الفصل التاني
حملها بذراعٍ ضخمٍ وقويّ، كأنه يحمل كيسَ فراغٍ لا يثقلُه شيء.
لم تظهر على ملامحه علامة تقلّب أو وجل؛ كلّ ما فيه برودٌ مكتمل ولا مبالاة. خطواته متزنة، تخضع لها السلالم عند نزوله كما لو أنها جزءٌ من جلبة وجوده، لا صوتَ سوى لحنِ خطواته المرعبة وأنفاسه المقهورة.
بين ذراعيه كانت فتاةٌ قد صفعتها الحياة حتى صارت لوحة شاحبـة.
أنزل بصره إليها، فاستقرّ على خيوط شعرها الأحمر الجاذب، وعلى بشرتها البيضاء الشاحبة التي تكاد تبرز كل عروقها. عينيها مغمضتان في دوامة الإغماء؛ كان يريد أن يعرف لون عينيها، أن يحصل على الصورة كاملة في عقله.
نفخ في فكرته المهلكة، أعاد رسم ملامحها بلا مبالاة، بلا تعاطف، كمن يخيّر بين ألوان على لوحته.
من بين خطواته التقى بصديقه السفّاح؛ نزل الأخير من الدرج صورةً قاتمة: قميصٌ أبيض ملطّخٌ بالدم، شعره الأشقر مبعثر، جسده يتلوّى بآثار معركةٍ ما.
لم يسأله الشيطان عن حاله
فهذه ليست المرة الأولى.
قال الشيطان بصوتٍ هادئ:
سفّاح... هل أنهيت مهمتك الليلة في قبو الأسود؟
حرك السفّاح رأسه مبتسماً بانشراحٍ ظاهر، ملامحُه حادّة وأخرى وسيمة. ابتسامةٌ مختلة عبرت وجهه، ثم ألقى بنظرةٍ على الفتاة في أحضان الشيطان.
من هذه بحقّ الجحيم؟
أجاب الشيطان، ببرودٍ يختبئ وراءه قلقٌ خفي:
لقد وجدتُها خارج عرينٍ من الثلج. شبه ميتة. يأتي بها الليل كمفاجأة.
تمهّل السفّاح وقال، بصوتٍ منخفضٍ ومطلقٍ للحكم:
دعها تموت.
نفى الشيطان بنظريةٍ سوداء:
لا. لا أسمح. أريد أن أعرف لماذا وُجدت هنا. سأكون لها مرصادًا إن اكتشفنا أمراً غير طبيعي.
ضحكَ السفّاح ضحكةً ملؤها الشرّ.
أظنّها جاسوسة أو عميلة. بحالتها هذه لا يُستبعد شيء.
قال الشيطان بجدّيةٍ تقطع الهواء:
هذا غير معقول. هناك حلقة ناقصة؛ علينا أن نستنطقها، أن نتحقق قبل القفز إلى الاستنتاجات.
أدار السفّاح وجهه ووجّه نداءً ببرودةٍ عملية:
اتصل بطبيبنا المبجّل الآن.
حسناً، هكذا أفعل
أجاب الشيطان وهو يضع الفتاة على أريكةٍ قماشيةٍ سوداءٍ، متناغمةٍ مع قصرٍ لا يعرف الرحمة.
تقدم السفّاح بخطواتٍ إلى جناحه، ثم توقف وكأنه تذكّر أمراً مهماً:
هناك «اجتماع الموت» بعد ساعتين. حضّر نفسك، البس بدلتك المخيفة؛ لن نريد فقط إرهاب الحاضرين بالكلام، بل بصورةٍ ترعب القلوب.
سيكون كما تريد
قال الشيطان بابتسامةٍ باردةٍ، وعيناه تلمعان بخطةٍ لا تُبدي أثرَ رحمة.
******************************************
"لقد كانت على وشك الموت من انخفاض حاد في حرارة الجسم، نبضها ضعيف جدًا وتنفسها غير منتظم. أعطيتها حقنة مهدئة ومنشطة للدورة الدموية مع محلول دافئ لإعادة التوازن لجسدها."
هكذا قال الطبيب بعد فحص الفتاة لشيطان الذي يقف امام الباب... يستمع له..
توقف قليلًا وهو ينظر إلى وجه الفتاة المغطى بشعرها الأحمر ثم أضاف:
"ستبقى في غيبوبة مؤقتة لمدة يوم إلى يومين، يحتاج جسدها إلى راحة تامة ليبدأ بالاستقرار مجددًا. لا تقلق، حالتها مستقرة الآن، لكنها ما زالت هشة."
أومأ برأسه موافقًا، ثم طلب من الطبيب أن يحضر ممرضة تراقب تقلبات حالتها.
سأغيب لبعض الوقت، ولن أستطيع الاهتمام بها بنفسي.
رد الطبيب بهدوء: حسناً.
توجه الشيطان إلى جناحه؛ غرفة سوداء جاثمة تملأها إطارات صورٍ لأنواعٍ مختلفة من الوجوه والأشياء، والسرير الكبير يتوسّط الغرفة مغطىً بقطعة بيضاء نقية.
دخل الحمام بلا تردد، رغم عذوبة الهواء البارد في الخارج؛ أخذ دشًا باردًا، لايبالي بقسوة الماء، كأن البرد نفسه يطهره ويشحذ خطته الانتقامية.
كان على بعد خطوة واحدة من تحقيق ما يريد.
لف حول خصره منشفة بيضاء، وشعره الأسود يغوص فوق جبينه بلونٍ قمحي، ثم أمسك بمنشفةٍ ثانية بمطرقته ومسح قطرات الماء عن وجهه وصدره العاري.
اختار بدلة سوداء، رمى بعُمود المعطف الطويل فوقها وقبعة سوداء لتكمل مظهره الرسمي القاتم.
ألقى نظرة أخيرة في المرآة ليتأكد أن مظهره فخم ومرتب، ثم فتح درج مكتبه وأخرج صندوقًا بنيًا صغيرًا مقفلاً بقفلٍ حديدي رقيق. أدخل يده في جيب المعطف، أخرج مفتاحًا، فتح الصندوق، وأمسك ببطاقتين ذهبيتين مضيئة محفور عليها خمسة أرقام وحرف في نهايتها، وحوافها مزخرفة بنقوش دقيقة.
وضع البطاقة في محفظته المنقوشة باسمٍ واحد: «شيطان». أعاد الصندوق إلى موضعه، وحين تأكد أنه لم ينس شيئًا
هاتفه، مفاتيحه، سلاحه، والملف الأبيض
خرج من جناحه.
توجّه إلى جناح السفّاح، طرق الباب بخفوت. انتظر، فلو كانتْ الغرفة موحشة أو نائمًا عارياً، فلن يفتضح أمره. انفتح الباب ببطء.
وجد السفّاح جالسًا على حافة السرير يرتدي بدلة سوداء تشبه بدلة الشيطان مع اختلافات بسيطة:
ساعة على معصمٍ قوي، ولمعان في عينيه يوحي بحدة الذكاء. كان يجلس متأملاً، وُجهه مشغوف بصورةٍ لامرأةٍ جميلة
عيونها زرق، وشعرها أشقر
ابتسامة داكنة على شفتَيه. بدا لأمرٍ ما كطفلٍ ضائعٍ في دوامة لا تتركه، لا كمجرمٍ مستلذّ بالقتل، بل كمن حمل في صدره جرحًا لا يزال ينغّصه.
جلس الشيطان بجانبه ووضع يده على كتفه كتحيةٍ وتهدئة. تنهد السفّاح بعمق، وفي صوته أثرٌ من الألم، لا الحقد فقط. لا، لم ينسَها؛ لم يَغسلها الزمن من ذاكرته.
سفّاح:
كيف أنساها؟ وهي من دمّرت حياتي بيديها!
امرأة لم يعنيها أن تكون أمًّا... تلد ثم ترمي أبناءها كأنهم عبء.
هل هذه تُسمّى أمًّا؟
بائعة هوى، كل يوم في حضن رجل جديد، بلا خجل ولا رحمة.
(صوته يهتز وهو يحدّق في الفراغ)
أقسم لك، لا أعلم من هو أبي الحقيقي...
كثرةُ عشّاقها جعلت الدماء في عروقي بلا اسم.
وما هو أسوأ من ذلك..
لقد باعت أختي الرضيعة... لم تحتمل الحياة يومًا بعدها.
(يتوقف قليلًا، يضغط قبضته، والنبرة تخنقها المرارة)
أهذه ذكرى تُنسى؟
كيف أنسى من سرقت طفولتي، وشوّهت معنى الأمومة في عينيّ؟
(تبدو في صوته نبرة بكاء مكتومة، لكنه يحاول كتمها، أنفاسه ثقيلة،
الشيطان (بصوت هادئ يختبئ وراءه تهديد):
كلّ ما مررنا به من مواقف صنع منا وحوشًا. لم نُختر ذلك إنما هم من اضطرونا إليه.
وأنا، كصديقٍ وأخ، أقول لك: انتقِم. ابدأ بها الآن.
(صمت قصير، تنهد خفيف)
حاولتُ أن أجدها... لم أستطع.
الشيطان (نبرة أكثر برودًا):
لا تقلق. سأجلبها لك، حتى لو كانت مدفونة تحت الأرض. أنت تتحدث مع الشيطان.
(يبتسم ابتسامة باردة)
هيا... غيّر ملامحك إلى وجهٍ مخيفٍ ومختلّ.
(تعلو ضحكته؛ ضحكة ملوّنة بالحب المشوّه والألم على مصيرٍ لم يُختر لهم.
كلٌّ منهم اتخذ مكانه داخل السيارة السوداء الفاخرة الخاصة بالشيطان.
جلس الشيطان في المقعد الأمامي، إلى جانبه السفّاح، بينما تقدّمت سيّارة الحراسة أمامهم، تليها سيارات أخرى تصطفّ بانتظام خلفهم، جميعها سوداء قاتمة تلمع تحت ضوء القمر.
ألقى الشيطان نظرة حادّة إلى الأمام، نظرة واحدة كانت كافية لتدلّ على لحظة الانطلاق.
صرخ في جهاز الاتصال بنبرةٍ آمرة:
"انطلقوا."
تحرّكت السيارات دفعة واحدة، بخطٍ مستقيم، ككتلةٍ سوداءٍ تزحف نحو المجهول، تتدرّج حركتها على الطريق كأنها سلالم من الظلام تتقدّم نحو مصيرٍ محتوم.
مرّت ساعة كاملة قبل أن يصلوا إلى وجهتهم المحدّدة
...... الميناء.
كانت الأنوار هناك خافتة، والجو مثقل برائحة الملح والحديد.
المكان يعجّ بالسفن الراسية، لكنّ واحدة منها لفتت الأنظار:
سفينة ضخمة بيضاء اللون، يعلوها اسمٌ محفور بحروفٍ داكنة:
"الموت."
حولها عشرات السيارات الفاخرة من مختلف الأنواع والألوان، تابعة لرجال المافيا من كلّ مكان.
لقد كان هذا، بلا شك، أكبر اجتماع للظلام في العالم .
ترجل الشيطان من سيارته بجلالٍ يجعل الأرض ترتجف من هيبته، وعرَفه السفّاح يليه بخطواتٍ ثابتة لا تُقهر.
نظرةٌ علوية واحدة من الشيطان إلى الحضور كفيلة بأن تُرسّخ مقعده في قلوبهم: مزيج من التحدّي والازدراء، كما لو أنه ينتظرهم ليعلمهم مكانهم.
تمشّيا معًا نحو السلالم التي تنزل إلى منصة الاجتماع.
عندها خرج رجلٌ ملؤه الشيب، وجهه منقوش بتجاعيد الزمن، شعره الطويل مربوط بعقدة سوداء؛ ارتدى بدلة فاخرة توحي بأنه من قدامى السادة في هذا العالم. اسمه: أليكس.
تقدّم أليكس نحو الميكروفون، صافح الحضور بتحيّة رسمية، ثم قال بصوتٍ جهوري واضح:
سيداتي وسادتي، نرحّب بكم. بين أقوى رجال المافيا في المدينة اليوم، وقد استدعيناكم لأن ثمّة مستجدّات طرأت مؤخرًا
بعضها لصالحنا، وبعضها الآخر يحمل تهديدًا.
على وجوه الحاضرين ارتسم الفضول مع لمحات استغراب؛ لكن شخصين كانو تظهر عليهم ابتسامة نصرٍ خفي.
أكمل أليكس بجدّيةٍ متأنية:
ولكنكم تعلمون شروط الدخول لهذا الاجتماع. تجنّبًا للتجسّس والخيانة، سنعتمد نظامًا جديدًا للدخول.
كل رجلٍ أو امرأةٍ ينتمي إلى أيٍّ من المافيات قد قدم له بطاقةً ذهبية خاصة. تُوضع البطاقة في الجهاز أمامي للتحقّق.
أشار إلى جسمٍ مغطّى بكسوةٍ سوداءٍ عليها رمز جمجمة. سلّط الضوء، أسدل الغطاء، فأظهر جهازًا رماديًّا معدنيًّا، بشاشة صغيرة ومكان مخصّص لإدخال البطاقة.
تقدم أليكس، أخرج بطاقته من جيبه، ووضعها في المكان المخصص. رَنّت الآلة، وظهرت علامةٌ خضراء مع صوتٍ نسائيٍ مسجّل يقول:
"مرحبا، دخولك مؤكد، استمتع بإقامتك يا -" وتلاه ذكر الاسم المطبوع.
تصدّر الدهشة وجوه الحاضرين: فكرة جديدة، تقنية متطورة تمنع دخول جواسيس أو خونة. ساد إعجاب ملموس، وبدأ بعضهم يتبادل النظرات بمعنى: "هذا يضمن السرية والقدرة على التمييز."
اقترب الحضور من المنصة بخطواتٍ منتظمة، تنزل درجات السلالم وكأنها تمهّد موكبًا.
صوته جهوري يتردّد عبر الميكروفون المثبّت:
توقيتُ الاجتماع بعد ساعة من الآن
تمامًا عند الرابعة. عند دخولكم وبطاقاتكم، سيظهر أمامكم رقم الغرفة المخصّص لكم؛ وستُوفّر لكم خادماتٌ من أعلى مستوى. تفضّلوا بالدخول سريعًا، وسنعمل على راحتكم وسريّتنا.
اختتم أليكس حديثه بابتسامة استعراضية:
راحتكم أمانتنا...ونتمنى راحة مثيرة..
ارتفع صوت هدير البحر مع اقتراب رجال المافيا من السفينة الفاخرة المخصصة للاجتماع.
كان الممر محاطًا برجال أمن مدججين بالسلاح، وأمامهم جهاز رمادي ضخم يفحص بطاقات الدخول.
تقدّم الشيطان بخطوات واثقة،
أخرج من جيبه بطاقة ذهبية يلمع سطحها تحت الضوء الأحمر.
وضعها في مكانها، فصدر صوت ناعم من الجهاز:
تم التحقق... أهلًا بك، السيد شيطان.
ابتسم بثقة ثم التفت إلى صديقه السفّاح الذي وقف خلفه ممسكًا ببطاقته ذهبية.
قال له الشيطان بابتسامة جانبية:
دورك الآن.
مرّر السفّاح بطاقته، فظهرت إشارة خضراء صغيرة على الشاشة.
كل شيء بدا طبيعيًا...
إلى أن جاء دور أحد الرجال الواقفين خلفهم.
ذلك الرجل كان من منظمة مافيا أخرى، يرتدي بدلة فاخرة ويبتسم بثقة زائدة
أخرج بطاقته ووضعها في الجهاز...
وفجأة دوّى صوت إنذار حاد:
تحذير! هوية مجهولة! دخيل في النظام!
تجمّد الجميع في أماكنهم،
وأمسكت الأذرع المعدنية بالرجل بقوة وكبّلته أمام أنظار البقية.
عمّ الهمس بين الحاضرين، بينما صرخ أحد الفنيين:
هناك محاولة اختراق! البطاقة غير مسجلة في قاعدة البيانات!
أشار الشيطان للحراس بصوت بارد:
خُذوه إلى غرفة التحقيق، وسنبدأ الاجتماع في موعده.
ثم التفت إلى السفّاح وقال بنبرة هادئة:
انظر... هذه هي عاقبة من يحاول دخول عالمنا دون إذن.
تحركا سويًا نحو الداخل، بينما أضواء السفينة تلمع فوق البطاقة الذهبية في يد الشيطان،
كأنها تُعلن أنه ليس مجرد عضو... بل أحد أسياد هذا العالم المظلم.
بعد مرور ساعة محددة اتجه رجال المافيا الي القاعة
******************************************
كانت القاعة الفخمة في أعماق السفينة تُشبه عالَمًا آخر.
جدرانها مكسوّة بالمرايا السوداء، تتراقص عليها ظلال الشموع التي انتشرت في زوايا الغرفة.
الهواء مشبع برائحة الخشب المحترق والعطر الفاخر، وصوت خافت لموسيقى كلاسيكية مكسور الإيقاع يتردد في الخلفية.
في منتصف القاعة، تمتد طاولة زجاجية سوداء طويلة، تنعكس عليها وجوه الحاضرين كأنها تُفضح نواياهم.
جلس على رأس الطاولة القوة الثلاثية
أسطورة عالم المافيا، ورعب كل من حاول الصعود في مراتبها:
إيفان ديميترييف:
العجوز ذو الوقار، ملامحه كأنها نُحتت من الجليد، عيناه رماديتان لا ترحمان، وندبة طويلة تمتد من خده حتى عنقه. كل من ينظر إليه يشعر بثقل السنين التي قضاها في الدم والخيانات.
فيكتور مالينوف:
الرجل الكهل، في أواخر الأربعينيات، جسده متين وصوته خشن كالحصى. يضع سيجارًا بين شفتيه لا ينطفئ أبدًا، ويقال إنه لا يبتسم إلا حين يُصدر حكمًا بالموت.
أليكسي فوروبييف:
الشاب الأسود القلب، شعره فاحم وعيناه حادتان كمخالب ذئب. ملامحه شريرة، تكسوها سخرية قاتلة، حتى في صمته تشعر أنه يخطط لشيء مظلم.
جلس حول الطاولة عدد من رجال المافيا البارزين:
الشيطان، السفّاح الذي يقف خلفه بوقار كظله المخلص،
ألبرتو سيلفا رئيس مافيا أمريكا اللاتينية،
كازويا تاكيدا من عصابات اليابان،
وديميترا نوفا المرأة الوحيدة في القاعة، قاتلة مأجورة تتعامل مع الجميع بثقة مميتة.
رفع إيفان يده بصمت، فتوقفت الأصوات.
تردّد صدى صوته العجوز الجليدي في الغرفة:
"مرحبًا بكم أيها السادة... أنتم لا تُستدعون إلى هذه الطاولة إلا حين يهتزّ عالم الظلام من جذوره."
انحنى الشيطان قليلًا احترامًا، وقال ببرود:
"يبدو أن شيئًا أكبر من مجرد حرب بين العصابات يقترب، أليس كذلك؟"
ابتسم أليكس متحدث السابق بخبث وهو يمرر أصابعه فوق سطح الطاولة السوداء:
"بل شيء سيغيّر قواعد اللعبة كلها يا شيطان... شيء سيجعل من الأقوياء عبيدًا، والظلال ملوكًا."
تبادل الجميع النظرات المتوترة، بينما ظلّ السفّاح واقفًا خلف صديقه،
يده تمسك سلاحه بحذر، كأنه يستعد لليلة لن يخرج منها أحد سالمًا.
انفتح باب القاعة الثقيلة ببطء، فدخلت امرأة ذات ملامح صارمة ووقار آسر، عيناها سوداء، لا تعرفان التردد.
كانت ترتدي معطفًا أحمرٱ طويلًا، وفي يدها ظرف أحمر داكن تشوبه آثار شمع مختوم بعلامة الجماعة.
تقدّمت بخطوات ثابتة نحو رأس الطاولة، وانحنت قليلًا أمام إيفان ديميترييف، وقدّمت له الظرف دون أن تنطق بكلمة.
ثم التفتت بخفة نحو الجهة المقابلة حيث يجلس الشيطان، ومدّت يدها لتأخذ منه الملف الأبيض الذي أحضره معه.
ضمّته إلى الظرف الأحمر، ثم غادرت الغرفة بنفس الصمت الذي دخلت به، تاركة خلفها توتّرًا كثيفًا كالضباب.
أمسك إيفان الظرف، نظر إليه لثوانٍ، ثم فتحه ببطء وأخرج الأوراق من الداخل، قرأها بتمعّن، وانكمشت ملامحه شيئًا فشيئًا.
ساد الصمت المكان. لا صوت سوى احتكاك أنفاس متوترة بالهواء.
رفع رأسه أخيرًا، وصوته الجهوري تردّد في القاعة ببطء كأنه يزن كل كلمة:
"لقد تم تغيير ترتيب القوة الثلاثية..."
تبادل الحاضرون النظرات المذهولة.
أكمل إيفان بنبرة ثقيلة:
"ودخول عضو جديد مكان أحد الأعضاء الحاليين... تمت إعادة تصنيف القوة إلى القوة الفضية والقوة الثلاثية العليا."
تجمّدت الأنفاس.
ثم تابع:
"يُعلن رسميًا... إقصاء أليكسي فوروبييف إلى مرتبة القوة الفضية."
ضرب أليكسي بيده على الطاولة الزجاجية، فاهتزّت الشموع، وصاح بانفعالٍ يكاد يكون جنونيًا:
"هذا ليس عدلًا! لا يمكنكم فعل هذا بي!"
لكن إيفان تجاهله، وأكمل بنبرته الباردة:
"والعضو الجديد في القوة الثلاثية... هو الشيطان."
التفتت الأنظار نحوه، فابتسم الشيطان بخفة، نظرة انتصار حادة في عينيه وهو يثبت بصره في وجه أليكسي.
كانت تلك النظرة وحدها تقول: الانتقام بدأ.
"القرار جاء بعد تحقيق داخلي... تم فيه اكتشاف تسريبٍ خطيرٍ لمعلومات من مافيا أليكسي، وتناقصٍ غامض في عدد حراسه، وانخفاض حاد في أرباح مشاريعه القانونية.
مقابل ذلك، شهدت إمبراطورية الشيطان صعودًا متسارعًا ونفوذًا مضاعفًا."
ساد صمت ثقيل، وبدت على أليكسي علامات الغليان.
الشيطان ظلّ جالسًا بهدوء مميت، أنامله تداعب حافة الكأس أمامه، بينما على وجهه ترتسم ملامح ثعلبٍ انتصر بعد صبرٍ طويل.
: وعد الجحيم وتهديد الدم
ساد صمت ثقيل بعد إعلان اسم الشيطان، وكأن الزمن تجمّد في تلك القاعة.
الشموع تراقصت لهبها المرتجف فوق الطاولة الزجاجية السوداء، لتكشف ملامح وجوه متوترة، إلا وجهًا واحدًا
وجه الشيطان، الذي ظلّ ثابتًا كصخرٍ بارد.
نهض أليكسي من مكانه بعنف، نظراته تشتعل بغضبٍ ممزوج بخيانةٍ دفينة.
اقترب بخطوات متوترة من الشيطان، حتى كادت أنفاسهما تتقاطع، وصوته يخرج متهدّجًا:
"كنتَ تحيك هذا منذ البداية، أليس كذلك؟ لقد سرقتَ مكاني... مكاني الذي صنعته بدمائي!"
ابتسم الشيطان ببطء، تلك الابتسامة التي تُشبه شقًّا في وجه الليل.
ثم قال بصوتٍ منخفض، هادئ لكنه يحمل سمًّا في كل حرف:
"سرقته؟ لا، يا أخي الكبير... أنا فقط استعدت ما كان يجب أن يكون لي منذ البداية."
تجمّدت ملامح أليكسي، وانسحب الدم من وجهه، كأن الكلمة طعنة في صدره.
همس:
"لا تجرؤ على مناداتي بذلك... لقد تبرأت منك يوم رميتَ اسم العائلة في الوحل."
اقترب الشيطان أكثر، حتى كادت نيران الشموع تنعكس على عينيه الخضراوين، وقال:
"وأنت يا أليكسي... بعت دمنا مقابل سلطة، والآن انتهى دورك.
لقد وعدتُ نفسي أن أصل إلى هذا المكان، ووعدتك أيضًا... أتذكر؟
حين قلت لك: سأصل، حتى لو اضطررتُ إلى الدوس على ظلك."
ارتجفت يد أليكسي، لكن قبل أن ينطق، رفع الشيطان إصبعه محذرًا بصوت خافت كهمس الشيطان في الليل:
"احذر أن تفتح فمك ضدّي مجددًا... لأني لن أكون أخاك في المرة القادمة، بل قبرك."
ساد الصمت المميت في القاعة.
كل الحاضرين التزموا الصمت، حتى اللهب تراجع خائفًا من اشتعال الصراع.
تراجع إيفان خطوة للأمام، وقال بصوتٍ حازم:
"يُعلن رسميًا أن الشيطان سيُتوَّج بعد ساعةٍ من الآن كأحد الثلاثة الكبار،
في مراسم رسمية داخل قاعة الموت الأبيض."
انحنى الجميع باحترامٍ
بعضهم عن اقتناع، وبعضهم خوفًا.
أما الشيطان فابتسم بثقة، ومرّ بجانب أليكسي دون أن ينظر إليه، وهو يهمس:
"ساعة واحدة فقط، يا أخي... وستتعلم كيف يبدو السقوط من عرشٍ كنتَ تظنه ملكك."
ikram ikram