شيء ما يتغيّر داخلي

شيء ما يتغيّر داخلي

12 0

يداي ترتجفان بلا توقف، وكأن رعشتها كانت ارتدادًا لما رأيته قبل لحظات.

لا أعلم ما الذي حدث... أو بالأحرى، لا أُريد أن أعلم.

كنت هناك... وكنتُ أنا. لكن كل ما حولي لم يكن طبيعيًا. لا الشجرة التي احترقت من مجرد لمسة، ولا الذئب الذي انكمش على نفسه بعد أن لمسته النيران الخارجة من كفِّي.

أتخيل؟ أحلم؟ أتوهم؟

لكن النار... النار كانت حقيقية.

شعرت بحرارتها تسري في عروقي قبل أن تراها عيناي، كأنها لم تخرج من يدي بل من روحي نفسها.

والذئب... كان هناك، ينبض بالحياة، عيناه تبرقان بغريزةٍ متأهبة، ثم اختفى... في رماد.

كل شيء حولي بدا كأنه ينتمي لعالمٍ آخر... كأنني غارقة في خيال لا حدود له، خيال مؤلم، نابض بالحقيقة، لا مفر منه.

كل نفس أتنفسه كان ثقيلاً، وكل خطوة بعد تلك اللحظة بدت وكأنها تُبعدني عن ذاتي أكثر.

أردت أن أصرخ، أن أوقظ نفسي من هذا الحلم المزعج، لكنني كنت يقظة أكثر مما ينبغي.

كنت أكثر وعيًا مما يحتمل عقلي.

الهدوء المحيط بي كان خادعًا، وكل شيء داخلي كان ينهار بصمت.

شعور غريب اجتاحني، كأن شيئًا بداخلي يتمرد، يصرخ... لا يُريد العودة.

قلبي يضرب كطبول معركة، وكل ذرة في جسدي تريد الهرب.

لم أرغب في العودة إلى الخيمة، ولا في رؤية أحد.

كنت خائفة... من نفسي، منهم، من كل شيء.

وفجأة، دون تفكير، وجدتُ نفسي أركض.

أركض كأن الهواء قد نفد من صدري، كأن الأرض تهتز تحت قدميّ وتدفعني للأمام.

الأشجار تمرّ بجانبي كوميضٍ خاطف، أغصانها تلامس وجهي، تخدشه بخفة، والظلال تبتلعني.

لكنني لم أتوقف.

كنت أركض لأهرب من الجنون، من الحقيقة.

لم أكن أعلم إلى أين، فقط كنت أركض، والدموع تحرق وجنتيّ دون أن أشعر بها، حتى قادتني قدماي إلى بحيرة هادئة، مختبئة كأنها كانت تنتظرني منذ الأزل.

انعكس ضوء القمر على سطح الماء، نقيًا، صافيًا، كمرآة صامتة... مرآة كشفت لي ما لم أكن مستعدة لرؤيته.

جلست أمامها، أنفاسي متقطع، وصدري يصعد ويهبط كأنني كنت أغوص في أعماق لا نهاية لها.

نظرت إلى الماء... ثم تجمدت.

ذلك الوجه المنعكس لم يكن وجهي.

عيناي؟ كان فيهما بريق أحمر خافت، بارد... غريب.

وملامحي؟ شاحبة، كأن الحياة بدأت تذبل بهدوء، أو كأن شيئًا منها يُسحب مني دون مقاومة.

وذاك الوشم الغريب.

كان ينبض بحرارة غير مألوفة، كأن هناك شيئًا يتحرك تحته، شيء حيّ.

حاولت أن أتماسك، أتنفس، أن أقول لنفسي إنني بخير.

لكنني كنت أعلم... هناك شيء ما في داخلي لم يعد كما كان.

غلبني التعب، ليس فقط من الركض، بل من الخوف، من التفكير، من هذا التغيير الذي لا أستطيع إيقافه.

جلست روحي أولاً قبل أن يجلس جسدي.

أسندت رأسي إلى ركبتي، والنسيم البارد يداعب أطراف شعري، وصوت الماء يهدئ رجفه الخوف في صدري.

وغُصت في سباتٍ عميق بجوار البحيرة... كأن النوم وحده قادر على منحي مهربًا مؤقتًا من نفسي.

.

.

فتحتُ عينيّ على صوت بعيد...

"إيلينا!"

"إيلينا، أجبينا!"

"أين أنتِ؟!"

كانت الأصوات تأتي مشوشة، كأنها قادمة من خلف ستار من الماء.

لكنها مألوفة.

أمي، أبي، ميريل... كانوا هناك، يبحثون عني بين الأشجار.

نهضت ببطء، جسدي بارد، متيبس، كأنني كنت نائمة على الجليد.

كل خطوة شعرتُ أنها تجرّ قلبي خلفها، كأنني أُجبر على العودة لعالم لم أعد أنتمي إليه.

رأيتهم عند طرف الغابة.

وجوههم متوترة، عيونهم قلقة، وقلوبهم معلّقة بخطواتي.

لكن حين رأتني أمي، ركضت نحوي واحتضنتني بقوة، كأنها تحاول طرد الشبح الذي يسكنني.

"أين كنتِ؟ لقد أقلقتِنا!"

قال والدي بنبرة اختلط فيها الغضب بالارتياح.

أجبت بابتسامة خافتة:

"استيقظتُ باكرًا، لم أشأ أن أوقظكم... فخرجتُ أتمشى قليلاً، ووجدتُ بحيرة جميلة، فجلستُ بجوارها."

كذبت.

ببساطة شديدة، كذبت.

لأن لا أحد سيفهم... ولا أحد يجب أن يعلم.

.

.

عدنا إلى المخيم، وكان التوتر ما يزال يُخيّم على الأجواء، لكنهم حاولوا تجاهله.

أبي أشعل النار، وأمي أعدّت الطعام، وميريل أخذت تلتقط صورًا لكل شيء بلا توقف، وكأنها توثق ذكرى جميلة في حين أنني كنتُ أعيش كابوسًا.

ضحكوا كثيرًا، وتحدثوا عن لحظات الرحلة.

أما أنا؟ كنت هناك جسدًا فقط.

روحي... بقيت عند البحيرة. هناك، حيث تغيرت أشياء كثيرة، حيث شيء ما استيقظ بداخلي ولن يعود للنوم.

كنت أبتسم، أشاركهم الأحاديث، أرد على الأسئلة، أتناول الطعام... لكن داخلي كان يتمزق بسؤال واحد:

"ما الذي يحدث لي؟"

.

.

ركبنا السيارة وعدنا من الرحلة.

جلستُ بجانب النافذة، أراقب الغابة تبتعد، كأن الأشجار كانت تلوّح لي بوداع خاص...

أو كأنها كانت تحذرني:

"لن تعودي كما كنتِ."

حاولت أن أبدو طبيعية.

ضحكت، علّقت، شاركتهم الأحاديث، ونجحت في خداعهم.

لكنني لم أنجح في خداع نفسي.

لأن شيئًا ما داخلي ظل يهمس لي:

"أنتِ لم تعودي كما كنتِ."

.

.

في تلك الليلة، كل شيء بدا طبيعيًا.

لا رؤى، لا كوابيس، لا أصوات غريبة.

لكن عندما نظرتُ في المرآة...

لاحظتُ شيئًا بسيطًا، لكنه أربكني.

بشرتي لا تزال شاحبة، شاحبة كثيراً، شحوبا ملحوظ... وشعري بدا أطول بقليل.

لم يكن ذلك وهمًا.

مرت يومين بعدها بهدوء غريب...

روتين معتاد، حياة طبيعية ظاهريًا.

أمارس حياتي، أتابع دراستي، أتناول الإفطار مع عائلتي، أضحك، أتكلم، أعيش.

لكن ذلك الشعور في قلبي، ذلك التغيير الهادئ المخيف... لم يفارقني.

.

.

رن هاتفي في إحدى الأمسيات. كان كاسبر.

"إيلينا، ما رأيك أن نخرج غدًا مع بقية الأصدقاء؟ أظن أن الهواء والتغيير سيجعلانكِ تشعرين بتحسن."

وافقت. ربما كنت أحتاج للهروب من سكوني... أو ربما كنت أحتاج أن أشعر أنني ما زلت طبيعية.

وفي اليوم التالي، التقينا في المقهى المعتاد.

ضحكنا، تحدّثنا، تظاهرنا بالراحة.

كنت أبتسم... لكنني كنت أراقب انعكاسي في زجاج النافذة، أرى تلك الومضة الحمراء في عينيّ، وتذكرت من جديد...

أنا لم أعد كما كنت.

.

.

في طريق العودة، كنا نسير معًا أنا وكاسبر.

الشارع هادئ، وضوء الغروب يُغلفنا بهدوء دافئ.

كان صامتًا على غير عادته.

نظرت إليه وسألته: "ما بك؟ هل كل شيء بخير؟"

تردد، بدا عليه التوتر، ثم قال بصوت خافت:

"لا أعلم حقًا... أشياء غريبة تحدث لي، لا أفهمها."

توقفتُ. قلبي هبط في صدري. كلماته... طريقته... كانت تشبهني.

نظرت إليه طويلًا، همست:

"ما رأيك أن نذهب إلى الحديقة القريبة؟ أشعر أنك بحاجة لبعض الهدوء."

ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنّه يُخفي أكثر مما يُظهر. قال: "فكرة رائعة."

ذهبنا إلى الحديقة.

كانت ساكنة، البحر الصغير أمامنا، الموج يُداعب الرمال.

كاسبر ظل صامتًا، ينظر إلى الأفق. أما أنا، فكنت أراقبه. أراقب تغيراته. أراقب ما لن يقوله بصوتٍ عالٍ.

قلت بهدوء:

"كاسبر... هل أنت بخير؟"

ظل صامتًا للحظة، ثم همس بصوتٍ بدا كأنه صادر من داخله لا من فمه:

"لا أعلم، تحدث لي أشياء... لا يُمكنني شرحها."

نظرت إليه بقلق، فتابع بتردد:

"ذهبت إلى الطبيب... لم أجد شيئًا. جسدي بخير، عيوني لا تعاني من مشكلة، كل التحاليل سليمة."

صوت كاسبر كان متقطعًا، خائفًا.

"لكن... منذ فترة، قبل رحلتك الأخيرة، بدأت أشعر بأمور غريبة. عيني تتحسس من الضوء بشكل غير طبيعي، أنام وأستيقظ وكأن جسدي كله محطم... حتى أنني عندما أنظر إلى الناس... أرى شيئًا."

تجمدت.

"شيئًا؟" سألتُه.

قال وهو يبتلع ريقه:

"أرى... هالات. ضوء. حول الناس، بألوان مختلفة. لا أستطيع شرحها، لكنها موجودة. عندما نظرتُ إلى أصدقائنا اليوم، رأيت تلك الهالات. لكن الآن... وأنا أقف معكِ... أرى شيئًا مختلفًا."

صمت، ثم تابع بصوت أشد ارتباكًا:

"هالتك... لونها أحمر قاتم. لم أرَ مثلها من قبل. وأنا لا أعلم ما يعنيه هذا، لكن... حين أكون معكِ، أشعر بالهدوء.أشعر... أنك تفهمينني. هل تفهمينني؟"

لم أستطع الرد. كلماته ضربت قلبي كنبضة قلق. كنت أريد أن أقول نعم، أفهمك. لأنني أعيش ذلك أيضًا.

لكنني خفت.

قلت له بهدوء مصطنع:

"ربما فقط... ترهق نفسك. قد يكون وهمًا. أحيانًا، عقولنا تخلق أشياء من التعب. يجب أن ترتاح، تنام كثيرًا، وتشرب سوائل دافئة."

ابتسم كاسبر بسخرية خفيفة، لكنه لم يُجادلني.

ظللتُ أطمئنه طول الطريق، أردد:

"لا تقلق، لا شيء مختلف."

لكنه قال بصوت خافت قبل أن يودعني:

" تلك الهاله او هذا الشيء، الذي اراه حول الناس... الشيء الذي حولك،

لا تشبه أحدًا. هذا ما يُخيفني."

راقبته وهو يبتعد... وقلبي يشتد عليه.

كاسبر أيضًا؟

لكن لماذا لم يذكر شيئًا عن وشم؟ لا شيء عن النار؟ عن الغابة؟

عدت إلى البيت، حاولت أن أتصرف بطبيعية.

ضحكت مع عائلتي، تناولت الطعام.

لكن في نهاية اليوم، جلست وحدي، لا أعلم ماذا يجب أن أفعل.

هل أتصل به لأطمئن عليه؟ أم أختار الصمت حتى لا يشك في أمري؟

لم أتصل.

قررت أن أنام.

لكن... قبل أن يغمض جفني، رأيته.

ذلك الوجه. ذلك الرجل. الذي ظهر من قبل.

وكانت يداي... تعود لترتجف بلا توقف، وكأن رعشتها كانت ارتدادًا لما رأيته قبل لحظات.، مره اخرى مثل ما حدث في الغابه.

لا أعلم ما الذي يحدث...

أو بالأحرى، لا أُريد أن أعلم.

لكنني أعلم شيئًا واحدًا..ن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما تتغير القوانين/ When the laws change

المؤلف 𝓢𝓪𝓵𝓶𝓪
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة