لك أنت!

لك أنت!

13 0

كانت القاعة تغرق في صمت ثقيل وهم ينتظرون تعليق رئيس مركز الشرطة على القضية، والإجراء الذي يجب اتخاذه بشأن ذاك المتلاعب موسى.

عينا لادن كانت مثبتتان على شخص واحد، على عمران، لم يكن عقله مع القضية اللآن، فقد أغلقها منذ لحظة معرفة الحقيقة، لكن عقله الآن مع، قضيتهم الجديدة، إقناع عمران، إنه يعلم بل ومتأكد من أن الآخر سيرفض ما فعله المفتشون، وربما يغضب لإخفائهم ذلك.

جهاد كان يحدق في الرئيس منتظرا أي تعليق رغم أنه عقله مشوش بعض الشيء محاولا إيجاء طريقة لمفاتحة المحقق الهادئ في ما فعله، ولم يكن نبيه أقل شرودا منه بل تخلله قلق أيضا فعمران معروف جدا بالنسبة لهم، يستحيل أن يوافق لذا عليهم إيجاد طريقة تقنعه بسهولة.

كان ليث وأحمد يتبادلان النظرات التي حملت بعض الحزن، فقبل أقل من نصف عام كانا يجلسان هذه الجلسة مع رئيس شرطتهم الذي قتله زميله السابق¹.

لاحظ عمران تلك النظرات الخاطفة التي يقذف بها لادن تجاهه لكنه تجاهل الأمر... أو ربما وضعه جانبا لعطي كامل تركيزه للرئيس الذي تنحنح بصوت عال ليعيره الجميع انتباههم ثم أردف بنبرة رسمية وهو يتفحص وجوه المفتشين والمحققين:

_الحكم النهائي لكم يا سادة، فقد تحدثنا مع والد السيد موسى وقد طلب منا مسامحته وأنه سيدفع إن اضطر لذلك؛ ولكونكم من عملتم بجد على هذه القضية فالقرار الأخير لكم، فإما أن تعدوها عميلة خداع للشرطة، أو تتغاضوا عنها بعدها مزحة ثقيلة من أحد الشباب.

علت همساتهم لثوانٍ وهم يتناقشون فيما بينهم أو مع ذواتهم ثم حل الصمت مجددا ليقول المفتش جهاد بعد أن مر ببصره في الوجوه التي اتخذت قرارا واحدا عدا اثنان منها كانا معترضين على هذا القرار المتساهل؛ كان ليث ولادن يتبادلان النظرات التي تصرخ باعتراضهما، ولكن لما يتحدثا احتراما لرأي البقية.

_سامحه الله، سنتغاضى عن الأمر هذه المرة لكن بشرط أن يوقع وعدا بعدم فعلها مجددا. (أردف جهاد بهدوء)

هز الرئيس رأسه إيجابا ثم أردف برسمية:

_يمكنكم الانصراف.

استأذنوا ثم خرجوا إلى الحديقة ليأخذ ليث نفسا عميقا وأخرجه طاردا معه كل مشاعره السلبية التي خلفتها هذه القضية ثم قال بابتسامة وهو يوجه نظره للمفتش أحمد:

_حان وقت العودة.

أومأ المفتش ثم نظر لصاحبيه سامحا لعينيه أن تقولا الكثير، شيء كـ «سأترك لكما الباقي»  فابتسم جهاد ونبيه، لينتقل بعد ذلك لوجه عمران قائلا:

_سعيد بمقابلتك أيها المحقق.

_أهلا بك.  (قالها بهدوء)

أخيرا استقرت عيناه على لادن وضحك بخفة قائلا بعد خطف نظرة لليث:

_أرجو أنه لم يزعجك.

تذمر ليث قائلا:

_من يزعج من؟

ابتسم لادن واكتفى بالصمت، ليودعوا جميعا المفتش أحمد والمحقق ليث وهما يركبان السيارة لينطلقا نحو مدينتهم مجددا بعد أن قضوا هنا ما يقارب الثلاثة أيام في قضية انتهت بكونها كذبة!

أردف المفتش نبيه وهو يتوجه لسيارته ملوحا لهم:

_سأسبقكم.

نظر له المحققان باستغراب في حين شاركه جهاد غامزا للادن:

_وأنا كذلك، لادن اذهب مع عمران، أعتمد عليك.

توجه هو كذلك لسيارته وغادرا ليبقى المحققان في حيرة، بالأخص عمران، إلى أين سيسبقانهما؟ ماذا يجري؟ ما الذي يخططون له؟

تنهد لادن بضيق من والده الذي حمله هذه المسؤولية، كيف سيفاتح عمران؟ 

توجه المحقق الهادئ لسيارته السوداء قائلا لصاحبه:

_هيا.

تبعه لادن بخطى سريعة وعقله مشوش جدا، وما إن ركبا السيارة حتى أردف صاحبها بنبرة اعتادها الآخر حتى ما عادت تزعجه:

_ما الوجهة؟

_منزلي

قالها بهدوء وهو ينظر من النافذة متجبنا النظر للسائق الذي اقترن حاجبيه باستغراب لكنه شغل السيارة وانطلق نحو الوجهة.

طول الطريق كان الصمت هو المسيطر عليهما، لم يعلم لادن كيف يبدأ الحديث، ولم يكن عمران مهتما جدا بما يخفيه عنه الآخر فقد ظن أن لا علاقة له بالأمر، لم يتوقع أن يكون هو الأمر برمته وسبب قلق الشاب الشارد من إخباره هو الخوف من ردة فعله.

_عمران...

_ماذا؟

_لدي ما أخبرك به.

_قُل (قالها دون أن يبعد نظره عن الطريق)

أردف لادن بعد صمت طويل ملقيا بعبارته التي لا يدري كيف سيكملها:

_اشترى والدي المنزل الذي يقبع أمام منزلنا...

_مبارك له.

خطف الآخر له نظرة سريعة ثم ابتسم بجانبية قائلا بشرود:

_ليست له.

رفع عمران حاجبه بذهول مردفا:

_لك إذا؟

_كلا؟

_لمن؟

أجاب بنبرة بطيئة نوعا ما وهو يراقب كيف سيتغير ذاك الوجه البارد.

_لعمران قاسم... لك أنت.

تسمرت يدا المعني بالكلام على المقود وتجمدت أطرافه لوهلة، حتى الكلام رفض الخروج من فمه، ما هذا الجواب؟ بل لماذا؟ لماذا يشتري جهاد منزلا ولمن؟ له هو؟ أللأمر علاقة بوالده؟ بل كيف يفعل أمرا كهذا دون طلب إذنه؟ ألهذه الدرجة يبدو مثيرا للشفقة؟ حسنا... حالته المادية ليست سيئة وهذا واضح جدا، إذا لم؟

لم ينتشله من عاصفة أفكاره سوى ارتفاع صوت مزامير السيارات خلفه وصراخ لادن عليه وهم على وشك الاصطدام بشاحنة توقفت بسبب إشارة المرور الحمراء دون أن ينتبه لها لشرود ذهنه.

_انتبه!

أغمض عمران عينيه بقوة ساحبا نفسا عميقا ثم أخرجه ببطء وفتح عينيه ناظرا للادن قائلا بنبرة باردة مالت للحدة قليلا:

_أقدر اهتمامه ولكني لن أقبل بعرض كهذا.

تابع بسخرية وقد كان أقرب لمن يحدث نفسه:

_لم أتوقع أنني أبدو مثيرا للشفقة حقا.

رمقه لادن بازدراء وقال في محاولة ضبط أعصابه:

_مثير للشفقة؟ أتمزح؟

ثقبه ببرود مجيبا:

_وهل هناك تفسير غير ذلك؟

أجابه لادن بهدوء وقد اتكأ على مسند كرسي السيارة واضعا مرفقه على عينيه:

_نعم.

_ما هو؟

_الخالة.

انتبه عمران بكل جوارحه هذه المرة، فأمه هي الوتر الحساس في حياته، هي ورنيم كل عائلته، فأي شيء يخصهما لا بد أن يهمه، ولا يمكنه تصنع عدم الاهتمام به.

استطرد الآخر قائلا:

_الشرطة تحتاجك يا عمران في كل وقت، وأنت لا يمكنك الخروج عندما تكون رنيم في الجامعة لتبقى مع الخالة؛ وبيد لي أن أبي فكر في ذلك فاشترى ذاك المنزل لتكون قريبا منا وتبقى أمي معها ففي النهاية نحن عائلة يا صديقي، أباؤنا، وشقيقتانا، ونحن!

التزم عمران الصمت لوهلة يقلب أفكاره بين مقتنع بكلمات لادن التي أصابت نقطة ضعفه، وبين كبريائه الرافض لهذه الفكرة، فكيف يوافق على أن يأخذ منزلا بهذه السهولة بينما دفع جهاد عليه مالا كثيرا؟

أردف بهدوء ضاغطا البنزين بعد أن تبدلت الإشارة للخضراء:

_مع ذلك لا يمكنني الموافقة.

_لماذا؟ أنت بمنزلة ابن الأخ، فكما لم يكن لك أعمام لم يكن لأبي إخوة، وقد أخبرني كثيرا أن العم قاسم رحمه الله قريب منه قرب الأخ من أخيه.

استقرت هذه الكلمات في داخل عمران لكن قراره لن يتزعزع بسهولة فما فعله المفتش جهاد لا يمكن اعتباره هدية حتى، فمنذ متى تُهدى البيوت؟

تابع لادن بنبرة أكثر لطفا:

_عمران، أتفهم موقفك تماما، وأعلم جيدا ما تفكر به، ولكن إذا فكرت بالأمر منطقيا فسترى أن ما فعله والدي صواب.

علق الآخر بهدوء وهو يوقف السيارة قرب سيارة المفتش جهاد وسيارة المفتش نبيه أمام المنزل:

_عندما يكون مبلغ المال الذي دفعه صغيرا يمكن أن أتغاضى عن ذلك، لكن أن يصرف ماله في شراء منزل لابن صديقه، بجدية هل المال لعبة بالنسبة له؟

أجابه لادن بثقة وهو يخرج من السيارة:

_أبي يعرف أين يوظف ماله فتوقف عن التفكير في هذا فالأمر منتهٍ منذ مدة، لم يبقَ سوى نقل متاعكم له.

صُدم بآخر كلمات زميله وانعقد لسانه مدهوشا، لكن الآخر فاجأه بنبرة الدرامية المازحة:

_يا رجل لقد وضعوا آمالهم علي في إقناعك فلا تضعني في موقف سيء.

أشار للمنزل الذي لا يفصله عن منزله سوى سور بارتفاع قصير، هناك حيث وقف المفتش جهاد مع المفتش نبيه ومعهما شاب بدا في منتصف عقده الرابع يبدو أنه تاجر عقارات.

_لنذهب

قالها وهو يبعث رسالة لشقيقته وابتسامة صغيرة تداعب شفتيه.

ذهب خلف رغم رفضه للفكرة وإن كانت تناسبه تماما، ولكن أمر المال أزعجه كثيرا فلا أظن أن منا من يقبل أن يشتري له والد صديقه منزلا، بل ودون إخباره حتى.

كان عليه أن يجد حلا سريعا دون إخجال نفسه أو وضعهم في موقف سيء، وسرعان ما أتى هذا الحل في عقله، ولكن عليه أن يجد الطريقة المناسبة لإخبارهم به ووضعهم في الأمر الواقع كما فعلوا معه.

ألقى لادن عليهم السلام بنبرة هادئة وابتسامة حيوية ثم هز رأسه بإيماءة صغيرة لوالده الذي فهم الأمر فابتسم بهدوء لعمران الذي لا زال يشعر أنه يتوهم:

_بني (مد له محبرة وورقة متابعا) هل يمكنك التوقيع؟

نظر عمران للورقة بعينيه مارا على كل حرف فيها والذي مفاده ومختصره أن المنزل ملكه ومكتوب باسمه.

تردد قليلا قبل التصرف وقلب بصره بينهم فحثه لادن بعينيه على التوقيع في حين هز المفتشان رأسيهما مشجعين؛ أما الرجل الآخر فقد كان يراقبهم بصمت، ثم رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه عندما غمس عمران إبهامه في الحبر ووقع على الورقة، كانت ملامحه هادئة، رزينة، لكن عقله كان مشوشا.

سلم الورقة للرجل الذي أردف بنبرة رسمية:

_بهذا يكون للمنزل ملكا لك... أرجو أن ينال إعجابك.

سلمه المفاتيح ثم استأذن وغادر، ليقول عمران فور مغادرته:

_والآن، هل لي أن أفهم ما جرى؟

ضحك المفتشان بخفة وأردف جهاد:

_مفاجأة صغيرة

_صغيرة؟ أيها المفتش أقدر اهتمامك بي ولكن ليس هكذا.(قالها بشيء من الانفعال)

ابتسم جهاد بوقار وربت على كتف الشاب قائلا:

_إني أردت أن أرى عائلة أخي جانبي فهل في هذا خطأ يا بني؟

تمكنت هذه الكلمات من فؤاد ذاك الذي لا زال متماسكا، إنه سعيد بالفعل وإن لم يُبدِ ذلك ولكنه لا يريد أن يكون حملا على أحد، لا يحب أن يكون مدينا لأحدهم ولو بكلمة حتى إن كان هذا الأحدهم شخصا لا ينتظر مقابلا، لا يريد أن يتعلق هذا القلب بشخص حياته مهددة على الدوام مثله، ثم... ماذا إن تكرر الأمر؟ ماذا إن وقع في خطر مجددا؟ سيخاطر لادن لإنقاذه بالتأكيد، وربما المفتش جهاد، ماذا إن فقدهما؟ هذا ما لا يريده، وإن كان يعلم أن الموت حق على الجميع، لكنه لا يريد أن يفقد شخص روحه بسببه هو، في محاولة مساعدته... كما حدث مع والده!

ليس وكأنه يعترض على قضاء الله وقدره، ولكن شيء داخله يؤنبه باستمرار، يحمله كامل المسؤولية.

انتشلته كلمات المفتش جهاد من قوقعته وهو يقول بنبرة جادة دون أن يمحي تلك الابتسامة:

_لا بد أن رنيم أوشكت أن تنتهي من حزم الأمتعة، عليك مساعدتها.

اتسعت عيناه -قليلا- بدهشة معلقا:

_رنيم تعلم؟

أجابه لادن بابتسامة:

_نعم، أخبرتها لين قبل قليل.

كان عمران مذهولا بحق، مصدوما وإن لم يبدُ ذلك، هؤلاء رتبوا كل شيء بالفعل، في هذه اللحظة تذكر الأمر، الحل الذي سيريح به ضميره قليلا.

نظر للمفتش جهاد بنظرة حازمة وقال بنبرة جادية رسمية:

_أقدر ما فعلته تماما؛ لذا اسمح لي أن أرد جميلك هذا برد المال.

تابع وهو يلاحظ المفتش الذي فتح فمه ليعترض:

_لا يجب أن نتجادل في ذلك إذا سمحت، سأبيع المنزل القديم وأرد لك المال بالتقسيط.

لف لادن وجهه للجهة الأخرى ضاحكا وهو يراقب والده الذي هم معترضا بتأنيب:

_لم نتفق على هذا!

ابتسم عمران بهدوء:

_لم نتفق على شيء أيها المفتش، كل ما فعلته كان دون علمي.

تنهد جهاد باستسلام قبل أن يبتسم وقد دبت فكرة ما في عقله وهو يخطف نظرة لصديقه المفتش نبيه ثم ثبت بصره على عمران مجددا:

_لدي فكرة، يمكنك إعادة المال الذي دفعه نبيه وأحمد؛ لكني لن أسامحك إذا رددت لي قرشا واحدا.

حدق فيها عمران بصدمة... مهلا، ليس المفتش جهاد وحده من دفع المال؟ بل ومعه المفتش نبيه، والمفتش أحمد الذي لم يره سوى في هذه القضية؟ ماذا بعد؟ ما الصدمة القادمة التي سيخبرونه بها؟

تحدث نبيه معترضا على كلمات صاحبه:

_يا رجل لا تقرر عنا.

_قُضي الأمر إذا

قالها عمران بهدوء ثم نظر لجهاد متابعا وعلى شفتيه شبح ابتسامة صغيرة:

_صدقني أيها المفتش... لن يمر هذا الأمر هكذا، سأجد ما أرد به هذا الجميل.

_توقف عن مناداتي بالمفتش...  (تابع مبتسما)  نادني يا عم

صمت المحقق البارد قليلا مفكرا ثم هز رأسه بإيماءة صغيرة قائلا:

_حسنا يا عم.

هنا كان لا بد من تدخل لادن الذي قال متذمرا وهو يثقب عمران بنظراته:

_هِيه عمران، بهذه السهولة تقولها لوالدي، وأنا أنتظر منك كلمة «يا صديقي» منذ وقت طويل ولم أسمعها، هذا ليس عدلا البتة!

ضحكوا جميعا حتى عمران... لم يضطر أن يتكلف أمامهم، حسنا ربما اليوم استثناء، فهذا لا يحدث دائما بالطبع.

ابتسامة راضية حلت على وجوه الجميع، تحديدا جهاد الذي شعر أن هما كبيرا قد انزاح عن قلبه، فقرب عائلة قاسم منه يريحه بشكل كبير.

تحدث عمران مستئذنا:

_عن إذنكم (نظر للادن متابعا بابتسامة جانبية) أراك غدا يا صديقي.

غادرهم بخطى ثابتة، ففغر لادن فاهه من الصدمة، ونظر لوالده والمفتش نبيه كمن لا يصدق ما سمعته أذناه للتو، اعترف أخيرا؟ لا بد أن أذناه أخطأتا السمع.

مازحه والده قائلا:

_مبارك مبارك!

قهقه لادن بخفة وابتسم بسعادة:

_بورك فيك يا أبتي!

من جهة أخرى...

كانت رنيم تجلس قرب والدتها تحدثها عن القضية منذ البداية حتى النهاية، ولم يقطع تلك اللحظة سوى رنين هاتفها الذي سببه اتصال لين.

أجابت على الاتصال وتبادلتا التحية والسؤال عن الحال ثم قالت لين بحماس:

_تحقق حلمنا أخيرا!

قطبت رنيم حاجبيها مستغربة:

_لا أفهم؟

_سنصبح جارتين يا فتاة! احزمي أمتعتك وأهم ما تحتاجينه، عمران في طريقه لأخذكما للبيت الجديد، الآن احزمي الأمتعة المهمة فقط وغدا أكملي، حسنا؟

اتسعت حدقتا رنيم مصدومة:

_كيف حدث ذلك؟

_اسألي عمران عن كل شيء لاحقا، الآن تجهزي يا فتاة!

تابعت تحثها:

_هيا هيا، سأغلق الآن، أراك غدا.

أغلقت لين الخط دون أن تترك للأخرى فرصة الإجابة، لتقول الأم قلقة:

_ما الأمر بنيتي؟

هزت كتفيها قائلة:

_والله لا أعلم يا أمي، لكن يبدو أن عمران اشترى منزلا قريبا من منزل عائلة لين وهو الآن في طريقه لأخذنا هناك.

نظرت لها أمها بتعجب واضح وأمارات الشك تطفو على ملامحها وسؤال واحد جال بذهنها «كيف حدث ذلك؟»

وقفت رنيم وفتحت خزانة والدتها وأخرجت منها حقيبة سفر صغيرة ووضعت بها بعض الملابس وحاجيات والدتها المهمة ثم أغلقتها ووضعتها جانبا ثم ذهبت لغرفتها لتعد حقيبتها كذلك، وضعت ملابس الجامعة وما تحتاجه غدا ثم وضعتها قرب حقيبة أمها وجلست بصمت بعد أن ارتدت حجابها وساعدت أمها في ذلك أيضا، وأخذت تنتظر شقيقها الذي لم يطل انتظارها له كثيرا.

سمعت صوت فتح قفل الباب، ثم صوت خطوات شقيقها تقترب، ليطل عليهما ملقيا السلام وعلامات تعجب علت محياه قليلا قبل أن تحل محلها نظرة ساخرة وهو يرى حقيبتي السفر:

_يبدو أن الأمر وصل بسرعة البرق.

رمقته شقيقته بتذمر ولم تعلق في حين استفسرت والدته قائلة:

_كيف اشتريته؟

_لست من اشتراه (تابع بصدق) قام المفتشون بشرائه دون علمي، لقد علمت قبل قليل مثلكما تماما.

نظرتا له بذهول فتابع بابتسامة جانبية:

_لا تقلقا اتفقت معهم على رد المال فلن أقبل شيئا كهذا بالطبع، لكن المفتش جهاد رفض قطعا أن أعيد له قرشا واحدا؛ لذا سأعيد المال للمفتشين الآخرين بالتقسيط؛ أما هو فسأجد طريقة أخرى بدلا عن المال.

كانت رنيم مذهولة، في حين التزمت والدته الصمت ولم تعلق.

✿✿✿

وضع عمران الحقائب في صندوق السيارة الخلفي بعد أن أغلق باب المنزل جيدا، ثم وضع أمه في الكرسي الأمامي بعد أن عدله ليصبح كسرير لترتاح فيه، وجلست رنيم في الكرسي خلف كرسي شقيقها، بعد أن ثنت الكرسي المتحرك الخاص بوالدتها ووضعته جانبها.

كان رنيم متحمسة جدا لرؤية منزلهم الجديد، وما زاد حماستها هو قربه من منزل لين، بالتالي سيزداد لقاؤها بها، ولن تشعر بالوحدة كثيرا كالسابق،  أيضا يمكنها الدراسة مع لين متى تشاء، ولقاءها في غالب الأوقات.

عمران كان صامتا طوال وقت القيادة، يخطف نظرة بين الفينة والأخرى تجاه والدته التي تلف وجهها نحو النافذة تراقب الطريق وعلى محياها بسمة لطيفة كانت كفيلة بإراحة قلب ابنها.

توقفت السيارة أمام ذاك المنزل ذو الحجم المتوسط، كان أكبر من منزلهم السابق وأرقى...

نزل عمران وتوجه نحو باب المنزل وفتحه، ليعود بعد ذلك لوالدته ويضمها لصدره متوجها بها للداخل، تبعته رنيم وهي تجر حقائب السفر معا رغم نهره لها عن ذلك، لكنها أخبرته أن جرهم ليس صعب بل وسهلا جدا.

تجولت رنيم في الغرف بحماس في حين وضع عمران والدته في الكرسي المتحرك وأخذها يريها كل شبر في الداخل.

✿✿✿

صباح اليوم التالي...

كانت رنيم تقف في بوابة حديقة منزلهم الجديد، تراقب باب منزل لين التي اتصلت بها قبل نصف ساعة وأخبرتها أن والدها من سيأخذهما للجامعة في طريقه لمركز الشرطة.

لم يطل انتظارها كثيرا إذ خرجت لين من المنزل وما إن لمحتها حتى لوحت لها بنشاط وأشارت لها أن تأتي، كان يفصلهما شارع صغير لمرور السيارات لكن لم تكن به أي سيارات لكون الوقت لا زال في ساعات النهار الأولى.

تبادلتا التحية والسؤال المعتاد عن الحال، ثم أردفت لين بحماس:

_متحمسة لرؤية منزلك الجديد يا فتاة!

لم تعلق رنيم واكتفت بابتسامة صغيرة أخفاها نقابها لتتابع الأخرى بذات نبرتها السابقة:

_أيضا، متشوقة لأريك المكتبة التي تضم الكثير الكثير من الكتب حتى أن الكتاب الذي ساعدني في حل القضية أخذته منها.

تبدلت ملامحها لضيق عند تذكرها القضية معقبة:

_ذاك الموسى لا أدري ما الفائدة من فعلته!

علقت رنيم:

_هداه الله.

قاطعها فتح باب المنزل مجددا ليطل من خلفه جهاد بلباس الشرطة الرسمي، ألقى عليهما السلام ثم أشار للسيارة.

ركب في مقعد السائق في حين ركبت لين في مركب الراكب الأمامي وخلفها رنيم.

طوال الطريق كان الصمت مسيطرا حتى أردف المفتش بهدوء ونبرة نصح أبوي:

_لا تبديا أي ضيق من تصرف موسى أمام شقيقته، يكفيها ما بها.

لم تتحدث رنيم في حين هزت رأسها متفهمة باحترام، في حين تساءلت لين بدهشة:

_كيف علمت أن شقيقتها تدرس معنا يا أبي؟

ابتسم ممازحا:

_لا تنسي أنني محقق سابق

_كيف لي أن أنسى؟ فقط أخبرني، أهو لادن؟

ضحك بخفة وهز رأسه إيجابا لتعبس تحت نقابها وتلتزم الصمت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

١: عادة قتلت صاحبها «الجزء الخامس من سلسلة ثنائي العدالة»

(تمت بحمد لله)

نلتقي في الجزء السابع والأخير💙

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وجهان لعملة واحدة

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة