١٢

١٢

17 0

وضع بين يدي عدستين ملونتين وقال لي أني أستحقهما؛ فقلت له أني أعلم كثيرين ممن يستحقونها أكثر مني وهو في مقدمتهم منذ تلك اللحظة؛ فقال أنها معه منذ وقت طويل وقد صنعها بنفسه ولم يعرف حتى لم فعل هذا، لكن يبدو أه وجد فرصة ليعطيها لمن يستحقها.

ولكني سألته السؤال البديهي: "أما من علاج لكل هذا غير تلك العدسات؟"

فأجابني بالنفي، وبأن الأكروماتوبسيا ما من علاج لها، وأنه حتى حاول التوصل إلى علاج بنفسه وفشل – ألم يكن أولى بهذا العقل العبقري أن يُراعى ليخدم بلده والعالم بأسره بدل أن يُقهر هكذا فيفعل ما فعله – فسألته السؤال البديهي الثاني: "ألا تستطيع صناعة المزيد من العدسات؟"

=من الصعب علي تصنيع كمية كبيرة بقدر ما تصنعه الشركات المستغلة للموقف.

-ألا يمكنك حتى تصنيع خمسة أزواج من العدسات مثلاً كبداية...

=لو أني أستطيع لفعلت، وأعلم أنك تظنني أستطيع لأنني أخبرتك أني صممت أجهزة بث الأشعة لكن...

-لكنك لا تريد!

=...اسمع، ربما أحدث رفاقي ونحاول إنتاج المزيد حقاً إن كنت تصر رغم أن الأمر أصعب مما تتخيل...

-خذ ما يلزمك من وقت.

=شهور؟

-كحد أدنى، نعم، خذ وقتك!

=...هل لي بسؤال؟

-سل ما بدا لك.

=لم تركت الشرطة حقاً؟

-إن حكيت لك حكايتي؛ أتحكي لي حكايتك؟

حكيت له بالفعل كثيراً مما حكيت لكم سلفاً، وحكى لي هو الآخر لكني أفضل لأسباب كثيرة أن يظل ما حكاه سراً؛ لأني حقاً أحترم هذا الشاب وأشفق عليه، وهذا ما يجعلني أحبذ عدم الإفصاح عن اسمه أيضاً بالمناسبة.

حكيت عن زوجتي، ونبيل – دون ذكر اسميهما – وعندما أعلمته أني أيضاً أعاني خدراً انفعالياً وفقدت به إنسانيتي؛ أصر أن آخذ العدسات قائلاً: "دعنا نقل أني لا أعطيك إياها كهدية، بل كاختبار."

-أي اختبار؟

=اختبار سيحدد ما إن كنت حقاً إنساناً ولك قدرة على اتخاذ ما يميز الإنسان من خيارات أم لا، ولن تفهم كلامي الآن!

-ولكني ما زلت لا أفهم!

=إن شرحت لك الاختبار؛ فلن يكون اختباراً، ستتوصل إلى السؤال والإجابة بنفسك...أثق بهذا!

ولا أود الحديث كثيراً عما جرى بعد ذلك إذ أنه ليس مهماً بقدر ما قصصته، أما المهم فهو ما حدث بعد يوم أو اثنين؛ فقد استدعيت نبيلاً وجلسنا معاً في شرفة بمنزلي، وحكيت له ما كان قبل ساعات وأمرته أن يكتم هذا السر بداخله، ولم أخبره بالطبع باسم الشاب ولم يسأل هو عنه بأية حال، وأسررت له أنه خلال عام مثلاً قد يتوفر عدد لا بأس به من العدسات يمكننا توزيعه على من نعلم أنهم يحتاجون إليها حقاً كبداية، وعندما أنهينا الحديث عن هذا الأمر أخرجت زوج العدسات الذي منحني إياه الشاب وقدمته له قائلاً: "خذها يا نبيل، أعطها لذلك الذي سرقت من أجله في المقام الأول عندما قابلتك."

لكنه رفضها دون تردد: "كلا يا سيدي، دعك منه ومني، أعطها لزوجتك!"

شعرت إثر اقتراحه أن العالم قد توقف للحظات، وقد لاحظ هو ملامح وجهي الشاردة فاستطرد: "أذكر أني أخبرتك أني سأساعدك لتحاول معها مجدداً، وما من فرصة أفضل من تلك!"

سألته مجدداً وقد شعرت أن قدمي لا تحملانني: "وماذا عن ذلك ال..."

قاطعني وهو يغمز لي: "لا تقلق بشأنه يا سيدي، سأحاول السرقة من أجله مجدداً بنفسي!"

ضحكت دون مقاومة وأنا أداعبه قائلاً: "كن حذراً هذه المرة : "كن حذراً هذه المرة إذن!"

=لنأمل فقط أنك لن تكون من سيلقي القبض علي!

-بعد كل هذا الذي حدث؟ على النقيض تماماً يا نبيل؛ ربما تجدني أساعدك بنفسي في السرقة كي نوزع على الكثير من الناس قدر إمكاننا!

بالطبع ضحك نبيل وضحكت، ولكن ما لم يعلمه وقتئذ أن جزءاً من نفسي كان يأخذ الأمر حقاً على محمل الجد، وتخيلت لجزء من الدقيقة أني حادثت الشاب مجدداً واتفقت معه ومع أتباعه ومع نبيل أن ننفذ جميعاً عمليات سرقة لمخازن المستثمرين في تصنيع العدسات، بهويات غامضة وبمجهود في التخفي...وددت لبضع ثوان أن أصبح روبن هود المدينة وأنهي ما بدأه نبيل، ولكني صرفت هذه الفكرة وقتئذ بالطبع سريعاً...ولا يعني هذا أنها رحلت عن ذهني تماماً، حتى اللحظة التي أكتب فيها هذا!

ولاحظ نبيل شرودي فتنحنح ليخرجني منه قبل أن يقول: "بالنسبة لأمر زوجتك، دعنا نبدأ بإرسالك العدسات لها ولننتظر ردة فعلها، وإن تأخرت سننتقل إلى الخطة البديلة وهي ذهابك لمقابلتها، وعندئذ سأكون شاهداً معك على حكاية ممتعة من بطولتك لا بد أنها ستسعد بسماعها يا سيدي!"

-رغم أني لا أشعر بأية بطولة هنا يا نبيل، لا أشعر أننا حققنا شيئاً عظيماً...

=بل حققنا شيئاً عظيماً يا سيدي ولكنه أقل عظمة مما توقعنا وحسب، أنت تركز على الحل لا الإجابات، انظر حولك واسترجع ما حدث يا سيدي؛ لقد كشفنا كل شيء وعرفنا الحقيقة، وأنبتنا بذرة أمل أن كل شيء قد يكون بخير وأن هؤلاء الشباب قد يحصلون مقدماً على تشجيعهم يدفعهم لمتابعة تصنيع العدسات بأسعار أرخص من عابدي الأموال الذين نعرفهم، وأيضاً أوقفنا عمليات انتحار جماعية كانت لتزيد عن حدها أكثر من ذلك لولانا، والأهم أن هنالك فرصة تلوح في الأفق لتحسين علاقتك بزوجتك السابقة ولو بقدر بسيط، ألا تعد كل هذا انتصاراً؟!

-...أنت محق يا نبيل، أنت محق!

=بل وهنالك انتصار أعظم يا سيدي، وهو انتصار يخصني أنا، ألك أن تخمنه؟!

-قله وحاسب؛ إني فاشل في التخمين!

=معرفتك هي انتصار رائع لي يا سيدي، إن إيثارك أبهرني حقاً؛ فأنت تعلم قيمة هذه العدسات ورغم ذلك لم تتردد في منحها لغيرك! التضحية فضيلة نادرة حقاً رغم أني أتمتع ببعض منها لكن...لم أتخيل أني سأجد أحداً آخر يتحلى بها في هذا الزمن!

وفقط عندما أنهى نبيل جملته؛ تذكرت ما قاله الشاب عن الاختبار، وفهمت أخيراً سؤاله وإجابته!

ولم يكن ردي التالي مزايدة عليه وإنما حقائق أقر بها قلبي: "ومعرفتك أيضاً انتصار لي يا نبيل؛ أريدك أن تعلم أني أحترمك أكثر مما تتصور؛ فقد علمتني قيمة وجود المرء ومعناه في الحياة، ودفعتني لأكون فاعلاً في الحياة بدلاً من ثبوتي على كوني مفعولاً به، أنت تفهمني بالتأكيد!"

وكانت ابتسامته هي انتصاري الثاني!

أما عن أبرز ما حدث بعد هذا اللقاء، وهو الحدث الذي سنختم به هذه المذكرة والقصة كلها لأني بدأت أشعر أنك مللت مني، فكان أني ذهبت إلى المقهى الذي أعلم أنها تحب الجلوس فيه – لا أذكر إن كنت قد لمحت لك سابقاً لهذا الأمر أم لا، لكنك عرفته بأية حال - وتركت هدية باسمها لدى صاحبها، وراقبت الموقف من بعيد إلى أن تأكدت أنها أتت وتسلمتها، وهنا رحلت مسرعاً دون أن أشغل بالي بردة فعلها...

رغم ما قاله لي نبيل إلا أني لم أهتم حقاً بصفحها عني؛ فأنا كنت وقتئذ ما زلت أرى أني لا أستحق ذلك، كان كل ما يهمني أن تبصر هي الألوان مجدداً لأنها تستحق ذلك أكثر مني، خاصة بعد ما فعلته بها ولم أسامح نفسي عليه أبداً.

ما عاد يهمني شيء، أصبحت رجلاً حراً، ولم أنس أبداً ما قاله نبيل بل وآمنت به واتخذته عقيدة لي؛ ربما ليس من الضروري حقاً أن تجد حلولاً لكل المشاكل أو أن تحيط بكل الغنائم، ربما يكفي وحسب أن يحصل المرء على إجابات لأسئلة تؤرقه ويكون ذلك كافياً له بل ولا بأس أن يعتبره نصراً عظيماً إن أراد، وربما يكفي أيضاً أن يعرف لمشاكله حلولاً حتى لو لم يكن مقتدراً عليها...

ربما كان كافياً لي أن أعرف أني لا زلت أحبها، وأنها منذ اليوم – بافتراض أنها قبلت هديتي – ستنام وتصحو على الألوان لتنافسها في جمالها وجاذبيتها وأسرها للعيون، وربما لن تذرف عيناها الحلوتان دموعاً ثانية، ولا أخفي عليكم أن هذا، وبكل صدق، كان انتصاري الأعظم.

أحبك يا حنين، وأحن إليك كما يحن الليل إلى نجومه ويحن الإنسان إلى عدمه، لم أعلم في العالم من استحق الحب والغرام والدلال أكثر منك، نسيانك صعب لكنه إن حدث سيكون مجرد محاولة مني للتأقلم مع الواقع؛ وحماية لي من الجنون والهذيان والهوس...

أتمنى لها ليالٍ سعيدة كثيرة، ولكَ أيضاً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة