جلس يفكر في عرض صاحبه الذي غادر منذ مدة،..، قطع تفكيره صوت خطوات أقدام عمه الذي اتخذ مقعدا و جلس أمامه،..
"هل اتخذت قرارك؟"
" ليس بعد يا عمي.. " رد رايدن و علامات الحيرة بادية على وجهه، ابتسم عمه ليقول: " القرار النهائي بيدك يا بني، لكنني أنصحك بالموافقة، المؤسسة التي يعمل فيها اسحاق جيدة، و المنصب الذي عرضه عليك فرصة لا تعوض، خاصة لشخص لا يزال طالبا، أعلم أنك ستتعرض لنوع من الضغط،تدرس صباحا و تعمل مساءا لكن يمكنك الاستقالة فورما تريد ذلك. " رفع كتفيه في النهاية ليومئ الآخر بصمت.
هو لا ينكر، العمل كمساعد مبرمج في مؤسسة كالتي يعمل فيها اسحاق، و رغم أنه لا زال طالبا جامعيا، لهو فرصة ثمينة، هو الآن صار رجلا راشدا، و عمه في منتصف الخمسين من عمره، و لديه زوجة و أبناء، و منزله ليس بذلك الحجم الكبير، و مستحقاته اليومية تزداد، لذا فهو يشعر و كأنه يثقل كاهل عمه فحسب، لقد رباه منذ أن كان يبلغ من العمر خمس سنوات، لكن الآن عليه أن يبحث عن منزل و يدبر أمره بنفسه!
"حسنا إذا، سأقبل بعرضه!" قالها لتظهر الدهشة على وجه الآخر، قرب رأسه نحوه ليقول: "بهذه السرعة؟ أ أنتَ واثق حقا؟! "
أومئ له بعزم ليقول: " أجل، واثق يا عمي، كما أنني أحتاج لمصدر دخل، صرت كبيراً و ليس من اللائق أن تصرف علي إلى جانب عائلتك. "
حرك العم رأسه للجانبين و أمسك يده قائلا: " رايدن، أنا أدعوك بني لأنني أعتبرك كذلك، أنتَ ابني الأكبر، لم أعتبرك يوما أنك ابن أخي، ربيتك و ها أنتَ ذا تكبر أمامي كل يوم، بلغت أشدك ودخلت أنا في مرحلة العجز، و لكن، إياك أن تظن أنك عبئ علي، أنا لم أكفلك لكي تدبر أمورك بنفسك فيما بعد، لست بجانب عائلتي بل أنتَ واحد منها، تحمل لقبي و نتشارك الدم نفسه، المنزل منزلك و العائلة عائلتك، رغم أنني لست الحقيقي، لكنني سأسعد إن اعتبرتني أبا لك، و ليس مجرد عم. "
ابتسم لا شعوريا ليرد عليه: " أنتَ كذلك بالنسبة لي، لذا ابتهج! "
ضحك بخفة ليفلت يده و يقحمها في جيبه، أخرج بضع أوراق نقدية و وضعها فوق الطاولة التي تفصل بينهما قائلا: " هذه لك، اشتري ملابس جديدة من أجل مقابلة عملك! "
و قبل أن يقوم بالرفض نهض من مكانه و خطى نحو المطبخ المؤدي للمنزل..
" مهلا! " استوقفه ليلتفت و يجد رايدن يقترب منه، انحنى قليلا بسبب فارق الطول بينهما ليعانقه و يقول: " أحبك حقا، أبي! "
ظهرت ابتسامة صادقة على وجه فاسيلي ليربت على ظهره بخفة، بينما فلاديمير يراقبهما من بعيد، و شعور بالحقد يغلي داخله...
------------
كان الخمسة يتناولون عشائهم بصمت، شعرت علياء بعيون تراقبها لترفع رأسها و تجد صفية تلمح لها بعيونها تجاه والدها، فهمت الرسالة لتمثل قائلة: " بالمناسبة يا أمي، نسيت اخبارك بشيء! "
ادعت صفية الفضول لتسأل: "حقا! و ما هو؟!"
ابتسمت نائلة بابتسامة ذات معنى و هي تراقبهما،...، عليهما أن يتدربا على التمثيل حقا!
" أخبرتني صديقاتي بأنك جميلة للغاية، و أنني محظوظة لامتلاكي أما مثلك ! "
ظهرت علامات دهشة مصطنعة على وجهها لتلمح ردة فعل ريان، ليقول يعقوب: " لكنك أخبرتِ أم.. " صمت و بدت عليه ملامح متألمة بسبب نائلة التي وضعت قدمها بعنف على قدمه،..، شكرت صفية أخت زوجها داخليا، فيعقوب لا ينفك عن تخريب كل شيء بسبب لسانه السليط.
حاول ريان كبح ابتسامته، فهو يعلم أن صفية قد أوصت ابنته من قبل بأن تقول أمرا كهذا أمامه، لازال لا يعلم السبب لكنه ادعى الجهل و توقف عن الأكل ليوجه بصره نحو علياء: " ليس بالخبر الجديد، بالطبع، صفية جميلة و هذا أمر بدهي . "
ابتسمت صفية لتقلب نائلة عينيها بيأس،..، بدأت الرومنسية السخيفة!
أكمل ريان كلامه بابتسامة و هو ينظر لزوجته بينما عيناه تفصح عن مقدار الحب الذي يكنه لها: " لا زلت لا أدري، ما الذي فعلته حتى أرزق بامرأة مثلها، هي نعمة من الله، و مهما حمدته لن يكفي. "
" أ تحب أمي؟ " سألت علياء ليومئ و قبل أن يقول أي كلمة تدخلت نائلة: " بالله عليك! ما هذا السؤال الغبي؟ الجميع يعلم أن ريان واقع في أعماق حبها كالغريق في أعماق البحار! "
ضحكت صفية بخجل بينما أشاح ريان بنظره محرجا لتستغل شقيقته الفرصة: " بعدما حصل على شهادة الباكالوريا سافر لروسيا ليكمل دراسته، و بعد أن عاد للجزائر، أخبرنا بأنه يريد أن يدرس الطب لأن الهندسة لم تعجبه، و الحقيقة لأنه فعل ذلك من أجل فتاة أحبها... "
زفر ريان ليقطعها منزعجا: " لم تعيدين نفس القصة في كل مرة؟! "
حركت حاجبيها للأعلى و الأسفل باستفزاز لتكمل متجاهلة انفعاله: " و كما قلت يا ابنة الأخ، هذا ما حصل، و لم يخبر أحدا بما يخالجه، لكن أتعلمين أنني أول من كشف أمره؟"
" كيف؟! "سألت بدهشة و فضول لترد شعرها البني الطويل، خلف أذنها و تقول بثقة:" ذات يوم في الصيف، مرض بالحمى و أردت الاطمئنان عليه، في منتصف الليل، ثم أجده يهذي باسم فتاة اسمها صفية! "
طأطأ ريان رأسه ليغطي نصفه العلوي بيده بينما التفت كل من يعقوب و علياء بكامل تركيزهما نحو عمتهما: " أردت ايقاظه لذلك حركت كتفه،..، لكن لم يستيقظ و أخذ يقول: إني أريد صفية! إني أحبها! بينما يحرك يديه في الهواء و أوشك على ضربي! " قالتها بينما تقلده بكلتا يديها لينفجر كل من صفية و علياء و يعقوب ضحكا، احمر وجهه لينهض و يصعد نحو غرفته، و إذ بها تتابع حركته باستمتاع،..، لكن في أعماق صفية، شيء من الامتنان، لله الذي وهبها زوجا يحبها، و أبناءا كأبنائها، حتى بالنسبة لنائلة، فهي تعتبرها أختا صغيرة لها، و صديقة مقربة..
يقال، الصبر مفتاح الفرج،..، و لا يمكنها أن تنسى تلك المشاعر،..، مزيج من اليأس،الفشل، العجز، حزن عميق يقتلها داخليا، ألم شديد، دموع ظهرت آثارها على ملامح وجهها التي أثقل التعب كاهلها، تعلم أنه ابتلاء من ربها، و ما أشده من ابتلاء إن أصاب صحة المرء!
خاصة إن كان بدون علاج..
أن تنتظر موتك و تعد له بالثواني كل يوم، أن ترى الشفقة، الحزن و دموع الوداع القابعة خلف قناع ابتسامة من يحبونك و يهتمون لك بصدق ، أن ترى الشقاء و الظروف الصعبة التي تمر بها عائلتك، أما أنت، فتكون عاجزا، ليست بيدك حيلة،..، هنا يدرك الإنسان مدى ضعفه، مهما بدا قويا، مهما ملك، و مهما حكم، و مهما اشتد بأسه، و زاد ماله، سيبقى جوهره ضعيفا، يكسر من نسمة رياح، أو كائن بحجم ذرة، أو شوكة صغيرة، حتى من أبسط الأمور و أصغرها، يتضرر الشخص و يعجز، و يدرك أن قوته مجرد وهم، و أنه في النهاية عبد ضعيف، بدون حول ولا قوة..
و إن من أشد العبادات و التي تظهر كينونة الانسان هي الصبر، أن تصبر و تنتظر،..، و لا تعلم ما الذي سيحدث تاليا، أن تصبر على المجهول لهو أمر يحتاج لإيمان و يقين و تصديق بإن الإله،..، الخالق، القادر على كل شيء، الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن... فيكون..
"سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا"، هذا قول الله و قوله الحق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و في القرآن آيات عديدة، تبين مصير الصابرين على الابتلاء،
و جميعها تقول بأن مصيرهم، الفرج، و الأجر العظيم،...
قد تصبر على هم لا يعلم حجمه أحد، لكن لا تنسى، بأنه يوجد إله على العرش استوى، لا ينسى ولا يغفل، و هو عز وجل، يعوضنا،..، بما هو أحسن..
---------
" ليليا... ليليا استيقظي! " صرخت سدرة في آخر حديثها لتفتح أختها عينيها بكسل، رفعت رأسها لتجد نفسها ترتدي ثوب الصلاة، و تنام فوق السجاد..
" أخيرا استيقظتي! " أنبتها لتنظر لها بتشوش، رمشت مرتين ثم وضعت رأسها على السجاد لتنام مجددا، لكن أختها الأصغر منها شدتها من عنق ثوبها لتجرها للخارج..
" ما الذي يحدث هنا؟ " سألت أختهما الثالثة آليا لترد سدرة: "إنها العاشرة صباحاً لكنها لا تزال نائمة!"
" هذا لأنها لم تنم الليل كله. "ردت آليا لتنظر شقيقتها لها باستغراب، إلا أنّ ليليا أفلتت يدها و سقطت على الأرض قائلة بصوت ناعس:" دعيني أنام! أنا متعبة. "
كتفت سدرة يديها لتقول: " لا شك أنها سهرت بسبب الهاتف، ألا تتوقفين عن مشاهدة مقاطع الفيديو بحق.. " صمتت كأنها انتبهت على أمر للتو لتردف: "هل... صليت الفجر؟!"
" نعم فعلت. " ردت لتتكور و تستعد للنوم لكن صرخة سدرة و آليا في الوقت ذاته جعلتها تجفل و تنهض بسرعة لتجلس و تسأل: " ماذا بكما؟! "
" ليليا، أ صليت الفجر حقا؟! " سألت آليا بغير تصديق لتزفر ليليا: " و ما الغريب في ذلك؟ "
رمشت أختاها متفاجئتان لتتمتم سدرة بكلمات غير مفهومة و تقول: "كونك في عطلة نهاية الأسبوع لا يعني أن تستيقظي في أي وقت شئتِ." خرجت من الغرفة لتتبعها آليا بابتسامة ذات معنى..
تنهدت ليليا لتتقدم للمرآة التي تتوسط الغرفة ذات المساحة المتوسطة ذات الطلاء الأبيض و التي تشتركها مع أخواتها الثلاث و تنظر لنفسها باشمئزاز، ألهذه الدرجة تغافلت عن أمور مهمة كالصلاة، لدرجة أن شقيقتاها تفاجئتا فقط لأنها صلت الفجر؟
هي لا تنكر، رغم أن سدرة متحفظة و باردة نوعا ما في تعاملها لكنها أكثر التزاما منها، حتى بالنسبة لآليا رغم صغر سنها، و في الواقع حتى والداها ملتزمان بتعاليم الاسلام، أما هي،..، فتشعر كما لو أنها نقطة سوداء في صفحة بيضاء،..، أشبه بطفرة، خطأ معين وسط الصواب،..، أقرب لهذا الوصف..
نزعت ثوب صلاتها و عقدت حاجبيها بعزم، ما دامها لم تمت بعد فلا تزال هنالك فرصة،..، نزلت لتجد والدتها تحضر الغذاء، قبلت رأسها كعادتها و فعلت الأمر ذاته مع والدها الذي لطالما كان يجلس بجانب زوجته و يتبادلان أطراف الحديث في المطبخ، لتقول: " دعيني أساعدك في الغذاء يا أمي! "
صمت... هذا هو الجواب الذي وجدته بعد طرحها، لمحت علامات الصدمة على وجهي والديها، أسقطت مريم- أو والدتها- سكينها بغير قصد لتنظر لها بفاه مفتوح، التفتت ببطئ لتتقدم بضع خطوات نحو ابنتها، تلمست جبينها بيدها لتقول: "لستِ مصابة بالحمى.. على الأرجح أنكِ جننتِ، أجل، هذا هو التفسير الوحيد لذلك."
نظرت لها باستنكار لتلمح والدها الذي تمتم بكلمات توحي بأنه يوافق مريم في كلامها، رفعت حاجبا لتبتعد عن أمها و تقول: " مهلا مهلا، لم أجن... بعد. "
أردفت بينما لاحظت التشوش على وجهي والديها: " لنقل أنني تغيرت نحو للأفضل بنسبة صفر فاصل صفر صفر واحد بالمئة ، هل توضحت الأمور الآن ؟ "
" نعم، هذا يثبت لي أنك جننت بالفعل! " رد هارون- أو والدها- ليتناول كأس ماء و يشرب بعضه على مهل لتتنهد بيأس، قطع حديثهم دخول أخيها قيصر ليخاطب أخته: " رأيتكِ و أنتِ تتمشين في منامك نحو الحمام وقت الفجر! "
حركت رأسها للجانبين لتوضح: " لم أكن أتمشى في منامي، قصدت الحمام لأتوضأ و أصلي الفجر. "
صمت خالطه صوت تكسير زجاج، مصدر كأس والدها ، أجفلت لصراخ قيصر الذي وجه سبابته نحوها و يقول برعب: "أيتها المخادعة! أين أختي الحقيقية يا مزيفة؟!"
" مهلا، ماذا؟! " سألت باستغراب ليقول بصراخ أعلى: " كفي عن ادعاء الجهل! أين ليليا الحقيقية؟! "
حملقت به بوجه بلا تعابير لتتقدم والدتها منها بحذر و تقول بهدوء: " ليليا... متى صرتِ تصلين الفجر في وقته ؟ و تنوين مساعدتي؟! " صرخت في النهاية لتزفر و تدلك المنطقة التي بين حاجبيها،..
يبدو أن هنالك الكثير لتشرحه حقا...
-----------
" فشلت مجددا! " قالها بتذمر ليمسك الورقة و يكورها ليرميها..
هي الورقة الرابعة، لرسمته العاشرة..
بقي تقريبا خمسة عشرة ساعة و هو يرسم بدون توقف، في الواقع، حياته مبنية على الكسل و التأجيل و التسويف لكن، عندما يتعلق الأمر بطلبات الرسم، فهو لا يمزح!
تناول ورقة أخرى و شرع يرسم، كانت لمنظر طبيعي، و هو أشد ما يرهقه، أن تنسى تفصيلا واحدا، أو تخطئ في التظليل أو التلوين، يعني الفشل.
سمع صوت خطوات أقدام فعلم أنها أخته كالعادة، وضع قلمه ليلتفت لها: " خذي ورقة واحدة، لم يبقى لي الكثير. "
عبست إيفلين و أومئت بصمت، أخذت ورقة واحدة كما أمرها و وضعتها فوق الطاولة لتخطوا خارجا من أجل أخذ كرسي لها و الجلوس بجانبه في مكتبه.
رغم أنهما لا ينفكان عن الشجار إلا أن الجلوس على مكتب الرسم أشبه بطاولة مفاوضات السلام بالنسبة لهما، لأن حب الرسم هو الشيء الوحيد المشترك بينهما.
كانت تحب الرسم المعماري و تحلم بأن تكون مهندسة في المستقبل، تماما كما كانت والدتها التي لم ترها سوى في الصور، و لم تقبلها إلا في احلامها، عانقتها فقط في مخيلاتها و تحدثت معها بين طيات سطور مذكرات أمنياتها، سألت بنجامين و هي لا تزال ترسم تصميما بسيطا لمنزل: " هل كانت والدتي تشبهني حقا؟ "
وضع القلم لينظر لها باستغراب، فهو لم يدرك سبب هذا السؤال المفاجئ، إلا أنه أجاب على أية حال: " تشبهك.. تماما، خاصة في صورها عندما كانت صغيرة... "
انعكس ألم داخلي على حدقتيه، شبح ابتسامة ظهرت على شفتيه، اردف و هو يسترجع ذكرياته،..، تلك الذكريات التي تقتله كل يوم و التي يتمنى لو تخرج من عقله: " الجميع يشهد أن أمنا كانت امرأة مرحة، ذكية و قد كانت مشاغبة كثيرا في طفولتها، على عكس والدنا، لذا عندما يريد ممازحتها يذكرها بماضيها، لكنها كانت تضحك و تقر بأفعالها. "
ابتسمت لا شعوريا و هي تتخيل والداها، لتقول بحماس: " اخبرني عن تصرفاتها،في طفولتها !"
كتف يديه يحاول التقاط ذاكرة سعيدة، بعيدة كل البعد عن ذاك الجانب المظلم، تلك النهاية التعيسة التي حلت بأكثر الأشخاص الذين تعلق بهم: " أخبرني أبي ذات يوم بأنها كانت كثيرة الشجار، توقع نفسها في المشاكل و ذات لسان طويل، تلقي بالكلمات اللاذعة المستفزة و هذا لسبب ما يذكرني بك."
" هل كانا يعرفان بعضهما البعض منذ الطفولة؟"
" أجل، رغم أن شخصيتهما كانت متعاكسة تماما، و كانا يكثران الجدال بسبب أن أمي لم تحب طريقته في حل الأمور، كانت تريد من المشاكل أن تستمر! "
ضحكت إيفلين لتقول: " لكن لماذا كان يقحم نفسه في مشاكلها؟ "
" لأن والدنا وقع في حبها، و كان يخشى عليها من عواقب تصرفاتها، باختصار. "
وضعت يدها على فمها لتقترب من أخيها بينما أعينها تلمع حماسا: " حقا؟! منذ متى؟ و هل كانت تبادله المشاعر نفسها؟ "
" لا أعلم منذ متى، لكنها كانت تفعل، إلا أنه لم يكن بينهما شيء، كانا يخفيان مشاعرهما حتى قصد أبي منزل جدي و طلب يد ابنته، و هكذا تزوجا! " رفع كتفيه في النهاية، لتخفض بصرها مفكرة، ثم تسأل: " لو احبني شخص في المستقبل و طلب يدي للزواج، فما رأيك أنت؟ "
رفع حاجبا ليحدق بها باستغراب: " ماذا؟ أنتِ مجرد فتاة صغيرة، فما خطب كلامك هذا؟! "
" قلت لك! في المستقبل القريب! "
أراد صفع رأسه، لا يعلم ما سبب تفكريها هذا في الزواج و هي لا زالت في هذا السن ليعيد تركيزه على طلب الرسم و يقول: " أنهي دراستك أولا فقط! "
أخرجت لسانها بسخط، فهو لم يعطي لحديثها أية اهتمام،..، لكنها أصرت: " بجدية بنجامين، أخبرني ما ردة فعلك عندئذ؟ "
" لا زلت لا أفهم سبب اصراركِ هذا؟ تعلمين أنكِ تبلغين من العمر ثماني سنوات فقط! "
" فقط أجبني عن السؤال! "
" حسنا حسنا، إن كنتِ تريدين جوابي فإنني أخبركِ بأنني لن أقبل. "
" ماذا؟ لماذا؟! "
" لدي أسبابي الخاصة آنسة راندفول، سألتني عن رأيي و قد أجبتك،..، و هكذا انتهى النقاش بيننا. "
" ولكن... "
" قلت انتهى النقاش يعني انتهى! " قال بصفة نهائية لتصرخ بغضب: " يا لكَ من شرير! "
----------
" أتقول أن لكل أمر انزله الإله حكمة؟ " سأل رايدن عمر الذي كان يجلس معه في المكتبة، أومئ عمر له ليحدق الآخر بالأرض مفكرا، ثم قال مجددا: "حسنا، ما الحكمة من الصلاة إذن؟"
اعتدل الآخر في جلوسه قائلا: " هي عماد الدين، فإن صلحت صلح العمل، و إن فسدت فسد العمل، لا يمكنني حصر فوائدها في بضع جمل، لكن يمكنك القول بأنها تأتي بالسكينة، الطمأنينة و الراحة النفسية للمسلم، فالحياة مملوءة بالهموم و المآسي، لكن عندما تستعد لها، كأنك تستعد للقاء الله. "
" حسنا، ما الحكمة من عدد الركعات مثلا؟ أو قراءة سورة الفاتحة و ما إلى ذلك؟ "
" لا أعلم. "
" ماذا؟ لا تعلم؟! " استغرب ليوضح: " أجل، لا أعلم، لأنني عندما قلت' حكمة' قصدت الحكمة الإلهية،..، و في رأيك أنت، ما الذي تعرفه عن الإله؟ "
"أنه كامل."
"بالضبط،..، الكمال، هو ما يتصف به الله عز وجل، لكن هل الإنسان كامل؟"
" بالطبع لا. "
" إذن، هو ناقص، مليئ بالعيوب، الإنسان يخطئ دائما، لكن الله لا يخطئ، و المرء، يملك عقلا، لكن طاقته الإدراكية محدودة، فمثلا أنت، هل تعتقد أنك ستصل لمرحلة تدرك فيها كل شيء و أي شيء؟ "
" قد أملك ثقافة أجل، و قد أختص في بعض الأمور، لكنني بالطبع لن أصيب في أي شيء. "
" و لماذا في رأيك؟ "
" لأني مثلك أؤمن أن للإنسان حدود من المستحيل أن يتجاوزها، الإنسان ليس عليما بكل ما يحيط به. "
" و هذا ما كنت أريد أن أوصلك إليه يا رايدن، لأنني أريد أن اعلمك، بأنه من الجيد أن تتعمق في دين الإسلام، و أن تبحث في أحكامه و علة التشريع، لكن هناك بعض الأمور التي لا يمكن أن ندركها، لأن هذه الأحكام إلهية، و لا يمكن أن ندرك سببها جميعا، و أنت تعلم السبب. "
" لأنها من الإله و الإله يعلم بكل شيء، لكننا ندرك الأمور بعقولنا، و عقولنا لا يمكنها استعاب كل شيء. "
أومئ له موافقا، ليبتسم: " أتعلم، في كل مرة أتحدث فيها إليك، تزداد رغبتي في اعتناقك الإسلام. "
فلتت من شفته ضحكة خفيفة ليرد: " و ليكن في علمك أنني كلما تحدثت إليك أكثر تزداد قناعتي به. "
" أسئل الله أن يهديك. "
ابتسم له ممتنا، ليقول عمر: " ما رأيك أن تذهب معي؟ سألتقي مع أصدقائي، أريدك أن تلتقي بهم. "
" في المسجد؟ "
" نعم! "
" تعلم أنني لست مسلما بعد؟ "
" لا بأس، كما تعلم أنا إمام مسجد و أحيانا ألقي دروسا، لذا أردتك أن تأتي و تحضر له . "
" لكنني سأجلس بعيدا و أسمعك تتحدث. "
" كما تشاء إذن. "
-------
وقف أمام باب المسجد يستمع لما يقوله عمر، كان يتحدث الروسية، ثم بلغة يظن أنها العربية ليترجم بالروسية مجددا،..، كان يلقي درسا حول الظلم، تمنى لو يأتي بفلاديمير ليبين له أن كلامه صحيح، فالإسلام دين عدل.
" و إن من الأدعية المستجابة دعاء المظلوم على الظالم، و إن من أشد المعاصي هي ظلم أخيك،..، الإسلام دين عدل، أيها المسلمون الله يأمركم بالعدل و الإحسان، النزاهة و الشرف، هو ما يجب علينا الاتصاف به، حتى في الأحكام الشرعية كالميراث و القصاص الله حكم بالعدل، من نعبده حكم بالعدل! فكيف لنا أن نظلم؟ أشخاص لا نتذكرهم يذرفون دموع القهر كل ليلة ننام فيها، يدعون الله كل فجر نستيقظ فيه! يأخذون كل حسنة عمل صالح نقوم به، أيها الناس! إتقوا ربكم! التقوى هي ما يجب أن يكون في قلوبكم! بالله عليكم كيف لكم؟ كيف لكم أن تروا تلك الوجوه التي اسودت من أحكامكم؟ و تسلل الغيظ لقلوب أولئك المستضعفين من بطشكم؟ كيف ستقفون أمامهم يوم القيامة! يوم الحساب! ثم يأخذون جزاء صالح أعمالكم! و يشهدون عليكم! و إني أقصد بالظلم،..، كل حكم جائر! كل اتهام باطل!كل نميمة، كل قذف، كل غيبة، كل سرقة، كل نهب، كل سلب، كل ما تؤذي به أخاك، غيبا أم ظاهرا فهو ظلم! "
صمت قليلا، ثم أردف: " أيها الناس! اتقوا الله في اخوانكم! أيها الناس! إن ذنبا بينك و بين الإله إن تبت عنه صفح و غفر! الله غفور رحيم لكن ليست كل الناس تغفر! ذنبك مقرون بسماح أخيك المظلوم! إن سامحك عفا الله عما سلف، و إن لم يفعل بقي ذلك الذنب مكتوبا في سجلك إلى يوم القيامة! إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا جاه ولا مكانة!..، أطلبوا الغفران من ربكم، و العفو من الناس الذين أسئتم إليهم! تصدقوا عنهم و ادعوا لهم في الغيب! أصلحوا ما أفسدتم، و توبوا إلى الله توبة نصوحة، عسى الله أن يغفر لنا و لكم و يصلح أعمالنا و أعمالكم، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. "
ابتعد بضع خطوات ينتظر صديقه ليخرج من بين جميع أولئك الذين خرجوا قبلا ، و عندما فعل وجده مع بعض من اصدقائه، لوح عمر له ليتقدم أكثر و يشعر ببعض التوتر، فهو لا يعرف في تلك المجموعة سوى إمام المسجد.
" السلام عليكم ورحمة الله " حياهم جميعا ليردوا التحية، كانوا اربع رجال و عمر خامسهم، ليعرف الإمام: " هؤلاء أصدقائي، هذا أحمد، و هذا تيم، و هذا زيد، و الرابع ريان. "
" ت-تشرفت بمعرفتكم!" تمتم بها ليقهقه ذلك الرجل الضخم، المدعو تيم، لف ذراعه حوله ليقول: " أنتَ رايدن صحيح؟ "
أومئ له ليقول بصوته الأجش: " حدثني عمر عنك، و أبشرك، لقد كنت سلافيا ثم اعنقت الاسلام. "
" حقا! عائلتي سلافية أيضا! "
أومئ له ليسأل رايدن مجددا: " من أين أنتم؟ "
أجاب ريان قاصدا أحمد صاحب الشعر الأشقر و العينان الخضراوتان: " أحمد إلى جانب عمر و تيم من موسكو. "
ثم أشار لزيد ذو الشعر و العينان البنيتان: " و زيد من كازان، أما أنا من الجزائر. "
عقد رايدن حاجبيه يتأمل في ملامح ريان، هو يشبه نائلة لدرجة كبيرة، حتى أنه جزائري مثلها، استنتج أنه قريب لها لكنه لم يحب التدخل لذا أجاب: " والدتي من بيلاروسيا، و والدي من موسكو. "
" تشرفت بمعرفتك إذن! " تلفظ ريان بها، قطع حديثهم صوت خطوات طفل صغير، شعره أشقر و عيناه زرقاوتان، توجه لريان ليقول: " أبي! أنا جائع جدا! "
قهقه الجميع عليه ليبتسم رايدن و يقول: " هل هذا ابنك؟ "
" نعم، و اسمه يعقوب! "
حدق يعقوب برايدن الذي ربت على رأسه بلطف، ليقول: " مظهرك، تبدو كطالب مجتهد يحصل على الدرجات الأعلى دائما "
توسعت ابتسامته ليمرر أنامله على شعره الذهبي و يرد: " لا أتفاخر لكنني كذلك! "
" هل أنتَ طالب جامعي؟ "سأل أحمد
" أجل! و أدرس الرياضيات التطبيقية. " رد عليه ليومئ، ثم قال: " لا زلت اتذكر أيامي في الجامعة! "
"لقد كانت ذكريات جميلة!" قال زيد ليوافقهما عمر، ليسأل رايدن: " هل كنتم تدرسون نفس التخصص؟ "
" لا، في الواقع، أنا لم أنهِ مرحلتي الجامعية، ريان درس الهندسة ثم الطب، عمر و أحمد اكملا دراسة الهندسة أما بالنسبة لزيد فتخصص في اللغة الانجليزية، و يمكنك القول أننا تعرفنا على بعضنا البعض صدفة، مثلما تعرفنا عليك! " وضح تيم ليومئ الآخر بتفهم، حمحم ثم مدح عمر: " أعجبني أسلوب خطابك، لقد أثر في نفسي حقا! "
قهقه أحمد: " هو دائما هكذا، له أسلوب مؤثر في النصح. "
"لا عجب أنني بدأت أقتنع بالإسلام بسرعة!" قال رايدن ليوافق تيم، نظر للساعة ثم اعتذر: " علي الذهاب الآن، و تشرفت بمعرفتكم جميعا، الوداع! "
" إلى الملتقى! ننتظر اعتناقك الاسلام قريبا! " لوح يعقوب له ليفعل الآخر المثل لينصرف.
--------
عيون باردة، صمت قاتل، هدوء شديد، ثلاثة أجساد في المنزل، و ثلاثة أرواح متناثرة،..، دم يجمع بينهم، و حدود مجهولة تفرق بين أفراد اسرة باتشيكسلوف.
وقف أمام غرفة ستانيسلاف، فتح الباب لتجول زرقاوتاه المكان، سرير مرتب، رغم أن صاحبه تحت الثرى، لكن أمه لا زالت تأتي كل يوم و تنظفه، مكتب بسطح نظيف لامع، نافذة كبيرة مغلقة، خزانة مغلقة كذلك، فارغة من الداخل، تلك الرائحة القوية التي كانت تلاصق جسد أخيه الأكبر تبددت، غادرت كما غادر الجسد، و لم تبقى سوى تلك المشاعر الدافئة المحبوسة بين زوايا هذه الغرفة لتدفئها وحدها دون بقية المنزل.
قبل خمسة عشرة سنة:
ستة سنوات، و هو أحد عشر سنة، يختلف معه في شعره البني، كان معروفا بطول قامته، ابتسامته اللطيفة و غمازتيه اللتان اعطته جاذبية، كان يحب الملابس الواسعة، عاشق للطبيعة، مجد في الدراسة، إبن بار بوالديه، و قدوة لأخيه الأصغر دانيال.
" ستانيسلاف! " صرخ ذلك الطفل ذو الست سنوات، التفت الأخ الأكبر له ليصرخ مجددا: " تعال و انظر! أصلحت دراجتي بنفسي! "
صفق ستانيسلاف له ليقول: " حسنا سآتي، دعني أحل هذه المعادلة فحسب! "
" أتدرس الرياضيات؟ "
أومئ له ليبتسم: " أجل! "
"كعادتك، أتحب الرياضيات لهذه الدرجة؟"
"نعم، أنا أحبها و أريد دراسة الرياضيات التطبيقية في الجامعة!"
" إذن سأدرس نفس تخصصك، و نتخرج لنعمل في نفس الوظيفة! " صرخ بحماس ليرفع حاجبا: " دانيال! لا تختر تخصصا اخترته أنا، بل ما تريده أنت! "
أومئ له، و قبل أن يتفوه بأي كلمة اخرى وجد الباب يفتح، التفت ليجد تلك العيون البادرة، تلك الهالة المظلمة المخيفة هي أول ما استقبله، تلفظ والده ببرود مرعب: " ما الذي يجري هنا؟ "
ابتسم دانيال ابتسامة بريئة ليقول: " لقد أصلحت دراجتي بنفسي! ".....
صفعة،...، صفعة على وجهه كانت القادم بدلا من الثناء الذي كان ينتظره، حدق بوالده مصدوما، عيناه أخذت أكبر متسع لهما، ليقول والده، بلغته الثقيلة على النفس:" شيء كهذا لا يستحق كل هذا الصراخ. "
اغلق الباب خلفه بقوة لتسقط دموع حارة تركت أثرا على وجنتاه المنتفختان،..، أمسك ستانيسلاف نفسه كي لا يظهر ضعفه، ترك قلمه لينهض نحو أخيه و يعانقه، أخرجه بفعله هذا من لاوعيه ليبكي بينما الشهقات هي الشيء الوحيد الذي يقطع بكاءه.
و هذه الذكرى،..، كانت مجرد روتين يومي من حياة ذلك الطفل، الذي كبر يتلقى صفعات و ضربات من والده، و كلمات لاذعة من والدته، يرى كيف تحصل ليليا على دلال من والديها، و كيف كبر بنجامين في حنان والديه، و كيف كان يُعَامل رايدن من قبل عمه و زوجته،..،
و ما كان يرهق قلبه ألما، الفرق بين تعامل والديه مع ستانيسلاف و معه...
" أمي حصلت على علامة ممتازة! " بشر والدته سعيدا، لتحدق به بلا تعابير، ثم تقول ببرود: " ستانيسلاف حصل على علامة كاملة عندما كان في مثل مستوى دراستك. "
" أمي حصلت على علامة ممتازة هذه المرة! " يصرخ بها ستانيسلاف لتبتسم والدته و تحضنه ثم تقول: " تجعلني أفتخر بك! "
" أبي أريد مصروفا لانجاز بحث. " يطلب من والده ليرفض: " لن أفعل، بالطبع تقول ذلك من أجل أخذ النقود و صرفها في أمور تافهة. "
" أبي، هلا منحتني مصروفا؟ أحتاجها من أجل دراستي! " يطلب شقيقه ليوافق و يعطيه.
" أريد ممارسة الملاكمة. " يخبر والديه ليسخر أبوه: " تضيع وقتك في رياضة كتلك؟ "
" على العكس! هي' فن نبيل' و تعلم الإنسان كيف يدافع عن نفسه، ثم إنني أردت أن أمارس الرياضة كذلك! " يصرح شقيقه ليومئ له والده قائلا: " حسنا إذا، لا بأس! "
وضع شوكته ليقول بصوت منخفض: " لقد شبعت! " يحاول النهوض من كرسيه ليوقفه أبوه: " توقف مكانك! عد و أكمل طبقك! "
ينظر ستانيسلاف لأخيه بقلق، يحاول الدفاع لكن والدته تأمره بالصمت لتخاطب هي الأخرى ابنها الأصغر: " مع والدك حق، عليك إنهاء طبقك دانيال! "
" لا. " يصرح بها و عيناه تلمع غيظا، يظهر ارتفاع طفيف لحاجبي الأب، و قبل أن يقول أية كلمة يردف الآخر صارخا: " كما سمعتم! لن أكمل طعامي و لن أتناوله معكم مجددا! لن أجلس معكم و لن أطلب منكم شيئا آخر! إن كنتم سترفضون و تنتقدون أي شيء أفعله!... "
اغرورقت عيناه بالدموع و الشهقات تخنقه، شريط ذكرياته يحول بينه و بين أفراد عائلته،..
صعد إلى غرفته هاربا، أغلق الباب وراءه بقوة ليكمل بكاءه،...، صياح،..، أنين خافت،...، شهقات مكتومة،...، لينام بعدها تاركا دموعه تجف مخلفة آثارا حمراء على ملامحه الطفولية البريئة.
" دانيال.... دانيال؟! " أيقظه صوت أخيه الشبه مسموع، فتح عينيه ببطئ، ليجد ستانيسلاف يقضب حاجبيه بينما علامات القلق بادية على وجهه، مسح على شعره برفق ليسأله: " هل لي أن أجلس بجانبك؟ "
نهض جالسا ليومئ له، ابتسم بدوره لتظهر غمازته بشكل خفيف، جلس على السرير بينما مد قدميه الطويلتين ليوجه نظره نحو النافذة، انعكس ضوء القمر على ملامحهما التي أرهقها الضغط،..، ضغط نفسي كبير، لا يمكن لصغار مثلهما تحمله..
" أنا آسف لما يحدث لك، لا بد أن كل هذا بسببي. " اعتذر متمتما و كأنه يخاطب نفسه لا أخيه الذي لمحه بنظرة سريعة،..، ليردف: " لا شك أنك تكرهني ولا تطيقني، لا أنا ولا أبي ولا أمي،..، و أنا لا ألومك على ذلك أبدا. "
صمت ليواجه ضميره الذي يؤنبه،..، يظن أنه السبب و أنه لو لم يكن موجودا لما تعرض دانيال لكل هذا،..، لكنه لم يدرك أن ذلك الطفل ذو العشر سنوات لا يستطيع تخيل حياته بدون أخيه،..، لم يدرك أن ذلك الصبي الذي أسند رأسه لذراعه للتو لا يعرف معنى كلمة بغض أو مقت!
لا يدرك كم يحبه و يعتز به، و هو يعلم أنه الوحيد الذي يراعي مشاعره،..، ففي المرة التي أخبر والدته أنه حصل على علامة ممتاز كان يكذب، لقد حصل على العلامة الكاملة لكنه عندما علم بنتيجة أخيه حاول أن يخبر والدته بنفس العلامة كي يحصلا على نفس ردة الفعل،..، عندما توجه لأبيه من أجل الحصول على النقود كانت من أجل شراء مستلزمات بحث شقيقه لا هو، لأنه يعلم بأه والده لن يعطيه روبلا واحدا، و هو ليس بالشخص الرياضي لكنه قال ذلك من أجل اقناع والده،..، و الآن جلس بجانبه كي لا يظهر ذلك الاحمرار على وجنته من الجهة الأخرى..
و لا شيء سيترك أثرا كهذا سوى صفعة من والده،..، لأنه دافع عنه.
" لكنني أحبك يا أخي، حتى والداي،..، لا أكرههما. " صرح بها لينظر له متفاجأ،..، ليوضح أكثر: " أعلم أنهما صارمان للغاية،..، فبالنسبة لأمي، يمكنني معرفة سبب قساوتها من أسلوب جدي،..، أما أبي فقد قضى عمره كله في الجيش يعيش وفق قواعد صارمة ،..، لكنني لا أعلم،...، لماذا؟.. لماذا يتصرفان معي هكذا؟ أنا بالضبط .. " كبح غصته ليطأطأ ستانيسلاف رأسه،..، يفترض به أنه الأخ الأكبر! فلماذا؟... لماذا هو عاجز عن فعل أي شيء؟!
" أنا لا ألومك أخي، أعلم أنك عاجز و أنك لا تعلم إجابة سؤالي، لذا لا تلم نفسك من فضلك!"
حدق به بصمت،..، مد ذراعه ليلفها حول رأسه و يضمه لصدره،..، ملجأه الآمن،..، لم يعترض دانيال أو يضيف حرفا،..، و احترم ستانيسلاف ذاك الصمت،..، و بقي ذاك السؤال معلقا،..
و لم يدرك الصبي،..، أن هذه الليلة،..، هي الليلة الأخيرة التي سيقصد فيها ملجأه الآمن،..، و للأبد.
14/10:
و ما أشده من يوم على قلب الصبي!.. والدته تبكي للمرة الأولى،..، والده يسقط قناع البرود أمام الجميع لا مباليا،..، أما هو،..، يقف في إحدى زوايا غرفة المعيشة، بنجامين على يمينه و رايدن على شماله،..، ليليا على مقربة منهم و ثلاثتهم يحدقون به بقلق واضح،..
انعكس الفراغ في زرقاوتيه، اسود وجهه و عقله لا يفعل شيئا سوى إعادة تلك الصورة مرارا و تكرارا،..، وجه شقيقه الخالي من أشكال الحياة، حضنه البارد، جلده المصفر،..، كانت هذه تفاصيل ذلك المنظر الذي استيقظ عليه،..،
كانت مجرد سكتة قلبية لا يعلم أحد سببها،..
-----
16/10:
انتهى العزاء منذ مدة،..، عاد البيت خاليا من الزوار الذين اتوا لتقديم تعازيهم ،..، و رحل ذلك الفتى، تدمر ملجأه،..، و اضحى المنزل أكثر برودة،..، خرج من غرفته،..، التي لا تزال تحمل بقايا من رائحته المميزة،..، و إذ به يسمع أنينا مكتوما.
تقدم،...، خطوة، خطوتين،..، عشر خطوات، نزل للأسفل،..، ليجد أمه جالسة على كرسي ابنها المتوفي في غرفة الطعام،..، تذرف دموع العزاء.
يقال،..، بأن أكثر الأشخاص تضررا من وفاة أحدهم هو أمه،..، صحيح أنه يشعر بأن قلبه يتمزق كل ثانية،..، لكن بالطبع،..، تضرر أمه أكبر.
تذكر ما حدث عند آخر طعام قبل وفاة ستانيسلاف،..، ترك جميع مشاكله مع الجالسة أمامه جانبا،..، و راح يواسيها، فهي أمه بعد كل شيء.
توقفت الكلمات في حلقه و أبت الخروج،..، سيطر بالكاد على ارتجاف يديه،..، ضم وجهها،..، جسدها كان دافئا،..، ابتسم بألم مطمئنا: " أمي.... أعلم أن هذا صعب و لكن،..، ما عسانا نفعل؟ لنتحل بالصبر و القوة فحسب."
ظن انها ستبعده ،..، لكن لم يحدث شيء،..، بصيص أمل راوده، فلربما ستتحسن العلاقة بينهما يوما،..، فك العناق ليلاحظ أنها ابعدت كلتا يديها عن وجهها،...، حدقت فيه بحدقتيها البنيتين،..، لا يعلم لماذا و لكن في تلك اللحظة شعر بأنه عليه أن يضيف شيئا ليواسيها،..، لذا أردف و هو يمسك بيدها بينما يمسح عليهما بلطف: " ستانيسلاف عهدك أمرأة قوية، لا شك بأنه إن كان حيا و رآك بهذه الحال سيحزن! "
كشرت لتتهجم ملامحها،..، أفلتت يديها منه بسرعة،..، دفعته بعيدا لتنهض بسرعة و تهرول ممبتعدة نحو الباب،..، و عندما وصلت التفتت له ببطئ لتقول ببرود: " يا ليتك مت!.. ليتك مت و بقي ستانيسلاف حيا! "
End of the flashback
يتبع.....