ليس الصمت فراغًا... بل ذاكرة مشتعلة...
كلّ ما لم يُقال، يعيش فينا بشكلٍ آخر نظرة، رعشة، أو طريق لا نجرؤ على عبوره."
_________________________________
"الماضي ليس زمنًا... بل ندبة".
يقولون إنه مضى لكن الحقيقة إنه لايرحل... يختفي في الزوايا، ينام تحت الأضلاع، يوقظك على هيئة رجفةٍ بلا سبب.
الجرح لا يحتاج إلى سكين كي يُفتح.
يكفي صمتٌ طويل، أو رائحة قديمة، أو ظلّ عابر يشبه من غاب.
كان هيراقليطس يقول إنك لا تنزل النهر ذاته مرتين.
لكنهم لم يسألوه: ماذا لو ظلّ الماء في قلبك؟
ماذا لو كنتَ أنت النهر، والماء، والغرق معًا؟
يظنون أن الماضي يُنسى.
أن النسيان شفاء.
لكن النسيان ليس موتًا... بل تخدير مؤقت.
والألم الذي تُغلق عليه بابًا..
سيعود يومًا من النافذة.
أفلاطون حدّثنا عن الكهف، عن الظلال التي نراها ونظنها حقيقة.
لكن الماضي هو الظلّ الذي يسير أمامك...
حتى حين تطفئ النور.
في كل إنسان غرفةٌ لا يدخلها أحد.
تخزن فيها الندم، والمواقف التي تمنّيتَ لو قلت فيها شيئًا.
تغلق الباب... وتسمع الأصوات رغم ذلك.
ربما نحن لا نكبر فعلاً...
بل تتآكل فينا تلك النسخ الصغيرة التي لم تُفهم، ولم تُحتضن، ولم تُسامَح.
ولعلّ أعظم الكذبات أننا تجاوزنا.
لا أحد يتجاوز تمامًا...
" نحن فقط نتعلّم كيف نحمل الألم دون أن نسكبه على الأرض."
الماضي ليس شيئًا وراءنا.
بل شيء يسير معنا...
يمدّ يده إلى قلبك حين تظن أنك بخير.
والجروح؟
لا تشفى بالزمن كما يقولون.
بل بالصدق.
بالاعتراف بأن هناك شيئًا قد كُسر فينا... ولن يُصلَح..
ومع ذلك، نستمر..
لا لأننا أقوياء..
بل لأننا لا نملك خيارًا آخر."
______________________________________..........
اليوم السادس بعد حادثة السرقة.
في الطابق العلوي من مبنى قديم يُشبه فخًّا معماريًا، كان زاد واقفًا على الشرفة، متكئًا على السور الحديدي..
الليل مسدول، المدينة تحته تنبض بالأضواء والسيارات كجسدٍ مصاب بالحمّى.
نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعره القاتم، وهو ينفث دخان سيجارته الطويلة ببطءٍ يشبه تفكيره.
لا شيء يتحرك فيه... سوى الرماد.
ظلّ على حاله دقائق، لا يُعرف إن كان يتأمل أو يتجنّب التأمل، حتى شقّ الهدوء صوتٌ مألوف.
صوت الباب يُفتح دون حرص، خطوات تترنّح قليلًا، ورائحة قهوة طازجة تختلط برائحة الغبار.
كان المهرج.. مقتحم الغرفة.
زاد التفت ببطء.. عيناه ثابتتان، كأنما تجمّدت فيهما كل احتمالات العاطفة.
قال بهدؤء: "ما بالك، أيها المهرّج؟"
ضحك ماركو:
"لديك طريقة مميزة في الترحيب.. جيدٌ أنك لاتتحدث كثيراً... المهم لقد جئت بأخبار.. "
اقترب بخفّة من الطاولة الوسطى، المنضدة التي كانت تغرق في الأوراق، والخرائط، والصور المطبوعة من كاميرات مراقبة..
ورقعة الشطرنج موضوعة بعناية في الطرف الأيمن، كأنها تتأمّل ما يحدث في الغرفة مثل عرّاف صامت.
جلس زاد أمامها، كما يفعل كل ليلة، وجلس ماركو أمامه، بعد أن وضع كوبين على الطاولة، واحد له... والثاني، لا أحد يعرف إن كان لزاد أم للفراغ بينهما.
" إذًا" قال ماركو وهو يسكب القهوة:" الفتاة موجودة في هذه المدينة منذ ثماني سنوات على الأقل.
ولم تغيّر اسمها، ولا عنوانها.. تعمل في المتحف، حياة هادئة، لا علاقات خارجية، لا شكاوى، لا ظهور في أي ملف أمني..
مزعج... كم هي طبيعية."
رفع زاد عينه إليه، بلا كلمة.
"والمضحك؟" تابع ماركو مبتسمًا: "أنها التقت قبل عام بشخص يُدعى "فيتوريو"، نفس الاسم الذي ظهر في إحدى ملاحظات العضو المفقود..... لكن لا توجد أي صورة له، ولا سجلّ، كأنه شبح.
أتعلم ما يعني ذلك؟ ربما هناك طرف ثالث في المعادلة."
قالها، ثم رشف من قهوته، كأنما يبتلع سرًّا لا يعرفه بعد.
زاد همس:
" لا يهم."
ماركو نظر إليه، مستفزًا:
"لا يهم؟ زاد، نحن لا نلعب لعبة من يريد أن يصبح مليونيرًا، هذه ليست صدفة بريئة... هذه ثغرة.. ربما الفتاة ليست هي بل بابًا يؤدي إلى من نبحث عنه."
زاد حرّك البيدق الأبيض خطوة للأمام ببطىء
"كل الأبواب متشابهة... ما دمت تملك القفل علينا اختطافها قريباً"
قالها وكأنه يُعلن انتهاء المشهد... لا بداية الفوضى.
ماركو تمتم بعد لحظة:
" هل تذكر آخر مرة قلت فيها 'علينا'؟
انتهى الأمر بمخبأ يحترق، واسمك في قائمة مطاردة أوروبية.. "
لم يرد عليه زاد..
فنظرته تحولت إلى شيء أخطر من الغضب... اللامبالاة الحادة، القاتلة..
أكمل ماركو:
"على كل حال، أنا معك.. لكن هناك شيء آخر.
هناك رجل كان يراقب المتحف، لا يتبع الشرطة، ولا الصحافة، ولا حتى العصابات المحلية.
تحرك بخفة محترف.. كأنه يعرف ما يبحث عنه..كان يلتقط صورًا... لليفيرا.. "
زاد أدرك الاسم، لم يهزّ رأسه، لكن أنامله توقفت فوق قطعة الحصان.
"وماذا فعلت؟ سأل بهدوء.."
" تبعته حتى اختفى في كنيسة مهجورة في الحيّ القديم لم أتمكن من اللحاق به لكن... المكان بدا وكأنه ليس غريبًا عليه..
قد يكون تابعًا لجهة.. وقد لا يكون.. "
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
وضع زادالسيجارة التي كانت بين شفاهه في منفضته، وقام من مقعده..
" إذا كانت مجرد موظفة... فلماذا كل هذا الالتفاف؟"
ابتسم ماركو، ورفع فنجانه:
" أسئلة كهذه... تقتل أكثر من الرصاص.
لكن صدقني زاد، الاختطاف هذه المرة لن يكون مجرد خطة.. إنها حرب مصغّرة.. والفتاة قد لا تكون كما تبدو.. "
زاد وقف بجانبه، ينظر من النافذة إلى المدينة من جديد..
"أو ربما نحن، من لا نبدو كما نحن.."
بدأ ماركو بالضحك قائلاً:
" رائع، دخلت طور الفلسفة هذا أسوأ من القتل.. "
لم يضحك زاد أبداً على طرف ماركو الرديئة بل إكتفاء بالصمت.. فقط.
قال ماركو بهدوء كان أشبه بالسخرية:
"هل تعلم كم من الناس يموتون أثناء شرب القهوة؟"
نظر ماركو إلى كوبه بإبتسامة في إنتظار رده
حين أردف الاخر بعد ثوانٍ:
"كف عن الثرثرة وإلا كنت..انت التالي."
_________________________________________......
"انتهى دوام القسم الحيوي أخيرًا."
كانت ليفيرا قد عادت إلى مكانها القديم في المتحف، بعد أيام من التحقيق وشهادتها حول حادثة السرقة.
الهدوء عاد ظاهريًا، لكن ما خلفه الحادث بقي عالقًا تحت جلدها، كأن الذاكرة تصرّ على إعادة تشغيل نفسها كل مساء.
ذلك الوشم على عنق ماركو... لم يفارق ذهنها..
نظرته الأخيرة كانت طويلة أكثر من اللازم فيها شيءٌ يشبه الاعتراف.. أو الاتهام... أو كلاهما.. هل يعرفها؟ مستحيل..
لكن شيئًا في عينيه يقول غير ذلك..
كانت تريد أن تنسى أن تنفض الغبار عن الصفحة وتتابع..
لكنها بكل صراحتها مع ذاتها تعرف أنها لا تُجيد النسيان.
هي التي تُدقّق في كل شيء: الألوان، التفاصيل، الحواف، التصدعات الصغيرة في اللوحات... كيف تنسى إذًا نظرة؟
ناهيك عن متلازمتها التي تزيدها ارتباطًا بالتفاصيل، كما لو كانت لعنة بصرية بملمسٍ فني..
خرجت من المتحف وقد بدأت رياح الخريف تبسط حضورها على المدينة.
نسيم بارد لفح وجهها، جعل خصلات شعرها البني الطويل تتطاير خلفها.. عيناها العسليّتان تجوّلت في الشارع دون وجهة دقيقة، سوى فكرةٍ عابرة: زيارة والدتها.
اتجهت إلى المقهى المفضّل لها ولصديقتها سيليا، الواقع على زاوية تقاطعٍ مزدحم في قلب المدينة.
"مقهى غراي ميلانو" مكان عصري، بديكور داخلي من المعدن والزجاج، لكن فيه دفء غير متوقع..
فطاولات متقاربةوالإضاءة خافتة...و الرائحة خليط بين الإسبريسو والفانيليا المحروقة.
دخلت المقهى و وجدت سيليا جالسة في الزاوية المعتادة..
كانت ترتدي سترة جلدية سوداء قصيرة، وبنطالًا رماديًا ضيقًا، وحذاءً رياضيًا باهظًا... نظارتها الشمسية مرفوعة فوق شعرها الأشقر القصير، كأنها مستعدة لخوض سباق.. فعلاً..
جلست ليفيرا أمامها.. نزعت وشاحها الصوفي وألقت به على المقعد، ثم قالت بهدوء وهي تتأمل فنجان القهوة أمامها:
" لستُ مقتنعة أنك ما زلتِ تفكرين في الذهاب إلى ذاك السباق، سيليا.. أنتِ مجنونة تمامًا.. "
قهقهت سيليا وهي تُحرّك ملعقتها:
" أعترف لكن... مرّ عام كامل منذ رأيت إنزو.. أخر مرة
لدي رغبة عارمة في أن أُسقط رقمه القياسي... لقد تدربت كثيرًا من أجل هذا الأمر خاصتاً أنني عرفت انه قادمٌ بلا شك لسباق المينئ.. لا يهم إن كان السباق قانونيًا أم لا..
رفعت ليفيرا حاجبيها بدهشة ساخرة:
"إن كان سباقًا غير قانوني، فهذا وحده يكفي..
المرفأ ليس مكانًا للمتعة، بل للمهربين، والمجانين، وأناس فقدوا نصف عقلهم.."
"ولمعلوماتك، لا أحد يتسابق هناك من أجل الكأس. بل من أجل شيء آخر..."
سيليا لم تُعلّق على ماقالته ليفيرا، فقط أخرجت من حقيبتها الصغيرة صورة مطبوعة لمسار السباق، وضعته على الطاولة أمام ليفيرا، ثم قالت بنبرة هادئة غير معتادة:
"منذ الحادثة، وأنتِ تتصرفين وكأنكِ نُزعتِ من سياق الحياة.."
العمل، المتحف، ثم المنزل..
لم نعد نتحدث كالسابق، لا تخرجين، لا تضحكين...لوهلة أصبحت أضنك مرحومة..
رفعت ليفيرا نظرها، ببطء، كأنها تُقلب كلمات صديقتها في رأسها...
" أنتِ لا تفهمين..
أنا لم أعد أثق بما أراه
كل شيء حولي بات هشًا حتى اللوحات التي أرّممها... تبدو أقل صدقًا من ذي قبل...
سباق؟ بين الدخان والموسيقى الصاخبة؟
ما دخل هذا بما يحدث لي؟"
ابتسمت سيليا، ووضعت يدها فوق يد ليفيرا فجأة، دفعة واحدة:
"لأنكِ تحتاجين أن تري العالم وهو ينهار بسرعة...
