المدينة بدت مختلفة ذلك المساء.
الألوان باهتة، الأصوات أبطأ، وكأن العالم كله يتنفس على إيقاع قلبها المرتجف.
زورا سارت في الشارع بخطى مترددة، السترة القطنية التي ارتدتها لم تحمِها من البرودة الغريبة التي تسللت إلى عظامها.
كانت قد قضت نهارها تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى وهمٍ ثقيل، خدعة بصرية صنعها الإرهاق وقلة النوم.
لكن كلما حاولت إنكار الأمر، عاد طيف المرآة والصورة المتبدلة ليطاردها.
عند زاوية الطريق، توقفت أمام متجرٍ صغير للأدوات المنزلية.
انعكس ضوء النيون على زجاج الواجهة، فشاهدت انعكاسها للحظة…
انعكاس بدا وكأنه يتحرك منفصلًا عنها، وكأنه يسبقها بخطوة.
شهقت، تراجعت خطوة، فاختفى الوميض.
أخرجت هاتفها من جيبها لتشغل موسيقى، علّها تُخرس هذا القلق.
لكن شاشة الهاتف انطفأت فجأة، رغم أن بطاريته كانت ممتلئة.
عندما أعادت النظر حولها، كانت الشارع بأكمله ساكنًا على نحو مريب:
لا أصوات سيارات، لا ضحكات أطفال من الحديقة القريبة، فقط سكون كثيف يضغط على الأذن.
وفجأة، تردّد في رأسها صدى خافت، كأن أحدًا يهمس باسمها:
_زورا_.
التفتت، لا أحد.
عاد الصوت، أوضح هذه المرة، يشبه نبرة أمها في آخر ليلة رأتها فيها.
« زورا… ساعديها».
انقبض قلبها.
في تلك اللحظة، رأت على الرصيف المقابل فتاة صغيرة تنفلت يدها من والدتها، تتجه نحو الشارع، حيث سيارة مسرعة تقترب.
صرخت الأم بلا جدوى.
دون تفكير، هرعت زورا، لكن المسافة كانت طويلة.
صرخت باسم الفتاة، الوقت يتباطأ أمام عينيها، كل شيء يتحرك ببطء خانق.
شعرت بحرارة غريبة تتصاعد في يديها، في عروقها، كأن الزمن نفسه ينتظر أمرًا منها.
« توقفي!».
لم تكن الكلمة أكثر من همسة، لكن الهواء ارتجّ.
السيارة تجمدت في مكانها، العجلات ثابتة في الهواء.
الفتاة توقفت، وكأن لحظة كاملة انكسرت.
زورا بقيت واقفة في منتصف الطريق، أنفاسها مقطوعة.
العالم حولها ساكن تمامًا: الريح معلّقة، أوراق الأشجار متوقفة، حتى ضوء الإشارة توقف عن الوميض.
رفعت يدها المرتجفة، أحست بثقل رهيب على صدرها.
عندما خفضتها، انطلقت الحياة دفعة واحدة.
السيارة انحرفت جانبًا، الأم أمسكت بابنتها وهي تبكي، غير مدركة ما جرى.
زورا تراجعت للخلف، شعور بارد يزحف إلى أطرافها.
لم يشكرها أحد، لم يلتفت أحد، وكأنهم لم يروها.
ثم جاء الألم…
دوامة حادة في رأسها، كأن مئات الأصوات تصرخ في عقلها، صور من طفولتها تتداخل مع مشهد الحادث: وجه أمها، غرف المستشفى، يدٌ صغيرة تمسك بأخرى تحت ضوءٍ باهت.
سقطت على ركبتيها، تلتقط أنفاسًا متقطعة، العرق يغمر جبهتها.
كل نبضة قلبها كانت طَرقًا عنيفًا على جدار روحها.
أدركت أن ما حدث لم يكن مجرد تدخل لحظي، بل اقتطاع حقيقي من شيء أعمق…
من حياتها نفسها.
همست بصوتٍ مبحوح:
« ما هذا… ما الذي يحدث لي؟».
عادت إلى شقتها مترنحة، الشوارع حولها تبدو أطول وأكثر برودة مما كانت عليه صباحًا.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، عيناها تبحثان عن تفسير في الظلام.
لكن كل ما وجدته كان سؤالًا واحدًا يتكرر في رأسها، ثقيلًا كحقيقة لا مفر منها:
« إذا كان بوسعها إيقاف الزمن… فماذا سيتطلب منها في المقابل؟».
أرجو منكم الدعم 🖤
أتمنى أن تنال روايتي إعجابكم
أريد رأيكم و بشدة
هذا رابط الأنستا تاعي
https://www.instagram.com/the_plathka?igsh=bXJnb29oYjg5ZzV5
تابعوه من فضلكم
و شكرا
دمتم في رعاية الله وحفظه 🖤
Syra__velle!.