أمنية

أمنية

20 0

وصل لبيته الذي يقع في الطابق الثالث من العمارة أخيرا،..، دق الباب لتفتح جدته: " أهلا بعودتك بني. "

أومئ بنجامين ليدخل،..، استقبله دفئ منزل جدته الصغير،..، كان يتكون من طابق واحد، انارة مريحة للعينين،..، تنعكس على الطلاء الأزرق النيلي،..، المزخرف بالأسود،..، توجه لغرفته،..، كانت بلون رمادي داكن، سرير بفراش أسود،..، مكتب أسود،..، و لوحات شغرت نصف مساحة غرفته،..، اغلبها بيضاء و سوداء،..، و عدد منها مرسومة بالألوان..

لقد توقف عن استعمال ألوانه منذ ذلك اليوم،..، قبل ثمان سنوات..

أطلق زفيراً طويلاً،..، رمى حقيبته باهمال،..، نزع حذائه الرياضي ليضعه تحت سريره و يستلقي مستعداً للنوم،..

صوت اشعارات في هاتفه أزعجته،..، فتحه ليجد دانيال قد أرسل مقاطع فيديو،..، كعادته يرسل عددا كبيرا منها و يطلب منه مشاهدتها كلها،..، محتجا بأنه صديقه و يجب عليه فعل ذلك.

" ما كل هذا العدد؟ هل هو دانيال مجددا؟ " صوت طفولي بجانبه جعله يجفل، التفت لمصدر الصوت ليجد أخته الصغرى إيفلين بجانبه توجه عينيها البنيتين نحو هاتفه،..

" ما الذي تفعلينه هنا؟ " سألها بنبرة باردة لترد بابتسامة: " أريد المشاهدة معك. "

"لن تفعلي! تعلمين أنني أمقت أن يشاهد أحدهم هاتفي معي." رد بنبرة نهائية لتعكس الأخرى شفتيها و تحاول اقناعه لكنه رفع حاجبا: " ألم تسمعي؟ قلت اذهبي! "

ضربت بقدمها الصغيرة الأرض بغضب لتخرج متذمرة بنبرة باكية: " جدتي! بنجامين لا يريد مشاركتي هاتفه! "

حرك رأسه للجانبين بيأس ليسمع أصوات أقدام آتية،..، استنتج أنها جدته و كالعادة سيحدث التالي.. واحد،..، اثنان...

" كيف لك أن تتصرف مع أختك هكذا؟ " صرخت فيه جدته فورما دخلت لغرفته بغضب ليقول: " لم أفعل شيئا،..، هي تزعجني بوجودها ولا أريد بقائها معي! "

"لماذا؟ إنه مجرد هاتف، لم لا تريدها أن تشاهد معك!"

دخلت إيفلين و هي تخفي ابتسامتها الماكرة بملامح حزينة مصطنعة،..، أشارت جدته لها لتقول: " أنظر لحال أختك! أيرضيك هذا؟ "

" هي تفعل ذلك لتنال شفقتك فقط يا جدتي، و أنتِ كالحمقاء تصد-... ما الذي تفعلينه؟! "صرخ بصدمة فورما ضربته بقبضتها لتقول بغضب:" أيها الشقي! كيف تجرؤ على وصفي بالحمقاء؟! "

" لكنك كذلك! لأن طفلة ساذجة كهذه تخدعك بمظهرها اللطيف. " رد ليومئ برأسه كتأكيد لتكتف يديها قائلة: " و إذن،..، أعطني هاتفك! "

"ماذا؟ ما دخل هاتفي؟" سأل باستنكار لترد بعزم: " قلت أعطني هاتفك ولا تجادلني يافتى!"

تنهد بانزعاج ليسلمه لها باستسلام،..، فهو لا يريد أن يغضبها أكثر،..

قلبت جدته هاتفه لتسلمه لإيفلين قائلة و ابتسامة ماكرة على وجهها: " خذي، هو لك يا عزيزتي. "

لمعت عينا الطفلة سعادة لتهرول خارجاً: " شكرا يا جدتي! أحبك! "

التفتت الجدة له لتجده ينظر لها بصدمة،..، حمحمت لتقول باستمتاع: " من اليوم فصاعدا ستعطيه لها كلما تطلبك! " و خرجت لتغلق الباب بعدها بقوة.

جدة فظيعة!

هذا ما تمتم به ليحدق بالسقف،..، ضوء النهار المنبعث من نافذته يزعجه،..، ما دفعه ليغطي عينيه باللحاف،..، و يغط في نوم عميق،..

----------

" هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنَى يُسَبِّح لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَ مَا فِي الأَرض وَ هُوَ العَزِيز الحَكِيم. "

أغلق الفيديو و عاود قراءة المصحف المترجم،..، فبعدما وصل رايدن لمنزله،..، فتح المصحف عشوائياً لتقع عينه على سورة الحشر،..، قرأها ثم سمع تلاوة لها و الآن هو يعيد قرائتها.

" ما الذي تفعله هنا؟ " التفت لابن عمه ليجده يكتف يديه مستغربا،..، اقترب منه ليلقي نظرة و يقول: " هل هذا قرآن؟ "

" أجل،..، مترجم. " رد ببساطة لتظهر علامات منزعجة على وجهه: " هل صرت مسلما دون أن تخبرنا؟ "

" لا،..، أنا فقط أريد معرفة المزيد عنه، لكن من يدري، لربما أعتقنه في القريب العاجل. " رد بابتسامة ليتفاجأ الآخر،..، لكنه رفع حاجبا ليخاطبه: "لا أنصحك بذلك، الاسلام دين عنف و يشجع على العبودية و القتل،..، لِمَ لا تكون سلافيا؟ أليس هذا دين عائلتنا المتوارث من جيل لآخر؟"

" تعلم رأيي جيدا عن السلافية فلاديمير، لا أريد اعتناق أي دين وثني تعبد فيه آلهة متعددة،..، أؤمن أن الإله واحد،..، و أيضاً،..، أنتَ مخطئ في رأيك على الاسلام،..، هو ليس دين عنف أبداً،..، أعرف العديد من المسلمين و صدقني لم أرَ في حياتي أشخاصا يتسمون باللطف و المودة و الجود و الأخلاق الحسنة مثلهم. " دافع ليتنهد الآخر مستسلماً،..، همَّ بالخروج ليفتح الباب ليبقى بضع ثوانٍ قبل أن يخاطبه: " تذكرت ما جئت لأجله،..، أبي يناديك لتساعده في عمله،..، فالزبائن اليوم كثر. " خرج ليغلق الباب ما دفع رايدن ليغلق مصحفه،..، وضعه بحذر في زاوية مكتبه ليلبس حذاءا رياضياً و يعدل بعضاً من خصلات شعره التي تساقطت بفوضوية على جبهته،..، كان يرتدي قميصاً أخضر داكنا طويل الأكمام و سروال أسود و قد رآها مناسبة لعمله كنادل في مقهى عمه،..، خرج مهرولا لينزل السلالم ،..،

كان المقهى بطابع هادئ،..، انارة خافتة مريحة للعينين،..، طلاء بلون القهوة مع زخارف سوداء،..، و فور نزول السلالم تجد المطبخ،..، و هناك سلّم على عمه و زوجته ليرتدي المئزر الأسود و يلتقط دفترا صغيرا و قلما،..،

اندهش في نفسه من العدد الهائل،..، صحيح أن المقهى معروف لكن عدد زوار هذا اليوم أكثر من أي يوم غيره،..، و كعادته رسم ابتسامة لطيفة ليتجه نحو أحد الطاولات،..، حيث يجلس عجوز و طفلة تبدو حفيدته بسبب التشابه بينهما،..، ما دفعه ليقول للعجوز: " ما طلبك سيدي؟ "

حمحم العجوز ليرد: " كوب قهوة بدون سكر. "

أومئ ليدون و يوجه اهتمامه للطفلة ليقول بعفوية: " و ما الذي تريده الأميرة الصغيرة كي أحضره لها؟ "

ابتسمت الطفلة لتنظر لجدها الذي أومئ لها لترد بحماس : " كعك الشوكولا من فضلك يا سيدي! " أومئ لها ليقول: " حسنا! سأحرص على أن ألبي طلب أميرتنا بسرعة! " ضحكت الفتاة ليتجه نحو طاولة أخرى حيث يجلس رجل و زوجته التي بدا من مظهرها أنها حامل ليخاطبهما: " ما طلبكما؟ "

" خمس قطع من كعك الفراولة من فضلك! " نطقت الزوجة لينظر لها زوجها بصدمة قائلا: "أجننت يا امرأة؟ قطعة واحدة تكفيك!"

رفعت الزوجة حاجبا له بانزعاج ليتدخل رايدن: " عذرا على التدخل و لكن أنا أقف في صف زوجتك،..، هي حامل بطفلك و بالطبع ستأكل بصفة مضاعفة،..، أم أنك تريد أن يولد الطفل بوزن ناقص؟ " ضحكت المرأة ضحكة انتصار لتقول: " أرأيت؟ حتى النادل اللطيف يفهم أكثر منك! "

نظر الرجل لرايدن ليؤنبه: "من المفترض أن تقف في صفي أنا!"

" أفعل هذا من أجل الطفل القادم! " دافع ليتنهد الزوج و يقول: "حسنا إذا لا بأس ،..،و بالنسبة لي،كوب ماء فحسب."

" على الفور! " نطق بها ليتجه إلى طاولة أخرى،..، لمحه عمه من المطبخ بابتسامة مطمئنة،..، فلطالما كان رايدن كواحد من أبنائه، و لا ينكر أنه فتى ذكي و لطيف و عفوي،..، و هذا ما جعله يُدفعه للعمل كنادل، فابتسامته التي لا تغادر شفتيه، و خفة روحه و مزاحه مع الزبائن واحدة من أكثر الأسباب التي جعلت الناس يرتادون للمقهى،..، ولا ينكر أن هنالك جانبا يشفق عليه، فبالنسبة له، هو لا يستحق المعاناة التي عاشها في طفولته،...، البتة..

" هذه هي الطلبات يا عمي! أسرع و إلا فإن الجميع سينتقدون عملك البطيء. " خاطب عمه ليومئ له و يأخذ الورقتين التي سبق و أن مزقهما عنه،..، أشار لرجل كان يجلس أمام حاسوبه: " أظن أن صديقك في مشكلة. "

التفت للمقصود ليجد اسحاق،..، رجل في الخمسين من عمره، يرتاد على المقهى كثيراً،و يعد من الزبائن الأوفياء كما أنه على علاقة جيدة مع رايدن ليذهب له و يخاطبه ممازحاً: " ما بال الشاب اليافع مهموماً ؟ "

أجفل لصاحب الصوت و عندما وجده رايدن قال ممازحاً : " للأسف هذا الشاب ضعف بصره قبل المشيب! "

ضحك رايدن ليشير لنظارته الطبية: " لست وحدك يا صديقي! "

" هذا يرضيني. " رد عليه ليضحك بخفة، كتف يديه قائلا: "و إذن،..، هل من مشكلة؟"

" أجل،..، في حاسوبي،..،ملفاتي لا تريد أن تفتح، و الشبكة اللاسلكية لا تريد أن توصل به."

" دعني أساعدك. " تلفظ بها ليتناول الحاسوب و يأخذ كرسيا بجانبه..

اثنتان،ثلاث دقائق مرّت ليبتسم في الأخير مطمئناً: " حللت المشكلة، و الآن يمكنك العمل به، هل تريد مصدرا للشبكة؟ "

" لا فلدي هاتفي، و أيضاً،..، كيف حللته بهذه السرعة؟ "

" هذا لأن ابني خبير في مجال المعلوماتية. " تدخل عمه ليلف ذراعه حوله بفخر،..، لمعت عينا اسحاق اعجاباً ليقول رايدن: "ليس بشيء كبير."

" لا أنا أعنيها رايدن، كل مشكلة تتعلق بهذا المجال تحلها في البيت بسرعة، أنتَ موهوب. "

" أرى ذلك أيضاً. "تدخل اسحاق ليردف متسائلاً:" هل تدرس المعلوماتية؟ "

" بل الرياضيات التطبيقية، و لم أتخرج بعد فلا زلت في السنة الثالثة. "

أومئ بتفهم ليمدح العم مجددا: " و هو الطالب الأوّل على مستوى دفعته، إنه فتى ذكي! "

" توقف عن احراجي يا عمي! " رد محرجا ليؤنبه: " و أيضاً، كيف لك أن تترك عملك؟ أنظر لزبائنك الذين نفذ صبرهم من الانتظار! "

" حسنا حسنا سأذهب! " رد بانزعاج ليتجه نحو مكان عمله مجددا، التفت رايدن لاسحاق: " كأس عصير ليمون بارد كالعادة صحيح؟ "

أومئ له لينطلق صارخاً: " على الفور يا صديقي! "

--------------

ارتدى دانيال سترته ليتفقد أغراضه، كان قد انتهى من تدريب الملاكمة، هو ليس رياضياً لكنه يمارسها كهواية،..، حمل هاتفه ليتفقد الاشعارات،..، تفقد الانستغرام، و وجد' تمت المشاهدة' في محادثته مع بنجامين

"ذلك الوغد مجددا." تمتم بها عاقدا حاجبيه بانزعاج.

من المفترض ان يشاهدها و يرد عليها واحدا واحدا ثم يرسل هو عددا منها، هكذا هي الصداقة!

خرج من قاعة الملاكمة ليتجه نحو منزله،..،

فتح الباب ليقول بنبرة لا تحمل أية مشاعر، كحال البيت التي من المفترض أن يكون ملجأً يجد فيه الحب و الحنان: " عدت! "

سمع أصوات تقطيع فعلم أن والدته في المطبخ تعد العشاء،..، توجه لها،..، و كعادتها منهمكة في أعمال المنزل، يمكن ملاحظة أن كل شيء أعيد ترتيبه، رائحة المعطر تملأ المكان، و الرطوبة تعلو الأرض ما يعني أنها نظفتها للتو.

ابتسم بتكلف ليحاول قول أي شيء: " ماذا أعددت للعشاء يا أمي؟ "

" حساء. " ردت بنبرة باردة و لم تلتفت له،..، لم تسأله عن يومه، لم تكلف نفسها عناء رسم ابتسامة حتى ،..، ظهرت علامات الغيظ عليه،..، اقشعر جسده من برودة المكان،..، رغم أن الجو كان دافئا في الخارج.

علم أنها لا تريد التحدث معه، حتى و إن حاولت ذلك فإن النقاش سينتهي بشجار كالعادة،..، لطالما شعر و كأنه يوجد بينه و بين والديه مائة حاجز محال أن يجتازه، لا يعلم من وضع هذه الحدود، هو لا يشعر و كأنه في وسط عائلة، لكن لا يمكن أن يلوم والداه، فهما مشغولان، لا يملكان الوقت له، أجل،..، الخطأ ليس خطأهما بل خطأه هو.

هو الإبن و هما الوالدان.

تنهد ليصعد لغرفته،..، لمحت عينه باب غرفة أخيه الأكبر الراحل ليشعر بالضيق يتسلل لقلبه،..، دلف لغرفته لينزع حذائه و يجهز نفسه للاستحمام،..، لاحظ أن نافذة الشرفة مفتوحة ما دفعه ليتجه لاغلاقها،..، لكنه لمح ليليا هناك،..، شعرها يتطاير بنسمات الرياح الخفيفة،..، تنظر للسماء بشرود،..، و وقف هناك يتأملها،..، في كل مرة يراها، في كل مرة تمر على ذكراه، في كل مرة يمر شيء عليه مرتبط بها، يشعر و كأن عاصفة من المشاعر تعصف في قلبه،..، هو لا يعلم ما الذي فعلته هذه الفتاة به؟ ما الذي يجري له؟ يتمنى أن يذهب لها و يصارحها بما في قلبه لعلها هي تجد جواباً، جوابا لهذا الجنون الذي اقترفته بحقه، لكنه ليس شجاعاً لتلك الدرجة بالطبع.

ربما هو؟... لا، مستحيل! هما صديقان منذ الطفولة فحسب، لا أكثر ولا أقل! و قريبا سيتخرجان و كل واحد منهما سيسير في طريقه، الشيء الوحيد الذي يجمع بينهما هو قرب مسكنهما، إن غير أحدهما منزله فهذا يعني أن الرابطة انتهت و للأبد!

أغلق النافذة بعنف ليذهب نحو ما أراد فعله،..، خرج من الغرفة ليلتقي بوالده،..، تفحصه بزرقاوتيه قائلا: " هل عدت للتو من قاعة الملاكمة؟ "

أومئ له ليخرج والده 'هه' ساخرة، كتف يديه محاسباً: " كعادتك تضيع وقتك في أمور ليس لها فائدة، ستانيسلاف كان يستغل وقت فراغه في القراءة أو المساعدة في أعمال المنزل أما أنت، إما تتشاجر خارجا، أو تذهب للجامعة رغم أنني واثق من أنك لا تستفيد شيئا، أو أجدك في قاعة الملاكمة، بربك فقط،..، هل يمكنك أن تكون ذا فائدة و لو ليوم واحد في هذا البيت؟ "

قبض على فكه بغضب ليشد قبضة يده،..،

" اهدأ، فقط اهدأ! " صبر نفسه في داخله ليتقدم والده منه،..، بقيت بينهما بضع انشات ليتلفظ هامساً: " أقسم لك بأنه لولا الدم و اللقب المشترك بيننا، لرميتك في الخارج منذ اليوم الأوّل الذي ولدتك أمك فيه أيها الوضيع عديم الفائدة! " تجاوزه ليحاول دانيال تمالك نفسه، أراد الصراخ، أراد تحطيم كل شيء حوله، الغضب و القهر يتغلغل في قلبه،..، و لكنه لم يفعل شيئا سوى أنه توجه لغرفته و أغلق الباب، استلقى على سريره و غطى وجهه بوسادته يكبح دموعه التي تجمعت في عينيه.

----------

" توقف عن سرقة حبات الكعك في كل مرة يا يعقوب! " أنبت نائلة ابن أخيها ليقول و هو يحشر القطعة العاشرة في فمه: " لا تلوميني! هو لذيذ يا عمت- مهلا! توقفي! " صرخ في النهاية عندما أمسكت اذنه بألم لتقول و هي ترفع حاجباً: " قلت توقف يعني توقف، لا مزيد من الأعذار السخيفة! "

حررت أذنه من قبضتها ليمسكا مدلكا، سمع صوت خطوات آتية ليتسأل والدته: " هل اعددتِ ' حلوة الطابع' مجددا؟ " أومئت لها لتشير ليعقوب: " و ابنك الشره يريد أكله كله. "

كتفت يديها لتؤنبه: " كم من مرة علي أن أحذرك! "

ابتلع ريقه بتوتر، علم أن والدته غاضبة منه، و هو لا يريد ذلك،..، ما دفعه ليعتذر هامساً و يسرع نحو الكعك ليأخذ قطعا أخرى و يتسلل هارباً.

" عد إلى هنا أيها الشقي! "صرخت والدته فيه لتحاول نائلة التدخل:" لا بأس، لا داعي للغضب. "

صحيح أنها هي الاخرى منزعجة من تصرفه و تريد أن تحطم وجهه، سوى أنها لا تريد لها أن تغضب، هذا هو الشعور الوحيد الذي لا يجب على صفية الاحساس به، لأنه سينتهي بكارثة.

" سأجن بسبب هذا الصبي يوماً،هو يثير أعصابي دائما!" تذمرت لتضحك نائلة عليها، لكنها تناست الموقف مستفسرة: " و إذن، كيف كان يومك الجامعي؟ "

" متعبا كالعادة، لدرجة أنني في كل يوم أندم اكثر على اختياري هذا التخصص. "

" لعله خير، فلا تدرين لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. "

" معك حق. " وافقتها لتردف: " إتهمتني الأستاذة بالسرقة اليوم. "

"حقا؟ أي أستاذة؟"

" التي تدرس الاحصاء. " ردت باختصار لترفع الاخرى حاجبا آمرة : " أضيفي التفاصيل! "

حكت لها ما جرى منذ أن دخلت الأستاذة إلى أن شكرت بنجامين لتقول بشك: " قلتِ أن ذلك الطالب البارد الذي لا يهتم لأي شيء دافع عنك؟ "

" نعم، و ما المشكلة؟ "

" لا، لا توجد أية مشكلة. " ردت بابتسامة صغيرة، ذات معنى لتعدل وقفتها: " لكن لا زلت لا أفهم، لم سألك عن صلاتك؟ "

" هذا ما لا أعلمه. " ردت عليها لتلتزم الأخرى الصمت، كإشارة لانتهاء هذه المحادثة، توجهت عيناها للعجين لتقول: " لم تنتهي بعد؟ "

" لا، بقي أن اصنع اشكالا على هذا العجين بالقوالب و اضعه في الفرن. "

" دعيني اساعدك إذن! " شمرت ساعدها و لم ترفض الأخرى عرضها.

-----------

سحبت ايفلين الشاحن من المأخذ و وضعته فوق طاولة صغيرة في زاوية غرفة المعيشة، مسحت على فستانها الزهري و اخذت نفساً،..، تقدمت بضع خطوات لتفتح باب غرفة أخيها دون طرق،..، وجدته نائما لتضع الهاتف فوق طاولة بجانب سريره ،..، راقبت ملامحه المسالمة لتتقدم منه،وقفت على ركبتيها فوق سريره، لتضع تعابير غريبة و هي تقابله وجها لوجه،..، أجفلت حينما فتح عينيه لتبتعد بسرعة و تتعثر ساقطة،..، نهض جالسا ليسخر بصوته العميق: " يا له من منظر قبيح استيقظ عليه. "

لم ترد و بقيت تنظر له بملامح منزعجة،..، رفع حاجبا: "هل جئتِ لتزعجيني مجددا؟"

" بل لأحضر هاتفك! " ردت عليه لتردف: " هو ممل، أفضل اللعب خارجاً. "

" إذن لا تأخذيه مجددا. " رد عليها لترفض: " كلا، سآخذه وقتما أشاء حتى لو لم يسليني، فأنا أحب استفزازك كما تعلم." رسمت ابتسامة مستفزة ليرفع حاجبا، ضحكت ضحكة انتصار و خرجت تدندن.

" تبا لهما! "، قصد جدته و أخته، تنهد بتعب، يبدو أن الليل قد حل، نهض من فراشه ليتجه نحو مكتبه، اخرج ورقة من اوراق الرسم، تناول مقلمة تحتوي على أقلام الرصاص، كل قلم بدرجة معينة،..، تذكر كيف أن جدته تصرخ فيه كلما يشتري قلما، فهي تظن أن واحدا يكفي،..، اخذ سجارة من علبة تبغ فوق المكتب و اشعلها،..، و بقي يرسم..

استنشق سم السجارة للمرة الأخيرة، و وضع القلم، انتهى أخيرا و حمل الورقة للاعلى.

لا يدرك كيف انتهى به الأمر يرسم عيناها، تلك الحدقتان الواثقتان، المليئتان بالحياة، اللتان ضمتّا ذلك الاحساس،..، هو يرفضه، يمقته مقتا شديدا، لكن في أعماق ذاك القلب الميت، يتلهف شوقا لاحتضانه.

الإيمان..

ابتسم لتضيق عيناه و هو يتأمل رسمته، لكنه اخفاها فورما دخلت جدته:" هل كنت تبتسم للتو أم أنني بدأت أخرّف؟ "

" الأمر الثاني بالطبع! " رد لتظهر علامات متهجمة على وجهها: " لم تحاول استغلال كل فرصة لاستفزازي؟ "

" أنا لا أستفزك، أنتِ فقط لا تريدين سماع الحقيقة. " تلفظ ببرود لتتقدم نحوه،..، أرادت ضربه كعادتها لكنها وجدته يحمل ورقة لتسأل: " أ ترسم مجددا؟ أرني! " أمرت في النهاية لتحاول أخذها لكنه أبعدها مخبأً إياها: " ل-لا شيء! "صرخ في النهاية متوترا لتقول بشك:" ما بك؟ هي مجرد رسمة! "

" لا أريدك أن تريها، ألا يوجد خصوصية في هذا البيت؟" رد بانفعال لترفع كلتا حاجبيها باستنكار، ما خطبه فجأة؟،..، تنهد لترفع كتفيها: " حسنا حسنا! كنتُ سأدعوك للعشاء فحسب. "

" أشعر بالشبع، يمكنك المغادرة. " طردها بطريقة غير مباشرة لتظهر ملامح غير راضية، لم تعترض و خرجت مع شكوكها.

تصرفات حفيدها تزداد غرابة!

أشعل سجارة أخرى ولا زال منزعجا، أمسك الورقة و خبأها مع بضع رسومات،..، أمسك ورقة أخرى ليقرر رسم منظر طبيعي، للقمر الذي يتسلل ضوئه خلف ستار نافذته....

ظلام دامس يحيط به، ماء يقف فوقه، ولا يوجد شخص سواه،..، احساس غريب بالضيق، يتنفس بصعوبة، مشاعر سلبية تتغلغل لقلبه، لا يعلم كيف و لكن، يشعر و لأول مرة بالفراغ،..، و كأن جسده فارغ داخلياً، صمت قاتل، الأفكار تتضارب في رأسه، صوت عقله يصرخ،..، يشعر و كأن صوته قادم من بعيد،..، مكتوم، كلمات غير مفهومة، الهواء ينفذ، التنفس يزداد صعوبة، و صوت عقله يفقده أعصابه، يريده أن يتوقف عن الصراخ، فهو لا يفهم شيئا مما يصرخ به.

نور بعيد،يتسلل من ذلك الظلام الذي يفتك به، ركض فوق الماء و لم يكلف نفسه عناء تفسير اللامنطق الذي يحدث هنا، و كلما اقترب ازداد توهجه..

باب،..، خشبي بني وجده أمامه،..،كان سيستغرب من وجوده و لكن لا يوجد شيء منطقي واحد هنا! كل شيء يأمره بفتحه ففعل،..

كانت امرأة، شعرها الطويل ينسدل على كتفيها، ترتدي فستانا أبيض، كان صوتها هادئا، جميلا، يمنح راحة نفسية، يشرح الصدر و يُطمئن الجوارح.

كانت تمسك بطفل صغير، لم تتبين ملامحه، تهزه، كانت قراءة، سمع مثلها من قبل... لحظة!

هل تتلو القرآن؟!

بقي فاغرا فاه، لم تلتفت، و لم يجرؤ هو على الاقتراب خطوة أخرى، لم يفهم كلمة مما تقوله، لكن... تلك الآية بالتحديد، رغم أنه لم يفهمها، لكن شعر و كأنها لامست ذلك،..،لا يعلم ما ذلك، و كأنها تتحدث عنه!.. أجل...

" إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَ لَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاء. "

بالطبع هي رسالة تخاطبه!

يتبع....

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

حلوة الطابع: حلوى جزائرية تقليدية تحضر من البيض، الفانيليا، الدقيق، السكر، الخميرة،..، حيث تُصنع بأشكال عديدة حسب نوع القوالب التي يوضع فيها العجين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

To believe..|أن أؤمن...

المؤلف ☆𝓐𝓼𝓽𝓻𝓮𝓪
2025/11/05 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة