دي ياربي بس!؟
إنها كلمات الأم المعتادة! .. أكملت لها غير مكترث بما تقول من مأساة وأنا اعدّ الهوشّوكليت أمامي
- ماليش فيه! أنا جيت الدنيا لقيتك موجودة بتعملي الهوشّوكليت! مش ذنبي بقى لو طلبته منك وأنا كبير كده!
لم أجد إجابة .. ف التفتّ لأجد المطبخ قد خلا منها .. تركتني في المطبخ وحدي اعدّ الهوشّوكليت دون اكتراث لحالتي!
مشيت قوام كانت ضعيفة متشتتة
مشيت قوام وساعتها حاست بالشتا
بس المطر قدام دموعها كان أقل!
تنتهي الأغنية .. لأعيدها مرة .. واثنان .. وثلاثة .. وعشرة! .. ويستكمل معي حتى انتهاء هذا الفصل المزعج من حياتي!..