المرآة التي لا تعكس

المرآة التي لا تعكس

11 0

الفصل الرابع ــ المرآة التي لا تعكس

04:17 صباحًا – قسم شرطة الحيّ الجنوبي

رائحة القهوة الباردة تمتزج برائحة الرطوبة والورق القديم.

رامي ناصر يجلس على طرف المكتب، يدور بين أصابعه “قطعة شمع أخضر” صلبة كالزجاج، مأخوذة من الزقاق قبل أن يذوبها المطر.

أمامه، ليلى.

عيناها حمراء، شعرها مبلّل، وكتفاها يرتجفان رغم الغطاء الحراري الذي وضعوه عليها.

“اسمك؟”

“ليلى… ليلى أحمد.”

“عمرك؟”

”إحدى وعشرين.”

“ليش كنتِ برّا الساعة 4 الفجر؟”

ليلى تبتلع ريقها.

تخرج من جيبها الورقة المطوية، تضعها على المكتب كأنها قنبلة.

رامي يفتحها.

يقرأ بصمت.

ثم يرفع عينيه ببطء.

“— س ؟”

“ما بعرف.”

“بس هو بعرفك.”

يضغط على زر الإنتركوم:

“عادل، جيب ملف جريمة رقم 08 - 117 من 2008.”

بعد دقيقتين، يدخل الضابط الشاب حاملًا ملفًا أصفر متّسخًا.

رامي يفتحه، يخرج صورة بالأبيض والأسود:

طفل في الثانية عشرة، عيناه فارغتان، خلفه شمعة خضراء صغيرة على الشرفة.

تحت الصورة: ”سامر محمد علي – مفقودة والدته في ظروف غامضة.”

ليلى تنظر إلى الصورة.

تشعر بشيء ينقبض في معدتها.

“هيدا… شكله مألوف.”

“كيف ؟”

“ما بعرف. كأني شفته قبل هيك… من زمان.”

رامي يخرج صورة أخرى من ملف مختلف – صورة مراقبة من كاميرا بنك، قبل ثلاثة أيام.

رجل طويل، معطف أسود، يضع ـ شمعة خضراء ـ أمام باب عمارة.

الوجه غير واضح، لكن ـ اليد اليمنى ـ تحمل ـ ندبة طولية ـ تشبه حرف “س”.

“هيدا اللي ترك الشمعة عند بابك.”

ليلى تُغمض عينيها.

تتذكّر فجأة:

ــ صيف 2008 – ملعب المدرسة الابتدائية.

صبي يجلس وحيدًا على الدرج، يرسم حرف "س" على يده بدم فأر ميت.

كانت هي في الصف الثالث، تمرّ من أمامه كل يوم.

كان يبتسم لها ابتسامة غريبة…

“ابتسامة لا تصل إلى عينيه.”

10:42 صباحًا – شقّة سامر (الطابق العلوي من عمارة مهجورة)

الغرفة مظلمة تمامًا، عدا ـ شمعة خضراء واحدة ـ تحترق على طاولة خشبية متصدّعة.

على الحائط:

- خريطة المدينة، مليئة بدوائر حمراء.

- صور ليلى:

- طفلة في ملعب.

- مراهقة في حفل تخرج.

- شابة تمشي إلى الجامعة (الأسبوع الماضي).

سامر يجلس على الأرض، يخيط قطعة قماش جديدة على بطانة معطفه الأسود.

القطعة من ـ ثوب الضحية الثالث ـ – الرجل الذي وجدوا جثته في الحديقة.

يهمس وهو يخيط:

ـ كل ضحية.. قطعة من الظل.

ـ كل قطعه.. خطوة أقرب للنور.

يرفع عينيه إلى المرآة المكسورة أمامه.

المرآة ـ لا تعكس وجهه ـ.

تعكس ـ وجه ليلى ـ.

تبتسم له.

“بكرا… رح تشوفيني.”

11:15 صباحًا – مكتبة الجامعة

ليلى تدخل المكتبة، تحاول الهروب من كل شيء.

تجلس في الزاوية البعيدة، تفتح كتابًا عشوائيًا.

بين الصفحات…

"شمعة خضراء صغيرة، غير مشتعلة."

وعلى الصفحة المقابلة، مكتوب بخط يده:

“المرآة بتعكس الحقيقة...

بس أحيانًا بتكذب.”

“تعالي لتحت الأرض، عند البئر القديمة، الساعة 12 بالليل.”

“لو جيتِ… رح أعطيكِ الضوء الأخير.”

“لو ما جيتِ... رح أطفيه من عيون كل الناس اللي بتحبيهم.”

“— س»”

ليلى تغلق الكتاب بقوة.

تخرج مسرعة.

في الخارج، “تمطر مرة أخرى”،

وتسمع صوتًا خافتًا من خلفها:

“الوقت بدأ يعدّ..”

11:59 مساءً – مدخل البئر القديمة (تحت الحيّ)

رامي يقف مع فريق صغير، يضيئون المكان بكشافات.

البئر مغطّى منذ سنوات، لكن الغطاء مفتوح الآن.

على الحافة: شمعة خضراء مشتعلة، وورقة.

رامي يقرأ:

“اللعبة انتهت. الضوء الأخير.. معها.

— س”

في تلك اللحظة، يرن هاتف رامي.

رقم مجهول.

يردّ.

“إذا نزلتوا… رح تموتوا كلكم.”

صوت هادئ، بارد،

مألوف ثم يُغلق.

رامي ينظر إلى الظلام تحت البئر.

يسمع صوت قطرات ماء..

وقطرات دم.

تك.. تك.. تك..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَاتِلُ مَدِينَةِ

المؤلف كَاتِبَة سَارة🕯️
2025/12/11 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة