١

١

31 0

إن ما حدث هنا كان عجيباً ومخيفاً عندما اختبرناه للمرة الأولى، وظننتني وحدي مِن حَلَكِ الظلمات التي تكتنف قلبي مَن شعر به، واعتراني الرعب إذ أني ظننته مرضاً نادراً اختارني موطناً لاستقراره، وكان الوصف الأدق للأمر أن مكنون نفسي قد تجسد في حالتي الغريبة تلك – التي أصبحت حالة الجميع هنا بالمناسبة – فأنا خاوي الروح بارد الشعور ميت القلب ترتعد فرائصي من المجهول، لا أذكر كم مر من الوقت على آخر شعور حقيقي اختبرته سواء أكان نَيِّراً أم مظلماً، وعندما حدث ما حدث أحسست أن العالم يكمل رسم لوحة الفراغ واللامعنى التي اتخذتني صالة عرض لها...

لكن، أتعرف حقاً ما حدث؟ أيمكنك حتى تخمينه؟

بأية حال سأوفر عليك عناء التفكير وأسألك: كيف قد يكون حالك إن استيقظت ذات يوم ووجدت عينيك لا تبصران ألواناً على الإطلاق، وإنما تريان العالم بالأبيض والأسود فقط؟!

أما كنت لتشعر حينئذ مثلي، إن كانت روحك غارقة في ظلمات فوقها فوق بعض كروحي، أن الحياة تسخر منك، أو ترثيك لأن حالك أصبح مثيراً للشفقة لدرجة لا تُحتمل؟!

فقد كان هذا ما شعرت به، قبل أن أكتشف أن الأمر لا يتعلق بي وحسب، وأني لست محور الكون كما يرى كل إنسان طبيعي نفسه بَيدَ أن هذا أكثر ما يهلكه، وإنما كانت تلك حالة غريبة أصابت أهل البلدة كلهم؛ أكروماتوبسيا أو عمى ألوان تام جماعي – ولم أكن على علم بها بل قادني بحثي الشخصي البسيط إذ ذاك إلى هذه المتلازمة الطبية النادرة – وأذكر ما اعتراهم وقتئذ من رعب مثلما اعتراني خاصة بعدما اكتشفنا أن مدينتنا فقط التي أصابها ذلك، وأن العالم الخارجي بخير حال، وأن من يخرجون من عندنا إلى بلاد أخرى يكتشفون أن لعنتهم تلك ما زالت مرافقتهم، بيد أني سأفاجئك بما حدث خلال بضعة أشهر من هذا الأمر العجيب: تأقلموا!

وهذا أيضاً ما يفعله الإنسان الطبيعي في محاولته للنجاة في الحياة؛ يتناسى ويتغافل، ويتأقلم، وكثيراً ما ارتكب الإنسان جريمة السكوت على ما يصيبه أو يصيب غيره من بلاء؛ فتأقلم مع الطواغيت والإبادات الجماعية والعبودية وسرطان الفساد الذي أصاب المجتمعات وتفشى فيها على مر السنون والأعوام؛ وهكذا كان من الطبيعي أن يتجاهل أهل بلدتنا ما حدث، ويعودوا إلى قبور أنفسهم التي غشيتها الظلمات دون فراغ لبصيص من نور، أملاً في اقتراب يوم ينزلون فيه إلى قبور حقيقية أياً كان مصيرهم بعد ذلك!

إني أؤمن أن خطيئة الإنسان العظمى تسامحه في حق نفسه!

وهذا لا يمنع أن سكوتهم عن الأمر كان أعجب من أن أسكت أنا عليه، لكن حتى جهاز الشرطة تجاهل الأمر رغم غرابته الشديدة التي تشبه ما يحدث في أفلام الخيال العلمي، وهذا احتقار الإنسان لذاته الذي أكره، لكن حديثي هذا قيم على الأوراق وهراء إن وجهته لهم!

زرت أطباء بالطبع، واكتشفت أنهم يحتاجون من يعالجهم بدورهم!

وعلمت أن هذه المتلازمة لم يتم اكتشاف علاجها بعد، ولم يكن صعباً بالطبع أن ألمح نبرة القلق والرعب في أصواتهم وهم يسردون لي هذه الحقائق، ولا ألومهم لأني مثلهم – ومثل الجميع – ولم أكن وحدي من طلب العلاج بالتأكيد لكن كثيراً غيري عادوا مثلي بخيبة أمل متوقعة.

وبعد فترة من التأقلم الذي حدثتك عنه ظهرت ثاني أسوأ خطيئة – حسب زعمي – يمكن أن يرتكبها إنسان: الجشع والاستغلال، وأربطهما ببعضهما دائماً لأنهما سبب ونتيجة متلازمان دائماً في نظري؛ فقد استغل كثيرون هذه الأزمة وراحوا يصنعون عدسات خاصة لعلاج هذه الحالة ويبيعونها بأسعار خرافية – وفعاليتها مثبتة طبياً بالمناسبة – ولا بد أنك سمعت أو شهدت أفاعيل كتلك كثيراً في حياتك؛ لأنها ليست بجديدة على الإطلاق؛ ولأنها مسبب أساسي للتأقلم، وليس صعباً أن نستنتج هذا وأن نربط بين الاثنين!

لكن أتعرف ما العجيب والمضحك في آن واحد حقاً؟

أن من يشتري العدسات اليوم في بلدتنا ويرى الألوان مجدداً بشكل طبيعي تلحقه السخرية أينما ذهب!

نعم؛ البشر مع الوقت يتقبلون كون الشاذ هو القاعدة، والعكس صحيح، ومفتاح كل هذه الكوارث التي شهدنا مثلها كثيراً على مر التاريخ هو التأقلم، فكر وحسب فيما أقول!

أما عني – قبل أن أنسى – فاسمي يونس، وكنت محققاً تابعاً للشرطة في بلدتي لبعض الوقت؛ منعت جرائم وأنقذت أناساً واعتقلتُ مجرمين، وأمور أخرى كتلك التي تطالعها في روايات الأدب العالمي المترجم أو تراها في أفلام الإثارة – التي أصبحت كلها بالأبيض والأسود هنا رغماً عنا – لكني تجاهلت مستقبلي معهم لأسباب لا مزاج لي لآتي على ذكرها الآن، واستقلت منذ فترة ليست بقصيرة، ولا أخفي عليكم أن بعض رفاقي السابقين أحياناً ما يتواصلون معي سراً طالبين مساعدتي في بعض القضايا التي تؤرقهم، إن تركك لعمل ما إن كنت جيداً فيه شرطه الوحيد أن تموت أو ألا يعرف أحد أنك كنت جيداً فيه!

رغم أن هذه الأعمال تعيد إلي ذكريات لا أحبها، لكن قول لا أو رفض طلب ما لأحد أشق علي مما سواه، للأسف الشديد.

حقاً؛ إن خطيئة الإنسان العظمى تسامحه في حق نفسه!

ربما نتوقف هنا لبعض الوقت، وسأبدأ الحكاية لاحقاً، وقد كانت السطور السابقة تمهيداً لما هو قادم وحسب.

أما عن سر كون ما أكتبه فصيحاً – وبليغاً كما أزعم – هكذا فهو ليس بعمل ذكاء اصطناعي أو كتابة شخص آخر كما قد يتبادر إلى ذهنك، وإنما لأني منذ صغري أحببت الأدب كاهتمام جانبي، وكنت قارئاً شرهاً تؤنس نفسه وتشحذ عقله البلاغة والفصاحة وشتى موضوعات الأدب، وطورت مَلَكَة الكتابة لدي في مذكراتي الشخصية، ومنها تلك المجموعة المتسلسلة التي أقص عليك فيها حكايتي الغريبة تلك.

وبأية حال فإن شغفي القديم هذا فشل في انتشالي من معاناتي وفراغي وخوائي، وسأكون كاذباً إن قلت أني أشعر حقاً بما أكتب، وسأكون كاذباً أيضاً إن قلت أن مشاعري قد ذهبت تماماً بلا عودة؛ فهي بداخلي محتجزة خلف قلبي كذكرى حدث بعيد لا تستدعيه الذاكرة وتكون صورته بوضوح...لكنها موجودة!

وهذا يمنحني أملاً ضئيلاً، بيد أنه يجدد بداخلي حزناً عظيماً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نوار

المؤلف محمد تامر
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة