٥

٥

24 0

أتعلمون حقاً ما هي الكارثة المشتركة بين مشاعر الاكتئاب والخواء الروحي وفقدان المعنى والخدر الانفعالي؟

أن لا شيء على الإطلاق يستطيع انتشالك أو إنقاذك منهم!

لا حل ولا مهرب ولا ملجأ، بكل بساطة أي منهم يعني أنك فقدت نفسك إلى الأبد، لا أقول هذا لإحباطك لكني لن أكون مرتاحاً وأنا أكذب عليك، الحل الوحيد للتعامل مع هذه الأمور ربما يكون التعامل مع أطباء نفسيين أو متخصصين في أمراض المخ والأعصاب حسب الحالة، وأقول ربما لأن نسبة نجاحه أيضاً أقل بكثير من فشله!

ما بالك لو اجتمع كل هذا في؟!

وهذه لم تكن لعنتي وحسب بل أعدها لعنة أغلب البشر في هذا العصر، وكل ما حولنا من ماديات ومعنويات يؤدي إليها وإلى السقوط بين براثنها، كل الطرق تؤدي إلى ضياع الإنسان منه، وغربته عنه وعن كل شيء آخر.

إن الإنسان المعاصر هش، لا يعرف في حياته سوى الألم والتأقلم، لا معنى له ولا وجود، مجرد ظل أرهقه تتبع جسد لا قيمة له في العالم، مجرد رقم ضمن مصفوفة مصيرها هلاك جماعي بالملل، لا يستطيع تذوق الجمال أو الشعور بالحياة أو تنفيذ التضحيات أو اختبار المشاعر بشتى أنواعها، مجرد جسد ما عاد يختلف كثيراً عن الحيوان إذ أن عقله وشعوره قد فسدا بكل ما فيهما، لكنه خُلق على هيئة إنسان وحسب!

إن من قالوا أن ما يحدث في العالم المعاصر من تقدم علمي يشكل مدخلاً إلى المرحلة القادمة من تطور الجنس البشري، ولا بد أن من قالوا هذا قد ماتوا أو أنهم لا يستطيعون الاعتراف أنهم على خطأ، إن ما حدث شكل انحداراً لنا إلى مراحل أدنى، ولكننا لا نشعر...نحن حقاً لا نشعر أو نأبه، نحن لا شيء!

أتساءل إن كان الرب سيحاسبنا باعتبار أننا بشر لدينا عقول، لا أشكك في حكمه بالطبع إذ أن الذنب ليس ذنبه وإنما ذنبنا؛ نحن من فعلنا هذا بأنفسنا، لكني أعلم أنه يرى ما يحدث، ربما يسخر مما أوصلنا أنفسنا إليه وأننا غيرنا طبيعتنا التي خلقنا بها، وربما يشفق علينا ويدبر لنا نجاة ما ربما تأتي عاجلاً أم آجلاً، أياً كان ما يفعله فله الحق، أنا حقاً لا أشكك في الرب وإنما أشكك في حقنا بأن ندعو أنفسنا بشراً، وأظن أنها مسألة تستحق إعادة التفكير ملياً فيها!

وأستدل لك على صعوبة الخروج من أمراض العصر التي نعانيها بنفسي؛ فقد أسلفتُ لك الذكر أني متعدد الاهتمامات والمواهب بعيداً عن عملي السابق، أتظن أن أياً منها انتشلني مما أقاسيه؟

أنت تعرف الإجابة!

على أية حال، هذه الثرثرة بصراحة ليست جزءاً رئيسياً من القصة؛ إذ أن ما أتحدث عنه هو حالنا البديهي جداً قبل أن يحدث لنا حتى ما حدث، ولم تتغير الأمور هنا كثيراً عما كانت عليه قبل غياب الألوان، وإنما أصبحت أسوأ، لكني لا أريدك أن تعتبر ما تطالعه مما أكتب مجرد قصة يسردها شخص فقد مضمونه، هذه السطور أيضاً فرصتي لأقول كلاماً كثيراً لا يسمعه أحد غيري عندما أتفوه به وأنا أحدث نفسي كالمجنون؛ فنعتبرها إذن فرصة لي لأتواصل مع العالم وأنقل لمن يقرأ معاناتي؛ لربما تجد نفسك بين سطوري تلك، ربما لن نجد حلاً لكننا نعلم على الأقل أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن معاناتنا ليست مميزة أو حكراً علينا، ولا أدري ما إن كان هذا الشعور جيداً أم لا...لكنه بالنسبة إلي "مريح".

بالعودة إلى الحكاية، فما حدث أني شكرت نبيل على صنيعه، وأعلمته بعدها بنيتي في النزول إلى الشوارع بنفسي للتحري مجدداً؛ لعلي أكتشف أموراً جديدة تشكل فارقاً في تحقيقنا الذي لا أعلم كيف له أن يبدأ أو ينتهي، وربما يكون قيامي به مجرد تكفير عن ذنب السكوت على ما حدث والاكتفاء بالتنظير على الغير أو ركض مجنون وراء سراب يفترض أنه إجابة سؤال تنقذني من السقوط في هوة الجنون، كل ما أعرفه أن الأمر كان شبه عشوائي!

وبالفعل نزلت أتجول بنفسي، أراقب الناس وأستمع إلى أحاديثهم، وأسألهم أسئلة تبدو عشوائية لكنها تصيب هدفاً أضمره بداخلي، إن العالم يحوي مجموعة ضخمة من القصص وليس الناس وحسب، التعدادات السكانية تتعامل مع البشر كأنهم أرقام لا أرواح وأناس لهم حكاياتهم ومغامراتهم ولحظات سعادتهم أو مآسيهم، ولكني كنت أنتقل من مرحلة الأنانية التي تجعلني أظن أن قصتي هي الأهم والأكثر إثارة في العالم، وأركز مع قصص الآخرين لأكون صورة كاملة عن حالهم، وفي البداية وجدت كما وجد نبيل، لكني لم أجد هذا فقط تلك المرة...!

لاحظت رجلاً يسير في الشارع، لن أقول أنه مجنون ولكن أظنه كان تحت تأثير رعب شديد ومشاعر أخرى، كان يسير ويتحدث بنبرة تعلو حيناً وتنخفض حيناً وقد امتزجت بدموعه المنهمرة جاعلة منظره مثيراً للشفقة أكثر: "أحقاً لا تفهمون الأمر حتى الآن؟ ألا يمكن لعقولكم العبقرية تلك أن تستنتج أننا نُعَاقَبُ على خطايا عدة ارتكبناها في حق أنفسنا وحق غيرنا؟ أظننتم حقاً أن الرب لن يحرك ساكناً؟!".

كان يهذي هكذا، في نظر الناس وليس في نظري، ولكن لديه وجهة نظر، كم من الخطايا التي ارتكبناها يمكن أن نعدها منذ أتينا إلى الأرض وإلى أن نرحل ونخلص الكون من شرنا؟! إن كنا نحن لا نستطيع الحصر فالرب يرى ويستطيع، وليس من المنطقي أبداً أن يسكت على كل هذا، وكنت وقتئذ متسامحاً مع فكرة ألا يكون لهذا الأمر حقاً سبب دنيوي، وأن يكون كله حقاً غضباً من الرب بدأ من عندنا كتحذير، والبشر بالطبع يمارسون عادتهم الطبيعية بالتأقلم وتجاهل الإشارات!

الذنب حقاً ذنبنا، الرب بريء، لا أظن أن من يفهم الطبيعة البشرية جيداً يستطيع إنكار أننا بداية كل هذا الفساد!

وما لاحظته أيضاً كان متعلقاً بالشباب؛ فيبدو أنهم أصبحوا عدوانيين أكثر من ذي قبله تجاه الحياة بما فيها، وتجاه أهليهم وأنظمة حياتهم، ونعلم بالطبع أن هذه العدوانية وهذا الغضب وهذا الوحشية الكامنة داخلهم نتائج واضحة للقهر والبؤس الذي عانوه، إني أقارب الأربعين من عمري الآن ولا زلت أؤمن أن الشباب يموت بالبطيء في هذا العصر؛ هو هدف الشركات الرأسمالية التي تسرق وعيه ووجوده وتجعله ترساً في عجلاتها الدائرة، وهو الذي تناله أقوى ضربات الأنظمة الديكتاتورية التي تقهره وتقيد أحلامه وتستعبده، وكذلك ضحية لأهل متسلطين لا يعلمون معنى التربية ولا معنى أن يكون لديك استعداد للتضحية بأنانيتك وعبادتك لذاتك كي توجد لابنك شخصية خاصة به وتعلمه كيف له أن ينقذ العالم بها، أو يموت وهو يحاول على الأقل، إنما بدلاً من ذلك يعلمونه كراهية العالم ويقسون عليه لمجرد أنهم يريدون رؤيته نسخة أفضل منهم، هذه الأنانية لا تتغير على مر التاريخ ولن تتغير؛ ولذا فإني أؤمن أن سَورَة غضب الشباب تلك مبررة، ومدمرة، وقد تقتلنا جميعاً يوماً ما، وسنكون قد استحققنا ذلك عندئذ!

وتابعت تجولي وأنا أفعل ما أفعل، وكان اليوم يحمل لي مفاجأة رائعة لم أك مستعداً بعد لها...

فبينما كنت أسير على جانب شارع نظرت فجأة بعفوية إلى جانب الشارع المقابل؛ فرأيتها!

ولم تكن قد خرجت بعد من ذهني، وكانت لا تزال موضوعاً هاماً ضمن ما أحادث به نفسي في لياليَّ...!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة