.....
ليس كل من استيقظ... نجا.
هناك استيقاظ لا يُشبه الفجر. بل يُشبه الخروج من حلمٍ كان أكثر رحمةً من الواقع. لحظة تُفتح فيها العينان، لا لترى النور، بل لتقع في العتمة التي لم تكن تعلم أنها تحاصرك.
الوعي لا يعود دفعة واحدة... بل يقطر، كمصلٍ بارد في عروقٍ خائفة.
أن تستيقظ في مكان لا تعرفه، يعني أن جسدك قد وُضع في معركة قبل أن تُستشار روحك. أن تسمع اسماً تعرفه كأختك مثلاً في فم رجل يلبس الحُزن كأنه بدلة رسمية، يعني أن شيئًا ما قد تهشّم في داخلك، ولن يُصلح بسهولة.
هل تختار الحقيقة إذا كان ثمنها زلزالًا في كل ما كنت تعتقده يقينًا؟
وهل يمكن للصدمة أن تكون بداية، لا نهاية؟
هل يمكن للندم أن يطلب المساعدة؟
هل يمكن لعالمٍ مثل عالمهم... أن يتسع لفتاة لا تملك سوى عينيها واسم أختها؟
في حضرة وجوهٍ لا تبتسم إلا عندما يقتل أحدهم، في قصرٍ بُني ليحفظ الأسرار لا الذكريات، كانت ليفيرا على وشك أن تفهم:
الماضي ليس ما نتركه خلفنا... بل ما يُمسك برقبتنا ونحن نُحاول أن نمشي.
وها هي الآن، تجلس أمام رجالٍ يعرفون أكثر مما يقولون، ينادونها باسمها وكأنهم يعرفونها أكثر مما تعرف نفسها.
كل شيء فيها يصرخ: اهربي.
لكن شيئًا صغيرًا... يشبه أختها... يشبه الشيفرة... يشبه الحنين... همس: ابقي.
في قاعة ذات سقفٍ عالٍ، يُغلفها دخان السيجار ونغمات البيانو الآلي في الزاوية، اجتمع أعضاء الروكا. كانوا ينتظرونها. الأميرة النائمة، كما أطلق عليها المهرّج بسخرية. الترقب يتسلل بين المقاعد، والوجوه مشدودة بخيط من القلق الخافت.
اليساندرو ومارسيل يتفاوضان مع مجموعة روسية، ملامحهما جادة، الكلمات بينهما لا تصلح لأن تُكتب. إنجي، كعادتها، تتلاعب بسكين صغيرة تلمع تحت الضوء، ترسم بها مسارات في الهواء كأنها تقطع شيئًا غير مرئي. لوكا غارق في أجهزته، إصبعاه يتراقصان فوق أزرار لوحته كعازف كئيب.
أما ماركو يجلس متكئًا على طاولة الشطرنج، لا يفعل شيئًا سوى إزعاج زاد... الأخير يحاول نقل حصانه إلى موقع قاتل، بينما تنهال عليه نكات المهرّج العقيمة.. زاد لا يرد، يكتفي بنفَسٍ ثقيل، كمن اعتاد العزلة داخل رأسه...
الروكا ليست مجرّد فرقة داخل المافيا... إنها النصل الخفي في جسد ندرانغيتا... عائلة العائلة لا ينتمون إليها بالدم، بل بالمهارة... قاتلون مُدرّبون، مختصون بسرقة اللوحات الثمينة، وفنّانون في غسل الأموال... يُختارون كما يُنتقى الخنجر... بحذر، وغاية...
في الطابق العلوي، خلف بابٍ ثقيل يُفضي إلى مكتب تغمره العتمة، جلس الزعيم... لا صوت سوى تنفّسه عيناه تطوفان في السكون، كأنهما تبحثان عن ماضٍ فقد صوته... كان يفكر بها... ليفيرا...
هل تكون الخيط الأخير؟
_______________________________________
العالم خافت.. الضوء يغمر الغرفة كحلمٍ مكسور.. الرؤية ضبابية، الهواء ثقيل برائحة الخشب القديم.
جسدها مُنهك.. المخدر ما زال يترك طعمه في مفاصلها..
حاولت تحريك رأسها، فشعرت به وكأنه صخرة مربوطة برقبتها.. بعد لحظات، تمكنت من الجلوس.. تأملت الغرفة حولها جدران بنية بلمسات زخرفية رقيقة، مرآة على منضدة خشبية، شموع مطفأة، كتب مرتبة بعناية..
لكن لحظات حتى تحرك الباب صوت المقبض البطيء يفتح...
دخل رجل طويل، عيونه بنية قاتمة، وشعره الكستنائي مصفف بشكل عشوائيٍ على جبينه ... مسح الغرفة بنظراته، ثم توقف عندها..
"استيقظتِ الأميرة أخيرًا... صباح الخير،" قالها بصوته الساخر...
لم ترد... رمقته بصمتٍ ثقيل.. وبعد لحظة، تمتمت: "صباح النور."
لكن داخلها كان يقول.... أي صباح خيرٍ مع خاطف؟
ابتسم ماركو، كما لو استمتع بصمتها...
"مستعدة لرؤية الزعيم؟"
ردت، بانفجارٍ متشنّج: "تبا! أي زعيم؟ ولماذا؟"
أشار لها بيده.. "اششش... ستعلمين... اخرجي، ولا تقلقي، نحن لا نأكل البشر."
خرجت معه وخطواتها حذرة... القصر بدا وكأنه بُني لإخفاء الأسرار، لا لاحتضان البشر..
السلالم تقودهم إلى طابق تحرسه غرفٌ كثيرة.. كل باب يخفي ما لا يجب أن يُقال.. لكنها شعرت أن بابًا واحدًا كان ينتظرها: باب طويل، أسود، أشبه بمدخل كاتدرائية قديمة.. ماركو فتحه دون أن يتكلم.
كل العيون داخل القاعة ارتفعت نحوها.. للحظة، شعرت أنها سقطت في متحفٍ من النظرات..
نظرات لا ترى فيها سوى شبح تلك الأخرى..
رفع الزعيم رأسه من الأوراق حين التقت عيناه بعينيها.. للحظة، عبَر الحنين في نظراته كظلٍ يمرّ على جدار..
أشار لها ماركو بالجلوس.. بجانبه.. كانت يداها ترتجفان...و الفراغ المحيط بها كان يعكس الفوضى داخلها..
قال الزعيم، بصوت بارد كزجاج مكسور:
"مرحبًا بك، ليفيرا نيراليس."
ارتجفتلوهلة... صوته يحمل شيئًا يشبه الذنب... هذا مافكرت به؟
قال ماركو ساخراً"هل أكل القط لسانك؟"
لكن نظرة الزعيم له.. جعلته يصمت..
"لابد أنكِ تتساءلين عن سبب وجودك هنا،" تابع الزعيم.
رفعت نظرها ببطء.. الصمت كان إجابتها..
قال: "أنتِ في قصر ندرانغيتا.. في ميلانو.. كنا في مهمة... من بينها سرقة لوحة كنتِ تعملين على ترميمها.. التقى بكِ ماركو، ثم... بدأت خيوط أخرى بالظهور."
نظرت إليه بذهول. عقلها يحاول فهم الصورة..
تابع: "كنتِ هنا منذ 8 سنوات.. وهذا يجعل منك المرشحة الوحيدة التي قد تعرف شيئًا عن... العضو المختفي."
همست، تكاد لا تصدق: "عن من تتحدث؟ ومن هو العضو المختفي؟؟ "
قال، بثقلٍ واضح: "أختك، ليفيرا.. هي العضو المفقود."
الهواء توقّف لوهلة.. أختها؟ مفقودة؟ مافيا؟
وضعت يدها على رأسها.. شعرت أن عالمها بدأ ينهار..
زاد، الذي كان يراقبها منذ البداية، لم يُظهر أيّ تعاطف بل يفكر في قتلها والتخلص منها .. و ماركو بدت عليه الصدمة.. لوكا لم يقل شيئًا، لكن نظراته كانت كافية..
"لم أكن أعلم عن كونها عضواً من المافيا.. ولأعلم كيف إختفت حتى.. " قالت بفزع..
ماركو تمتم بسخرية: "يالها من سمعة نمتلكها. "
لكن حين رأى دموعها، سحب ابتسامته ببطئ..
قالت، بصوت مكسور: "كانت تسافر كثيرًا... لكن لم أظن أبداً أنه من أجل هذا..."
أوما الزعيم ، وكأنه يصدقها... في الواقع صدقها كان واضحاً..
" إذاً هل تعلمين كيف اختفت؟"
"لا،" ردّت عليه بسرعة، ثم أضافت: "لكنك زعيم العصابة... ألا يفترض بك أن تعلم؟"
ابتسم ماركو بدهشة... جرأتها تُشبه تهور أختها... وتخرج دائماً في الوقت الخطأ ومع الشخص الخطأ..
بعد صمت قصير أضاف الزعيم: "اختفت دون أثر... لم تترك خلفها سوى... شيفرة... "
ثم نظر إلى زاد، الذي أكمل كلام زعيمه: "كانت تعمل على فك شيفرات في لوحات تُستخدم لغسل الأموال.. ولأمور أخرى...وقبل إختفائها وجدنا شيفرة من صنعها.. ويُعتقدُ أنك الوحيدة القادرة على فكها لا أحد سواكِ.."
ثم قال الزعيم، بصوت تغيّر فيه شيء: "كانت...أختك معي في علاقةٍ دامت.. سنتين.. يمكنك القول أنها الزعيمة.."
نظرت إليه بذهول....
أكمل: "وهذا سبب إصراري على معرفت ماوراء تلك الشيفرة..."....." وهل هي حية او ميتة.. "
وقف من مكانه وبدأ يعدل ربطة عنقه وسترته ، ثم قال: "أنتِ مخيرة: إمّا أن تبقي وتساعدينا .. أو تعودي لحياتك..
غادر الغرفة تاركاً تلك المعلومات تصفع وجهها مراراً وتكراراً...
ظلت جالسة، تحدّق في الفراغ أمامها....
تمت ماركو، بنبرة هادئة: "جولة؟ فطور؟"
نظرت إليه، مستغربة...
"أتمزح؟ أتمشى مع خاطفي؟"
رفع حاجبه، متظاهرًا بالبراءة: ".. في الواقع أنا من خدركِ لكنِ لم أخرجكِ من المنزل.. إذا لست خاطفكِ.."
ثم جاء صوت حادّ: "اغلق فمك."
التفتت إليه الى صاحب ذالك الصوت العيون السوداء القاتمة... تتذكرها جيداً
رأت وجهه كاملًا... شاحب... عيناه سوداوان لا تلمعان... وسيم بشكل يثير الريبة...
تمتم في نفسه: تشبهها... ولهذا... يجب أن تموت..
________________________________________
في الحديقة، جلست مع ماركو... على طاولة بيضاء، محاطة بزهور التوليب الوردية...
قال وهو يرفع كوب القهوة بضحكة مستفزة:
"لا تقلقي...نحن لانتقل شخصاً عن طريق السم..."
"لا أحب القهوة صباحًا،" ردّت..
قال بدهشة: "ومتى تشربينها؟ ليلًا؟... غريبة... "
ثم صمت قليلاً، قبل أن يقول:
"تشبهين آنا كثيرًا."
عادت الدموع الى عينيها.... لم تكلف نفسها الرد عليه إستمرت في النظر الى ورد التوليب الموضوع على المنضدة وهي تسمع قوله..
"كانت أقرب الأعضاء لي... ولزاد أوريليو...."
"وربما لهذا... كل شيء بدأ ينكسر.... "
____________________________________
"تبا... تبا... تبا! كيف لها أن تذهب ولم تكلف نفسها إخباري؟ رقمها مغلق! كيف عرف الرئيس بذهابها حتى ... ما هذه المهزلة!"
قالت سيليا الكلام وهي في قمة انزعاجها، كأن الغضب يتدفق من داخلها على هيئة كلمات ثقيلة، تتكسر في فمها كزجاج...
كانت تتمشى بخطى مشدودة، يدها اليمنى تقبض على كوب القهوة الذي بدأت حرارته تخبو، فيما شعرها الأشقر القصير يتأرجح مع كل حركة لها بانفعال.. معطفها البني الطويل ينساب خلفها، وبطاقة العمل المعلقة على صدرها ترتجّ مع كل خطوة، لكنها تركت أمر ليفيرا جانباً لبعض الوقت قد تتصل إن وصلت الى موسكو لزيارة والدتها كما قال مديرها الاحمق... يجب عليها الآن التركيز على سباقها مع مجموعة "الجزر".. وبتأكيد سيكون الفوز حليفها فذالك المتهور سيكون زميلها.... مزيجٌ ناري..
________________________________________
"سأتكفل بنقل هذه العينة إلى المخبر.. "
قال ماثيو وهو يمدّ يده بسرعة، كأن الكلمات خرجت منه قبل أن تكتمل في فكره.. أخذ العينة من يد لونا التي كانت بدورها مستعجلة، وجسدها يميل إلى التوتر الوظيفي..
المفترض أن يكون منشغلًا بتحليل دم مريض، لكن عقله يصرّ على التسلل نحو وجه آخر... ليفيرا..
إنها تسرق من يومه التركيز، وكأن غيابها خيط غير مرئي يشدّ روحه في كل الاتجاهات..
هل يترك ألفونسو كارديلي، أحد أفراد عائلته، يتجول وسط سباقات مريبة بلا حماية؟
فكرة غير مقبولة..
والأدهى... الكنية..
نيراليس؟
إنها ليست كنية عبثية.. أخت آنا، أي أنها من الروكا، لا من "العائلة".
ذلك يغير كل شيء..
"مفككة شيفرات بديلة... مثير للاهتمام..."
همس لنفسه، وملامحه تتجمد بتأمل داخلي ثقيل..
"لا بد من تحري الأمر."
________________________________________
"انسي الأمر.. على كُلٍ لندخل.. لا بد لنا من أخذ جولة في القصر كي لا تضيعي وتدخلي إحدى غرف الأعضاء... أو غرف أخرى..."
قالها ماركو وهو ينهض، نبرة صوته تمزج بين العبث والجد، ثم خطا إلى الأمام بخطى واثقة تُخفي خلفها الكثير من التوتر..
بدأ الجولة، وعينيه تتحركان سريعًا بين الجدران، كأنهما تحفظان للمكان تاريخًا لا يُقال..
أراها جناح العائلة، أماكن الزيارة، غرف الاستقبال، الخدم، المطبخ... حتى وقف أمام باب مختلف، له حضورٌ ثقيل، كأنه يخبئ شيئًا لا يُحب أن يُفتح..
الباب، قديم بطريقة لا تشبه بقية الأبواب.. ربما عمره أكبر من عمر القصر ذاته..
وحين فتحه، بدا المشهد كلوحة خرجت من عقل فنانٍ فقد السيطرة..
الضوء يتسلل من نافذة زجاجية كبيرة، تغمر ركنًا واسعًا من الغرفة..
شرفة تطل على العدم، منضدة أنيقة تعلوها رقعة شطرنج مرتبة، رف صغير يحمل كتبًا مصطفّة كجنود في ثكنة..
لعبة سهام تستأثر بجدارها الخاص، وتلك اللوحة...
لوحة لـفنسنت فان جوخ، "حقل القمح مع الغربان"،
رُسمت في 1890، وتُروى بأنها من آخر ما رسمه قبل أن يرحل...
فيها سماوات مشقوقة، غربان كأنها أرواح شاردة، وحقول لا تنتهي..
لوحة مثقلة بالحزن، تجيد رواية الجنون بصمت..
وفي تلك الزاوية من الغرفة..
تشابهٌ مخيف: الكتب، اللوحات، لعبة السهام... كأن أحدهم حاول استنساخ قلب الرسام في هذه الغرفة..
مدّت ليفيرا يدها، أرادت أن تلمس اللوحة، أن تتحقق من ملمس الكآبة ذاك.. لكن ماركو أمسك رأسها بلطف، وحرّكه نحو الجهة الأخرى من الغرفة..
وهنا... كان النقيض...
فوضى مكتملة الأركان كيس ملاكمة، أريكة سوداء مزخرفة، طاولة تتناثر فوقها أسلحة، طلاء أظافر، وقوارير شراب شبه فارغة...
العالم ذاته، لكن مقلوب...
ماركو أخيرًا حمحم، قاطع الصمت الذي تلبّسهما طوال الجولة..
"هذه... غرفتنا..
أقصد غرفة فرقة الروكا."
ثم أشار بإيماءة خفيفة نحو الركن الأول:
"ذاك المكان الممل الممتلئ بالكتب ورائحة الألوان الزيتية... هو لزاد أوريليو رينو...
أما هذا، فهو لي، ولأنجي، ومارسيل...
وهنا تعيش حواسيب لوكا وأليساندرو الكارثية..."
ابتسم ابتسامة بسيطة، لكنها مشوبة بالتعب..
"لا تقلقي... إن انضممتِ لنا، سنجعل زاد يستقبلك في جانبه..
كما ترين، يبدو أهدأ... وفيه لوحات..
ما يجعلك تشعرين بالراحة، يا جميلة."
دخل للغرفة يتفحص الأوراق المبعثرة فوق الطاولة، لحظات فقط، ثم خرج مجددًا، مدّ يده وأمسك بيدها يسحبها قائلاً باستياء:
"هل عليّ جرك دائمًا؟"
ضحكت ليفيرا ضحكة خفيفة:
"لا... أنا فقط مشتتة قليلاً."
فهم ماركو مقصدها. أضافت:
"للحظة... لو انضممتُ لكم، أفضل أن أكون في غرفتي."
قهقه للحظات، وقال:
"تلك غرفة اجتماعنا.. أي إن انضممتِ لنا، فلابد أن يكون كل يوم على الأقل فيه خمس اجتماعات..
لذا... أنا أعتذر مسبقًا عن وجودك مع ذلك البارد..."
ثم همس لنفسه:
"هذا ما كان ينقص ليفيرا بحق..." وأتبعها بإبتسامة لعوبة...
بدأ يصعد السلالم، وقبل أن يصل إلى الطابق العلوي، توقف أمام باب بدا مألوفًا لها..
كان هناك، بين ممرّ يضم عددًا من الغرف..
"هذا جناحنا.. طلب الزعيم وضعكِ فيه إلى حين موافقتك.
غرفتي هناك... كما ترين."
رفعت عينيها نحو الغرفة التي أشار إليها..
كان على بابها زخرفة لرأس مهرّج، ونقشٌ غريب يحيط بالمقبض..
تجمدت للحظة، ثم نظرت إلى وشمه، وقالت:
"كم يبدو وشمك مخيفًا...
كان يرافقني في كوابيسي منذ أن سُرقت تلك اللوحة."
تجهم وجه ماركو، عبوسه حاد وقاطع:
"وشمي؟ رأيته في كابوسك؟
مثل هذا العمل الفني... كان لابد أن يمنحك إلهامًا للحياة... رجاءً لا تقولي هذا مرة أخرى في وجهي."
ابتسمت بخفة، وقد لمحت في ملامحه جانبًا لم تتوقعه أبدًا...
سارق اللوحة، صاحب الوشم المخيف، يحمل في قلبه حسًّا ساخرًا غير متوقع...
دخلت غرفتها.. تبعها وقال وهو يشير إلى الخزانة:
"هذه غرفة أختك..
كانت هذه غرفتها قبل أن تنتقل إلى جناح العائلة مع الزعيم...
هناك في تلك الخزانة... ملابس، وأشياء تخص الفتيات..
أنا لا أدري."
توقف قليلًا، ثم أضاف بلهجة صادقة:
"وللعلم، من غيّر ثيابك كانت الخادمة.. لا تظني أنه أنا الفاعل..."
احمر وجهها للحظة، وقالت:
"أنا لم أنتبه أنني ألبس ملابس أخرى...
كيف تريدني أن أفكر في أمر كهذا؟"
ضحك، ضحكة خفيفة، صافية، خرجت من قلبه دون تصنّع.
ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئاً... "عملي.. صديقتي..؟؟"
ضحك ماركو بقوة وهو يقول لها"لاتقلقي.. لقد غطينا غيابك... هل تذكرتي عملك الممل الان؟ "
أكمل ضحكه وهو يخرج من الغرفة... هي بالفعل نست كل شي حتى ثيابها لم تنتبه أنها متغيرة..
تحدث بنبرة أكثر هدوءًا بعد أن نظف حنجرته:
"هل تودين أن تحضري للفطور معنا؟ أو... لوحدك؟"
قالت دون تردد:
"أجل، معكم...
أريد أن أعرف أكثر عنكم.."
لم يتوقّع منها هذه الإجابة..
استدار و نبرته تغيرت كليًا، وصوته أصبح باردًا بشكل مخيف:
"إن رفضتِ عرض الزعيم، فمصيرك الموت المحتم..
أنتِ الآن... تعرفين الكثير عنا.. "
أعطاها ظهره، غادر كأنه لم يقل شيئًا،
تبعته بنظرات مشدوهة، ثم فكرت:
"تغير 180 درجة...هل للرجال أيضًا... هرمونات مزاجية؟"
_______________________
نزلا السلالم بخطى متسارعة، كأن شيئًا ما كان يطارد لحظتهما.. الهواء هنا كان أثقل... لا يشبه ذاك الذي في الطابق العلوي.. أمامهما، انكشفت قاعة فسيحة، تتوسطها ثلاث طاولات طويلة وعريضة، وعلى الجوانب رفوف مرتّبة بعناية، تحمل أدوات القهوة وصناديق الحلوى، وكأنها جزء من طقسٍ قديم لا يليق إلا بالنخبة..
الخدم يتحرّكون كالنمل، صوانٍ تُرفع، وأخرى تُسحب فارغة، كأنهم يشاركون في رقصة صامتة لا أحد يفهم توقيتها سوى من عاش طويلاً في هذا القصر..
كانت تلك غرفة الطعام....
وقفت ليفيرا بجانب ماركو.. كان يفوقها طولًا، لكنها لم تنتبه لذلك إلا حين رفعت بصرها نحوه لتقرأ ملامحه.. لم تجد الابتسامة الساخرة المعتادة، ولا تلك الملامح المترهّلة التي طالما استهزأت بها.. كان هادئًا... على نحوٍ مقلق..
تابعت عينيه، فوجدتهما تستقرّان عند الطاولة البعيدة، حيث جلس زاد وإنجي ولوكا يتناولون فطورهم.. بدا المشهد كلوحة مضطربة..
تقدّم ماركو نحو الداخل، متفاديًا الخدم بخفة، وكأن خطواته تعرف الطريق وحدها.. أما ليفيرا، فكانت تتبع ظله، وتحاول ألا تصطدم بنظرات ساكني القصر.
لم يكن سهلاً تجاهل تلك النظرات... كانت تعلم ما تعنيه تمامًا..
هي دخيلة..
ليس فقط على المكان، بل على النظام.. لم تُدخَل فتاة "عاديّة" هذا القصر منذ أعوام... أو ربما منذ عقود..
كأن الزمن نفسه يرفض وجودها هنا..
تابعت ماركو حتى وصلا إلى الطاولة الطويلة.. جلس بإهمال فاضح، رافعًا قدميه على الطاولة دون أدنى اعتبار، وصوته يخترق هدوء القاعة وهو يصرخ يطلب فطورًا وقهوة..
كان قد شرب لتوه... لكن الإدمان لا يحترم المنطق..
وقفت ليفيرا مشدوهة..
نظراتها تنقلّت بين أركان الغرفة، والوجوه التي أمامها..
إنجي تقلم أظافرها دون أن تلاحظ وجودهما،
وزاد يحتسي الشاي، وفي يده كتاب متهالك يبدو كأنّه كتاب فلسفة..
أما لوكا... فقد كان غارقًا في هاتفه، يكاد وجهه يلتصق بالشاشة..
بدوا لها كمجموعة من الكوارث البشرية..
تنهد ماركو بصوت عالٍ، ثم صرخ من جديد:
"أحتاج فطورًا لي ولليفيرا بسرعة، سأموت!"
نظرت إليه غير مصدّقة، هل هذا العبوس كله... لأنه جائع؟
تبًا، هو غريب الأطوار أكثر مما ظنّت...
رفع زاد عينيه عن كتابه ببطء، أغلقه، ووضعه جانبًا، ثم قال بعد برهة:
"ماذا قررتِ؟"
تلفّتت نحوه..
أشارت إلى نفسها بإصبعها السبابة:
"هل تقصدني؟"
اكتفى بالإيماء.. كانت تلك "نعم"صامتة، لكنها حادّة كالسيف...
فأجابت بصوت منخفض:
" لم أقرّر بعد.. "
نظر إليها ماركو وهو يلتهم ما أمامه، نظرة عابرة، لكنها ليست بلا معنى...
أما إنجي، فرفعت عينيها أخيرًا، وأضافت بسرعة:
"عليكِ اتخاذ القرار بسرعة..."
فردّت ليفيرا بنبرة باردة، تحمل شيئًا من الألم، شيئًا من الحذر:
"أعلم ذلك."
زاد لم يُبعد عينيه عنها.. ثم رفع شعره قليلًا، وقال بصوته الهادئ، الذي يخفي وراءه جليدًا لا يذوب:
"اختاري بسرعة... على الأقل أراجع فكرة قتلك."
كانت كلماته قاسية... لكنها لم تكن مزحة...
عيناه السوداوان كانتا ثابتتين، لا تزيغان عن عينيها العسليتين..
تسارعت أنفاسها للحظة، واتّسعت حدقتاها...
هل... هل كان جادًا؟
هل يفكّر بقتلها فعلًا؟
بعد تلك الكلمات، لم تعد القاعة كما كانت..
كأن شيئًا انكسر في الهواء، لا يُرى لكن يُحَس..
نظرت ليفيرا إلى زاد مطوّلاً...
حتى قالت للحظة "ان كنت تريد قتلي... فإفعلها الان؟"
ابتسم زاد، لا سخرية... بل تلك الابتسامة التي ترافق الجلاد لحظة تنفيذ الحكم..
ثم قال: "لستُ بحاجة لقتل من لا قيمة له... لكنني لا أتحمّل من يُربك النظام."
ردّت، بنبرة منخفضة لكنها واثقة: "وهل أنا من أربك النظام... أم أن النظام ذاته فاسد؟"
صمت مفاجئ اجتاح الطاولة...
لوكا رفع رأسه للمرة الأولى، عيناه نصف مفتوحتين، وكأن شيئًا في كلامها أيقظه من عزلة هاتفه....
أما إنجي، فقد توقفت عن تقليم أظافرها، ونظرت إليها نظرة تحمل... اهتمامًا غريبًا، نادرًا، يشبه مراقبة حشرة غريبة في عالم مألوف...
بعد برهة من الصمت الذي دام للحظات سُمعت ضحكة مألوفة لهم جميعاً .. كأنها طقس متكرّر في كل فوضى...نظر إليها المهرج وقال بابتسامة جانبية "أهلاً بك في المتاهة."
بالطبع، لا وجود للجدّ في حياته..
أكمل ماركو ضحكته، كما لو أن النقاش الذي دار بين ليفيرا وزاد كان مجرد خلفية باهتة لم تعنِ له شيئًا..
نهضت إنجي من مقعدها، صدى كعبها يضرب الأرضية بنغمة رتيبة، وقالت ببرود:
"كما قال ماركو... أهلاً بك في المتاهة.."
ومع ابتعادها، تسلّل صوت لوكا الحائر خلفها كصفعة:
"ما الذي كنتِ تقصدينه حين قلتِ إن النظام فاسد؟"
ضحك ماركو مجددًا، هذه المرة بفم ممتلئ، وكأن ما قالته ليفيرا لم يكن سوى نكتة ثقيلة الظل..
في عيونهم، بدا حديثها عن فساد "النظام" كأنه وهم... وجود نظام فاسد داخل عائلة ندرانغيتا؟ مستحيل..
أو هكذا يريدون أن يصدقوا..
أما زاد، فقد بقي صامتًا...
كلامها ظل يدور في رأسه: لا وجود لنظام كامل..
هل يمكن أن يفسد النظام؟
ربما..
لكن منذ اختطافها، شيء ما انكسر..
شيء ما فُسِد فعلاً.... "لا أدري..."
هل هي شجاعة أن تبقى في المنتصف؟
أم ضعف؟
هل يعني أنك تفكر أكثر من اللازم... أم أقل من اللازم؟
لا أدري.
كثيرًا ما أقف على حافة الخيار،
أنظر إليه طويلًا... لا أهرب منه، ولا أقفز إليه.
أراقب، أفكّك، أرتب فوضى المنطق... ثم لا أتحرك.
هل هذا هدوء أم شلل؟
هل أنا أختار... أم أنني فقط أرفض أن أختار؟
أحيانًا، أشعر أن كل الخيارات في هذا العالم تُعطى لنا مثل قوالب جاهزة،
وكأنك حين تقول "نعم" لشيء، تقول "لا" لوجهك الحقيقي،
وإن قلت "لا" لكل شيء، تسقط في هاوية العدم.
أكره الجزم. أكره من يتحدث وكأنه يملك مفاتيح المعنى.
أولئك الذين يقولون لك بثقة: "الحياة هكذا"...
الحب هكذا، والناس هكذا، والموت هكذا.
كيف؟ من قال؟
من قال إن كل هذا ليس مجرد صدفة سيئة التنظيم؟
لا أدري إن كان ما أبحث عنه موجودًا،
أو أنني فقط أرفض ما هو موجود لأنني لا أثق به.
ربما... كل ما في الأمر أنني لا أريد أن أُخدع.
أو ربما... لأنني خُدعت فعلاً.
الآخرون يعيشون،
يتزوجون، يحبون، يختارون، يخطئون، يعودون، يُكمِلون.
أما أنا، فكل فكرة تقودني إلى سؤال،
وكل سؤال يفتح سردابًا آخر،
وأحيانًا... أتمنى لو كنت أحمقًا..
مجرد أحمق يعرف كيف يضحك دون أن يفكك المعنى أولًا..
"لا أدري" ليست ضعفًا...
بل درعٌ أمام العالم الذي يصرّ على أن يكون مؤكدًا.
أنا لا أصدق اليقين،
لأنه ببساطة: لم يُنقذ أحدًا..
ربما سأنتهي وحدي،
لكنني على الأقل سأعرف أنني لم أختر قناعًا
ولم أُجب عن سؤالٍ لا أملك له جوابًا....
________________________________________
كان زاد وماركو يسيران بخطى ثابتة نحو غرفة "الروكا"، بينما تبعتهم ليفيرا بصمتٍ حذر، تُقلّب بعينيها تفاصيل القصر كما لو كانت تتلمّس ذاكرته.. الجدران العالية، الممرات المُعتمة، ووقع الخطى المألوفة... كلّها تسكنها، تحفظها، وتخافها في الآن ذاته.. ومن حينٍ لآخر، كانت تستشعر نظرات ماركو المتسلّلة إليها... كمن يتفقد ظلًا لا يثق به تمامًا..
وما إن ظهر الباب في آخر الرواق، حتى أسرع ماركو إليه.. لم يقل شيئًا... انحنى يجمع بعض الأوراق المبعثرة بعجلة، رتّبها، ثم خرج بنفس السرعة، تاركًا وراءه صمتًا غريبًا يشبه غيابًا غير مبرر.. ليفيرا رمقته باستغرابٍ خفيف، لكن انشغالها بجمال المكان غطّى على فضولها المعتاد..
تابعت سيرها حتى دخلت الغرفة، وهناك... سُحبت عينها إلى اللوحات المعلقة على الجدار.. لم تلاحظ متى دخل زاد من ذلك الباب الجانبي الغريب، ولم تهتمّ.. كانت أصابعها، أصابع المُرمّمة، تُداعب الحواف الخشبية بإجلالٍ لا يشبهه إلا حبّها للفنّ..
أنزلت نظراتها عن لوحة لفان كوخ، ثم اقتربت من رفّ الكتب.. مرّرت يدها على العناوين كما يفعل العطشى على جدولٍ ضحل كتب فلسفة، صفحات قديمة عن الشطرنج، مجلدات مملّة، وأخرى غامضة.. توقفت عند أحد كتب الشطرنج، فُتِنَت به، وتطلعت إلى الرقعة الموضوعة أمامها... كانت تنوي الجلوس وتعلّم قواعدها، لكنها لم تفعل.. كأن شيئًا فيها كان يشدّها دومًا إلى الفنّ...
عادت إلى اللوحات.. وقفت هناك، وسط الغرفة، تتأمل، تلتقط بعينيها مشهدًا لا يُنسى، وتشمّ بعمقٍ روائح الألوان الزيتية القديمة... كانت تلك الروائح تشبه الزمن قديمة، مضمّخة بالحياة والموت، تشبها هي.. وكذا..... تشبهه هو..
وفجأة، اخترق اللحظة صوته..
هادئًا، منخفضًا.. "ماذا تفعل لوحة غامضة... في مكاني؟"
استدارت نحوه بسرعة، عيناها تفتحتا كما لو أنها عادت فجأة إلى الواقع.. نسيت... نسيت تمامًا أنها دخلت مكانه.. زاد بدا مختلفًا الآن شعره الأسود، مبلّل قليلاً، يتدلّى فوق حاجبيه، ونظرته التي لا تشبه سوى الأسئلة التي لا إجابة لها..
"أعتقد أنه يجب عليكِ التحكّم في فضولك." قالها دون غضب، بل بنبرة تشبه التحذير الذي يعرف أنك لن تلتزم به..
همست، مترددة:
"في الواقع... نسيت أنّه... مكانك.."
تقدّم بهدوء، واتجه نحو كرسيه، جلس ببطءٍ وراحة رجلٍ يعرف تمامًا كيف يراقب الآخرين دون أن يُظهِر ذلك..
"ماذا تعرفين عن هذه اللوحات؟" سألها وهو يُلقي ظهره للخلف، يتأملها كما لو كانت جزءًا من الجدار..
قالت بهدوء، تحاول ألا تُظهر ارتباكها:
"أوه... اللوحة الكبيرة هي لوحة لفان كوخ.. أظن أنك تعلم..."
"أجل، أعلم." ردّ باقتضاب..
كل مرة يتحدث فيها، تشعر بتوترٍ غريب.. صوته لا يشبه صوت رجلٍ عابر... بل يشبه ظله، يشبه تلك الجملة التي قالها سابقًا، حين فكّر في قتلها..
لماذا يسألها؟ إذا كان يعرف أنها له... لماذا يسأل؟
لكنها تتابع، بصوت خافت يشبه ارتباكها:
"إنها لوحة 'حقل القمح مع الغربان'... رسمها فان كوخ في يوليو 1890، وغالبًا ما يُقال إنها من آخر لوحاته قبل وفاته..."
صمتت للحظة.. توقفت هناك، كمن وصل إلى نهاية معلومة، أو بداية شكّ..
فقال، بنظرة لا يمكن قراءة نبرتها:
"هذا ما تعرفينه؟ فقط؟..."
صوته لم يكن مجرد تساؤل... بل أشبه بطعنة باردة تُقاس بمدى صمتها..
"هذا ما تعرفينه؟ فقط؟..."
سقط السؤال في قلبها لا في أذنها.. لم يكن يريد معلومة، بل اعترافًا.. شيء ما في نظرته جعلها تشعر أنها واقفة أمام اختبار لا تفهم شروطه..
أخفضت عينيها للحظة، ثم رفعت رأسها مجددًا، كأنها تبحث عن ثغرة في صوته، في المكان، في وجهه:
"هي أكثر من لوحة... الغربان ليست طيورًا هنا.. إنها... أصوات.. هل رأيت كيف تبدو السماء؟ كأنها تتمزق... الزرقة مشروخة، والقمح لا ينضج، بل ينهار.."
اقتربت من اللوحة بخطوة، وكأنها تسند نفسها بما تعرف:
"كان فان كوخ يعلم.. كان يرسم موته، لا حقلاً.. الغربان تنبش ما تبقّى من الحلم، والقمح لا يُحصد... بل يُترك للفزع.."
نظرت إليه.. كان يستمع بصمت لا يشبه الإنصات بل يشبه التذكّر..
تابعت، لكن بصوت أخفض:
"في الواقع... هذه اللوحة ليست فقط عن النهاية.. بل عن فقدان السيطرة.. السماء أكبر منه، الغربان أعلى من صوته، والأرض لم تعد تحمله.."
ساد صمت كثيف.. ثم قال ببطء:
"جميل. لكن كل ذلك... تأويل.. ما يهمّ هو الحقيقة.. "
تقدّم منها حتى وقف بجانب اللوحة، ثم أدار وجهه نحوها، ببرود أشبه باليقين:
"فان كوخ لم يكن يرسم العالم... بل كان يحاول الهرب منه.. "
"وما العالم إلا متحف كبير للهروب..." قالتها، ولم تعرف لماذا قالتها...
اقترب اكثر منها وابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة... بل شبه إيماءة... ضيقة، باردة..
ثم همس، كمن يُسلّم حقيقة قديمة ويده تلامس خصلات شعرها المنسدل بهدؤء:
"وما الفنّ... إلا طريقة أنيقة للجنون.."
كانت على وشك الرد، حين دوّى صوت خطوات بالخارج... طرق خفيف على الباب، ثم انفتح قليلًا.. دخل ماركو مجددًا، وبيده شيء ما...
"أنتهيت." قال وهو يلوّح بورقة...
زاد لم يردّ عليه، فقط رمق ليفيرا بنظرة أخيرة، ثم أشار نحو اللوحة:
"إن كنتِ تظنين أنكِ تفهمينها... فلتجربي العيش فيها."
ثم استدار ببطء، واتجه نحو مكتبه..
أما هي، فوقفت وحدها، تشعر كأن اللوحة تراقبها لا العكس، وكأن الغربان طارت من إطارها... لتعيش في صدرها....
تقدّم ماركو من مكتب زاد وهو يحاول جاهدًا عدم الضحك بعد ما رآه ينوي فعله... كان على وشك إلقاء نكتة، لكنه تراجع...
أنا لا أضمن عدم وجود سكين في جيبه..
قال وهو يمسك الورقة:
كانت تحتوي على جدول لعمليات تهريب سلاح قادمة من الساحل الكرواتي، أسماء مشفّرة، وموقع اجتماع ليلي عند الميناء في الثالث من الشهر... التوقيع أسفل الورقة كان حرفًا واحدًا فقط"R".
"جيد أنك من قمت بهذا... لم أكن أنوي فعله، يدي ما زالت مصابة."
قالها زاد ببرود، وأكمل قراءة كتابه وكأن لا شيء مهمًا في تلك الورقة..
"تنهد ماركو بتعبٍ نافد، يدرك تمامًا أنه سواء أكان مصابًا أم لا، فلن يُقدم على فعل ذلك.. رائع... ستظل دائمًا في صدارة قائمة 'الأشياء التي لا أفهم كيف ما زلت أحتملها'."
نظر إلى ليفيرا التي كانت تحدق في الفراغ...
هل تنضم لهم؟
أم تموت؟
قال وهو يبتسم بخبث:
"كيف جعلك أوريليو تلمسين لوحاته المقدسة؟"
نظرت إليه لوهلة، وبدأت تستوعب كلامه... لكن زاد سبقها في الإجابة:
"يومًا ما... ستموت بسبب فضولها."
قهقه ماركو بأعلى صوته وهو يعدّل معطفه الطويل..
واكتفت ليفيرا بتبادل نظراتها بين ماركو وزاد، دون أن تفهم تمامًا إن كانا يتحدثان عن العمل .. أم عنها هي التي لم تعد كما كانت..
قاطعهم صوت رنين هاتف زاد..
فأجاب بهدوء، ينتظر أن يتكلم الطرف الآخر...
وحين قال الصوت... اجتمعوا.. فورًا... ومعكم... ليفيرا نيراليس."
رفع زاد عينيه لهما...
وحينها... عبس كل منهما حاجبيه في اللحظة ذاتها...
____________________________♙________
.
.
تابع.....
.
.
.
"لوحة حقل القمح مع الغربان.."

...
.
.
.
lansarimeriem/ _alowra_