أوجدت جوابا لسؤالك؟

أوجدت جوابا لسؤالك؟

15 0

عاد لادن للقاعة مجددا بعد أن أرسل رسالة لشقيقته، ليسأله المفتش نبيه:

_ماذا قال عمران؟

أجاب بهدوء وهو يجلس في مقعده:

_قال أنه مشغول، وقد يتأخر ساعتين.

خطف جهاد نظرة قلقة لابنه لكنه لم يعلق والتزم الصمت، ليعيد أحمد تركيزهم للقضية مقلبا عينيه بين ليث ولادن:

_إذا كيف مضت التحقيقات مع المختطفين السابقين؟

_رفضوا التعاون.

قالها لادن باختصار وعقله يفكر في عمران إن كان بخير، وما الذي حدث معه ليستغرق ساعتين؟ سرعان ما قطع شروده وصول رسالة  من لين، كانت رسالة مختصرة جدا منها «أمه مريضة» قرأها ليظهر القلق جليا على وجهه فسأله والده بهدوء وحنان أبوي:

_ما الأمر بني؟

هز رأسه نافيا ورسم ابتسامة كاذبة قائلا:

_لا شيء مهما...

ثم أعاد نظره للرسالة وقال وقد رسمت بذهنه كلمات صادقة وإن لم تكن سبب قلقه الحقيقي الآن:

_أحدهم غاضب مني... أو ربما منا.

ضحك جهاد بخفة وقد فهم المقصد ثم هز رأسه متفهما وعاد الصمت لهم قبل أن يقول نبيه لـ ليث:

_ماذا جرى مفصلا؟

خطف المحقق الغريب نظرة للادن وكأنه يستأذنه في قص ما جرى بدلا عنه... لنقل أنه بات يخاف هذا اللادن قليلا... لكن الآخر لم يبدِ أي تعبير توحي بأي شيء حتى، فقط شرود ذهنه جعلهم يتركونه وشأنه حتى والده رغم قلقه عليه ومعرفته أن السبب ليس غضب لين وحده إلا أنه لم يكن في مكان يسمح له بسؤاله.

_في الحقيقة... ذهبنا أولا لمنزل السيد أنس، انتظرناه في الخارج وسأله لادن بضع أسئلة، كانت إجاباته مختصرة وحملت بعض الغموض في طياتها، كما أنه كان ذو معاملة وقحة جدا معنا.

تابع بعد أن لاحظ انتباه المفتشين الثلاث:

_ثم ذهبنا لمنزل السيد عامر، إنه شاب أسمر بشوش الوجه دمث الخلق، استقبلنا استقبال المرء لضيفه وأكرمنا حتى أخجلنا، سألناه كالأسئلة التي سألناها صاحبه ولم تكن إجاباته مختلفة عن سابقه إلا أنه أجاب بهدوء وابتسامة صغيرة دون وقاحة.

علق نبيه:

_ألا يبدو تصرفهما متناقضا؟

أومأ له الثلاثة فيما كان لادن صامتا يحدق في شاشة هاتفه وقد كان منهمكا في إرسال رسائل نصية لأخته يسألها عن سبب غضبها فاختصارها ذلك لا يعني إلا أنها غاضبة.

تابع ليث بهدوء ساردا باقي ما جرى:

_توجهنا بعدها إلى منزل السيد عزام لكنه لم يكن هناك وأخبرنا شقيقه الأصغر أنه في مطعم ***، فتوجهنا هناك.

عندما أخبرناه أننا من الشرطة لم يبدِ سخطا ولم يكن غاضبا، بل بالعكس رحب بنا ببشاشة وقال أنه مستعد للإجابة على كل أسئلتنا.

تهلل وجه المفتشين لهذه الكلمات لكن المحقق تابع بإحباط:

_لم تكن إجاباته مختلفة عن سابقيه، وكان يمكنني ملاحظة التوتر في ملامحه...(تنهد بضيق)  في نهاية الأمر لم نحصل على شيء له قيمة.

قذف الصمت حجارته في قلوبهم ليزيد ثقل همومهم، ثم قال جهاد بنبرة متفائلة:

_لننتظر قدوم عمران، لابد أن لديه ما يفيد.

هزوا رؤوسهم موافقين في حين وقف لادن بجدية قائلا:

_سأعود للمنزل.

حدقوا فيه بتعجب ليتبادل نظرة سريعة مع والده ثم أردف

_سأعود مجددا ولكن ربما بعد ساعتين.

