"ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير."
----------------------------------
بقي واقفا باستغراب يبدل نظراته بين الأستاذة الغاضبة و نائلة الهادئة، تقف بثقة و ثبات،...، انتبهت الأستاذة لبنجامين لتقول: " ظننت أنني قلت بأن مدة الاستراحة ربع ساعة فقط؟ "
تهند بتعب ليعاود ادخال يديه في جيب سرواله قائلا بنبرة لا مبالية: " إن كنتِ تريدين طردي فاختصري ذلك في بضع كلمات. "
" بل ستبقى في المدرج و تجلس في المقعد الأول، أعلم أنك تريد من أن أطردك لتنهي نومك، لكنني لن أسمح لك بهذا. " ردت باستفزاز و حاجب مرفوع ليتنهد هو بثقل،..، دخل القاعة و لكن بدلا من أن يجلس في الصف الأول وقف أمام الأستاذة ليرمقها ببرود ما أثار استغراب الجميع.
" ماذا تظن نفسك فاعلا؟" سألت لوديميلا صارخة ليقول دون ان يرفع بصره عنها قائلا: "هي بريئة."
" ماذا؟ "
" كما سمعتِ، تلك الطالبة بريئة و لم تسرق شيئا، لقد كنا الوحيدين الموجودين هنا،و قد رأيتها و هي تصلي و قد تزامن انتهاء صلاتها مع انتهاء وقت الاستراحة. "
" و هل علي أن أصدقك؟ من يدري؟ لربما قد تفاهمتما على ذلك. "
" تمزحين؟ نتفاهم على سرقة بضعة روبلات لا قيمة لها؟ "
" راقب ما يخرج من فمك أو سأقطع لسانك! " ردت الأستاذة من بين أسنانها لكنه رفع كتفيه قائلا بلا مبالاة: " لم أقل غير الحقيقة، كيف لنا أن نتفاهم على فعل شيء غبي كهذا؟! " أرادت أن ترد و لكن تدخلت نائلة قائلة كونها رأت بأنه يضيف الزيت إلى النار:" كما سمعتِ يا أستاذة، أنا بريئة من هذا الافتراء، وهو كذلك، لقد كان في الصف الأخير ثم قصد مكتب المدير، أما أنا فلم أعلم بوجود حقيبتكِ من الأساس، يمكنكِ تصديقنا أو تكذيبنا، لكننا لم نقل سوى الحقيقة."
كان صوتها ثابتا، قويا، رمقها بطرف عينه مستغربا،...، كيف لها أن تكون بهذا الهدوء؟ هو لا يهتم إن تم طرده من الجامعة حتى، لكنه واثق من أن أعصابها ليست بذلك البرودة،...، سوى أن نظرة عينيها المتأكدة، رأسها المرفوع، صوتها الواضح، كل شيء فيها يصرخ بأنها مؤمنة بكشف برائتها،...
صوت الهاتف صدح في الأرجاء،..، التقطت الأستاذة هاتفها لترد على المكالمة،...،
عقدت نائلة حاجبها باستغراب من ردة فعل لوديميلا المتفاجئة،..، بدا لها و كأنها لمحتها لوهلة ثم نظرت للأرض،..، و إذ ببنجامين يبتسم بانتصار،..،
أغلقت المكالمة،...، لتتنهد و تخفض رأسها بتأسف: " أنا أعتذر منكما، لقد نسيت إحضار نقودي معي و هي في منزلي،..، و أنا التي ظننت أنه سُرق. "
زفرت نائلة براحة بينما الآخر كتف كلتا يديه و هو يرفع حاجبه باستنكار لتعتذر مجددا: " أنا حقا آسفة، أخطأت في حقكما و لن ألومكما إن كرهتماني. "
"في المرة القادمة تأكدي من حساب ألف حساب قبل اتهام أحدهم بالسرقة. " رد و علامات متهجمة على وجهه، تفحصها من الأعلى للأسفل ليصعد للصف الأمامي دون أن ينبس بكلمة أخرى..
ليس و كأنه يشعر ببعض الغضب بسبب اتهامه،..، بل بسبب تلك الطالبة التي وضعت في موقف لا يحسد عليه بسبب سوء فهم.
انتهت الحصة و يمكن رؤية الخجل و التوتر الذي انتاب الأستاذة، حتى أنها كانت تشيح بنظرها عن جميع الطلاب،..، غادرت مهرولة و دون أن تكلفهم بإنجاز مهام كما كانت تفعل دائماً.
حمل بنجامين حقيبته لينصرف،..، لكن وقعت عيناه صدفة على رايدن الذي كان يبتسم ابتسامة ذات معنى،...، رفع حاجبه له و كتف يديه لينهض رايدن و يتوجه نحوه قائلا:" هل أجد منك تفسيرا؟ "
" تفسيرا لماذا؟ "
" حسنا يا صديقي، لا تدع جهلك بماذا أقصد، لأن بنجامين الذي أعرفه لن يدافع بتلك الطريقة عن شخص ما حتى و لو كان يعرف الحقيقة كلها، لكنك،...، ماذا أقول؟ ألم تر كيف كنت تدافع عنها و تحاول استفزاز الأستاذة؟ ما الذي يجري لك؟ "
" أنتَ تعطي للأمور حجما أكثر من حجمها فحسب. " رد ببرودة ليلتفت مغادراً،..، وقعت عيناه على نائلة التي كانت لا تزال تجمع حاجياتها،..،
واحد.. اثنان... بقي ينظر لها لمدة،تقريبا عشر ثوان أو أكثر ،...، و لم يحسب حساباً لرايدن الذي كاد حاجبه المرفوع يلامس منبت شعره...
فرقع أصابعه أمامه ليلتف بنجامين له متفاجأً، تبسم رايدن،علم أنه لن يحصل على جواب منه، تمتم في نفسه :" قال أعطي للأمور حجما أكبر من حجمها قال! " تجاوزه و هو يقحم يديه في جيب سرواله...
استغرب من تصرفه،..، أخرج سجارة ليلتقطها دانيال مبتسما: " لا تفعل هذا أمامي على الأقل، تعلم أنني أكره التدخين. "
" و هل يبدو لك أنني أهتم؟ " سأله و علامات متهجمة على وجهه ليردف: " أعطني السجارة يا دانيال! "
حرك الآخر رأسه للجانبين ليسحقها بقبضته ليقول متجاهلاً الصدمة التي حلت ببنجامين :" هل نعود معاً إلى المنزل؟ "
" تبا لك! كانت السجارة الأخيرة لي! " رد من بين أسنانه ليرفع دانيال كتفيه بلا مبالاة،
كان يعي مدى ادمانه،فهو لا ينفعل هكذا إلا للتدخين..
زفر ليتجاوزه: " أنتَ مدمن على التدخين لدرجة خطيرة، لكنني لن أسمح لك بالبقاء على هذه الحال. "
تفحص ظهره الذي يبتعد من الأعلى للأسفل ليتنهد،...
هؤلاء الرفاق هم الأسوء!
" ع-عذرا. " صوت فتاة جعله يلتفت لصاحبه،...، ليجد نائلة أمامه و قد سبق و أن وضعت مسافة بينهما،...، تخفض بصرها عنه و التوتر يعلي وجهها،...، لتقول بهدوء: " أردت أن أشكرك على دفاعك عني سابقاً. "
أومئ ليقول ببرود: " لا عليكِ، لم أفعل شيئا يستحق الشكر. "
شعرت بذلك الشعور يجتاح صدرها مجددا،...، استغفرت في نفسها و التفتت في نية للمغادرة لكنه استوقفها قائلا: " مهلا! "
التفتت له لتنظر لوجهه لا شعورياً، تداركت نفسها و غضت بصرها، تسائلت: " ما الأمر؟ "
شعر بتوتر ينتابه،...، لمح عيناها ليشعر و كأن أفكاره طارت من رأسه كلها،..، رطب شفتيه ليقول بعدما صمت لثوان يرتب أفكاره: " أردت أن أسئلك،...، في ذلك الوقت،...، ما هو الأمر الذي جعلك واثقة؟ "
" ماذا تقصد؟ " ردت ليوضح: " أقصد عندما اتهتمك الأستاذة، و أجل عندما تدخلتِ في حديثنا،..، بدا صوتكِ قويا و واضحا، نظراتك ثابتة، و كأنك كنتِ واثقة من برائتك،..، ما أقصده، لو كان شخص آخر لدافع عن نفسه إما متوترا لأنه خائف من أن يقع ضحية لجرم لا يد له فيه، أو باندفاع لأنه غاضب من عدم تصديقه رغم أنه يقول الحقيقة، أما أنتِ فلا هذا ولا ذاك؟ "
تنهدت و تبسمت لوهلة لا شعوريا، لترد: " لأنني كنت مؤمنة بأن الله لن يخيبني. "
" لم أفهم. " استغرب من قولها لتشرح: " دعوت الله أن يجعل لي في هذا اليوم خيراً، و كنت واثقة من أن الله استجاب لي، فهو سبحانه يسمع من يدعوه و يستجيب له، كما أنني كنت صادقة في كلامي و لم أكذب، و الله ينصر الحق، هذا سبب ثقتي،...، الإيمان. "
شعر بشيء ما يلامس قلبه،..، شيء اهتز جسده له،..، رغم أنه لا يؤمن بوجود الإله، لكنه استشعر في كلامها يقينا، لا تشوبه ذرة شك،...
-------------
نسمات باردة تلامس وجوههما برفق،..، ملامح الربيع انعكست على الشوارع و الطرقات،..، الجو غائم نوعاً ما،..، ضجيج يحيط بهما في كل مكان،..، بينما يسيران نحو منزلهما ملتزمان الصمت طول الطريق..
" ما الذي حل بك يا ليليا؟ " بادر دانيال بالسؤال كاسرا الصمت لتلتفت له،..، هي لاتريد اخباره لكن في نفس الوقت تريد شخصاً تفضفض له عن ما يزعجها، و دانيال هو الشخص المناسب لذلك،..
عزمت أمرها على اخباره لتقول: " أريد أن أستشيرك في أمر ما. "
أومئ لها لتزفر و تقول: " تلك الطالبة التي تدعى نائلة. "
" التي اتهمت بالسرقة اليوم؟ "
اومئت لتردف: " أريد أن أصبح صديقة لها، لكنني.... أشعر بالخجل نوعاً ما... أقصد... هي مسلمة و أنا كذلك ، لكن الفرق بيني و بينما كفرق السماء عن الأرض.. لطالما أحببتها، و شعرت براحة تجاهها، هي شخص رائع في نظري لكنني أخشى أن لا تقبل بصداقتي. " طأطأت رأسها بحزن ليبعثر شعرها ضاحكا،..، رمقته مستغربة ليقول: " هل أنتِ ليليا التي أعرفها حقا؟ "
" ما الذي يضحكك؟! "
حمحم ليعدل صوته قائلا: " لا أعلم شيئا عن تلك الفتاة، و لكنني أحترمها حقا،..، تبدو شخصا رزينا و هادئا، و لا أظنها من النوع الذي قد يرفض الآخرين بطريقة فظة أو جارحة. " رطب حلقه ليردف: " لن تخسري شيئا من التجربة،..، صارحيها بما في داخلك، و متأكد من أنك ستكونين نسخة أفضل إن أصبحت صديقتها. "
" هل أنتَ واثق؟ "
" كل الثقة! " رد بابتسامة لتومئ له بأخرى،..،
اشعار رسالة في هاتفها جعلها تخرجه لترى صاحب الرسالة،..، ابتسمت تلقائيا ليرفع حاجبه مستغربا: " من صاحب الرسالة؟ "
" إنه جوزيف. " ردت ليشعر بغضب يتصاعد داخله،..، شد على قبضته ليتنفس بصعوبة،..، لاحظت ليليا تغيره المفاجئ لتسأل: " ما الذي يحدث معك؟ "
" لا عليك، لا شيء مهم. " رد بهدوء مخالف لغضبه المكبوت لتومئ و يكملا السير، و يحل الصمت من جديد،...
لكن هو لا يعلم،..، ما السبب الذي يجعله غاضبا في كل مرة يراها مع ذلك الجوزيف؟
لا،...، بل في كل مرة يراها مع شخص غيره، رغم أنهما مجرد صديقين..
----------------
يسير في المكتبة حائرا،...، هو الآن في قسم الكتب الدينية،..، التي لطالما كان مهتما بها
هو لا ديني، يؤمن بوجود الإله لكنه لم يعلم بعد الدين الحق الذي عليه اتباعه لعبادة الرب، حك ذقنه بحيرة لينتبه لوجود شخص خلفه،..
رجل أشقر بعينان زرقاوتان، قميص يعلوه سترة و لحية تزين ذقنه ،..، استنتج من مظهره أنه رجل مسلم، ليقول: " السلام عليكم."
" و عليكم السلام و رحمة الله تعالى وبركاته، أراك واقفا في حيرة من أمرك لمدة، لذا إن أردت يمكنني مساعدتك. "
نظر رايدن للأرض ثم له ليقول: " في الواقع،..، هناك أمر ما،..، أريد كتابا دينيا. "
" عن أي ديانة؟ "
" عن دين الحق، الذي يجعلني أعبد الرب بشكل صحيح، لكنني لا أعلم، ما هو الدين الذي يجب علي اتباعه. "
" ما هي الديانات التي تعرفها؟ "
" قرأت سابقا عن المسيحية، اليهودية، السلافية، الهندوسية و البوذية، و لم أقتنع بأي واحدة من هذه البتة."
"و ما الذي حال دون اقتناعك بهذه الديانات؟"
"حسنا، بالنسبة للبوذية و الهندوسية، فلم أقتنع البتة بأن يكون الإله تمثالا أصنعه بيدي، أما عن السلافية، فأنا لا أؤمن بتعدد الآلهة عامة، أما تاريخ المسيحية فمتناقض جدا، و كيف للدين الحق أن يكون متناقضا، و لم يعجبني الاعتقاد بأن اليهود هم شعب الله المختار لذا لم أؤمن بها."
" و ماذا عن الإسلام؟ ماذا تعرف عنه؟ "
كان على علم بأنه سيسأله هذا السؤال، لذا حضر جوابه: " أعرف أشياءا مثل أنهم يوحدون الإله و يقولون عبارات مثل السلام عليكم و لديهم صلاة خاصة بهم و كتاب مقدس يدعى القرآن، لكنني لم أبحث عنه سابقا."
" أقرأت القرآن سابقا؟ " هز رأسه للجانبين كإجابة،..، تبسم الرجل ليتوجه نحو أحد الرفوف، كانت خاصة بكتب الاسلام فحسب، ليلتقط قرآنا مترجما إلى الروسية ،..، ناوله لرايدن قائلا: " خذه و اقرأه، و إذا حدث أي التباس فيمكنك استشارتي، آتي إلى هنا كل يوم في هذا الوقت،..، و سنتناقش حوله. " أومئ رايدن له ليرد: " حسنا إذا اتفقنا! " حمل قدميه ليدفع ثمن الكتاب،..، لكن الرجل استوقفه قائلا: " سأدفعه بدلا عنك. "
" و-و لكن... "
"لا عليك! يمكنك الذهاب الآن، أعرف صاحب المكتبة و سأدفع له بعد قليل."
ابتسم رايدن بامتنان ليشكره: " شكرا لك! هذا لطف منك! "
" العفو! و بالمناسبة... ما اسمك؟ "
"رايدن،..، ماذا عنك؟"
"عَمر ... هو اسمي."
" سررت بلقائك إذن،..، يا عَمر. " قال و هو يهم بالخروج،...، راقب عَمر ظهره و هو يبتعد،..، رفع يديه للسماء قائلا برجاء: " اللهم إنّي ارجوا أن أكون سببا من اسباب هدايتك، اللهم اهده إلى دينك،..، فأنتَ تهدي من تشاء بنورك. "....
------------------------
خرجت من ذلك القطار السريع المزدحم أخيرا،..، أخرجت هاتفها لتلتقط صورا لمحطة القطار،...، عليها أن تعترف، محطات القطار الروسية هي من أفضل الأشياء التي رأتها في حياتها..
تصميم فريد من نوعه بألوان هادئة،إنارة خافتة مصدرها ثريات بألوان داكنة تتدلى من على السقف ، طابع عصري،كلاسيكي و فخم، و كأنها في متحف،..، رسومات و زخارف في كل مكان،..، ابتسمت تلقائيا و هي تتأمل في تلك الرسومات،..، لكن لاحظت أنها أخذت وقتا أكثر من المستحق و هي في المحطة، ما دفعها لتخرج،..،
بقيت تسير في الشوارع،..، من شارع لآخر،..، و هي تتأمل في السماء،..، التقطت صورة لها، فلطالما أحبت تصويرها،..،
فالسماء بالنسبة لها،..، جزئها النقي،..، القريب من روحها،..، البعيد عن ناظريها..
كانت هي، تعيش في عالمها الخاص،..، بعيدا عن ضجيج الواقع، تعشق تلك التفاصيل الصغيرة، غيوم السماء، نور الشمس التي تسدل أشعتها الخافتة، تراقص ورق الشجر و الازهار على نغمات الرياح، الطيور التي تطلق العنان لجناحيها، الطبيعة من حولها،..، التي تشعرها بنوع من السلام، لا تشعر به مع البشر..
أخيرا وصلت إلى الحديقة،..، حديقة صغيرة بسيطة،..، يوجد بها عدد قليل من الناس،..، توجهت نحو وجهتها المفضلة،..، البحيرة،..
وقفت تتأمل البط البط الذي يسبح بحرية،..، لاحظت أن بطتين تسيران بجانب بعضهما البعض،..، أخرجت هاتفها تصورهما،..، لتصور البقية بعدها، ثم ادخلته تستنشق الهواء الرطب كونها قريبة من مصدر للمياه،..
انزلقت عيناها لانعكاس صورتها في الماء،..، تأملت في وجهها لتتنهد،..، لمست الماء بأطراف أصابعها ما جعل صورتها تبدد،...، لاحظت انعكاس لون السماء الممزوج بين رمادي داكن مائل للازرق النيلي، بفعل الغيوم على الماء،...،
عقدت حاجبيها فورما عادت بها الذاكرة إلى ذلك الوقت،..، عندما تلاقت أعينهما،...، كانت عيناه بنفس هذا اللون،..، لكنها أحست بأنها تفتقد لشيء ما...
الروح..
بدأت دقات قلبها بالتسارع لتحاول تنظيم أنفاسها،...، استغفرت الله لتتراجع بضعة خطوات و تجلس على المقعد المقابل للبحيرة..
" ما الذي يحدث لي؟ "تسائلت في نفسها بانزعاج،...، بدا عليها بعض الضيق لتستغفر مرة أخرى،...، وقعت عيناها على تلك المرأة العجوز ذات الظهر المستقيم،..، تتأمل البط من الجهة المقابلة،..
في كل مرة تأتي إلى هذه البحيرة تجدها،..، ترتدي خمارا تركيا يغطي شعرها ما عدا الجهة الأمامية منه،...، ترتدي فستانا طويلا بقماش ثقيل،..، تتدلى من رقبتها سلسلة الصليب، استنتجت أنها مسيحية،..، رفعت العجوز رأسها لتجد نائلة تنظر لها،..، ابتسمت الأخرى بلطف و خطت نحوها..
ابتلعت نائلة ريقها و هي تنظر لها حتى وصلت لتقول بنبرة لطيفة:" هل يمكنني الجلوس بجانبك؟ "
" أ-أجل... طبعا! " ردت بتوتر لتبتسم العجوز و تجلس،..
" ما اسمك يا عزيزتي؟ "
" نائلة. " أومئت العجوز لتقول: " هذه أول مرة اسمع هذا الاسم، هو مميز! "
" أشكرك! " ردت بخجل لتبادر الأخرى بالسؤال: " لا أظن أنك من هنا،...، أنتِ تتكلمين الروسية بطلاقة و لكن،..، نطقك خفيف نوعا ما،..، رغم أن الأحرف الروسية ثقيلة في النطق."
" أنا من الجزائر. "
"و أين يقع بلدك؟"
"في شمال افريقيا، أكبر بلد في افريقيا و العالم العربي."
هكذا الأمر إذن،..، أظن أنه بلد المليون و نصف المليون شهيد أليس كذلك؟ "
" بلى! " ردت بحماس لتقول: " لكن المليون و نصف المليون شهيد لم يموتوا أثناء الاحتلال الفرنسي، بل في سنوات الثورة فقط، فقد دامت لمدة ثمان سنوات تقريبا، دافع فيها الثوار، رجالا و نساء و اطفال و شيوخا عن بلادنا، لنيل الاستقلال. "
" لدى بلدكم تاريخ يفخر به. "
" أجل! " ردت بحماس مفرط لتبتسم العجوز و تقول: " أ أنتِ مسلمة؟ " أومئت نائلة لتردف : " لباسك... إنه جميل! "
احمرت وجنتا نائلة خجلا لتنظر للأرض و تشبك كلتا يديها بتوتر قائلة: " ش-شك-شكرا... لكِ. "
ضحكت العجوز بخفة، نهضت من المقعد لتقول:" أظن أنه علي الذهاب،..، اتمنى لقائك في وقت قريب يا صغيرتي. "
همت العجوز بالمغادرة لتلوح نائلة لها بابتسامة
عجوز لطيفة!
يتبع...