دقـات مـنـتـصـف الـلـيـل

دقـات مـنـتـصـف الـلـيـل

13 0

كانت شوارع المدينة هادئة، إلا من أصوات سيارات الإسعاف التي تقطع الصمت بين المباني. أشعة الشمس تتسلل بخجل بين الأبنية، ترسم خطوطًا من الضوء على الأرصفة والزجاج، وكأنها تشهد على كل لحظة تمر.

زورا ترتدي سترة الإسعاف، تتنقل بين سيارات الطوارئ بخفة وسرعة، قلبها نابض بالحماس. رغم ضغط العمل، كانت تحب هذا الشعور: القدرة على مساعدة الناس، رؤية الخوف يخف تدريجيًا من وجوه المصابين، وتحويل لحظات الرعب إلى لمحة أمل.

المدينة مزدحمة، والهواء ثقيلاً برائحة البنزين والدخان، لكنها لم تشعر بأي شيء من كل هذا. عينيها كانت مركزة على مهمتها، على كل نفس، على كل نبضة حياة بين يديها.

سألت زميلتها ميرا وهي تحمل حقيبة الإسعافات:

« هل تحتاج هذه السيدة إلى دعم؟».

ابتسمت زورا وردّت بثقة:

« كل شيء تحت السيطرة ».

ردت ميرا بابتسامة دافئة:

« أنتِ دومًا ممتازة يا زوروا ».

ضحكت زورا بخفة رغم التعب، ثم أنهت نوبة الصباح وخرجت إلى مقهى صغير على الرصيف. قهوتها الساخنة بين يديها، وأصوات المدينة تحيط بها، شعرت بالراحة لأول مرة منذ أيام. حياتها كانت بسيطة، مستقرة، وسعيدة بطريقتها الخاصة.

لكن الساعة كانت تقترب من الثانية عشرة مساءً… وكان اليوم مختلفًا. عيد ميلادها الحادي والعشرين. لا أصدقاء، لا مفاجآت، لا ضحكات مشتركة… فقط هي، صمت شقتها، وساعة منتصف الليل تقترب بلا رحمة.

جلست أمام المرآة، أشعلت شمعة صغيرة على قطعة كيك شرائية، تراقب الظلال التي ترقص على الجدران. شعرت بوحدة غريبة، وخوف متشابك مع توقع غامض. فجأة، انتابتها رعشة غريبة تسري في جسدها، انعكاسها في المرآة لم يعد كما كان… صورة مشوهة، غامضة، كأنها تعكس شيئًا آخر، شيئًا داخلها لم تعرفه من قبل.

دقات الساعة الثانية عشرة ملأت الغرفة… وفجأة، ظهر أمامها مشهد من الماضي طفولتها قرب سرير أمها في المستشفى، تمسك يدها الهزيلة وتحاول أن تمنع المرض من التسلل إليه. شعرت بنفس الألم، بنفس الخوف، لكن هذه المرة… لم تكن مجرد ذكرى.

مدت زورا يدها بلا وعي، شعرت بتدفق غريب يملأ جسدها، كأن الزمن نفسه استجاب لها. صور الماضي بدأت تتحرك أمام عينيها، تتغير، تتبدل… هي تتحكم بها.

لكن القوة لم تأتِ بلا ثمن. ألم غريب يخترق روحها، يترك ندبات خفية، يثقل قلبها، ويذكّرها بأن كل خطوة نحو الأمس لها ثمن.

جلست على الأرض، تنظر إلى المرآة، إلى الشمعة، إلى نفسها، والارتباك يشتعل بداخلها. الماضي لم يعد مجرد ذكريات… أصبح بابًا، وكل باب يُفتح يطالب بثمنه.

وسط هذا الظلام الداخلي، ظل سؤال واحد يلاحقها بلا رحمة:

« هل هي من تتحكم بالزمن… أم أن الزمن هو الذي يتحكم بها؟».

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الثانية عشر بعد منتصف الليل

المؤلف Syra__velle!.
2025/09/09 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة