ومرّ يومان، وإيلينا لا تزال على حالها...
ذاك الإحساس المزعج لم يفارقها.
باتت عيناها أكثر تحسسًا للضوء، وكأن الأشعة تخترق جمجمتها،
وكل صوتٍ حولها صار أعلى مما ينبغي... خطوات الأقدام، صرير الباب، حتى صوت سقوط الماء من الصنبور، صار مزعجًا لحد الألم.
كانت تُرجع ذلك كله إلى التعب أو قلة النوم، لكنها لم تكن تجهل الحقيقة تمامًا... بل تخاف مواجهتها.
ومع كل اتصالٍ من كاسبر، كانت تشعر أن صوته متغير.
في المرة الثالثة التي اتصل فيها، كانت نبرته متعبة، وأنفاسه متقطعة.
قالت له:
"هل أنت بخير؟ صوتك... يبدو غريبًا."
فأجاب مترددًا:
"أجل... فقط صداع بسيط، ربما إرهاق."
لكنها شعرت بشيء مختلف. كانت كأنها تسمعه يتألم رغم محاولته إخفاء ذلك.
وبينما كانت تحاول أن تطرد الوساوس من رأسها، ظلّ سؤال واحد يتردد داخلها بإلحاح:
"هل ما حدث... حقيقي؟ أم أنني فقط أتوهم؟"
ذاك الرجل الذي ظهر فجأة... عيناه، صوته، كلماته...
هل كان مجرد حلم؟
هل قراءاتها الكثيرة قد بدأت تُدخلها في دوامة من الخيال الذي لا ينتهي؟
لكن العلامة... الألم... التغيرات الغريبة...
كل ذلك كان حقيقيًا جدًا، مؤلمًا جدًا.
ورغم كل هذه الشكوك، قررت أن تتصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث.
مارست يومها كالمعتاد، ساعدت أختها في ترتيب الغرفة، تبادلت الضحك مع أمها، وجلست مع والدها تتحدث عن دراستها القادمة.
ضحكت، وابتسمت، وتظاهرت بالطمأنينة...
لكن الكتب... لم تعد كما كانت.
كلما أمسكت بكتابٍ، شعرت بثقلٍ علي صدرها.
كأن صدرها يرفض الخيال الآن، أو يخشى مما قد يكشفه.
كانت تشعر باختناقٍ خفي... كأن هناك شيئًا يحاول الخروج من داخلها، لكنها لا تملك له اسمًا.
وذات ليلة، بدا كل شيء عاديًا.
تناولت العشاء، تحدثت قليلًا مع أختها، ثم غادرت لغرفتها استعدادًا للنوم.
لكن فجأة...
شعرت بحرارة لاذعة على رقبتها... بالضبط عند تلك الشامة المثلثة.
"آه..." شهقت، ووضعت يدها على رقبتها.
كانت الحرارة خفيفة لكنها مزعجة، وبدأ ألمٌ غريب يتسلل إلى صدرها...
تحديدًا أسفل عظمة الترقوة، وكانت تشتعل تحت الجلد.
ركضت إلى الحمام، نظرت في المرآة.
المنطقة تحت عظمة الترقوة كانت محمرة بشدة، وكأنها ملتهبة.
"ما الذي يحدث لي؟" همست لنفسها، وهي تتحسس موضع الألم.
لكنها حاولت التعامل مع الأمر وكأنه مجرد إجهاد عضلي...
فتحت الماء الدافئ، ووقفت تحت الدش، تحاول تهدئة جسدها المتعب.
بعد دقائق، شعرت بتحسن طفيف.
ارتدت ملابس مريحة، وذهبت إلى النوم.
لكن النوم لم يكن حلًا...
شعرت بالاختناق فجأة، وكأن جدران الغرفة تُطبق عليها.
قلبها ينبض بسرعة، أنفاسها ثقيلة.
"أنا بحاجة إلى هواء..." قالت، ونهضت بسرعة.
فتحت باب المنزل بهدوء، وصعدت السلم المؤدي إلى سطح البيت.
كان الليل ساكنًا، والنجوم تملأ السماء.
جلست على حافة البناء، ووجهها للسماء... تتنفس.
الهواء البارد لامس وجهها وأراحها.
كانت تشعر بأنها أخف... وكأن السماء تسمع وجعها الصامت.
همست لنفسها:
"لماذا كل هذا؟ لم أطلب شيئًا سوى أن أعيش حياة هادئة... لم أرد إلا الخيال، فلماذا يلاحقني كأنه حقيقة؟"
ظلت تنظر إلى النجوم، وهي تلمع ببطء، تشعر أنها أقرب إليها من البشر من حولها.
ثم عادت إلى الداخل، اتجهت إلى المطبخ، وأخذت كوبًا من الماء... ثم آخر... ثم ثالث.
كانت تشعر بجفاف غير طبيعي، وكأن جسدها يحتاج لترطيب لا نهاية له.
"أنا لا أشرب الماء هكذا عادة..." فكرت، وهي تحدق في الكوب بين يديها.
عادت إلى غرفتها.
حاولت أن تقرأ كتابًا لتُهدئ روحها، ونجحت مؤقتًا.
صفحة بعد صفحة، نسيت نفسها... ثم غلبها النعاس.
لكن الصباح التالي لم يكن عاديا..
استيقظت بخمولٍ شديد، جسدها يؤلمها، وثقل غريب في أطرافها.
توجهت إلى الحمام، ونظرت في المرآة...
تجمدت في مكانها.
المنطقة المحمرة تحت عظمة الترقوة...
لم تعد كذلك.
كانت هناك وشمة غريبة الشكل، ذات خطوط متشابكة، بدت كأنها حُفرت على جلدها.
اقتربت منها، لامستها بأطراف أصابعها...
"ما هذا...؟" همست.
حاولت مسحها... لكنها لم تختفِ.
حاولت فركها بالماء... بقيت كما هي.
"لا... لا، لا... أنا أتوهم... هذا ليس حقيقيًا."
لكنها كانت تشعر بها... تشعر بحرارتها، وكأنها حية.
نظرت لنفسها في المرآة طويلًا... عيناها مرتجفتان، شفتيها يابستان، وقلبها يدق بقوة.
"لا أحد يجب أن يعرف... لا أحد." قالت بصوت مرتجف، وهي تغلق باب الحمام خلفها.
عادت إلى سريرها، ووضعت الوسادة فوق وجهها...وغطت في نوم عميق..
.
.
مرت ثلاثه ايام على ما حدث في تلك الليلة...
لم تعد متأكدة إن كان ما رأته حقيقيًا أم مجرد أوهام شديدة الحيوية.
هل حقًا وقف ذلك الرجل أمامها وتحدث عن قوة ما؟
هل فعلًا بدأت ترى أشياءً تتغير في جسدها، أم أن عقلها الممتلئ بالخيال بدأ يصنع واقعًا بديلًا؟
كلما حاولت نسيان الأمر، عادت العلامة التي على صدرها لتذكّرها...
لكنها تجاهلت كل شيء، وقررت أن تُغلق هذا الباب تمامًا.
حتى جاء والدها ذات مساء وهو يقول بحماس:
"أتعلمون ماذا؟ نحن بحاجة لبعض الهواء النقي."
نظرت إليه الأم باستغراب:
"ماذا تقصد؟"
قال وهو يضع هاتفه جانبًا ويجلس وسطهم:
"رحلة تخييم صغيرة، لنا جميعًا.
أنا، وأنتِ، وميريل، وإيلينا... سنبتعد عن التكنولوجيا، عن الضوضاء... عن كل شيء."
رفعت ميريل حاجبها بسخرية:
"وهل ستطبخ لنا على النار مباشرة؟ أم ستأخذ معك مطبخًا متنقلًا؟"
ضحك الأب وقال:
"بل ستطبخ إيلينا."
رفعت إيلينا رأسها من كتابها، وقالت بدهشة طفولية:
"أنا؟! منذ متى أطبخ أنا؟!"
ضحك الجميع، وكانت ضحكة صافية لم تسمعها إيلينا منذ فترة.
شيء ما في صدرها تحرك… كأنها كانت بحاجة فعلية لهذا النوع من الدفء.
قالت:
"أنا موافقة! لننسى كل شيء... ونخيم في قلب الطبيعة."
لم يكن أحد يعلم أن هذه الجملة ستكشف لها قلب الحقيقه ...
.
.
في اليوم التالي، بدأ الاستعداد.
قامت الأم بتجهيز الطعام والمعلبات، وحرصت على تعبئة صندوق بالإسعافات الأولية.
ميريل كانت تتذمر طوال الوقت:
"نحن لسنا في فيلم رعب، صحيح؟ لا تنسوا، أنا لا أشارككم في مواجهة حشرات أو أشباح!"
أما إيلينا، فبدأت تُدوّن في دفتر صغير كل ما تحتاجه:
كشاف
بطارية إضافية
كتاب جديد
الكاميرا
قنينة الماء
وأثناء كتابتها، رنّ هاتفها.
كاسبر.
أجابته وهي تبتسم:
"مرحبًا! لن تصدق... سنذهب في رحلة تخييم!"
قال من الجهة الأخرى بسعادة:
"أخيرًا! أخيرًا تفعلين شيئًا حقيقيًا! هذا رائع، إيلينا!"
ردّت:
"أنا متحمسة فعلًا... أحتاج لهذا الهدوء."
قال بهدوء صادق:
"استمتعي، ولا تقلقي بشأن أي شيء... الطبيعة تعرف كيف تشفي من الداخل."
صمتت قليلًا، ثم قالت بصوت منخفض:
"شكرًا يا كاسبر."
قال:
"هل أساعدك في تجهيزاتك؟ أنا لدي خبرة."
"تعال."
قالتها بسرعة، وهي تشعر أن وجوده بجانبها سيجعل الأمور أسهل.
.
.
.
يوم الرحلة:
في صباحٍ باكر، ملأت العائلة السيارة بالأغراض.
كان الجو رائعًا، والسماء ملبدة بالغيوم الخفيفة.
طوال الطريق، تبادلوا الأغاني، الضحك، وبعض الذكريات.
أما إيلينا فكانت تنظر من النافذة وتفكر:
"هل سأجد هناك هدوءًا حقيقيًا؟ هل ستصمت الأسئلة داخلي أخيرًا؟"
وصلوا إلى الغابة عند الغروب.
المكان كان ساحرًا…
أشجار طويلة تتمايل كأنها تحرس الأرض، رائحة تراب ممزوجة بندى المساء.
نصبوا الخيام، جمعوا الحطب، وأشعلوا النيران.
جلست إيلينا تراقب اللهب وهو يتراقص،
وفي قلبها لهب آخر لا يهدأ.
"لماذا ما زلت أشعر أن شيئًا ما ينتظرني؟"
قالت ميريل وهي تمسك بمشروب دافئ:
"كأننا في فيلم… أتوقع ظهور كائن غريب في أي لحظة!"
ضحك الجميع واقترب الليل أكثر، وسكنت الغابة من حولهم.
جلس الأربعة حول النار المشتعلة، يحدقون في اللهب كأنهم يقرأون فيه قصصًا قديمة.
قال الأب وهو يرتشف قهوته:
"أتعلمان؟ عندما كنت في عمركما، كنت أتمنى أن أعيش وحدي في الغابة... بعيدًا عن كل شيء."
ضحكت ليليان وقالت مازحة:
"لكن القدر جعلك أبًا لفتاتين، وها أنت في قلب الطبيعة معهن!"
ضحكت ميريل، بينما ابتسمت إيلينا ونظرت إلى النار، ثم إلى السماء.
كانت النجوم متناثرة، تشبه أحلامها… كثيرة، متوهجة، لكنها بعيدة.
سألتها ميريل بخفوت:
"أنتِ بخير، إيلينا؟"
نظرت إليها إيلينا وهزّت رأسها:
"أنا فقط... أحب الليل هنا، فيه هدوء لا أجده في المدينة."
قال الاب :
"الغابة تعلّمك الصمت، والسماء تعلمك التأمل... إنها حياة بسيطة، لكنها صافية."
ثم قرر الجميع أن يدخلوا خيامهم بعد أن خفّت النار قليلًا.
قبّلت إيلينا والدها ووالدتها، وهمّت بدخول خيمتها.
لكن...
بينما كانت تستعد للنوم، عاد ذاك الإحساس.
الثقل في صدرها، الوخز في رقبتها، الهواء من حولها كأنه أصبح أكثر برودة.
جلست، وسمعت حركة خارج الخيمة.
ظنتها أختها، ففتحت السحّاب ونادت:
"ميريل؟"
لا رد.
خرجت بهدوء، كانت النار لا تزال مشتعلة، والليل ساكن، لكنه لم يكن هادئًا.
كانت خطواتها حذرة وهي تمشي في الاتجاه المعاكس للخيم.
شيء بداخلها يقودها، وكأن جسدها يعرف إلى أين يريد أن يذهب دون أن تُفكر.
وقفت في مساحة صغيرة محاطة بالأشجار...
وهناك، سمعته.
خشخشة بين الأعشاب.
أنفاس ثقيلة.
شيء يتحرك.
استدارت...
ورأته.
ذئب.
ضخم، ذو فراء رمادي باهت، عيناه تتوهجان كجمرة خافتة.
تسمرت في مكانها.
لم تصرخ.
كانت الخوف، نعم، لكن داخلها كان هدوء غريب...
كأنها خاضت هذا الموقف من قبل، في حلم، أو كأن عقلها استعد له منذ زمن بعيد.
بدأ الذئب يقترب، خطوته ثقيلة لكنها ثابتة.
رجع جسدها خطوة،
ثم أخرى،
حتى تعثرت بحجر وسقطت على الأرض.
اقترب الذئب منها،
لم يكن يركض، بل يزحف بهدوء كمن يراقب فريسته قبل أن ينقضّ.
أغمضت عينيها لوهلة، ثم...
رفعت يدها فجأة لتدفعه...
لكنها لم تلمسه.
بدلًا من ذلك،
خرج من كفّها وهج ناري، صغير أولًا، ثم اتّسع كوميض برق،
واندفعت شرارة نار قوية أبعدت الذئب فجأة.
ارتد الذئب إلى الخلف،ثم اختفى...... لا بل تحول الي رماد.
أما إيلينا...
فكانت جالسة على الأرض،
أنفاسها متسارعة، يدها ترتجف،
وصدرها...
يوجعها بشدة.
نظرت إلى جسدها...
وشمتها الصغيرة التي كانت مجرد علامة باهتة على صدرها، أصبحت تتوهج،
تنبض كقلب حي، تُطلق حولها ذبذبات حرارة خافتة،
وكأنها تتنفس.
همست بصوت مرتجف:
"ما الذي... يحدث لي؟
الهواء من حولها تحرك فجأة،
الأوراق تراقصت،
وكل شيء صامت... إلا داخلها.
𝓢𝓪𝓵𝓶𝓪