لتتذكّري أنكِ ما زلتِ على قيد الحياة.."
قالتها، ثم وقفت فجأة، كأن الفكرة أصبحت أمراً واقعًا لا نقاش فيه.. كانت سيليا تخرج من المقهى ويدها ممسكة بيد ليفيرا حين أضافت:
" فكرتُ بشيء.. "
" ما هو؟" سألت ليفيرا بتوجّس، وهي وتتفادى أحد المارة بصعوبة..
" ستذهبين معي إلى السباق.. "
توقفت ليفيرا في منتصف الرصيف..
سيليا، التي سبقتها بخطوة، التفتت بسرعة وقد تركت يدها:
" ماذا تعنين بذهابنا؟ نحن؟"
سيليا رفعت حاجبيها بدهشة مفتعلة:
" أليس واضحًا؟"
"أنتِ ستأتين كمتفرجة أو كسائقة، لا فرق المهم... أن تأتي معي.. منذ دخولك المستشفى، لم تتنفسي بشكل طبيعي..
والسباق؟ صدقيني... هو أكسجين خالص.."
ضحكت ليفيرا، ضحكة قصيرة مزيج بين السخرية والعجز:
" أكسجين؟.. ذاك أكسجين ملوّث بالنيكوتين والخراب والانفجارات... "
ردّت سيليا بحماس، وقد بدأت تسرد المشهد وهي تلوّح بيديها في الهواء:
"أصوات المحركات، الروائح، الصراخ، الأغاني العالية، المتفرجون من طراز غريب.. رجال بوسامة فظيعة ببدلات فاخرة وأسلحة مخبأة....
والمراهنات التي تغيّر مصير أحدهم في ثوانٍ.
صدقيني، يا ليفيرا... لا مكان على الأرض يمنحك هذا القدر من الأدرينالين.."
أضافت بصوت أعلى وهي تضحك:" نحن في السادسة والعشرين، تبا... ونعمل في متحف ميت.. دعينا نسرق القليل من الحياة قبل أن تسرقنا كلها.. "
تقدمت ليفيرا بخطوات متوترة، متجاهلة الأخرى ثم، وهي تلوّح بيدها دون أن تلتفت قالت :
"سَأفكّر بالأمر."
ابتسمت سيليا، وصرخت ببلاهة، وسط المارة
" سيعجبك، أقسم بذلك!
سأجعلك تندمين على كل لحظة لم تعيشيها!"
اكتفت ليفيرا برفع يدها مجددًا، ومضت في طريقها، عائدة نحو الشارع الذي تقطن فيه...
لكن في داخلها، شيء ما تحرّك.
شيء صغير.
لكنّه... حيّ.
************
أغلقت الباب خلفها، وضعت المفاتيح على المنضدة الصغيرة بجانب المدخل.
خلعت معطفها ببطء، تنهّدت بتعب خفيف.. لم يخطر في بالها أن العمل في الجناح الحيوي سيكون بهذا القدر من الإرهاق... لكنها، رغم كل شيء، كانت تفضّل صخبه على فوضى رأسها الصامتة.
صعدت إلى الطابق العلوي، تنوي الاستحمام، إنهاء بعض المهام، ثم الخروج مع سيليا.. استحمت بماء ساخن، ارتدت قميصًا أزرق داكن وسروالًا رماديًا فضفاضًا، وتركت شعرها البني مبلّلًا، منسدلًا دون اهتمام.
جلست أمام الحاسوب، تتابع العمل بتركيز مصطنع. لم تمضِ دقائق على ذالك حتى وصلتها رسالة.. من رقم مجهول فحواها:
"ستكونين منا قريبًا... جدًا..."
تجمّدت قليلاً.. قرأت الرسالة أكثر من مرة.. لم تفهم معناها، لكن القلق تسلّل إليها دون استئذان.
من أرسلها؟ هل هو خطأ؟ شخص يعبث؟ أم تهديد؟
حاولت تجاهل كل ذلك، وعادت للكتابة.
أو تظاهرت بالعودة.
لكن عقلها لم يتوقف. الأسئلة تنهال بلا ترتيب، ورأسها مثقل الرسالة، رغم بساطتها، نجحت في زعزعة هدوئها.
"متى سيتوقف كل هذا؟" تمتمت دون صوت، وأكملت عملها...
تحاول أن تبدو بخير.
لكنها لم تكن كذلك.
___________________________________________
"أرسلت الرسالة..."
قالها لوكا وهو يضع يديه خلف ظهره، عينيه تتفحّصان الحاسوب بدقة متناهية، كمن ينتظر ارتداد الصدى بعد خطوة محسوبة.
في الخلف، قال مارسيل بهدوء وهو يلتفت إلى زاد وماركو الجالسَين و نظراتهما معلقة على شاشة لوكا:
" بما أنكما جمعتما ما يكفي من المعلومات عنها... إذًا، لتبدأ المهمة."
ماركو أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال بنبرة ساخرة:
" لا أسمح لك باستخدام كلمة "جمعتما"،فأنا جمعتُها وحدي... هذا التمثال لم يغادر الشقة منذ أسبوع.."
أدار مارسيل وجهه جانبًا، مسح على ملامحه بضيق. لم يكن هناك وقت للسخرية، خاصةً من ماركو... الذي يتقن توقيت تعليقاته بشكل يثير الجنون.
ثم قال زاد ببرود: "الليلة... سنختطفها"
صوتُه كان حاسمًا... لكن لوكا قاطعه دون أن يرفع عينيه:
"يدك اليمنى مصابة لم تُشفَ بعد.. "
ماركو، كعادته، لم يترك الفرصة تضيع.. التفت بسرعة وقال:
" قال إنّ له يدًا يسرى."
ثم انفجر ضاحكًا، بصوت عالٍ مدوٍ، كأنّها نكتة من العيار الثقيل ابتسم الجميع، رغم الجو المشحون... حتى زاد، الذي بالكاد يبتسم، لم يستطع إخفاء ابتسامة خاطفة.. سرعان مافارقت شفتيه..
فقط ماركو ينجح في إضحاكهم ... بغبائه المدروس..
_________________________________________....
كانت الضوضاء تعمّ المكان عند الميناء القديم..
أصوات المحرّكات تصرخ، والدخان الكثيف يعلو من سيارات المتسابقين، يلوّث الهواء ويزيد المكان توترًا..
الجمهور محتشد.. ممثلون، هواة، محبّو السباقات، ومتسابقون محترفون... وحتى رجال أعمال بأناقة مبالغ فيها، يخفي بعضهم وجوهًا مألوفة في عالمٍ خفيّ فهم ليسوا سوى أعضاء في مافيات متعددة، يعملون من خلف الستار في غسيل الأموال، وتهريب المخدرات...
وسط ذلك كله، كانت سيليا تبتسم بحماسة طفولية، عكس ليفيرا التي بدت أكثر قلقًا، تراقب الفوضى بشيء من التوجّس.. كانت سيليا تذكرها مراراً أن هذا المكان رائع لكنها كانت تتصنع الهدؤء عكس محيطها كان المكان المناسب للإستمتاع لكن ليس ووشم المهرج يقتحم عقلها
عيون سيليا كانت تجوب الحشود، تبحث عن شخص معيّن شخص واحد ... عن إنزو..
ثم، وقبل أن تلتقط ليفيرا أنفاسها، تقدّم رجل طويل، وبحركة مفاجئة، غطّى عيني سيليا من الخلف قائلاً بصوتٍ خافت عند أذنها:
"مفاجأة."
رفعت يديها بسرعة تمسك بيده وتبعدها عن وجهها، قائِلة بحماس وهي تضحك:
"أيها الأرعن..."
ضحك إنزو هو الاخر وأخذها في عناق عفوي أمام ليفيرا التي وقفت خلفهما، تراقب المشهد بصمتٍ مستغرب، فهذه أول مرة ترا المدعو إنزو فقط سمعت عنه من هذه المجنونة..
إبتسمت ليفيرا بعفوية أمام منظرهما يبدو أنهما قريبان جداً من بعضها البعض....
......
"كم اشتقت لهذا الحماس"
قالها مبتسمًا وهو يحدّق بعينيها..
ردّت سيليا وهي تزيح رأسها قليلًا:
" أما أنا... فلم أشتق إليك."
تنهد وهو يمرر يده على شعره قائلاً بنبرة مرحة:
" تمزحين، أليس كذلك؟ أنتِ مهووسة برقمي القياسي... وتحطيمه."
اقترب منها أكثر، انحنى هامساً في أذنها قبل أن تتمكن من الرد عليه:
" أما أنا... فمهووس بشيء آخر.. "
رفع رأسه وهو يبتسم تلك الابتسامة التي تثير الغضب، عيناه لا تغادران وجهها أبداً..
فتحت سيليا شفتيها بدهشة، لم تصدق ما سمعته... ماذا يقصد هذا الوغد؟
نظرت إليه بنظرة حادة، ثم أزاحت قبعتها الحمراء قليلًا للجانب وقالت ببرود:
" لا تلهو مع الشخص الخطأ يا إنزو..."
لم يرد عليها إطلاقاً فقط اكتفى بابتسامة جانبية موجّهًا نظره نحو ليفيرا، التي كانت تراقبهما في صمت، كأنها تنتظر أن يتذكّرا وجودها..
حين ودعهما وراح متجهاً إلى حيث ركن سيارته
______________________________________
كانت سيليا ترتدي سروالًا رياضيًا أسود، مع قميص بنفس اللون، وسترة سوداء رُسمت عليها سيارة سباق باللون الأحمر الناري، نفس لون قبعتها... ونفس لون سيارتها التي تنتظر دورها على المضمار..
قالت ليفيرا بقلق:
" يجب أن تسترخي قليلًا وإلا ستموتين من التوتر يا غبية..."
ردّت سيليا بسرعة وهي تشد القفازات على يديها:
" لا أقصد التوتر... فقط هناك الكثير من المتسابقين المهرة هذه المرّة.."
ضحكت ليفيرا بخفة:
" إذًا، خائفة؟"
أجابت سيليا وهي تضع خوذتها:
" أنا لا أخاف... أنا فقط مركّزة كل ما يهمني الآن... هو تحطيم رقم إنزو القياسي وهزيمته على مضماره.. "
***************
سباق المرفأ غير القانوني.
قالها لوكا بصوت منخفض، وهو يراقب الوجوه المحيطة بالطاولة الطويلة في وسط قاعة فخمة وواسعة، تحت ضوء خافت يشبه صمتهم المتوتر.
رفعت إنجي حاجبها باستغراب:
" إذًا... هذه الفتاة متورطة في شيء كهذا؟"
قاطعها ماركو بنبرة هادئة، على غير عادته:
لا، ليس هي... بعد قليل من المراقبة، تبيّن أن صديقتها... هي المتسابقة..
أما نيراليس، فهي مجرّد ظل يرافقها..
استغرب الجميع من هدوء ماركو، حتى إنجي عبست دون أن تخفي انزعاجها، وكأنها تحاول أن تقرأ ما وراء صوته الذي لا يشبهه..
نهض مارسيل من مكانه، التفت نحو زاد وسأله:
" هل تحتاج إلى تعزيزات؟"
ردّ زاد دون أن ينظر إليه:
"لا، أنا والمعتوه نكفي.."
ضحك ماركو بخفة، وأدخل مسدسه في جيب سترته وهو يقول بنبرة عبثية:
" أظنّها ستكون أكثر مهمّة اختطاف ممتعة منذ سنوات..."
نهض الاثنان وغادرا القاعة..متجهانِ إلى بوابة القصر، فقد كان السائق بانتظارهما... رجل ضخم البنية بوجهٍ خالٍ من التعابير..
فتح زاد الباب الخلفي ودخل بهدؤء.. ولحقه ماركو الذي لا يزال يبتسم بابتسامة فارغة...
مَهمتهم بدأت...
لكنّها لم تكن مهمة عادية..
لم يُعرف عن "أعضاء الروكا" تنفيذ الاختطافات..اختصاصهم شيء آخر... القتل..
السرقة بإحتراف..
والمحو..
لكن هذه المرة... كان الأمر مختلفًا..
امرأة..
هدف مُحدد..
واسم غير واضح بعد في قائمة الدم..
________________________________________
الفن ليس انعكاسًا للحقيقة... بل تشويهًا ضروريًا لها.
أفلاطون خافه... قال إنّه محضُ تقليدٍ للعالم، صورة عن صورة، محجوبة عن النور الحقيقي...
لكنه نسي، أو تجاهل، أن بعض الأكاذيب تُنقذ.
وأنّ المرآة المشروخة أصدق من العين...
أرسطو رأى في الفن تطهيرًا.. "كاتارسيس"، قالها، وهو يشير إلى المأساة، إلى الدموع التي لا يذرفها الإنسان لنفسه، بل نيابةً عن شيء لا يعرفه..
هل نبكي في وجه الجمال؟
أم لأن الجمال يذكّرنا أننا لن نكونه أبدًا؟
هيراقليطس تمتم في الظل: "كل شيء يتغيّر".
والفن... هو محاولة بائسة لتثبيت المتحوّل، لتجميد الزمن داخل لون، داخل صرخة، داخل هيكل رخامي أبكم...
كانوا يقولون إن الفن يُحيي...
لكن ديموقريطس، العاشق للفراغ والذرات، كان ليهمس: "بل الفن يُذكّرنا بالموت."
بأنّ كل ما هو جميل فانٍ، وكل ما هو خالد لا يُلمس."
في أحد النصوص القديمة، نُقل عن فيثاغورس قوله:
"الكون موسيقى، والروح ترتجف إذا لم تسمع النغمة الصحيحة"..
لكن من قال إن البشر سُمّاعة صالحة؟
كم من نغمة عبرتنا دون أن تترك أثرًا، وكم من ضجيج أسكتَ أرواحًا بأكملها؟
الفن ليس للعين.
وليس للقلب.
هو للفراغ بين الاثنين..
وليس كل من ينظر، يرى..
ولا كل من يهتزّ، يتأثر...
لوحة واحدة يمكن أن تُحرّك فيك شيئًا نائمًا منذ ألف عام..
ولوحة أخرى... تمر كأنها لا شيء...
لعلّ "بارمنيدس" كان محقًا، حين قال إن الحركة وهم، وإنّ الكائن ثابت..
الفن، إذًا، ليس فعلًا... بل وجودٌ خامد، لكنه يُشعل النار في الذي يقترب أكثر مما يجب...
الفن لا يكتمل أبدًا...
تمامًا كما لا تكتمل الحياة..
هو مشروع فاشل لإصلاح ما لا يُصلَح..
وبالرغم من كل شيء...
نعود إليه.
لأننا نشتاق... لا لما يقدّمه، بل لما يسلبه منا."**
هذه الافكار تماما ماكان عقل ليفيرا يصرح بها. وهي جالسة على المنضدة بهدؤء
.
.
"الجو باردًا.. "
تنهدت ليفيرا وهي تتحسّس قدميها المكشوفتين.. ارتدت تنورة جينز قصيرة، وقميصًا ورديًا مخطّطًا بالأبيض، أضافت فوقه سترة جلدية بيضاء، لم تنجح في تدفئة ساقيها أو حتى إخفائهما..
كانت تجلس على أحد الكراسي قرب ساحة الانتظار، تمسك بكأس وتحتسي منه ببطء، تحاول ألّا تثمل..
رفضت ركوب السيارة مع المجنونة سيليا... الحماس كان واضحًا في عينيها، وكذلك التوتر...
لكنها مصرة.
كانت تراقب المكان بهدؤء وتدعو أن تكون ذئبتها الفائزة.
تقدّم رجل غريب نحوها، يحمل كأس نبيذ بيده الموشومة..
كان يحدّق بها بإطالة، نظراته لم تغادر وجهها، وشعره الأشقر يغطي حاجبيه بشكل مبعثر...
خطواته كانت بطيئة، ثقيلة...
شعرت ليفيرا أنها يجب أن تنهض... او تتجاهل عيناه الخضراء المتفحصة لها لكنها بقيت مكانها... جامدة..
يبدو كأحد مديري الشركات الكبرى.. كان وسيماً وثيابه الأنيقة والمرتبة بدقة تصرخ بالثراء..
جلس بجوارها بهدوء، واضعاً كأس النبيذ على الطاولة، ثم قال بصوت منخفض:
" ما الذي يجعل امرأة جميلة في مثل مكان كهذا؟"
أجابت دون أن تلتفت له:
" ألا ترى العدد الهائل من النساء هنا؟ أم أنك تعاني من عمى انتقائي؟"
ضحك بخفة، ثم قال:
" يبدو أنني أزعجتكِ... هل أغضبك سؤالي؟ "
نظرت إليه أخيرًا، بعينها حادّة:
" تبدو زير نساء.. "
توسعت عيناه قليلًا من المفاجأة، ثم ضحك مجددًا، هذه المرة من قلبه:
"أنتِ مجنونة بالفعل."
ردت عليه بسرعة:
"شكرًا لك.."
صمته بعد ردّها لم يكن عاديًا..
اعتاد أن تنجذب إليه النساء بسهولة..
أما هي... فلم تبالِ حتى بوجوده وفوقها تتصرف ببرود أنها صعبة الميراس حقاً ..
كان يود، لو أن الموقف مختلف، أن يُفرغ رصاص مسدسه في جمجمتها..
لكنها مشكلة جميلة...
مشكلته الآن...
"حسنٌ سأعرفك بنفسي أنا ماثيو فيراتي.."
قالها وهو يمدّ يده لمصافحتها.
نظرت إلى يده الممتدة صوبها ثم صافحته بهدوء:
"ليفيرا نيراليس.. سررت بك."
أومأ بابتسامة باهتة، ثم وقف يعدّل ربطة عنقه وهو يقول:
"وأنا أيضاً... إلى اللقاء أظن أننا سنلتقي مستقبلاً.."
إكتفت ليفيرا بإلابتسام له.. حين استدار بجسده نحو طاولة أخرى جلس عندها عدد من الرجال ذوي الملامح الصارمة والبدلات الفاخرة...
شخصيات نافذة دون شك...
راقبته ليفيرا للحظة، ثم تمتمت لنفسها بسخرية:
"يبدو أنني تحدثتُ مع مدير إحدى الشركات فعلاً..."
نظرت إلى كأسها، إلى أثر أحمر شفاهها على الحافة...
ثم شربت منه دون اهتمام.
_________________________________________
المدينة تتنفس ببطء من أثر احتراقٍ خفي... وفي ذلك الجيب المنسي بين المستودعات القديمة، نُسجت حدود عالمٍ لا تَعرف القانون... ولا ترغبه...
المينئ.
مصابيح نيون مرتجفة، ألوانٌ سامة تنعكس على وجوهٍ مأخوذة بالحلم أو بالهلاك، موسيقى إلكترونية تنبض كقلبٍ مجنون، وكل شيء يشير إلى أن شيئًا لا يُمكن التراجع عنه على وشك الحدوث..
تقدّمت سيارة سيليا ببطء نحو خط البداية... عجلاتها تهمس على الأرض كأنها تحترم طقوس المضمار..
لم تكن تركب سيارة.. كانت ترتديها..
اللون الأسود يبتلع الضوء، الخطوط الحمراء تلسع الهواء.. كأنها ومضة من غضبٍ مكبوت..
كانت قبضتاها مشدودتين على المقود، لكن قلبها؟
كان يهدر... ليس كالمحرّك بل كأنّه يُقاوم الانهيار..
لم تأتِ لإحتمال الخسارة بل جاءت للفوز لاغير...
لتُسكِت ذاك الصوت في رأسها الذي يهمس دائمًا: "أنتِ ضعيفة."
إلى يمينها، وقف إنزو، بأسلوبه المعتاد في الاستفزاز..
سيارة فضية بعيون صفراء، كأنها ذئب جائع في قطيع خراف..
ابتسامته؟
ساخرة، باردة، مائلة... كما لو أنه رأى النهاية قبل أن تبدأ، وقرر أن يضحك عليها..
هذا الرجل لا يقود للفوز..
هو يقود ليرى من سيتحطم أولًا..
خلفهم، امتدت صفوفٌ من السيارات ألوان، محركات، لهاث...
وشومٌ تلمع تحت الضوء.. أنفاسٌ ثقيلة..
عيونٌ نصف مغمضة، نصف مجنونة..
كلٌّ ينتظر شرارة واحدة ليفرغ ما بداخله..
لحظةُ الصمت جاءت، كثيفةً كحد السكين..
الأنفاس معلّقة..
الزمن انكمش في صدر العالم..
بدأ العد
ثلاثة...
قلب سيليا خفق كأنّه قنبلة مؤجّلة...
اثنان...
عين إنزو لم ترمش..
واحد...
تراجع الليل خطوة..
و انفجر الجحيم..
العجلات صرخت..
الدخان ارتفع كصرخة نمر جريح..
المركبات انطلقت بأقصى سرعة..وميلانو خلفهم اختفت في رمشة..
انفجرت المحركات..
وانطلقت السيارات كرصاصٍ ضائع لا يعرف الرحمة..
زئيرُ المعدن اصطدم بجدران المستودعات، ودوّى صراخ الإطارات كشغبٍ عنيف..
شررٌ تناثر في الهواء، ورائحة مطاطٍ محترق ملأت المكان..
ضغطت سيليا دواسة الوقود بكل ما أوتيت من عناد..
شعرت وكأن السيارة تنفصل عن الأرض... لا شيء هنا ثابت.
هي، والمحرك، والشارع... كلهم صاروا جسدًا واحدًا في قلب عاصفة..
المسار كان فخًا متحركًا..
ممرٌ ضيّق، منعطفات كأنها مصائد، ثم نفقٌ مظلم، ساحة إسمنتية تحت الجسر...
في المنعطف الأول، اقترب منها أحدهم..
شعرٌ أسود، نظرة وقحة، سيارة خضراء تدفعها نحو الجدار..
لكن سيليا لم تكن هاوية..
ضغطة الفرامل بسرعة.. ثم التفتت بانسيابية قاتلة، عادت للطريق في جزء من الثانية، وتركته يواجه الفراغ...
إنزو لا يزال في المقدمة..
عيناه على الأفق، وكأنها غير موجودة..
غطرسةُ السائقين القدامى..
"سأجعلك تندم..."
همستها لم تكن غضبًا، بل وعدًا باردًا..
وبدأت تقترب، بثبات مخيف..
المنعطف التالي جاء كالصفعة 90 درجة بلا تحذير...
فمتسابق فقد السيطرة واصطدم بعنف بالحاجز الزجاجي الجانبي....
"السباق الحقيقي لا يرحم."
بدأت السيارة واحدةً تلوى الأخرى تدخل للنفق
كل شيء انطفأ...
ظلامٌ كثيف... صمتٌ مطبق...
لم يبقَ سوى هدير المحرك، وضوءٌ باهت من مصابيح إنزو..
قلبها ينبض داخل رأسها.
في هذا الظلام، لا أحد يرى..
لكنها شعرت بشيء
سيارة تنحرف من اليمين، سائق يقترب وهو يلوّح بمقبض حديدي..
ابتسمت.
"كلا، ليس اليوم."
ضغطة زر.
انفتحت فتحات خفيّة، وخرج منها شرر خاطف.
صرخة عجلات، انحراف، ارتطام...
وانفجرت أضواء خصمها في العتمة، كألعاب نارية حزينة...
لكن سيليا لم تلتفت..
"في هذا العالم... من ينظر للخلف، يُدهس."
خرجت من النفق أولاً.
لأول مرة... تسبق إنزو.. لكن إنزو لا يُسبَق.
التحم بها كذئب جريح..
اصطكاك الحديد... صراخ الإطارات.
الخطر لم يعد مجرد فكرة أصبح شيئًا يصرخ في أذنها ويعضّ على بابها..
ووسط هذا الجنون، مرّ بهم سهمٌ ثالث
راف.
وشمٌ أسود يلتف حول عنقه، وابتسامة كأنها تتغذى على الفوضى أمامه..
"الخطر لا يأتي من الأمام فقط... أحيانًا يتجاوزك وهو يضحك.. "
الآن... ثلاث سيارات..
جسر ضيّق..
مكان لشخصين فقط..
واحد منهم... يجب أن يسقط.
سيليا التقطت أنفاسها.. نظرت الى إنزو
نظرة سريعة... لكنها كانت كافية..
في عينيه: احترام؟ جنون؟ كلاهما.
قال، بصوت لا يسمعه إلا من عاش مثلهم:
"سحقتِ نصفهم... هل ستسحقينني أيضاً؟"
أجابته بنظرة لا تملك الرحمة:
"إن لم أسحقك... من سأكون؟"
لوهلة إصطدم راف بقوة بجانب الجسر... غبار، ضوء، صدمة..
ثم اختفى..
لكن سيليا لم تنظر حتى بطرف اعينها للحادث كانت أعينها مصوبة فقط على المضمار الذي امامها
رفعت السرعة...
جمّدت عقلها...
في تلك الثواني، لم تكن تقود..
كانت تحلم!!؟..
وإنزو يقود بجانبها بسرعة خاطفة وكلٌ يسرق
نظرة...من الاخر..
لحظة واحدة فقط.. تفصلهما عن نهاية كل شي..
في آخر منعطف، بينما ينتظر الجميع.. الفائز..
فعلت هي المستحيل..
أدارت العجلات بجرأة قاتلة، انزلقت جانبيًا،
سمحت له بالتقدّم...
ثم قطعت الخط الداخلي كسكين في صدر المضمار..
وانطلقت أمامه بلحظة واحدة..
هكذا تُنهى السباقات..
ليس بالقوة..
بل بالدهاء..
صمت...
ثم... انفجر كل شيء..
هتاف، تصفيق، صفاراتٌ...... سيليا ربحت هذا السباق الكارثي...
أنزلت زجاج السيارة ببطء..
أنفاسها متقطّعة، جبينها يتصبب عرقًا،
لكن عينيها؟
تلتمعان كأن النار ما زالت مشتعلة بداخلها.. نزعت خوذتها الواقية حين اقترب منها إنزو..
أوقف سيارته، ترجّل بخطوات بطيئة، والضحكة تتدلّى من فمه..
قال، وهو يهزّ رأسه كمن لم يصدّق:
"أقسم... أنني لم أركِ قادمة."
فأجابت، ويدها لا تزال على عجلة القيادة، نبرتها بين التحدي والانتصار:
"لم أكن قادمة...
كنت السباق."
نزلت من سيارتها وهي تتلمسها بإبتسامة فخرٍ بادية على وجهها..
وفي لحظة، ظهرت ليفيرا...
ركضت نحوها دون تردّد
ضحكت، واحتضنتها بعنف، كما لو كانت تنتزعها من الموت..
بدأت الجماهير بالتصفيق من جديد
هذا ما اعتادوه من الذئبة..
لكن تحطيم رقم إنزو؟ مستحيل؟؟
اكتفى إنزو بالابتسام بهدوء قائلا ً لها وهي تضحك مع الاخرى:
"هزمتِني، أيتها الشرسة."
إنتبهت سيليا له ثم رفعت عينيها.. نظرت إليه بنظرة بريئة مزيفة، ثم ردّت:
"كان مجرد إثبات... لغبي يظن نفسه الأفضل."
أنهت عبارتها بابتسامة عريضة، وركّزت عينيها على الأفق امامها..
كأنها لا تنتمي هنا... بل لأبعد من ذلك.
_____________________________________________
الشارع هادئ، الأضواء باهتة، والمدينة كأنها نامت للحظة.
القلوب لا تزال نابضة، لكن الأدرينالين بدأ يخفت.
قالت سيليا، وهي تترنّح بخفّة من النشوة والتعب:
"أوصلك؟"
أجابت ليفيرا فورًا:
"لااا... البيت قريب.."
اذهبي أنتِ."
ابتسمتا، قبّلتها سيليا في الهواء،
وانقسمتا كلٌ في اتجاه.. عند زاوية الشارع...لم تلتفت أيٌّ منهما ولم تكونا تعلمان...أنه كان آخر لقاء بينهما
____________________________________________.....
أغلقت باب الحمّام خلفها، كأنّها توصد العالم..
خطت نحو الحوض و البخار يعانق ملامحها، والماء الساخن ينتظرها كملاذٍ مؤقت..
بدأت الأفكار التي ظنّت أنها دفنتها، تتسلّل عائدة، بلا استئذان.
المياه لم تكن تغسل الجسد، بل تمرّ على الجلد كما تمرّ أصابع ناعمة على جرحٍ قديم، لا يُشفى ولا يُنسى.
الدفء يحيط بها... لكنه لا يصل إلى العمق..
الضوء الخافت فوقها يتمايل، كشمعةٍ في معبدٍ مهجور..
والماء ينهمر على كتفيها، كزمنٍ يتسرّب من بين الأصابع:
بلا شكل، بلا صوت، بلا اسم.
كل شيء صامت..
إلا عقلها... يصرخ في الداخل..
هل نصبح ما نهرب منه؟
أم أننا مجردُ ظلالٍ لما يُطاردنا؟
ربما كانت ضحكتها، خطواتها، حتى انكساراتها... أقنعة فقط.
الحياة دفعتها لتسير على خيطٍ رفيع، مشدودٍ بين الاحتمال... والندم.
تتذكّر ملامحها الصغيرة، في مرآة قديمة...
لا شيء فيها يشبه الطفلة التي كانت..
كأنّ الزمن أخذ منها شيئًا... مقابل كل يومٍ عاشتْه..
هي لا تخاف الموت..
بل تخشى أن تحيا عمرًا لا تعرف فيه نفسها...
الماء لم يعد ماءً..
بل صار حاجزًا شفافًا، يفصلها عن هذا العالم، كما يفصل الزجاج بين الغريق... والهواء..
هل ما زال أحدٌ يراها؟
أم غدت طيفًا يتجوّل في الحياة،
يبتسم حين يجب،
ويهرب حين لا يراقبه أحد؟
...
تمدّ يدها، تطفئ الماء.
لكن الصمت لا يعود..
ففي أذنها بقي صوتٌ لا يُنسى...
همسة تقول:
"الحقيقة لا تغرق... وحدها تطفو."
خرجت من الحمّام مرتديةً بيجامتها سروال أسود قصير يصل أعلى ركبتيها، وقميصًا أبيض بسيطًا.. تركت شعرها البني مربوطًا على شكل ذيل حصان، وبدأت تُحضّر عشاءها بصمت، محاولة تجاهل فراغ البيت وبرودته..
لكنّ صوتًا غريبًا صدح من غرفة المعيشة...كأنه صوت إرتطام شىء
تجمّدت للحظة.. قلبها خفق بعنف، ثم تحركت بخطى متوترة حتى وصلت منتصف الغرفة..
لا وجود لشيء هنا..
دارت حول نفسها ببطء... المكان ساكن، لا أثر لأحد..
تنهدت وأخذ خطواتاٍ عائدة إلى المطبخ، لكن فجأةً.. شعرت بظلٍّ طويلٍ يخيّم على عينيها..
إرتجفت لوهلة حين رأت ذلك الرجل... صاحب الابتسامة اللعوبة والوشم الغريب، عيون المطاردة في الكوابيس سارق اللوحة بلا ريب.. كان واقفًا أمامها.. في منزلها!!!
تراجعَت خطوة للوراء، أنفاسها تتسارع، قلبها يكاد يثب من صدرها... رغبت بالبكاء، لكنّها جاهدت لتجمّع ما تبقى من قوتها، وصرخت بذعر في وجهه:
"من تكون يا هذا؟! توقف عن التقدم نحوي!"
ضحك ماركو بسخرية، وكأنّ الأمر كله لا يستحق حتى القلق، وقال:
"هل تظنين أنني سأفعل شيئًا لكِ؟ أنتِ مهمّة للزعيم."
صرخت وأفكارها مشوشة بالكامل:
"أي زعيم؟! عمّن تتحدث؟!"
بدأت تعود خطوة للوراء كلما تقدم ماركو نحوها خطوة... اصطدمت فجأةً بشيءٍ صلبٍ خلفها... تجمّدت مكانها، شهقت، واستدارت ببطء..
ما اصطدمت به لم يكن جدارًا، بل صدرٌ بعضلات قاسية..
رفعت عينيها لوهلة حين قابلتها تلك العيون...
السوداء،التي لا انعكاس فيها، لا رحمة، لا مشاعر...
تسمّرت مكانها، عاجزة حتى عن الصراخ، نظرت بقلق إلى ماركو ثم عادت بأنظارها إلى زاد، الذي انحنى قليلًا نحوها، مائل الوجه، نبرته هادئة بشكل مريب:
"إذا... هذه أنتِ."
قالها ببرودٍ قاتل.
همست بخوف :
"م-ماذا تقصد؟"
كل القوة التي حاولت أن تتظاهر بها بدأت تنهار، هذا الشخص... يرعبها بحق...
تنهد ماركو وهو يراقب المشهد الذي أمامه ثم قال وهو يلوّح بيده:
"يا إلهي، تبدين مرعوبة فعلًا... لا تقلقي، لن نقتلك نحن فقط في مهمة.. مجرد خطوة صغيرة، جميلة... أليس كذلك؟"
قالها بابتسامة مفعمة بالهدوء وكأن الأمر يوم عادي في حياته، بل لعلّه كذلك فعلًا..
وفي اللحظة التالية، أمسك زاد بها..
ثبّت فوهة المسدس على رأسها..
صوت، حركة واحدة، خطأ صغير، تهور لحظي... وقد يكون وداعًا للملاعب..
سحبت ليفيرا نفسًا عميقًا، صدرها يعلو ويهبط كأنها تجهّز نفسها لمعركة خفية... قالت بصوت مضطرب:
"لن أفعل شيئًا... لكن، ماذا تريدان مني؟"
استاء ماركو من تصرف زاد، نظر إليها ثم إليه وقال وهو يلوّح بيديه مستنكرًا:
"نحن لا نريد سوى أن تأتِي معنا، لا أكثر."
لكن الحقيقة؟ كان يزيد الطين بلّة...
بدأ زاد يلاحظ ارتجاف جسدها أمامه... كانت خائفة فعلًا... كأنها لوحة معلّقة بين الغموض والدموع..
قال زاد ببرود قاتل:
"قم بتخديرها."
فأجابه ماركو، وهو يتجوّل في المكان كأنّه بيت والدته:
"ولِمَ لا تفعلها بنفسك؟"
أردف زاد، بنبرة خالية من الانفعال:
"عملي هو إطلاق النار، لا حمل إبرة تخدير."
ضحك ماركو، ملوّحًا بيده:
"يا إلهي، زاد أصبح يلقي النُكت... يا له من زجل!"
تقدّم من ليفيرا.. وجهها مبتل بالدموع كان أنفها محمرّ،و نظرتها تائهة.. لم تكن تعلم ما الذي ارتكبته بحق نفسها ليحدث كل هذا.. نظر إليها مطولاً ثم تمتم مطمئنًا:
"لن نؤذيكِ يا فتاة... فقط، هناك معلومات نحتاج إليها... أعطِنا إياها ولن يصيبك مكروه."
لكن همسة زاد التي تبعتها كانت كالسيف، مرّت على عنقها ببطء:
"لا أضمن لك ذلك... أيتها اللوحة الغامضة. "
قالها بهمسٍ في أذنها، فانكمشت، وسرت قشعريرة في جسدها كله..
أخرج ماركو الإبرة بهدوء من جيبه، دون استعجال، كأنّه معتاد على الأمر، وغرسها في عنقها..
لم تمضِ ثوانٍ حتى انقضّ عليها الظلام...
أمسكها زاد قبل أن تنهار على الأرض.. عدّل قناعه، وقال بجفاء:
"لنخرج بسرعة... لسانك الطويل جعل المهمة تتأخّر."
رد ماركو، متجاهلًا الملاحظة:
"تحملها وكأنها أضحية، ما هذا؟"
ثم ضحك بصوتٍ عالٍ، صداه ارتطم بجدران الغرفة، بينما تقدّم زاد بخطوات دقيقة نحو الخارج... كمن يؤدي طقسًا مدروسًا لا يحتمل الخطأ..
دخل كلاهما السيارة، متجهين نحو المقر، وكل منهما يختبئ خلف صمته، يخشى ما هو آت.
ساد السكون...
وزاد كان غارقًا في أفكاره، أنفاسه بطيئة، ثقيلة، كأنها تصعد من قاعٍ لا يُرى.
"العالم ليس ساحةً للنجاة... بل رقعة شطرنج نُقشت حدودها على جلد الضعفاء.
كلّ شيء يتحرك، لكن لا أحد يعرف إلى أين.
في كل مرة أظن أنني فهمت القواعد، يتبدّل اللوح. يُقتل الملك بلا سبب، ويُترك البيدق يزحف نحو مصيرٍ لا يريده.
القسوة؟ ليست شرًا.
والطيبة؟ ليست فضيلة.
بل ضعفٌ في الزمن الخطأ.
من قال إننا نختار الطريق؟ أحيانًا هو من يختارنا.
يدفعنا خارج الحلبة... ثم يعيدنا بوجه لا يشبهنا.
هل أنا... من كنتُه يومًا؟
أم هذا الذي يتحرك بي الآن مجرد شبح صُنع من رماد خياراتي؟
كل شيء يزول.
الأسماء.
الألم.
الذكرى.
وحده الصمت يبقى... يراقبنا كظلّ نقسم أنه غير موجود.
هناك جرحٌ لا يُشفى... لا ينزف.
فقط يهمس، كل ليلة أنت لست بخير... ولن تكون.
وأنا؟
مجرد احتمال خافت... يحيا، لأن الموت ليس مستعجلاً بما يكفي."
.
.
________________________________________
رأيكم بالفصل؟ 🌷
.
.
lansarimeriem/ _alowra_