استأذن وغادر، ليقول ليث مستفهما:

_ساعتين؟ هل سيعود مع المحقق عمران؟

ابتسم جهاد وكأنه لم يفكر في الأمر قبلا وقال:

_ربما.

علق أحمد بهدوء مع شبح ابتسامة:

_لادن يبدو مختلفا قليلا على لقائنا السابق... أقل حدة.

نظر له المفتش جهاد بذهول متسائلا في نفسه «لادن يتصرف بحدة؟» في حين ضحك المفتش نبيه:

_هذا لأنك لم تعمل على استفزازه هذه المرة

رمقه أحمد بعتاب في حين ضحك ليث قائلا:

_صحيح، لم يعاملني ببرود كبير هذه المرة.

_هل لكم أن تشرحوا لي القصة؟

أجابه المفتش أحمد:

_طبعا طبعا يا صديقي... كان ذلك في قضية قتل رئيس مركز الشرطة¹، وقتها ظننت أن عمران ابن قاسم-رحمه الله-، هو من سيأتي مع المفتش نبيه، لكنني تفاجأت بابنك يا رجل... حينها خطرت ببالي فكرة ممازحته قليلا... فقمت أنا وليث باستفزازه قليلا فقط.

أنهى كلامه ضاحكا ليقول جهاد بنبرة ياسئة مصطنعة:

_لم تتغير

أجابه واثقا:

_ولن...(تابع بابتسامة) لم يكن مثلك، لم يستطع إخفاء غضبه على عكسك.

أردف جهاد بتكبر مصطنع ضاحكا:

_بالطبع فليس لادن كجهاد.

نظروا له بصدمة فليست هذه طباعه ليضحك أحمد قائلا:

_تواضع يا رجل!

★★★

توجه لادن للمنزل بسيارة والده، وقبل ذلك وقف على إحدى مكتبات القرطاسية واشترى بعض الدفاتر والأقلام والمشابك ثم وضعها في كيس وتوجه لمكتبة صغيرة على الطريق وأخذ منها كتابا عن دراسة سلوك الأشخاص وكيف يتحولون لقتلة، بعد ذلك اتجه لمنزلهم.

ركن السيارة وخرج مع هداياه التي يمكنها امتصاص غضب أخته ولو قليلا منه، دخل المنزل ومر بالصالة الوسطى حيث تجلس والدته تقرأ وردها، فقبل جبينها بلطف وجلس بعد أن أشارت له بذلك، فلما أكملت قراتها وضعت المصحف جانبا وسألته باستغراب:

_هل انتهى العمل اليوم؟

نفى برأسه ثم رفع كيس الهدية قليلا ليلفت نظرها إليه وقال ممازحا:

_أحدهم غاضب مني وعلي إرضاؤه.

_لين؟

_ومن غيرها؟

ابتسمت والدته بخفة ممازحة:

_أعانك الله.

أطلق سراح ضحكة خافتة خوفا من أن تسمعه شقيقته وقال:

_إياك أن تسمعك وإلا سأضطر للعمل على كسب رضاها لفترة طويلة.

_حفظكما الله وأدام ودكما يا بني.

أمن على دعائها ثم استأذنها ليصعد السلالم ثم يخطو بثبات نحو غرفة أخته، طرق بخفة فلم تجب، لم يستغرب فطرق ثانية ليأتيه صوتها البارد «لا تدخل» ضحك بخفة وحدثها من خلف الباب:

_وكيف عرفت أنه أنا؟

أجابته بتلقائية بذات النبرة السابقة:

_رأيتك تنزل من السيارة.

ابتسم ممازحا:

_كنتِ تنتظرين قدومي إذا.

استطاع أن يسمع صوت قبضتها على الطاولة بسبب انفعالها، فحتى وهي غاضبة منه لا تستطيع تجاهله، فابتسم بهدوء قائلا وهو يدير المقبض:

_سأدخل.

فتح الباب لتصرخ في وجهه غاضبة:

_لا تنظر!

أغمض عينيه بسرعة قائلة بتذمر:

_هاه؟

أما هي فرتبت الأوراق التي تخص القضية بسرعة ثم أخفتها تحت أوراق الكتابة خاصتها قائلا بعد أن رمت نفسها على السرير بغضب:

_افتحهما.

فتح عينيه ونظر لها متعجبا وقد رفع حاجبه الأيمن باستنكار فقد لمح بالبداية السرير الغير مرتب ثم رتبته فجأة فعلق:

_لا أظن أن غضبك قد يجعلك تتغيرين لدرجة ترتبين سريرك كي لا أراه فوضويا!

تسلل شبح ابتسامة لشفتيها سرعان ما أخفته تحت ملامح غاضبة تقاوم بها مشاعر السعادة باهتمامه بها، ثم لمحت يده تمتد بالكيس نحوها وهو يقترب ليجلس جانبها بعد أن أطلق تنهيدة يائسة من تصرفاتها الطفولية:

_هدية صغيرة لأجل كاتبتي الأولى والأخيرة.

أمسكتها بسرعة وفرغتها على السرير لتشهق عندما لاحظت الدفاتر الجديدة والأقلام لتسأله مصدومة:

_كيف عرفت بأن دخيرتي² تكاد تنفذ؟

ضحك بخفة:

_لأنك تعكفين على الكتابة كثيرة هذه الفـ...

قاطعته بشهقة سعيدة عندما لمحت الكتاب الذي احتضنته قائلة بسعادة:

_أشكرك أيها المحقق العظيم!

_على الرحب كاتبتي (تابع ضاحكا)  هدأت ثورتك بسرعة.

زفرت بغضب ثم قوست شفتيها بعبوس قائلة بتذمر:

_اصمت... أنت السبب!

أردف مبررا:

_لا تلقي اللوم علي ليلي، اللوم على أبي فهو من أمرني بالعمل مع ذاك الليث وأمر عمران العمل مع أخته... ثم اللوم عليك أيضا (نظر لها ضاحكا) فلم تهتمي عندما أخبرتك أنني في مهمة مع ليث، ولم تسأليني لم لست مع عمران؟

حدقت فيه بعتاب لقلب الطاولة ضدها، ثم التزمت الصمت لثواني متكئة على كتفه قبل أن تسأله باهتمام وكأنها لا تعرف الإجابة مسبقا:

_إذا ما القضية؟

ابتسم بهدوء وأخذ يروي لها القصة منذ البداية بالتفصيل، ذاكرا كل شيء هاما وغير ذلك عله يرضيها بفعله هذا، وما إن انتهى من كلامه حتى ضحكت بخفة:

_يبدو أن علاقتك بالمحقق ليث قد تحسنت.

رمقها بطرف عينه بتذمر:

_لا تتحدثي بهذا الشأن.

ابتسمت بهدوء وأومأت له ثم أردفت بجدية:

_تبدو قضية غريبة صحيح؟

_إلى أبعد حد... أتعلمين؟

_همم؟

_تذكرني بقضية اختطاف السيد سمير³.

حدقت فيه لوهلة مذهولة ثم أطلقت ضحكة ساخرة:

_كم أكره تلك القضية فقد كان دافعها الطمع مغلفا بالافتراءات!

هز رأسه موافقا، فسألته باهتمام:

_ولكن لم خطرت ببالك؟ ألكونهما قضيتا اختطاف أم لسبب آخر؟

_ربما لكليهما، لكونها قضية اختطاف، وأيضا... لغرابة ما يجري، فلم يتم اختطاف أربعة أصدقاء؟ بل ولم يمتنع الأصدقاء الثلاثة الأحرار عن الاعتراف بأي شيء عن الخاطف رغم أن صديقهم المختطف لا خبر عنه بعد؟

هزت رأسها موافقة كلماته قائلة:

_وأيضا... ما الدافع؟ إن لم يكن المال فماذا سيكون؟

_لا أعلم...(تمتم بشرود)

من جهة أخرى...

كانت رنيم تجلس جانب شقيقها على كراسي الانتظار في المشفى، غلفهما الصمت، كانت تهمس لنفسها مطمئنة إياها أن كل شيء بخير، فيما كان عمران شاردا في المشهد السابق، صورة والدته وهي فاقدة الوعي ملقاة جنب السرير لم تفارق ذهنه، هذه الذكرى ستبقى ندبة في قلبه للأبد... لن تلتئم!

أفاقه من شروده لمسة صغيرة على كتفه فالتفت لصاحبتها التي أشارت للمرضة برأسها، ففهم مقصدها وذهبا نحوها.

كان عمران غاضا بصره، في حين سألت رنيم بلهفة:

_هل أمي بخير؟

هزت الممرضة رأسها بابتسامة صغيرة وأردفت مطمئنة:

_الحمد لله هي بخير... لكنها تعاني من نقص بعض الفيتامينات؛ هذا سبب إغمائها على الأرجح.

اتسعت ابتسامة رنيم لسماع هذه الكلمات في حين سأل عمران بنبرة هادئة:

_هل يمكننا رؤيتها؟

_نعم... أيضا لا داعي لبقائها في المشفى فحالها لا يستدعي ذلك، فقط يجب عليها تعويض جسدها بالفيتامينات.

أومأ متفهما ثم توجه مع أخته نحو الغرفة التي بها والدته، دخلا فابتسم لها بلطف قائلا:

_كل شيء على ما يرام

بادلته الابتسام قائلة بعتاب:

_أخبرتك أنني بخير

علقت رنيم مؤنبة نفسها:

_كان علي الاهتمام بصنع الوجبات التي تفيد جسمك كثيرا.

طبطب عمران على رأسها قائلا وهو يتجه لوالدته ليحملها بين ذراعيه قالها لشقيقته:

_دعي الماضي جانبا، وابدئي الآن

هزت رأسها إيجابا بحماس في حين ابتسمت أمهما بلطف وسعادة فقد كتب لهذه العلاقة أن تتحسن عما كانت عليه.

توجهوا نحو السيارة، فتحت رنيم الباب وعدلت المقعد الأمامي للراكب بحيث يصبح أشبه بسرير، ثم وضع عمران والدته عليه برفق وأغلق الباب، ثم توجه لباب السائق وركب، وركبت رنيم في المقعد خلفه.

تحدثت رنيم بابتسامة وهي تسأل أمها:

_ما رأيك أمي بوجبة عشاء مليئة بالخضار؟

_كل ما تعده يداك لذيذ يا ابنتي.

توردت وجنتاها بخجل في حين ابتسم عمران لا إراديا لكون الأمور بخير.

سألته رنيم بشرود وهي تحدق في الطريق من النافذة:

_هل ستعود للمركز الآن؟

_نعم.

تمتم بهدوء ثم سألها باستغراب:

_هل تحتاجين شيئا؟

_كلا كلا... فقط (ترددت) أنت لا ترتاح البتة.

استغرب من إجابتها لكنه لم يعلق والتزم الصمت لتسأله والدته بهدوء بعد أن خطر بذهنها سؤال:

_بالمناسبة يا بني... هل وجدت جوابا لسؤالك؟

سألت رنيم باستغراب:

_أية سؤال؟

أجاب عمران أخته بهدوء:

_«لِم يُضحي الشرطي بحياته لإنقاذ غيره؟»

نظر لوالدته متابعا وقد مر طيف ابتسامة جانبية ليحتضن شفتيه:

_أظن ذلك؛ حس المسؤولية الذي يملكه تجاه الآخرين هو الدافع الذي يحركه لإنقاذهم، وكأنه يعلم أن اختياره أن يكون شرطيا هو ذاته أن يكون الوسيلة التي يضعها الله لحماية الضعفاء.

أنهى كلماته ليعود الصمت مجددا قبل أن يقطعه تساؤل مستغرب من شفتيه عندما وصلوا للمنزل:

_لادن؟

في مكان آخر...

كانت مرام تجلس في غرفتها بشرود قبل أن يصلها إشعار رسالة من مجهول لتفتحها فإذا فحواها «افتحي نافذة غرفتك»

نظرت للرسالة بتوجس وشعور الوجل تمكن منها لكنها تغلبت على خوفها ورغم توقعها لما سيحدث بعد قليل إلا أنها فتحت النافذة ووجدت ما كانت تخشاه... ظرف رسالة صغير ثبت بحجر كي لا يطير مع الريح.

حملت الظرف بسرعة وأغلقت النافذة بإحكام مسدلة الستائر، وأغلقت باب غرفتها بالمفتاح منتظرة ما ستجده في الرسالة، كان قلبها يرتجف بشدة أكثر من يديها اللتين فتحتا الظرف بارتعاش، لتسقط منه رسالة وورقة صغيرة مطوية على أربع.

فتحت الرسالة أولا لتقرأ ما قفز له قلبها «ألم أخبرك ألا تتصلي بالشرطة؟ أتحاولين خداعي؟»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

١: الجزء الخامس من السلسلة «عادة قتلت صاحبها»

٢: تعبير مجازي والمعنى أن أغراضها أوشكت أن تنفذ.

٣: الجزء الأول من السلسلة «خلف الستار»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وجهان لعملة واحدة

المؤلف البروء
2025/12/27 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة